الأحد، 9 مارس، 2008

في قلاع الدماء.. مشاهد من سجون النظام






السليمانية - موفد القبس الى كردستان: د . جمال حسين علي

هذا التقرير غير مشمول بالعفو الرئاسي. ملاحظة لابد منها لمنح اللسان جسارة لا تأمل بعطف "مجلس قيادة الثورة".وأي عطف: يسجنون الناس بلا تحديد تهمة ويطلقون سراح مجرمين عاديين وقتلة وقطاع طرق ليؤمنوا لانفسهم سقفا للرحمة ولقبا جديدا يضاف الى أسماء القائد الحسنى. في جلسة خاصة جرت في إحدى ليالي السليمانية سألت عضو المكتب السياسي لحزب الدعوة الإسلامية أبو رياض المهندس: لديكم تنظيم خيطي محكم. فكيف تم الوصول الى خلاياكم وكشفها الواحدة تلو الأخرى؟ لماذا سمحتم بذلك؟. شرح الصديق المناضل أسلوب اتبعه النظام لا يمكن أن يخطر في ذهن أي طاغية ولكنه حصل معهم. يقول ان أجهزة النظام تأتي الى منطقة عراقية معينة. تعمل جردا عاما لكل الرجال والنساء الذين يمكن أن يوضعوا تحت الشبهة حتى بنسبة 1 % ويقومون بعد ذلك باعتقال جماعي في الكثير من الأحيان يكون عشوائيا يشمل كل الموجودين في المنطقة وخاصة الشباب. ولأن خلايا حزب الدعوة منتشرة في كل المناطق العراقية، فلابد من وجود أحد أفرادها أو المتعاطفين معها ضمن حملات الاعتقال بالجملة. بعدها حسب شرح العضو القيادي في حزب الدعوة تتم حملة تعذيب في مختلف الوسائل تطال الجميع. وحسب نظرية الاحتمالات تطول أيضا الأعضاء الحقيقيين في الحزب. بالطبع يعاني الأبرياء وغير المنتمين من قسوة التعذيب وفي أحيان كثيرة يلقون مصرعهم. ويؤكد أبو رياض المهندس بأن الكثير من الذين لقوا حتفهم في حملات التعذيب الجماعية لم يرتبطوا بالحزب وليس لديهم علاقة به. زد على ذلك ان قسما منهم يضطر نتيجة قسوة التعذيب الى الاعتراف بانتمائه للحزب حتى لو لم يكن منتميا، ظنا منه بأن هذا الاعتراف سيقلل التعذيب الذي يتعرض له. ويوقع قسم منهم على اعتراف مكتوب يفرض عليهم، متمنين الحصول على حكم الإعدام والتخلص من المعاناة. وعليه، حسب أبو رياض المهندس، يكون ضمن الحملة عدد معين من أعضاء التنظيم ضمن المعتقلين. وبسبب القسوة اللامتناهية في التنكيل تضعف مقاومة بعضهم، الأمر الذي يؤدي الى كشف بعض الحلقات والخلايا. وهكذا حسب وجهة نظر النظام، تؤدي حملة الاعتقالات الجماعية هدفها المنشود بالكشف والقبض على العناصر الحقيقية للحزب. تجدر الإشارة الى أن مثل هذه الحملات لم تنج منها أي منطقة أو مدينة »غير موالية« حسب عرف النظام، وبلا شك فان الآلاف الذين يزجون بين الحين والآخر في السجون، لابد أن يضموا بينهم عناصر منتمية أو ناشطة ضمن هذا الحزب أو ذاك وخاصة حزب الدعوة المعروف بنشاطه القوي في أغلب محافظات ومدن العراق من بغداد حتى البصرة.
