الأحد، 9 مارس، 2008

شجرة المرأة الكردستانية الـخالدة



تحقيق في الهموم الوردية

موفد القبس الى كردستان د.جمال حسين


فيما تبدو كالربيع، او كظهوره الممكن، تستوفي المرأة في كردستان صفة موقع الاشعاع الاول من اي شمس مخصصة من طاقة الكون لتجلي الظاهر الكلي وتوعد بالابدية. وكحالها أبدا في منعطف الارض الشرقي عدت استتبابا للخطيئة وعجلة عربة المجتمع لا دفته، جماد الخوف واللذة الحمقاء، قوس قزح يتقشف بنوره، خيوط رمل مهملة في شواطئ الرجال. مقتولة بسكاكين القوم وعيونهم، وفي كل انقلاب جذري لتصدير القمر للامم الاخرى، تسك القوانين من ألفها الى يائها حولها وليس لها، كأنها خيال يخمنه علية القوم، ظلال شارد وليس كيانا. سخر التقدميون والرجعيون كل عللهم وعقدهم الباطنة والعريقة، المخفية والتي في طور الحدس، لزخرفتها وتلوينها وطلائها منذ وجودها في الرحم عبر المشيمة، بأي شكل، عدا الثناء الذي يليق بها.

للقيادة الحكيمة فكر مؤنس لم يطرأ على بال اي معاصر وهو زيادة عدد نفوس الامة بأي شكل، فما ان يصرخ الذكر العراقي في جوف امه حتى تعد له استمارة «جيش القادسية» التي تفرعت الى اقسام انتهاء بجيش القدس، وعليه لا بد ان تفرخ المرأة رجالاً ليسوقهم البطل القومي الى اتون الحروب، هذا واجبها الرئىسي وهذه حيلتها المتاحة. لذلك ضرباً بحائط قوانين الاحوال المدنية اصدر القائد العام للقوات المسلحة جداً اوامره بمنح الرجال الاموال لمن يقدم على الزواج وحتى انطفاء المقل، وقراراً آخر بفرض زيادة الانجاب بكل الاغراءات الممكنة المالية والسكنية. قتلوهن بالقرارات
وتقود الدولة بنفسها على اعلى مستوى حملة تشبه حملات قتل الكلاب السائبة التي كانت تجري كغطاء لملاحقة المعارضين ـ وهي حملة تنظيف المجتمع بجمع عشرات النساء ـ الذين لم يستوفوا شروط الابن المعتوه لرجمهم بالرصاص وتمزيقهم امام الملأ. هم انفسهم احفاد محافظ العسس الذي كانت شرطته تهرول في مركز مدينة السلام حاملة صفائح الصبغ لتطلي بها اية نسمة ظاهرة من ارجل النساء. وهم الذين كانوا يطردون الطبيب والمهندس المختص من البلاد ويصادرون ممتلكاته لأنه فضل الزواج من غير عربية، كانت هذه الاجراءات مدعومة بقوانين الثوار وحدثت بعد ان نزل البشر على سطح القمر وليس في عهد الكهوف. هذه عقلية الناس الذين سنوا قوانين الاحوال الشخصية في العراق وهم انفسهم الذين شجعوا ما يعاني منه البلد الآن مما يسمى لا قانوناً ولا شرعاً «غسل العار»، تلك الجرائم التي يحكم في شرفها او عدمه مفوض شرطة مرتش ومتخلف ويحمل كل الامراض الزهرية والنفسية. وثمة جرائم التطهير العرقي والاغتصاب والاعتقال والتعذيب واستخدام المرأة لابتزاز رجال العائلة وسوقها الى المعتقلات الجماعية، كما جرى في حملات تجفيف الاهوار والانفال المشؤومة، حيث كانت نسبة المرأة الاعلى في هذه الممارسات القمعية.
عاملة الأمر الواقع
وحشروا المرأة في الاعمال الخدمية اضطرارا بعد ان ساقوا معظم الرجال الى جبهات حروب التحرير وتلقين مقابل العمل المشابه للسخرة اجورا زهيدة. وما ان فرض الحصار تدنى مستوى دخل العائلة العراقية بنسبة 95 في المائة أو أكثر وتدنى معه الوضع الاجتماعي برمته على مستوى التعليم والرعاية الصحية والثقافية، فقد هجر الرجال الاعمال في الدولة لكسب الرزق خارجها بعد ان افلست واضطرت المرأة لقبول أي عمل في الدولة لدعم وضع العائلة والابناء وحرصا على عدم ضياع البطاقة التموينية حتى ان السلطات العراقية اعترفت ان المرأة العراقية تدير 70 في المائة من شؤون الدولة، كما ان الكثير من النساء يمارسن اعمالا لا تليق بهن ولا بأعمارهن أو تحصيلهن العلمي وباعتراف السلطات ايضا اخذت المرأة على عاتقها توفير 50 في المائة من مستلزمات العائلة.
