الأحد، 9 مارس، 2008

السليمانية مهرجان متدفق بالحياة المتجددة











السليمانية: دِ جمال حسين علي:

الخشية في ألا تظهر هذه الرسالة بمنظر السليمانية الأنيق ومثل تتابع الأيام الجميلة فيها. كأنها تزج بحلاوتها وإلهامها، في غيوم العاصمة وأشباحها، ظلامها ونهارها المغبر، مرة أخرى، تلف الهروب دون أن تفصح بذلك كلمات، بربيعها الباكر تصحو خضرتها من رماد السنوات الظالمة، بعد الريح الأولى، تقذف الشجيرات وتطل برؤوسها منشدة اخضرار الجبال، في الإطار نفسه، بلا تعرج، باكتمال الدائرة، تزفها ساعة النشوة. مترعة هذه المدينة بالأحايين المتألقة وابتسامة السلام كإغفاءة عنزة جبلية في هدوء، بأظافر من يعملون اليوم وغدا، تهمس في الرياح: أما كان لها أن تصبح أكثر لمعانا!وإن لم تكن عاشقها، فقد تتصرف معك لتجعلك تذعن وترتق عواطفك، ومرة أخرى تراك هنا لتخطي دوامة الأيام وأنت تجاري أفقك وأن تتمشى مع الناس الذين لا يكفون عن المرورِ هاك العيون البراقة التي تطأ قلبك لترمي الكلمات وتجعلها تتدفق من ذهنك واحرص على أن تنجو من هذا الجمال. في شارع 'مولوي' لزام عليك النظر في كل الاتجاهات لكي تسرب الضجيج والصخب وتلاقي الغادين والرائحين في خطوط متوازيةِ هنا تتوقف المركبات ما أن تشتعل حمراء وتسير عندما تخضر إشارة النظامِ منذ فترة والإشارات في بغداد يتيمة ولا يبالي فيها أحد كسارية عتيقة بين فنارات عملاقة. يستطيع الناس هنا المسير دون أن يصيبهم مغص من الأخطاء المتكررة ووخزات اللصوص وحراب المسلحين.لا تمنحك المدينة رؤية أميركي واحد، مسلحا كان أم غير مسلحِ تؤثر ارتداء رقتها لتدلف فيها في المكان الذي تتعب فيه أطرافكِ وفي آفاقها الواسعة، في أرحب مكان فيها، تستنفر المركز أربعة تماثيل لضباط أحبوا الحرية، لكنهم أعدموا!وكذلك تنسجك الصدفة مع تمثال لقاضي محمد، مؤسس أول دولة كردية وينظر إليك الملك محمود، دون أن تطرف له جفن في تأمل الطبيعة ومسير خدمه الأوفياء.
المبهج الأرجواني
لا تحمل سحنات الوجوه في هذه البقعة، ذلك الغموض والوحشة غير المعلنة لسابلة بغداد، ولا تضطر لوزن مشيتك والخطو بحذر، فللمدينة في خلقها شؤونِ وإن طوح بك النهار الصافي نحو شارع كارا، فلا تستغرق كثيرا في المبهج الأرجواني ولا إلى صوت الماء المهيب الراسخليس في المدينة أطفال أكثر من باقي المدن، لكن فيها ملاعب أطفال أكثر من أية مدينة أخرى، فملاعبها تنتشر في كل حي كانتشار الزبالة والحنفيات المسروقة في العاصمة.
في كل درج يمرحون ومع إطلالة أي شارع أو حي، تتمايل أجسادهم في تلك الألعاب الأساسية والضرورية للنمو والتحرر من ظل المنزلِ سيشقون زمانهم رويدا، غير هيابين بما عفا عليه الدهر، وسط الحقول المكسوة بالحقول والألفة النضرة. ولو أحببت أن تكون وحيدا فامض الى 'بيرمير' العجوز وارتد أفضل ثيابك، فهناك يحملقون حتى في الخيط الساقط سهوا من سترتك، وستكون الوحيد وسط سلسلة لا تدور، فتجوال ساعة هناك يسد النقص على حافة طريق الفراق. لكن أمهر ناصية لا يطاق سحرها، ستجدها في 'سوجنار'، فهناك الفرح يتدلى وإن أرهقته الوجبات الخفيفة وأذواق موسيقى المطاعم نصف المشرعة.هي أكليل المدينة واناؤها البارد، ما أن يزدان نهرها العجيب مضارب المهرجان الدائم على ضفتيه، لا يمكن للفوضى احتساء المكان، مهما بلغ عدد الناس وازداد صراخ الأطفال، فالتكاثف الغائص في منعطفات الفضاء، يعطيك إحساس بالصعود والهبوط الخفقان والطيران، مع الذرات المبطئة والصخور المقشرة الملتئمة مع الندى.سيعرفونك ما أن تصعد السلم أو تنزله، فهذا العالم لن تراه إلا هنا، شاغرا أمام كل الاحتمالات، وأقصى ما يمكن أن تفعله، الجلوس أمام ضوء شمعة بغدادية لتسرد الإيماءات الثلاث التي تبعتك أينما وليت كمنظومة أزاهير سارية، ولعلها تسلسل أفكار ملفوفة بالضماد.
