الاثنين، 29 ديسمبر، 2008

زمان الآبار


انقطاع الماء عن العاصمة العراقية أصبح معتادا. ومن حسناته ، أن البغداديين باتوا يعرفون كثيرا عن أسرار شبكة المياه التي ترويهم ويتداول الصبية فيما بينهم والشيوخ ومن حولهم والنساء بما جمعت دورهن مفردات دخلت لقاموس الحكي العراقي اليومي مثل "الأنبوب الاستراتيجي " و "التنقية" و " الضخ " وعرفت العجائز ما الذي يعادله " المتر المكعب " من الماء وأخذن يوزعن الثروة المائية حسب المحاصصة الطائفية أيضا مؤشرين على خريطة بغداد على خطوط نقل الماء متتبعين أنباء الأشاوس والمجاهدين الذين قرروا هذه المرة حرمانهم من الماء بعد أن ضيعوا عليهم هواء المروحة ونزهة ما بعد العتبة ، راسمين مسرى الإشاعات التي بدأت في محطة تنقية وضخ الماء في منطقة التاجيات على نهر دجلة ، عابرين طرقها الريفية التي يفتتحها شارع المحيط الكاظمي وينهيها شارع أجتثوا عنوانه في سامراء.
المياه الطائفية
ولأول مرة سيضطر الجغرافيون وخبراء الثروة المائية لدراسة أبعاد مرور " الأنبوب الاستراتيجي " الذي يروي بغداد بمناطق مختلفة الطوائف والولاء ولها وجهات نظر مختلفة من التحرير والاحتلال. وللمرة الأولى ستنتقل مسؤولية أنابيب المياه " الصالحة للشرب " من اهتمام وزارة الري أو الصحة أو البلديات الى قمة أولويات وزارة الداخلية والدفاع وستدخل ضمن خرائط القوات الأجنبية الفضائية.
ولعلهم سيصبغون الأنبوب حسب الطوائف التي يمر بها ، ليتأكدوا في حالة حصول انفجار أو أي تخريب على لون الطائفة.
منهم وفيهم
وإن كان الانفجار الراهن قد حرم بغداد وضواحيها والبلدات المحيطة بها لم يصب المحطة اليتيمة المتوجة على دجلة ، إلا أن إصابتها بانفجار قادم احتمال وارد جدا ، لاسيما وأنها معزولة تماما عن المدن ومفتوحة كهدف ثابت وحمايتها ضعيفة ولا تتناسب بحجم الأضرار الذي يمكن أن يسببها أي اعتداء تتعرض له ، فثمة قوى من الشرطة كلهم من المحليين ، قد يتناولون الإفطار سوية مع المخربين ليتحدثوا عند الغداء ، سوية أيضا ، عما فعلته أيديهم.
ويفضل الكثير من سكان هذه المناطق العيش على الفتات وإجبار أهالي العاصمة على رفع أغطية الآبار التي نصحهم بحفرها مع قبورهم في حدائق المنازل ، قبل رحيله قائدهم الملهم ، وعمل أي شيء يثبت معاداتهم للتغييرات الجارية في البلاد ومن يحكمها.
ويبدو أن اعتراض البعض ممن يسكنون بالقرب من روافد المياه ، بلغ أوجه ووصل الى درجة الحقد الذي نال هذه المرة من أساسيات حركات المقاومة التي تدعي أنها ظهرت لنصرة الناس العاديين ولا تمس مصالحهم وما تبقى من خدمات تبقيهم على قيد الحياة أو الصبر لإكمال يوم جديد في هذه البلاد المتعبة للغاية.
حكومة وبرلمان بلا ماء
لا تفرق لمن استولى على الأراضي التي كان يزرعها وادعى ملكيتها في ظل غياب كامل للدولة ، أن تمر المياه " النقية " وتصل الى بغداد أم لا تصل إليها.
وقد يتشفى الآن من قرر حرمان العراقيين وأتعبهم في قمة حرارة الصيف وسطوة الغبار ، أن الماء انقطع عن المنطقة الخضراء كلها ، بما في ذلك مكتب الرئيس العراقي.