الفرصة الخانقة
البناية الحمراء كما يسميها الناس، أو دائرة الأمن كما يسميها النظام في السليمانية تقع وسط حامية كبيرة للجيش. حولتها إدارة الإقليم الآن الى منتزه جميل للناس وفيه شيد هايد بارك يستطيع الراغبون شتم الحكومة التي بنته. هكذا في هذه البلاد تجري الأمور: الحكومة تحول المنتزهات الى سجون و »المتمردون« يحولون السجون الى منتزهات! كما وصفوه، كان مدير الأمن يجتاز الباحة المؤدية الى مدخل البناية المزينة بصورة القائد طبعا كالطاووس. بعد انتفاضة 1991 ألقى الناس جثته الممزقة من على سطح البناية وأحرقوا الصورة التي يتكئ عليها وصبغوها برماد السجن. هي فرصة هدرت للتقرب من الوجع ومشاهدته ومحاكاته: التجول في دائرة الأمن الرهيبة، زنازينها الرهيبة ومقار التعذيب .. في المكان الذي يعتبر أي مواطن مرشح لزيارته بلا دعوة أو رغبة. ثمة مواقع لا تحتاج الى سرد وشرح كالزنزانات المتداخلة مع بعضها، كل عتبة فيها أكثر من موحشة. وتلك الممرات البغيضة المفضية الى غرف التعذيب التي تتسع لمسير أو حمل شخص واحد لا تلومه رقبته على الالتفات ولا تجرأ عيناه على اختراع الوميض .. كل شيء نازل الى العمق .. البناية كلها تهبط بالتدريج نحو الأرض، نصفها فوق ونصفها الآخر تحت .. لماذا يحب أهل الأمن تعذيب الخلق تحت الأرض؟
مخطوطات العالم السفلي
رأيت نفسك في كل شبر .. تقف عن الحركة، لا تستطيع المتابعة فهناك من كتب لك مخطوطة على الجدران، ربما كتبت لك بالذات لتنقلها بأحرف مفهومة: حتى لو مت هنا لست بنادم على محبتي واقتناعي بالطريق أشبه بالوصية .. الكيان، أجوب في حروفه، بالله، لقد خطها بأظافره، بل نحتها في تجاويف الجدران الإسمنتية .. آه، لو يتغلب الظفر على الإسمنت! طاف فكرك مستذكرا كل الأصدقاء المغيبين أو الذين ما زالوا يعيشون المحنة وغير المشمولين بالعطف القيصري. لعلهم حظوا بالمطلق والمستثنى بامتلاكهم الرغبة التي لا تقهر. يزداد اسوداد المكان ولا تسعفني العين على الرؤية، استل من حقيبة الشغل مصباحا يدويا، لتشع اللوحة ببهاء جديد: عاش الشعب عاشت البيشمرغه معها تشكيل منسق يجول بالخاطر بلا استئذان: جبل .. شجرة و.. شمس! ماذا كانت تعني هذه الرسومات لرجل ذاهب الى الموت: قدم الجبل على الشجرة والشجرة على الشمس، قد تكون رؤيتنا كذلك، ربما رسم الشمس قبلا ومن ثم الشجرة وبعدها الجبل! لا فائدة من هذا الترتيب لنمزج أحلامه مع بعض، جبل وشجرة وشمس كل ما يحلم به الرجل الذاهب الى الغياب: أليس حلما نبيلا أودعه لنا؟ وصية في لحظة انتظار أو تساؤل؟ عهدة ينبغي مراعاتها، بالفعل لم يبق لدينا سوى المحافظة على الجبل والشجرة والشمس! كالغائص في اختلاف الظلام، أتسابق مع فلك العين لأدوس أفق الجدران، ألوانها وانحدراتها، تصلبها ودكنتها، حدس في كلمات مرت مسرعة في جوف حائط غير مرئي، ثمة من رسم حمامة وحدها وأخرى في عش .. اقرأ: لك الحمد مهما استطال العذاب لك الحمد مهما استبد الألم لك الحمد أن الرؤيا عطاء وفي المصيبات بعض الكرم كلمات محدقة تسقط على جمهرة رمل الحائط وتطفو على حنايا السنين. تنساب مؤدية عملا واحدا: دق الأقدام وصهر الأنامل للتنفيس عن جيشان النمر الحبيس. شرايين أحاسيس كصدى صوت لا يطويه النسيان.
شجرة الأسماء
أسماء وعناوين وتواريخ وتقويمات. الأسماء لأبطالها أما التواريخ فيحرصون على تسجيل تاريخ اعتقالهم أو وصولهم الى الزنزانة ولكل تقويمه لحساب الأيام التي مضت عليه، أما العناوين فلكي لا يضيع الأثر. من الأسماء التي كتبت بوضوح أو التي حافظت على وجودها: جليل صالح هوليري تاريخ 2 / 12 / 1990 عطاء مجيد ( بدون تاريخ ) لكنه كتب سورة الفاتحة فوق اسمه. أحمد بيراوي. كتب شعرا بالكردية ورسم بالقرب منه عيون ودموع وشموع وعبارة صقيلة: عيد سعيد، بالقرب منها 1/ 1 / 1991 . احتفل بعيد رأس السنة بطريقته وبعث البطاقة السامية. سالم مانويل حنا. 25 / 11 / 1990 بغداد - كرادة مريم. عمارة 1 طابق 5 الجسر الجمهوري قرب حلاق 28 نيسان. يا إلهي! حتى دكان الحلاقة في بغداد يحمل اسم يوم ميلاد السيد الرئيس وفوق ذلك عد عنوانا في زنزانة!! ذاكرة متصدعة لنتعرف على هندسة الطغيان. ثمة أمور رهيبة لابد من وجودها في كل غرف التعذيب: عمود حديدي مثبت بين جدارين لتعليق البشر، فلقة، حوض (للماء أو أي سائل قاتل). هذه الأشياء وربما غيرها لم نرها، من أساسيات تخطيط الغرف لمهندسي الموت البطيء. يضاف إليها المقصلة ومنصات الشنق. عند هذه المنصة بالذات احتشد الثوار عام 1991 ليحطموها بأيديهم. ولكن اختراع المكان تجاوز الأطر التقليدية في قلاع الدماء ببنائهم مظلة مستطيلة بأضلاع مربعة تتوسطها منضدة طويلة أشبه بالسرير تبنى وسط باحة السجن ليتمكن أكبر عدد من المعتقلين مشاهدتها. الآثمون يقومون وبكل رحابة جرم من وقت لآخر باغتصاب قريبات المعتقلين أمام مسامعهم ومرآهم. ويزيدون على ذلك بإجراء لم يبتكره كاليغولا أو غيره ممن سمعنا بوحشيتهم منذ ظهور الخليقة برفع شارة النصر بوجه المعتقلين بعد إتمامهم هذه الدناءة.