معسكرات ولاجئون
في بوابة السليمانية ترقد بيوت قرب جزمة الجبل، صممها عقل واحد، ومرتبة بالتدريج، محفورة، رمادية، مهجورة لسبب بسيط، أنها معسكرات الجيش العراقي المنحل. تمتد البيوت المتشابهة لضباط ونوابهم وعرفاء وعائلاتهم وقاعات جنود جلبوا قسرا لتأدية خدمة العلم، فتلاشى الجنود واختفى العلم.لم تكن مهمة هذه المعسكرات فتح قنوات الري أو بناء أنابيب الصرف الصحي أو متنزهات وملاعب للأطفال أو معامل للصناعات الخفيفة أو جسور وأنفاق جبلية أو بناء وحدات سكنية للمعلمين وذوي الدخل المقروض، بل انحصرت في تهجير الناس من القرى الى اللاهدف وتدمير البيوت الريفية وملاحقة المنكوبين بزلازل الغارات الجوية وإطعام المساجين من كل صنف وتدفئتهم بالعصي والأسواطِكانت هذه البيوت سببا لتدمير بيوت أخرى، وعاملا لرفع مستوى اللاجئين في الإقليم. إذن فالعلاقة جدلية، بل ورياضية، فكلما ازداد عدد هذه البيوت، ازداد معها عدد اللاجئين.غير أن أجمل ما في هذه الدنيا، عندما يحل التوازن فيها وأعطرها في الذاكرة، تلك اللحظات التي يصح فيها الصحيح وينتقم المظلوم من الباغي، أنها لحظة استرداد الحق، وإقامة العدل، ما أروعها: يقترب اللاجئون بخجل من هذه البيوت المهجورة، ويقطع كل منهم حصة أقل مما يستحق، فالعائلة يكفيها سقف وبابيوصد ما أن ينام الصغار، لم يأخذوا أكثر من هذا السقف الذي أزال سقفهم في ما مضىِ وفي كل الأحوال ستنفق حكومة الإقليم الكثير من الملايين لتعيد تأهيل هذه المعسكرات ـ البيوت، ليسكنها اللاجئون، كما ينبغي للمرء أن يعيش بعد عناءِالواقف على قمة جبال أزمر يرى النجوم وكأنها ترتمي أمامه، وان ملايين من نقاط السماء الضوئية تغزل إكليله، لعله سر هذه المدينة التي لم يستطع أحد إصابة شمسها بالشحوب، حتى في تلك الليالي الطويلة، الغابرة.
بارك الحب
كان في ما مضى، حامية للفيلق الأول الذي عاث في هذه الأرض خراباِ وكانوا يدفنون في مكانه كل من يعدمونه في البلاد وكل من يمر دون أن يلقي التحية على جدارية للقائد أو يبتسم على طرفة عليه أو تتكاسل أصابعه من التصفيق عند الضرورة. حولوه إلى واحد من أجمل المتنزهات في كردستان وأطلقوا عليه رسميا 'بارك آزادي' (منتزه الحرية)، فيما يعرفه العامة ب 'بارك الحب'ِ طالت الأشجار على أعقاب المعسكر وشقت الترع الجميلة بدلا من مراحيض الجنود وتسلقت مدرجات 'هايد بارك' المدينة في ساحة الإعدام. على هذه المنصة يمكنك قول ما تحب، وبقدر ما تملك من طاقة تستطيع الصراخ بوجه من يظلمك وإن منعوا قصيدة لك من النشر، فاجعلها هدية لأوراق الشجر النابت بحفاوة. وفي المساحة الداخلة في عمق البارك، تجد بحيرة، ربما شغلت مساحة مستودع سابق للذخائر الحية في جوف الناس.لم يقتلع أحد أحواض الأزهار التي رممت عيوننا قبل أكثر من عام ولم يفكر أحد حتى بالسعال، كي لا يزعج طير غاف في عش مؤسس بالطمأنينة. هو ذا المكان الذي يلتهم نهار المحبين، وفيه يودعون يوم من حياة الشمس ويتجرأون على قول ما لا يستطيعون في الكلية والمعمل والمستشفى، وفي فضائه تتحرك الأنامل لأول مرة معلنة ما لا يستطيع اللسان نطقه. فيه تحف الثواني الدقائق وتحس الساعات الأيام، مقترب للحنان والدمعة الطافرة من الفرح أو الشك، كيفما عمل القلب جاهدا لتتلوى حروف البدايات والمسكن ـ الحلم. وميض كالدجى، يجر لحظتنا الى فتاتين وحيدتين، ربما أو بتنسيق ما، لا تكونان كذلك بعد برهة، لكنهما في اللحظة الخارقة للعدسة ابتسمتا بغنج وردتا التحية بطرب، يا لهذه العذوبة المدوخة!بين التراص اللامتناهي للعبارات الشهية، يشكل ثلاثة شيوخ محاولة لاستعادة السنوات المريرة ولحظاتها السعيدة، أشاروا بأيديهم وأفئدتهم متوادين مع فتنة الضياء المنطلق مع الصورة. فيما ينزوي في شوارع الحب من كل زوجين أثنين بأرواحهم الصامدة من تذكارات المعبود وعطر عنقها المحمر كعيد، أو للعينين اللامعتين من الدهشة أو الدموع. مزاج الأطفال هو الآخر هنا ميال للرومانسية وعبثا يسمعون تحذيرات الوالدين الشابين اللذين خطا في هذا المكان موجتهما الأولىِ تستمر الشمس بالنزول لتغطيها سحب رقطاء، فتنسحب أقدامنا لنميط اللثام عما يجري هناك، بعيدا في أعالي ذلك الجبل.