لم يصمد المناضلون السابقون ضد الدكتاتورية يوم واحد بلا ماء وعطلوا أعمالهم وأجلوا تنفيذ واجباتهم وشعروا بالفارق الطبقي مع نصف الحكومة والبرلمان الذين يتمتعون بماء بروكسل وحالهم المزري في قصر المؤتمرات الذي انقطعت عنه المياه للمرة الأولى.
هذه ليست بالإشاعات ، بل عبر عنها بيان رسمي أغلق بموجبه أبواب قصر المؤتمرات ابتداء من يوم الثلاثاء الماضي وحتى وصول المياه . وأصر ّ البيان على التذكير بأن أعضاء لجنة صياغة الدستور سيواصلون عقد اجتماعاتهم في مكان ما خارج قصر المؤتمرات لم يحددوه بالطبع ، لكن من الواضح أنه مكان فيه ماء.
الرئيس والأمين
ومكتب الرئيس العراقي خال من الماء أيضا ، الأمر الذي شعر به جلال الطالباني فسارع باستدعاء أمين بغداد علاء الدين التميمي الذي أوضح لسيادته أن بغداد كلها تعاني من نقص حاد في المياه وليس المنطقة الخضراء وحدها. وأكد الأمين للرئيس بأن بغداد عموما تعاني من الإهمال في هذا الجانب وبالرغم من أنها تحتاج الى ثلاثة ملايين متر مكعب يوميا يمكن لسكانها التزود بأكثر من مليون متر مكعب فقط.
الرئيس الطالباني استمع لأمين بغداد وأوصاه بضرورة إصلاح العطل بالسرعة الممكنة ، والحسنة الوحيدة التي خرج بها العراق من هذا اللقاء ، أن الرئيس لم يفعل كغريمه السابق الذي كان ينتزع حزامه ويجلد المسؤولين بيديه ويرميهم للكلاب في مثل هذه الحالات ، بل طالبه بقليل من الماء فحسب.
أسرار الأنابيب
وربما لم تخطر ببال المهندس الذي نفذ مشروع إسالة مياه بغداد انحدار الوضع في البلاد الى الحد الذي يخرج فيه عراقي ليحرم أخيه من المياه ويفجر الأنبوب الوحيد الذي يصل الى العاصمة ، لذلك صممه ليكن وحيدا.
ولم يفكر أحد حينها على الأرجح ، في ضرورة تزويد بغداد بشبكة من الأنابيب يعوض بعضها الآخر لو أصاب أحدها ضرر ، لذلك اكتفوا ببناء الأنبوب الاستراتيجي الذي أصبح المادة الخام لأحاديث ربات البيوت اللواتي تلفظ كل واحدة منهن مفردة " الاستراتيجي " على هواها.
وحتى الشبكة التي تصل الى الكرخ وتتفرع منها مجموعة أنابيب تغطي 70 % من العاصمة فلم يتفضل أحد ويعيد ترميم مسالكها أو ينظفها أو يزيل الأشنات والطحالب منها ، بل والدود وكل القوارض والزواحف وما تعيش في العراق من حشرات.
رائحة المافيا
أقسم " المجاهدون " عبر شبكاتهم في الإنترنت بأنهم لم ينفذوا هذه العملية ، الأمر الذي دفع اتجاه التحليل وإشاعات ربات البيوت وشيوخ المقاهي وشبان الشوارع الى احتمال بات عاملا واقعيا في الحياة العراقية الجديدة والذي يطلقون عليه في كل الأحوال : المافيا !
فشركات صناعة المياه المعدنية وتجار هذه الأنواع من المياه المتهمون الأوائل فيما حصل ، حسب قاعدة التحري الجنائية الأولى التي تطرح السؤال التقليدي بعد كل جريمة : من المستفيد !
فالصيف والغبار عوامل ينبغي استغلالها لرفع مبيعات المياه المعدنية التي شهدت كسادا كبيرا في سوق عماده الأساسي شعب يعتبر المياه المعدنية من باب البطر والشكليات.
وكذلك الأمر يصب لصالح شركات تعبئة المياه الصالحة للشرب غير الحكومية والتي تبيع المياه النقية بواسطة الصهاريج المتنقلة ما بين الأحياء السكنية.
