الأحد، 9 مارس، 2008

ذاكرة التكايا .. استنطاق العالم الآخر












أربيل - د. جمال حسين علي:


هؤلاء هم .. هؤلاء إذن ! من احتار في وصفهم الروائيون والعلماء والأطباء والروحانيون والماديون ، من تاه في معرفة لغزهم خبراء الفيزيولوجيا والبشرة وحفظة أسرار الأعضاء البشرية.
هؤلاء المتهمون باختراع البدع والمزدكية والانحراف يسلمون السجادة يدا بيد ، لجيل بعد جيل ، منذ الحلاج و أبي يزيد البسطامي والسهروردي ومحي الدين أبن عربي وأبو الفتح البستي وعلي بن محمد الجرجاني. المتوحدون بالرحمة التي لا حد لها للإله الذي لا حدود له.
بين عالمهم غير المرئي وعالمنا ، ربما ذلك الفاصل بين الروح والجسد والألق المتزاحم المدفون في المهج وشرارات الطرق المتناوبة والسرية وتعاليم وامتحانات قاسية وعسيرة جسدية وروحية من صيام وذكر وأوراد وطقوس تتم حسب الطريقة التي يلتزم بها المرشد ليولد بعد أعوام طويلة من شقاء الرياضة الروحية ، من يحمل اللقب الأكثر احتراما وهيبة والمحفور قبل الاسم ، المريد ، أو بالتعبير الأكثر شيوعا عندنا وعندهم : الدرويش !
فلسفتهم
حتى لمن لا يشعر بتوق ما لحياتهم وأساليبهم ولا تجربة لديه أو تعاطف مع طرقهم ، يشعر ، كما شعرنا ، بعد ساعة على الأكثر من بدء أدائهم للطقوس بترابط ما وتدب الحركة في جسمه وتتمايل سبابته في الاتجاه الذي تحدده كلمات الدفوف والطبول التي تصدر أصواتها من قاع التاريخ.
عند وصول الإنسان الى مرحلة ما يسمونه " الصوفي " يبلغ حسب فلسفتهم الذروة في حب الله ولا يدرك بوجود نفسه التي يرى بأنها منفية ومتجلية لله القدير وحده. ويعتقد بعض علماء الشريعة بأن هذه الحالة التي يسمونها " وحدة الوجود " لا تتماشى مع الشريعة ، بتفسيرهم أن الأمر يكون كما لو كان الله يتحد مع مخلوقاته وهذا ما يتنافى مع الإسلام. ويعترضون على المتصوفة بأن فلسفتهم غامضة وتمعن بالرموز والطقوس والشعائر التي لم تورد في النص.
غير أن ما يشغل الصوفي يتعدى هذا التفسير ولا يراه متعارضا مع الإسلام ، طالما حسب رأيه ، إن غايته الكبرى الحب المطلق والأسمى لله ، بلا هدف أو مطمح دنيوي.
لذلك فالتصوف ، حسب أتباعه ، يركز على التأويل وليس التفسير والباطن وليس الظاهر والروحانيات وليس المحسوسات. لذلك يرون بأن تقواهم تفوق ما هو ظاهر في النص طالما النتيجة تؤدي الى الزهد والتقرب الى الله سبحانه وتعالى.
هكذا يرون أن التصوف يؤدي الى تصفية القلب من شوائب الدنيا وأخلاقها ومادياتها.
متى ظهروا ؟
بعض الدارسين يرون بأن التصوف ظهر في الهند وبلاد فارس أو هي من مظاهر النصرانية أو الغنوسطية وحددوا ظهورها في العام 200 الهجري في مصر عهد الرهبنة النصرانية. لكن السهروردي يؤكد بأن التصوف لم يكن معروفا أوقات الرسول ( ص ) ويضرب الكثير من الأمثلة بأن الفكر الصوفي كان امتدادا للنبي والصحابة معترضا بذلك على ربط الصوفية بالزرادشتية لأن أحد أركانها البسطامي ينحدر من أسرة مزدكية وأن جده كان زرادشتيا اعتنق الإسلام.
وكان الحلاج قبل البسطامي بنحو 50 عاما ، قرب فلسفة التصوف الى وحدة الوجود ، هذه الفكرة التي عرفت عند الرواقيين أيضا في العصر الهلنستي وتبناها أفلاطون ومحي الدين أبن عربي.
وفي كل الأحوال ، فقد اجتهد المتصوفة المسلمون في إظهار فلسفتهم لتنسجم مع التعاليم الإسلامية مستندين على نصوص من القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة الإسناد. وساعد انتشار أفكارهم وطقوسهم لدى العامة تمسكهم بالحب والأخاء وصفاء القلب والزهد والترفع عن مباهج الدنيا. ومع ذلك يبقى التصوف أكثر منابع التراث المثيرة للجدل لضخامته وعمقه وتأرجحه وغموضه.