منضدة العار
ابتكار آخر يسجل لهم: يختار ضابط ما واحدة من المعتقلات تعجبه. يغتصبها ثم يمنحها للجنود الذين يتناوبون بفض حرمة الإنسانية. لم يكتفوا بذلك، يجبرونها على الانبطاح أمامهم عارية ليلعبو الورق أو الدومينا على ظهرها!
إذابة الطفولة
يجرجرون إحدى المعتقلات مع طفلها الذي أزعجهم بكاؤه. يربطونها على عمود حديدي عارية ويتركون ابنها أمامها على الرمل الحارق بدرجة 60 مئوية تحت الشمس. يعبرون عن إنسانيتهم بمنحها رشفة ماء بين فترة وأخرى كي لا تموت ولا ترى ابنها بأم عينها يموت مسلوخا، مشويا. ينتظرون حتى تشاهد ابنها يموت أمامها ليتركوها تلحق به بمرارة.
شوربة العيد
عندما اكتظت زنزانات السجون بالمعتقلين وجدوا مكانا لهم في الحامية العسكرية. في قاعات تتسع لنحو 200 - 300 شخص، حشروا قرابة 5 آلاف شخص. لم ينس أحد الشهود كل ثانية مرت عليهم خلال ثلاثة أشهر على هذا النحو. يعطوهم صمونة جيش سوداء في اليوم وماء حارا نادرا ما يلمس شفاههم. يمر رمضان بطوله والمعتقلون صائمون، أو أنهم صائمون دائما، يتلذذ الحراس بإسماعهم بأنهم سيطعمونهم غدا في أول أيام العيد هبة من الآمر. يحل العيد، ويفتح الباب، وينفذ الآمر مكرمته بجدر شوربة. يقترب الجنود ليطلعوا الصائمين على هذه الهبة وبعدها يسكبونها على الأرض ويأمروهم بلحسها .. يتلذذون مع ضباطهم برؤية آلاف البشر المكتظين على شوربة سائحة على الأرض بصراخ غير آدمي بالمرة: الحسوا!
قتلنا عائلتك .. مع التقدير!
انخرط عاصي مصطفى أحمد مجندا إجباريا في الجيش العراقي. ووجد نفسه أسيرا في إيران في نهاية فبراير ????، أفرج عنه في واحدة من عمليات تبادل الأسرى وأجبروه على الركوع أمام صورة القائد معتقدا بأن الأمر يهون مقارنة بسنين الشباب الضائعة حيث ذهب شابا وعاد رجلا في الأربعين، فرحا بلقاء زوجته وأطفاله الثلاثة. بعد وصوله الى بلدته سنكاو في السليمانية استقبله الناس بحزن والغيوم في عيونهم. لم يفهم السبب حتى عندما دخل بيته ووجده فارغا. لم يكن أمام الناس خيارا غير إخباره في الحقيقة: أخذهم العسكر .. ليس وحدهم، بل عشرات الآلاف! كتب عريضة لبطل التحرير مستعطفا إياه لإعلامه بمصير عائلته. لم يهمل المظفرون رسالته بل أجابوه بعد 25 يوما بشكل رسمي بكتاب موقع من رئاسة الجمهورية نصه الجملة الرهيبة التالية: أن زوجتك وأطفالك فقدوا أثناء عمليات الأنفال التي جرت في المنطقة الشمالية عام ????، مع التقدير. منع التجول لعل العراقيين سمعوا هذا المصطلح الكريه لأول مرة في الساعات الأولى لـ »عروس الثورات« عندما أطاح البعثيون وحلفاؤهم القوميون بحكومة عبد الكريم قاسم في 8 فبراير ????، وهكذا فان مقبل الحكم الجديد افتتح بالمنع: التجول، التحدث وحتى التنفس! وأصبح المصطلح المذكور تقليدا »ثوريا« يتبعه النظام عند شروعه بتنفيذ عملية اعتقال عشوائي بالجملة. وأصبحت مدن العراق وقراه الجنوبية وكل مناطق كردستان العراق ساحة تجربة مثالية لتنفيذ المصطلح. ولأنهم واضحون وصريحون، فان أجهزة النظام لم تخف هذه الإجراءات القمعية وتطلق عليها في أدبياتها ومراسلاتها بـ " الحملات التفتيشية ". وعد تقليديا أيضا مراجعة الناس الى حامية السليمانية الحمراء التي نذكرها كنموذج اطلعنا عليه لاستلام جثث الأقارب المعدومين.
