الاثنين، 29 ديسمبر، 2008

مسعفو الأرواح العراقية المفجوعة بالنار


المركب حين يبدأ بالغوص تطفر منه الفئران ، لكن ملاكا ببزته البيضاء وقبعته الحكيمة يظل يمسك بمقوده حتى تلامس روحه الأمواج العاتية.
اصطلحوا على تسميته القبطان ومنهم من يطلق عليه الربـّان ، وبتفحص المفردة وتجزئتها ، ستقرب من يضحي بنفسه من أجل الآخر مرتبة مقدسة. وفي العراق هناك من يقتل وثمة من يعطي حياته لأجل إنقاذ الآخرين ، كثيرون فعلوا الأولى وكثيرون جدا من قدموا للإنسانية أفعالا سيرويها العراقيون والتاريخ عنهم بعد أن ظفروا بالخلود وحكمة الفداء.
من الذين رسموا لوحة المجد ودغدغوا أصابع الحسنات التي ستسطرها لهم الملائكة حين يبعثون كانوا رجال الإسعاف الفوري العراقي المتواضعين الإمكانيات ، الجسورين ، أولئك الذين أهدونا كل يوم باقة من القلوب الصحيحة وبنوا أعشاش الأمل ما أن يقترب صوت زمارات الإنقاذ من كتلة النار ومن الجسد المصاب برصاصة مستوردة وذلك الفتى الذي أودعوا فيه طلقة الغدر والحجية التي أهان الزمن شيبها ودوخها عند رأس الجسر المغلق للتفتيش.
هؤلاء من عبـّدوا طرق الحياة الواحدة تلقيك للأخرى ، غير منتظرين حمدا أو شكورا سوى لمعة الامتنان من عين المسعف الذي عذبه صباحه.
لنقلب مع المسعفين وملائكة الرحمة والحياة ، صفحات الإباء والفداء واللحظات التي لا ينفع فيها مال ولا بنون إلا من قابل الله بوجه حسن ، قاطفين وإياهم سر الزهرة وبهجة الشعور الحلو في أن تعطي فقط ولا تأخذ، بمدارات الإهمال المميت في حيز دولة ينشغلون في بنائها غير آبهين أحيانا من حيث يعلمون أو لا يعلمون ، بأن من ينقذ بشرا ، كأنما أحيا الناس جميعا ، اعتناق وحيد للدواء المتاح.
ذكريات عبد الكريم حسين الصدر الموسوي مدير الإسعاف الفوري في العراق بدأت في صباح نهب العراق حين وجد نفسه في بوابة مديرية الإسعاف مع جواد كاظم وبعض رجال الحوزة ، لينقذوا أدوات وأجهزة وسيارات المنقذين في المديرية التي نجلس فيها اليوم دون أن ينالها النهب أو تطولها السرقة.
فدائيون وإسعاف
لم يكتب أحد قبلنا لأن أحدا لم تصل نباهته لتصور أو تخيل أن الإسعاف الفوري في العراق سابقا كان تحت سيطرة التنظيم المعروف باسم "فدائيي صدام ".
لذلك لم يستطع مدير هذه المؤسسة " الصحية " حصر عدد سيارات الإسعاف التي كانت موجودة في العراق قبل السقوط ، لكون سيارات الإسعاف كانت تتبع أيضا لجهات أخرى وقوات مختلفة كالحرس الجمهورية ورئاسة الجمهورية والأمن الداخلي والمخابرات.
كانوا ينفذون فيها عمليات الاغتيال والاعتقال وتوزيع جثث المعدومين على ذويهم ، محولين هذه الآلة البيضاء المبشرة بالصفاء الى آلة رعب وخوف ومن تقف عند بوابة بيته " سيارة إسعاف " فإما أن يكون قتيلا أو معتقلا أو مجرد جثة مزقها التعذيب.
العقد الذهبي
اعتبروا في مديرية الإسعاف السبعينات العقد الذهبي في مهنتهم ، فبالرغم من كثرة سيارات الإسعاف الحديثة في ذلك الوقت ، كانت مهمتهم تقتصر على حوادث السيارات كالدهس وغيرها من حالات طوارئ كمخاض النساء قبل الولادة وبعض الحالات المرضية التي لم تكن تستدعي تدخل الإسعاف الذي كان يصل في كل حالات الاتصالات الخاصة بالمواطنين.
في الثمانينات وطوال الحرب العراقية – الإيرانية كانت الحالات تنحصر جراء القصف ، لكن التسعينات سجلت حالات القتل وأعمال العنف الفردية والجماعية.
أما المرحلة التي أعقبت السقوط ، فيعتبرونها الأكثر دموية في تاريخ هذه المديرية التي تأسست مطلع السبعينات حيث تنقل الإسعاف أكثر من ألف حالة وإصابة في كل شهر.