المقاتلة والمزغردة
والى جانب عملها في الدولة باسلوب السخرة نظرا للاجر الزهيد الذي تتلقاه، فعليها الهرولة الى بيتها بعد انتهاء الدوام لارتداء الملابس العسكرية والالتحاق فورا بأقرب مركز للتدريب، العسكري لانها «مطوعة» في جيش القدس أو الفداء او الفرسان او حتى قزوين! وبعد انتهاء حصة التدريب على المرأة حضور حفلة قص رقاب خونة الامة او اعدامهم بالرصاص لكي تزغرد، فالرجال في العراق عملوا كل شيء للقائد لكنهم على الارجح لم يزغردوا له بعد. موروثات
وبسبب شلل المجتمع، تعاني المرأة في البلاد عموماً من مشكلة ارتفاع معدلات الطلاق وإحجام الرجال عن الزواج لاسباب مادية، مما ادى الى شيوع ظاهرة العنوسة والوحدة التي تؤثر كثيرا على النساء حتى من الناحية البيولوجية، ناهيك عن النفسية. وحتى المتزوجات العاملات منهن وغير العاملات، لا تتفتح الحياة لهن بأي شيء عدا الغسل والتنظيف واعداد الطعام ولو تجاوزت ذلك وارادت شم الهواء قليلاً، فلا يوجد لها أي متنفس كحضور منتدى أو سفرة او لقاء عائلي جماعي، لان اللقاءات العائلية انحسرت بسبب تكلفتها، لذلك تضطر للعودة من جديد الى المطبخ وبعده ترمي بجسدها المتعب لسماع خطبة جديدة للسيد الرئيس الذي حجز البث التلفزيوني.
حركات تصحيحية
ولان المرأة في كردستان ساهمت منذ انطلاق الثورة الكردية جنبا الى جنب مع الرجل وكان دورها واضحا ومؤثرا سواء في المدينة أو الريف لدعم المسيرة الشاقة للمقاومة، لا سيما ان هذا الدور تطور عندما احتضنت كردستان قوى عراقية معارضة كثيرة واصبحت كقاعدة انطلاق تستند عليها كافة الحركات العراقية المعارضة الساعية لازالة الدكتاتورية من البلاد، فان قادة الاقليم ساهموا منذ استقرار اوضاعهم وتشكيل اداراتهم الذاتية في ازالة بعض الغبن الذي تعرضت له المرأة بسبب قوانين الاحوال المدنية الغريبة المفروضة من المركز. وفي هذا الشأن بادر الامين العام لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني جلال الطالباني في قيادة حركة تصحيح قوانين الاحوال المدنية لاعطاء المرأة دورها الحقيقي في المجتمع الكردستاني وفق المبدأ الانساني المعروف بانها تمثل نصف المجتمع. وعلى ضوء هذا المبدأ جرى تصحيح كافة القوانين من شأنها وضع المرأة في ذيل التطور الاجتماعي. وفي اربيل قاد الحملة رئيس الحكومة نيجيرفان البرزاني بالتعاون مع البرلمان وأدت هذه الجهود الى الغاء الكثير من القوانين والتشريعات التي كانت سائدة في العراق كغسل العار ومنح المرأة الحق في العمل السياسي وبناء المجتمع وغيرها.
ثمار الانتفاضة
وتعد انتفاضة مارس 1991 نقطة تحول جذرية في حياة المرأة في كردستان. فما ان ظهرت البوادر الاولى للجو الديموقراطي، حتى اتيحت فرص كبيرة للمرأة للظهور ومغادرة مقعدها الحجري بين الجدران الاربعة، وذلك بالمساهمة الفعالة في جميع مجالات العمل وجوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والجماهيرية. فأصبحت وزيرة وعضوا في البرلمان وضابطة وقاضية وعميدة كلية وغيرها من المناصب التي كانت على الدوام في العراق حكرا على الرجال. وازدادت فرص تمثيلها في التنظيمات السياسية والاجتماعية والثقافية وساهمت في تشكيل الكثير من الحركات والاتحادات والمنظمات والروابط النسوية، حتى اصبحت المشكلة ليست مشاركة المرأة في هذه التنظيمات، بل في توحيد الكثير منها التي توالدت مع ظهور الاحزاب وانتعاش حرية التعبير لغاية وصول عدد التنظيمات النسوية في كردستان الى 12 رابطة اغلبهن واجهات لأحزاب سياسية.