الصعود إلى أزمر
تقليد لأهل السليمانية، الخروج الجماعي من المدينة يوم الجمعة للصعود على مرتفعات 'أزمر'، في أعلى نقطة فيها تشعر وكأنك ترى كل الدنيا، فأي اكتشاف يتجدد بعد ذلك؟! استعادة للمجد، انفصال عن زعيق الشوارع وصراخ الباعة وأضواء الإعلانات الاصطناعية، ِ أيكون نوع من الاعتراض على الضجر أو ملامسة البرد الشديد السخاء!ثمة فتيان يلهون بتقاذف كرات الثلج مع صبايا ينهمرن على السفح كرحيق زنبقةِ وهواء ينقصه الدفء يهمز احتواء العظام ليغسل انطباعك التواق للبقاء في القمةِتتراصف السيارات وكأنها تلتصق على حواف الجبل، وتتحول المركبات الى مطبخ متنقل وإلى بوفيه يحمل الكراسي البلاستيكية خفيفة الحمل بأصنافها والمأكولات والمشروبات غير البريئة بأنواعها. يسكر الشعب في ثنايا 'أزمر' ويبتهج، فمنهم من يغني ومنهم من يرقص، لكن أهم ما في هذه المتعة الساحرة، أن لا أحد في أي مجموعة يمكنه التفكير بالتطفل على المجموعة المجاورة، بالرغم من أن الجميع يعرف الجميع هنا. لباقة، تعطي هذا التقليد فتنة وهدوءا، لاسيما أن الجلسات غير رجالية. تتهادى الأصوات المختلفة الموسيقى رافعة المكان أكثر مما هو مرتفع سارحة نحو الشجيرات المنتظمة بتناسق لا ينفصم.
علم .. اثنانِِ بل ثلاثة!
العلم حينما يتدلى، كأنه يجمع أرواح من رفعوه، وقد يستغرق الجميع في النقاشات والخلافات، غير أنهم أمام ساريته يتسمرون، هكذا دوما شاعت حكاية الأعلامِغير أن العلم العراقي، يحمل في ألوانه وتقسيماتها، والكلمتين المحرضتين اللتين ألقيتا عليه نوعا من الجدل، وأكثر منه تاريخ يراد نسيانه بأقل الخسائر. في تجوالك ستشاهد أكبر علم عراقي من حيث الحجم ينتصب وسط المدينة، تداعبه أمواج الهواء ويمارس حريته في الرفرفةِ والسليمانية هي المنطقة الوحيدة في كردستان التي ترفع العلم العراقي!ففي أربيل ودهوك وغيرهما من المناطق التي يديرها الحزب الديموقراطي الكردستاني لا يرفعون العلم العراقي ويكتفون للتعريف بأنفسهم بعلم كردستان وعلم الحزبِ ويمكن التأكد من ذلك في مقر هذا الحزب في السليمانية، فهو المبنى شبه الرسمي الوحيد الذي يرفع علمين فقط ولا يهتم بحال العلم العراقي. وقيادة الديموقراطي الكردستاني متألمة من رؤية العلم وترفض رفعه، فإلى جانب المعاني القومية البحتة التي تجسدها ألوانه، التي لم تأخذ بنظر الاعتبار وجود قوميات رئيسية يسكن ملايينها على هذه الأرض، فانه يذكر الكرد بضحاياهم ومفقوديهم، بحلبجة والأنفال وتدمير آلاف القرى الكردية بواسطة آلات الموتالتي كانت ترفع هذا العلم في غضون ارتكابها جرائم الإبادة الشاملة بحق الشعب الكردي. كان العنصريون والشوفينيون باسم هذا العلم، يرتكبون المجزرة تلو الأخرى بحق من يخالفهم النسب أو الدم أو العرق، لذلك حمل من تبقى حيا بعد هذه المطحنة ذكريات مؤلمة، ارتبطت كلها بهذا العلم. ومرة يرفعون في السليمانية علم العراق لوحده، ربما في المؤسسات التي تتعامل مع منظمات دولية لا تعرف بلدا وعلما غير العراقي، وأخرى يرفعون العلم العراقي مع علم كردستان، وثالثة العلم العراقي والكردستاني مع علم الحزب، أي ثلاثة أعلام دفعة واحدة، ورابعة علم الحزب فقط وخامسة علم الحزب وكردستان، وباستخدام نظرية الاحتمالات، نستنتج خمس حالات لا سادس لها سوى عدم رفع أي علم منعا لفقدان الحسبة ودوار الرأس.