سري للغاية
دائرة أمن السليمانية العدد 45163 بتاريخ 29 / 10 / 1988 والعدد 886 سري وشخصي تحية وتقدير .. إشارة الى المكالمة الهاتفية ندرج أدناه الإحصائيات المطلوبة . أولا: تم تنفيذ الإعدام بـ 9 مجرمين من عناصر الزمر المعادية من قبل هذه المديرية حسب توجيهات دائرة أمن تنظيم الشمال في كتابها المرقم 408 في 20 / 6 / 1987 الفقرة ?. ثانيا: ستة عوائل عدد نفوسها 18 شخصا من ذوي المجرمين موضوع الفقرة الأولى تم تنفيذ حكم الإعدام فيهم من قبل هذه المديرية وحسب توجيهات مكتب تنظيم الشمال الموقر. ثالثا: 7 منهم من عناصر الزمر المعادية أحيلوا الى رئاسة محكمة الثورة لمزيد من التحقيق وصدر بحقهم حكم الإعدام. رابعا: 2532 شخصا و 1849 عائلة تعدادها 9030 نسمة أرسلوا الى معسكر الجيش الشعبي في محافظة التأميم من الذين ألقي القبض عليهم أثناء عملية الأنفال البطولية. راجيا التفضل بالإطلاع مع التقدير. مدير أمن السليمانية 29 / 10 / 1988
مقتطفات تاريخية
نصوص أحاديث مسجلة نختارها لعلي حسن المجيد يخاطب فيه أعضاء مكتب الشمال للبعث كان البيشمرغه قد استولوا على الشريط في منزله عند احتلالهم كركوك في مارس 1991: > على القوة العسكرية كل ضمن قاطعه قتل أي إنسان أو حيوان يتواجد في هذه المناطق وتعتبر محرمة تحريما كاملا. > يحجز جميع من يلقى القبض عليه لتواجده في المنطقة وتحقق معه الأجهزة الأمنية وينفذ حكم الإعدام بمن يتجاوز عمره 15 سنة داخل صعودا الى عمر 70 سنة داخل بعد الاستفادة من معلوماته. (لاحظوا قرارات الإعدام تصدر هكذا باجتماع حزبي أو لقاء خاص. والتحقيق مع المقبوض عليهم ليس لإدانتهم أو لا، فإدانتهم مسبقة، بل لأخذ المزيد من المعلومات منهم فحسب). > تعد قيادات الفيالق ضربات خاصة بين فترة وأخرى بالمدفعية والستمتيات والطائرات لقتل أكبر عدد ممكن يتواجد ضمن هذه المحرمات وخلال جميع الأوقات ليلا أو نهارا. > هل كان بالإمكان الإبقاء على هؤلاء بسلام؟ فماذا أنا فاعل بهؤلاء الماعز؟ (وصف جديد أضافه الى الكرد). > تلقيت رسالة من الرجل العظيم، من الأب (لا يذكر صدام حسين بالاسم، ألا يكفيه الرجل العظيم؟) يقول فيها اهتم بعوائل المخربين. (يصرخ بهياج) رسالة القائد العام أضعها على رأسي ولكن كيف أهتم بهؤلاء؟ كلا أنا أدفنهم بالبلدوزرات في التراب ثم يطلبون مني أسماء المعتقلين. أين سأضع هذا العدد الهائل من الناس (لأول مرة يعترف بأنهم بشر) سأوزعهم على المحافظات وحينها أبعثر البلدوزرات هنا وهناك. (معنى العبارة الأخيرة يوضح طريقة إخفاء معالم المعدومين بدفنهم في محافظات مختلفة لكثرة عددهم وطمس آثارهم). > ذا وجدتم أكثر من خمس عوائل لم يبلغ عنهم أعدموا مختار المحلة.