يوبيلهن ذهبي ايضا
في 11 ديسمبر إحتفلن بالذكرى الخمسين لتأسيس اتحاد نساء كردستان. ويعتبر هذا التنظيم اقدم رابطة نسوية في كردستان العراق وانبثق عن «جمعية النساء المناضلات» التي تأسست عام 1946 لدعم ثورة البيشمركة آنذاك. ولم تفكر النسوة المنضويات في هذا التنظيم وقتذاك بحقوقهن الخاصة، بل انخرطن في حركة التحرر الكردية بشكل عام ولم يرفعن اي شعار خارج المطالبات بحقوق الكرد العامة. دورهن في ذلك الوقت ـ كما حدثتنا السيدة شيرين آمدي امينة عام اتحاد نساء كردستان ـ انحصر في جمع التبرعات وخياطة الملابس الخاصة للثوار واعداد القواعد لاستراحتهم واخفائهم او اخفاء اسلحتهم عند الضرورة، وغير ذلك من ممارسات النضال السري. وكانت المرأة في كردستان في مقدمة صفوف المضحين في كل صفحات حركة التحرر الكردية، لا سيما في مجزرة حلبجة وضحايا الانفال، حيث كانت نسبتهن تفوق الرجال بكثير. واثمرت جهود اتحاد النساء بعد الانتفاضة والاتصالات التي اجريت مع الجبهة الكردستانية بحصولهن على سبعة مقاعد في برلمان الاقليم. وعبرت شيرين آمدي عن عدم موافقتها على هذا العدد الذي اعتبرته قليلا، مشيرة الى انهن يطمحن بشغل 25 مقعدا في البرلمان (من اصل 100).
توحيد الاتحاد
سألنا امينة عام اتحاد نساء كردستان التي تعد التنظيم النسائي للحزب الديموقراطي الكردستاني عن سبب تشتت جهودهن بوجود 12 رابطة نسوية وكيف يكون للنساء اتحاد بوجود هذا العدد الكبير من الاتحادات، قالت ان المنظمات النسوية في كردستان تناضل من اجل حقوق المرأة في كردستان وليس لمصالح احزابهن فحسب. وسعيا منهن لتوحيد صفوفهن عملن مركزا مشتركا ضم جميع التنظيمات النسوية العاملة في الاقليم يلتقين اسبوعيا ويعددن المشاريع لتقديمها الى برلمان كردستان. وفي هذا الاتجاه ايضا يسعين الآن لتشكيل لجنة لدعم حقوق المرأة يقبلن حتى الرجال فيها.
تعديل القوانين
درسن قوانين الاحوال الشخصية وقوانين العقوبات العراقية المقرة في الخمسينات والستينات لتقييم مسائل تخص الطلاق والميراث والنفقة وغيرها. اسفرت دراستهن عن تقديم مشروع تضمن تعديل 23 فقرة من القوانين المذكورة. تمكنّ مثلا، من الغاء المادة 128 الخاصة بغسل العار، والمادة 377 الخاصة بالخيانة الزوجية التي كانت لا تسمح للمرأة رفع الدعوى ضد زوجها في حالة خيانته لها، بينما المادة كانت تجيز للزوج فقط رفع الدعوى ضد زوجته في حالة خيانتها او حتى لمجرد سوء الظن بذلك. وقالت شيرين آمدي انه منذ الخمسينات لا يوجد نص قانون في العراق يجيز تعدد الزوجات، حتى اصدر صدام حسين قرارا في عام 1987 اجاز فيه ذلك، بل وقدم مكافآت لكل من يتزوج ارامل الحرب. وتعتبر ممثلة النساء بأن هذا القانون اصاب النساء في كردستان بضرر كبير واستطعن تعديله وارجاعه كما كان معمولا به في السابق حيث وجود ضوابط عديدة لاجازة تعدد الزوجات.