كيف وصلوا؟
تنتشر في العراق وفي كردستان بالذات الطريقتان القادرية والنقشبندية بالإضافة الى الرفاعية وما يسمون أنفسهم " أهل الحق " أو " الحقانية ".
والبداية كانت بعد رحلة خالد الشهرزوري الى الهند قبل أكثر من قرنين والتقائه بعبد الله الدهلوي الذي نقل عنه الطريقة النقشبندية الخالدية الى كردستان. واستطاع تقريب الإسلام واللغة العربية الى وعي الكردي البسيط المجبول في حب الطبيعة وقدرة الخالق.
ويعتقد من سار على هذه الطريقة وأكثرهم شهرة الملا يحي المزوري والملا أبو بكر وعدد كبير آخر من المرشدين أمثال سراج الدين عثمان وضياء الدين عمر وحسام الدين وعلاء الدين وعثمان سراج الدين الذين أسسوا المدرسة الصوفية في بيارة.
وخرجت الطريقة القادرية مرشدينها أمثال الشيخ سعيد والقائد الكردي محمود الحفيد وغيرهم.
ذاكرة التكايا
وهناك التكايا المنتشرة في كل بقعة من كردستان مثل التكية الطالبانية والتكية الكسنزانية وتكية سيد أحمد خانقاه وتكية بيري قره جيوار وأبناء أسرة خادم السجادة الذين يحتفظون جيلا بعد جيل بسجادة صلاة النبي ( ص ) الذين قاوموا كل محاولات السلاطين العثمانيين بالحصول على السجادة المباركة وغيرها من التكايا والمساجد العريقة التي يحمل كل منها تاريخا عامرا من الإسهامات في خدمة الدين والفكر والأدب ورعاية الناس.
حرصنا كل يوم جمعة الحضور في واحدة من التكايا في كردستان قبل الصلاة وبعدها وأحيانا في المساء. وتعرفنا عن قرب على الكثير من الشيوخ الذين " يمتلكون الطريقة " ومعاونيهم وأتباعهم.
كانت الصفوف تجتمع لتقبيل يد الشيخ الجالس على سجادة قديمة قبل البدء بحلقة الذكر. ينزوي في غرفة شبه معتمة تعتمد على بعض مسارات الشمس يحيطه عدد كبير من الرجال الذين لكثرتهم تشعر كما لو أن المكان يتمدد لكي يكفيهم. لا أصوات مسموعة ، ومن يريد الكلام فالهمس أفضل طريقة.
عندما نظرت الى جسد الشيخ تساءلت : كم من السكاكين والسيوف والخناجر غرزت فيه ؟ وكيف تحمل هذا الجسد النحيف كل ذلك ؟
تمنيت مضاء الوقت بسرعة لمشاهدة ما سيفعله المريدون أو الدراويش والخروج من الغرفة المعتمة والخانقة والملفوفة بالصمت.
حلقات الرواد
وكحلم فار ممتد الى تاريخ غير معلوم ، دلف الكثير من الرجال الأصحاء ذوو البنية المنتشرة كافة الاتجاهات والعضلات المصبوبة برياضة الروح منذ الولادة ، وبحركات كما لو كانوا اتفقوا عليها منذ ارتقائهم حبل السرة ، بتوافق تعاهدت عليه حتى شواربهم ولحاهم الكثة وشعر رأسهم المنسدل كما لو يشده مغناطيس. بتلك السراويل الغامقة الراسخة في أقدامهم ، شكلوا حلقة ، اثنين ، ثلاثة ، تحاكي قفزاتهم التي لا تفتأ تتغير حسب دعة الأجساد المشعة خطوط من نار أو نور غير مرئي ، أنفاس من جرى طول عمره ، جبينه ثائر مع دقات الدفوف والطبول ، لتخرج الوجوه كامتهان الفراشات متداخلة مع زهو أغان ممتهنة لشعراء القرون السحيقة.