لقد وصل سعر لتر الماء النقي في بغداد الى 100 دينار ( المباع بالصهاريج ) وهو أكثر بقليل من سعر البنزين ( المفقود منذ فترة ) ومع ذلك فهذا السعر في ازدياد مع شدة الإقبال والطلب لأناس ليس لديهم خيار آخر ، وهذا المؤشر يدل بشكل لا يقبل للجدل على هوية المستفيد الأول من عملية " عطاشى بغداد ".
مقاطعة الانقطاع
في دوائر المياه في بغداد يقاطعون الصحفيين وينهرهم الفراشين عند بواباتها بأمر من أمانة العاصمة ، لكن الناس يتحدثون للصحفيين عن أمراض حلت بهم نتيجة هذه المياه قبل الانقطاع وما تفعله بهم مياه الآبار كالإسهال وأمراض الكلي والسكري والمعدة وما إلى ذلك.
ويقول الناس بأن أزمة المياه المعدنية تجاوزت أزمات البنزين والكهرباء والذي يستطيع المشي والاستغناء عن البنزين والعيش بظلام ونسيان الكهرباء ، لا يستطيع فعل هذه أو تلك بلا ماء.
لهذا السبب وصل سعر قنينة المياه المعدنية الى 1000 دينار ( سعرها قبل الأزمة 250 دينارا ) فيما تجاوز سعر القنينة الكبيرة 13 ألف دينار في بورصة المياه لأول مرة.
الخلطة المميتة
الأكثر ألما فيما يحصل أن مياه المجاري لا تزال تسير مع الناس في الشوارع وتركد في الساحات وثمة من يقول بأن مياه الإسالة " الصحية " تخلط بمياه الصرف الصحي ، لذلك لا يوجد لدى أطباء العاصمة نصيحة غير دع القلق وابدأ الحياة بضرورة تجنب " مياه الحكومة " وشراء المياه المعدنية من السوق.
وفي السوق قال متخصص في بيع هذه القناني بأنه لم يشهد إقبالا على بضاعته كما يحدث الآن ، والأمر تعدى حاجات الناس والبيع بالمفرد ، بل أن الأزمة تعدت ذلك بكثير ، حين أخذت الوزارات والمستشفيات تحجز كميات بالجملة من المياه المعدنية من المصانع الرئيسية التي وجدت لها سوقا أخرى " داخل الدولة " أو في دوائر غير حكومية.
هذه الطفرة الكبيرة في بيزنيس المياه المعدنية ، أدت الى ظهور أكثر من 15 شركة متخصصة في شراء أو استيراد المياه بعد أن كانت قبل أسابيع أثنين فقط ، مثل شركات : الفرات ، جوهرة ، كنان ، سلسبيل ، زلال ، بيخال ..
والسؤال الذي يطيح بنظرية التفجير الإرهابي ويقربه من عمليات المافيا: كيف ظهرت أكثر من 10 شركات جديدة لتصنيع واستيراد المياه قبل عملية التفجير ببضعة أسابيع ؟!
الإرهاب و الإسهال
ولماذا تذكرت وزارة الصحة فجأة بأن مياه البلاد ملوثة وتؤدي الى أمراض فتاكة كما أوضح بيان رسمي صدر عنها دعا فيه وزارة البلديات والبيئة والعلوم والتكنولوجيا لاتخاذ " اجراءات سريعة لتأمين المياه الصالحة للشرب للمواطنين " ؟!
كان هذا البيان مفتتحا لانطلاق الإشاعات التي سبقت " العمل الإرهابي ضد الأنبوب الاستراتيجي " والذي جاء توقيته متزامنا مع ظهور شركات جديدة لبيع وتصنيع المياه. ولا ينبغي استبعاد العلاقة المشتركة بينهما لو تطور التحقيق وكشف أولياء المصانع الحديثة.
لقد روع بيان وزارة الصحة الناس لذكره أمور لا يعرف تفاصيلها المواطن العادي كنتائج الفحوصات على المياه الصالحة للشرب وخلوها من الكلور وتأكيد البيان على تزايد الإصابات بالإسهال.
لا ندري السبب الذي جعل وزارة الصحة تثير هذا الأمر أمام الرأي العام ولم تكتف بالمخاطبات الرسمية بين الوزارات المختصة أو مناقشته في مجلس الوزراء وما الداعي من إثارة هذه البلبلة سوى توجيه الناس الى شراء القناني التجارية.