ثلاثة حصارات
وعن دورهن في مساعدة عائلات المهجرين والمفقودين وارامل الحرب وغيرهن من ضحايا التنكيل، قالت شيرين آمدي بأنهن في كردستان يعانين من ثلاثة حصارات وحسب التسلسل الذي ذكرته: الحصار الدولي، وحصار دول الجوار، والحصار العراقي. وتحدثت عن المآسي الكثيرة التي عانت منها المرأة كمركز للعائلة قبل عام 1996، اي المرحلة التي سبقت تنفيذ القرار 986 في كردستان. لم تهتم المرأة قبل هذا التاريخ، في رأيها، بكل النشاطات والفعاليات التي كانت تجري كمكافحة الامية والنشاطات الثقافية والاجتماعية وغيرها. الا ان الوضع تغير ما ان شهد الاقليم صحوة اقتصادية وتحسن وضع الناس. وبالنسبة إلى عائلات المفقودين في حملات الانفال الذين وصل عددهم الى 182 الف شخص، قالت انهم شكلوا لجنة بمساعدة البرلمان لحل كافة الاشكالات الحقوقية والشرعية التي تعاني منها نساء المفقودين واطفالهم الذين كبروا بعد سنوات عديدة من غياب رب الاسرة. واصدر البرلمان في 30 يوليو 1999 قرارا اعتبر فيه كل الرجال ضحايا الانفال كمتوفين لكي يتسنى لعائلاتهم التمتع بحقوقهم، اي تتمكن نساء المفقودين من الزواج واجري تعديل بهذا الخصوص في قانون الاحوال المدنية. ولكن من الجانب السياسي يعد الرجال مفقودين حتى حصول قيادة الاقليم على اشعار رسمي من الحكومة العراقية يبين فيه مصيرهم الحقيقي والنهائي. على الصعيد نفسه، شكلن مؤسسة الشهداء وتعتبر واحدة من اكبر المؤسسات الاجتماعية في كردستان، تهتم برعاية عائلات الشهداء بما في ذلك صرف المرتبات وتوزيع قطع الاراضي والبيوت السكنية عليهم وغير ذلك. ولديهن مشاريع رعاية الامومة والطفولة. وشارك وفد من اتحاد النساء في المؤتمر الدولي لرعاية الطفولة الذي عقد في المغرب بمشاركة 182 دولة. واكدت بأنه «حسب القرار 986 هناك ملايين الدولارات مخصصة لرعاية الطفولة ولكنها غير واضحة ولم نرها. فالمرأة الكردستانية ليست بذلك الوضع الاقتصادي الذي يجعلها تؤمن حالة طفلها الصحية بشكل مناسب». وفي هذا الجانب اسسن ما اطلقن عليه «صندوق الاسرة» لرعاية الامومة والطفولة بالتنسيق مع منظمة اليونيسيف، ويعمل في هذا الصندوق نحو 600 باحثة اجتماعية يتابعن شؤون عشرات الآلاف من العائلات في كردستان.
مواجهة العنف
ويسعى اتحاد النساء الى مواجهة العنف الذي تتعرض له المرأة في الاسرة والمجتمع واشتركن في مؤتمر عقد في باريس لمعالجة هذه الظاهرة. وعقدن مؤتمرا اكاديميا لمناقشة هذه المشكلة في الاقليم. ولفتت امينة عام اتحاد النساء الى ظاهرة اخرى برزت في الاقليم وهي احراق النساء لانفسهن نتيجة الظلم والغبن والمعاملة السيئة التي يتعرضن لها. وضمن الاجراءات التي قمن بها في هذا المجال تأسيس مركز لحماية ضحايا العنف، تلجأ اليه الكثير من النساء اللواتي يعانين بشكل او بآخر من العنف والظلم. يحتوي المركز ضمن ما يحتويه على عيادة للطب النفسي يعمل فيه متخصصون، علاوة على عدد من الباحثات الاجتماعيات.
جمع الشمل
طرحنا مسألة هجرة الشباب الذين يعدون عماد المجتمع واساس العائلة المستقبلي وتأثير ذلك في بنية المجتمع في كردستان. كما ان تأثير ذلك على الزوجات الحديثات، اللاتي يهاجر ازواجهن لكسب لقمة العيش ويبقين بانتظار اكمال معاملته في بلاد الغربة، ريثما يتسنى لهن اللحاق به حسب قوانين جمع الشمل. ويروز مسألة الاقتران بالاجنبيات وترك الزوجة الاولى والاطفال في الاقليم. ركزت شيرين آمدي على ان السبب يكمن في الوضع الاقتصادي وعدم انسجام الواقع مع طموحات الشباب خاصة. وتحدثت عن مسائل الخطوبة والزواج عن طريق الصور او يحضر الرجال المغتربون ليعقدوا الزواج على عجل لاسبوعين او اقل ويسافروا دون اصطحاب الزوجات. ويؤدي ذلك الى الكثير من المشاكل ورفع دعاوى الطلاق الغيابي وغيرها. وادى ذلك الى ظهور العنوسة التي حددت نسبتها بنحو 25% من النساء في كردستان، الامر الذي جعل الكثير من النساء يضطررن للاقتران برجال كبار السن.