كنت تتمادى من اجل فك لغز الكلمات ومحاولة الوقوف على قدميك دون أن تعريها القوافي المنسابة بلا صقل متعمد. كانت كل الأيادي والأقدام والصدور شارات مميزة لقائد تراه في كل مكان يحرك الحلقات بطاعة أخاذة ، وفي قمة الحسرة على جفاء الدنيا الخاوية ، تتضرع الأكف كأنها انبثقت من وراء حجاب أو ستار طوله السماوات وعرضه الأرض للواحد الأحد ، دعاء انبثق من كل الشرفات وحكى كل القصص وانجلت فيه كل الخواطر ، من الفكرة المنبثقة من قاع أناء ، وبصلابة كاسرة تتلو باستعلاء على تفاهات الحياة ، تكاد السراويل تتخاذل ما أن تلوح أولى الكلمات سابرة غور المكتظين ، محبوكة بآلاف الخيوط ، منظمة كتقليد مرعي ، تزف إليك كل النسق والحذق :
كل ما يذكر قلبي احمدا
أنا لله ذليلا ساجدا
تتلوى الأجساد المنصهرة في الحلقات بلمحة خاطفة وإشارة من قائد المجموعة. تتلوى أقدامهم كبقايا عنقود موز ، ترفرف خصلاتهم شظايا متموجة تزيح الهواء بظل الموسيقى ..
اللوح
ها هم يسلمون أنفسهم تماما ويخرجون من أجسادهم الذائبة ليعانقوا الصورة ، الملمح ، الظل ، الخيال ، لتلك الإرادة الجياشة التي تفقد الأوزان ، الى عالم الاستكانة الهاجعة والخلوة غير المقطوفة ، أنها ساعة الألق التي تزيح ثقل القرون والأسماء المدونة على الجدران واللوحات التي خطوها برشاقة على ناصية التكية :
" أنزلت هذه الطريقة بواسطة جبريل الى يد سيدنا محمد ( ص ) ومنه الى الإمام علي بن أبي طالب "
تطوف الكتابة في الناحية الأخرى من الجدار الممتد في العتمة :" ومنه عن طريق الجناحين الإمام الحسين والشيخ حسن البصري ومنهم الى يد الإمام علي زين العابدين "
أخترع ضوء لأقرا ما تبقى من الكراس المعلق كلوح وضاء يسوق الإحساس لمعرفة التالي :
" ومنه الى يد الإمام محمد الباقر
ومنه الى يد جعفر الصادق
ومنه الى يد موسى الكاظم "
يستمر اللوح بهذه الخطوط حتى يتم بذكر الآية الكريمة : " ان الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم".
تطلع واندفاع
ليست الأجساد وحدها كانت تتدافع ، بل الشفاه والمآقي واللحم والدم وكل الأشياء ، بلا تنافر ، كأنهم يمسدون غريزة بعضهم البعض ليوقظوا مسلكها الذي يشجعه صوت انبثق فجأة ، بين جمع الأصوات المتدفقة كالخطوب ، صوت كطيف مصنوع من ضباب سماوي ، ابتهال ورجاء طفا على الرؤوس مبكرا من الذليلين ، المتحسرين والدامعين :
أمولاي إني عبد ضعيف
أتيتك أرغب فيما لديك
أتيتك أشكو مصاب الذنوب
وهل يشتكي الضر إلا إليك
فمن بعفوك يا سيدي
فليس اعتمادي إلا عليك
يعقبه صوت آخر بتردد لا ينقطع :
أعوذ بك أن أضل أو أُضل أو أزل أو أُزل أو أظلم أو أٌظلم أو أجهل أو يجهل عليّ ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي ، أسألك خير المولج وخير المخرج ، غفرانك ، برحمتك أستغيث ...
وفي اللحظة التي يختم فيها الصوت حرفه الأخير ، يندفع الجمع بصوت واحد هو انفجار أحاسيس تسقط كسهام على صفيح ، صرخة هي مزيج من الرضا والاعتراف ، كموج يزحف تحت الأرض تتلقى صداه فقط :
يا حبيبي يا محمد يا شفيع
أنت ذخري يوم يدعوني السميع
في اللحظة نفسها بلا تواطؤ ينفث صاحب حنجرة صلدة :
صلوا على البدر الدجى محمد
غرف معتمة منورة
تمتزج الهمهمات كسلسة من صلوات لا نهائية تزحف نحو الأفق البعيد ، فوق الرؤوس ومن بين الأكتاف التي لا قيمة لها وسط المناكب ورايات الوجيعة : يا حبيبي ! صوت يتسابق مع الدمع ودوي الطبول وحشرجات الخلق الخانعة. تفز من أفواه تعض أسنانها بمعيار ندم نكلت به الأيام والأزمنة السحيقة ، المختبئة بين شقوق التكية المغرقة بالظلام والنور وخزائن الكتب والمناضد الخشبية التي تحلق حولها المريدون الأوائل وسجادات العصر المرصع بالإيمان التام ، أختام وسبح وعمائم خضر وسود ، تطل بحنان على الباب الذي لا يفتح إلا للمختارين الذين تنساب خطواتهم بلا جلبة لتمعن في تآلف أبن عربي وباطنه ، اشراقته وسلامه ، ذلك المعتصم طلبا للمغفرة الذي يتلخص كل مشروعه بالنداء : يا حبيبي يا رسول ! محنة لا رجعة فيها للخروج من الجسد الى الروح لتعزلك عن الآخرين وجمع الآخر المبتهل الى وجد الطهارة الكلية.