ولعل العلاقة الجدلية بدأت تتضح ما بين الإرهاب والإسهال ، لاسيما بعد الحملة الوطنية للسيطرة على الإسهال التي تزامنت مع عمليات البرق والرمح والخنجر وغيرها.
كما أن ضحايا الإسهال بلغوا في خلال هذا الشهر نحو 67196 أغلبهم من الأطفال ، العدد الذي يفوق كثيرا ضحايا الإرهاب.
وعموما ، فإن المستفيد من الإسهال وشحة المياه ، سواء كان الفاعل إرهابيا أو مافيوزيا ، هو شركات بيع المياه والأدوية ، فالعراق استهلك منذ مطلع هذا الصيف نسبة أربعة أضعاف ما كانت تبيعه شركات الأدوية المكافحة للإسهال مثل " الدكسترولايت " ( الارواء الفموي ).
حملة شعبية
كما حافظ الخيريين من هذا الشعب على ما يمكن إنقاذه أيام السقوط الأولى ، هبوا كعادتهم لمساعدة الناس بحس وطني خالص خارج نطاق التغطية الحكومية والرسمية.
فالماء وخاصة في الصيف ، يدخل في صلب الحياة اليومية ، للطبخ والغسل والاستحمام ، ناهيك عن الشرب وتبريد مبردة البيت. والناس مهمومون في شراء المضخات وتصليح العاطل منها لسحب المياه الجوفية مع طحالبها وأوساخها ، يساعدهم في ذلك الأخيار في شراء الصهاريج وتوزيع المياه على العائلات الفقيرة التي لا تستطيع شراء المياه المعدنية بعشرات الآلاف من الدنانير يوميا.
نصب الطيبون المضخات في الأحياء الشعبية وسحبوا المياه من الأرض والنهر وخففوا كثيرا من وطأة الجدب الذي حل بالأهالي ولو لتمشية أمورهم بغسل أدوات الطبخ والملابس والبيوت من الغبار والأتربة وتقليل نسبة استخدام المياه الصالحة للشرب لأغراض أصبحت ثانوية كسقي الحديقة وغسل السيارة.
المخترعون
يقول مواطن بأنه ينقل يوميا الى بيته نحو 20 قنينة كبيرة من مياه دجلة الى بيته وآخر مدح ماء البئر الذي حفره أوقات الحرب الأخيرة مؤكدا بأنه يغرف منه باستمرار دون حساب سعر اللتر.
ويبتكر الآباء طرق مختلفة للحصول على قطرة ماء في البيت غير الآبار ونقل مياه الأنهار ، باستخدام موتورات مختلفة الأغراض وتحويلها الى مكنات لسحب المياه وتستمر هذه الاختراعات بالرغم من تعرض بعضهم لصعقات الكهرباء النادرة.
والأطباء يدلون بدلوهم من حين لآخر شارحين للبسطاء مضار المياه المسحوبة من الأرض معددين تسميات علمية لا يدرك العامة مضارها كالتأثيرات السامة لمواد كالآتلين والخارصين والمغنسيوم على جسم الإنسان.
الخارق
ويبدو أن جسم الإنسان العراقي تعرض لكثرة من الأضرار منحته مناعة ربانية خارقة ، خارجة عن نطاق كراسات الطب وتعاليمه في تليف الكبد وتلف الجهاز الهضمي وتحلل الجهاز العصبي وانتعاش الخلايا السرطانية وصعوبة التنفس وغيرها من أمراض لم تعد خطيرة جدا للمواطن الذي تآلف مع الموت اليومي والمعاناة المزمنة والأذى الشديد المرارة.
ليس خارقا ، المواطن العراقي ، بل صبورا للغاية ويبحر في سفينة كثرت أوجاعها وربابنتها وأغوارها وفئرانها ، وقد يسمع من أحيا " يوم العراق " في بروكسل ، ما ينوء به البغداديون من عطش ليطل من على شرفة مبهجة الأزهار والألوان ليبدي استغرابه من عطش أهالي وادي الرافدين ليتمتم بعبارة طالما سمعها : خليكم قدها واشربوا بيبسي!