طعنات وطعنات
كالطائر في خفة مع الهواء ، يتقدم أولهم لافتتاح " العرض " مستعينا بتشجيع الأكبر الذي يربت على كتفيه لعله يذكره بالأتقياء الأوائل ليستمد منهم العون في ساعة الصفاء هذه.
المفتتح كان رجلا كأنه جاء من عمق مئات القرون ، لا يشبهه أحد من البشر الحاليين ، حجم رأسه الكبير يرغمك على تفحص رأسك للتثبت من إنسانيتك. يلوح بخنجر بطول سيف ويعطيه لبعض الحضور للتأكد من حدته. يضعه على رأسه وبمساعدة دراويش آخرين يغرزه في رأسه وبعد لحظات يتجول بين المتفرجين ليعطيهم حصتهم بضغط الخنجر أكثر فأكثر على قمة رأسه " الآدمي " !
ينسحب مع خنجره على الرأس بهدوء ليتقدم شاب ينبع الحزم من عينيه التي تبين أنهما سره الدفين. يخرج بعض الأسياخ وبهدوء يغرز أحدها اسفل حاجبه ويخرجه من الطرف الآخر وسيخ ثاني وثالث في مقدمة العين وأسفل الرموش. وحسب التقليد يتمشى بين الجالسين ليتفحصوا فيما إذا لم يكن في الأمر خدعة سينمائية.
درويش ثالث يلقي على الأرض ببضعة زجاجات ويبدأ بتكسيرها أمام الجمع وبمشاركتهم. وبعد انتهائه من إعداد " البحيرة الزجاجية " يبدأ أولا بالقفز عليها حافيا وفي هذه الأثناء يتناول وجبته الزجاجية عبر الفم ويمضغها كقطع جبس مستورد.
تبعه بالع الأمواس. وهذا خاط عشرة أمواس من الطراز القديم ذو الشفرتين ودسها في بلعومه الواحد تلو الآخر ، ثم أخرجها بهدوء دون أن تطرف له عين.
درويش آخر بلا مهادنة غرز سكين من النوع المستخدم لتقطيع قوالب الثلج في رقبته وأخرجه من الطرف الآخر و لا أحد يعلم كيف كان يتنفس.
وعندما نزع رجل قميصه وظهر عاريا قلت الله يستر. وقبل أن أكمل هذه التعويذة كان شيشا حديدا قد اخترق بطنه ليخرج من ظهره والله على ما أقوله شهيد !
وهمّ درويش متحمس بخنجر حاد ليعطيه للحضور ليجربوا قص لسانه به وبعد محاولات كثيرة لم يستطيعوا أكثر من إخراج بعض الدم من اللسان.
ما أشبه بعمود حاد من الحديد ، دسه درويش في أنفه جهة اللثة السفلى خلف أسنانه ، ليخرجه من أسفل الرقبة ويتجول به مختالا.
قاطع ثلج آخر غرزه شاب من الجهة اليمنى للسانه وأخرجه من اليسرى كما لو كان يمضغ قطعة سكر.
عصا خشبية طويلة دسها رجل يبدو عليه وقار موروث في حلقه لتظهر في جزء من الثانية من رقبته.
بعد أن حل الظلام ، بدأت فعاليات النار : ثمة من يدخل رأسه في جوف جذع محروق وهناك من ينفث النار من أنفه كبئر أحرقه محتل وغيرها من بهلوانيات لا يجرأ أشهر سيرك في العالم على التفكير بممارستها.
هل يعد عنفا ؟
يعترض أهل الشريعة بشدة على هذه الممارسات ، غير أن الدراويش ومرشدوهم يعتقدون بأن هذه " الفعاليات " تساعد الإنسان على الإيمان بقدرة الله والتحام الخلق بالخالق. وساقوا بعض الأمثلة بأن الكثير من الأجانب الذين حضروا حلقات الجذب والذكر هذه اعتنقوا الإسلام فورا.
وبطبيعة الحال لا نستطيع القول بأن كل الدراويش والمتصوفة يستخدمون مظاهر العنف هذه ، بل تقوم بها فئات منهم وخاصة عند القادريين والنقشبنديين. ويعتبر بعض الدارسين بأن هذا الأمر يخصهم طالما لا يثير فوضى فكرية أو دعوى منحرفة أو زعزعة لاستقرار المجتمع. ويبقى الخطاب الصوفي مسالما وهادئا ووجدانيا ولا يدعو للتشدد أو التعصب أو العنف في نهاية المطاف.