إسعاف ومنح
لم تصل مؤسسة إنسانية واحدة الى حدود مؤسسة الإسعاف العراقية في بغداد عدا واحدة من المنظمات الخضر التي وعدتهم بتأهيل الدائرة منذ سنتين ولم يروا بعدها أي ممثل عنها بإضافة مؤسسة ألمانية أعدت دراسات كثيرة في هذا الشأن واختفت هي الأخرى.
زد على ذلك ، لم يخصص " المانحون " أي شيء لمداواة جراح هذا الهيكل الحساس في الجسد العراقي المعذب وفوق ذلك لا تخصص لها وزارة الصحة العراقية أية ميزانية عدا دفعها رواتب العاملين الضئيلة وبدون مخصصات خطورة ، علما أن رجال الإسعاف دائما يصلون قبل الشرطة والإطفاء الى الأماكن المحترقة.
الداخلية والصحة
يقول السيد الموسوي بأنهم يعملون " 24 ساعة في اليوم لوجه الله ". وزاد من لمعان المشكلة بتصريحه المثير : " حتى بنزين سيارات الإسعاف ندفعه من جيوبنا " !
أي تعليق يمكن أن نذرفه وبأي تركيبة ننمقه وأي طلاء نجزّه في وصف العلاقة ما بين هذه الدائرة الخطيرة والحساسة للغاية والمتعلق نشاطها بأرواح المواطنين بلا وسيط وما بين وزارة الصحة المسؤولة عنها وما بين وزارة الصحة ووزارة النفط التي ينبغي أن تجهزها بالوقود الذي تحتاجه والداخلية التي عليها توفير غطائها التعبوي الشامل في الشارع والمناطق الساخنة ولا تسمح في الحالة التي سجلها الضمير العراقي حين أطلق الشرطة النار على سائق إسعاف وحين سقط أشبعوه ركلا حتى مات ، لكونه حاول الدخول الى منطقة تفجير كانوا مؤمنين وقتها بأن وجوده هناك وإنقاذه كم عراقي نصف ميت " سيعطل من سير التحقيقات ويعيق من حركة خبراء الأدلة الجنائية ".
هذا مثال لـ " الخراب القاسي " المطوقة مخالبه البلاد ، في جزء منه أو في بحر روثه الذي زكم الرؤية الهادية.
احتياجات
حدد مدير المسعفين في العراق حاجة البلد بنحو 2000 سيارة إسعاف. غير أنهم لا يملكون سوى 100 سيارة نصفها يعاني من متاعب مختلفة لا توجد في المديرية ورشة تصليح لتداويها.
وحتى العشرات ممن يزعقن في الشوارع البغدادية الآن ( علمنا أن 30 سيارة تعمل الآن في بغداد ) ، فغير مجهزات بالمعدات المنقذة وفيها مستلزمات طبية بسيطة كجهاز قياس السكر ومانح الأوكسجين والمغذي الناشف.
وحول سيارات الإسعاف التي وصلت العراق مهداة من حكومات ومؤسسات إنسانية في الكويت واليابان وغيرها ، قال الموسوي بأنها لم تصل الى بغداد ( الإسعافات الكويتية وصلت الى النجف واليابانية الى السماوة والديوانية ) ، مؤكدا على ضرورة التنسيق ما بين المديرية الأم والجهات التي تساعد العراق بغية توزيع هذه المساعدات بشكل عادل على كافة أنحاء العراق.
ومديرية الإسعاف في بلد يحتاج الى إسعاف حقيقي ، ليست مؤسسة مستقلة بذاتها ، بل هي في حسابات المحاسبين والمدراء الكبار ووكلاء الوزارة مجرد قسم تابع لما يطلقون عليه " التخصصية " ، وهي الأقسام الطبية في المستشفيات التي يسمونها " الطوارئ " و " العناية المركزة ".
والإسعاف العراقي هو سيارة وسائق ومعاون طبي مهمتهم جميعا تقترب من الحمالين والدفانين في أكثر الأحيان ، فهم ينقلون المصاب أو المريض فحسب ، على أن يعالج في الطوارئ في حالة وصولهم سالمين ولا توجد لديهم تلك الخبرة التي تحول تدخلهم " الطبي " الى إسعاف وتغير إيجابي في حالة المصاب.
قلنا لمدير الإسعاف بأن وزيركم الآن في بروكسل يستجدي المعونات هل وضعتم بين يديه ملفا كاملا بالذي نتحدث عنه الآن ، قال أنه قابل الوزير مرتين وسلمه كافة احتياجات الإسعاف الفوري ولا يدري مثلنا ، ما الذي دخل من هذا الملف في ملف الصحة العامة في البلاد.
الحواس النشطة
الهاتف الساخن للإسعاف العراقي هو 122 وهو يعمل ولا يعمل ، كحال المخلوقات الحية وغير الحية في البلاد. ولو عمل فأن السيارة التي تنطلق من المديرية تنقطع صلاتها بالمركز حتى تعود ، لعدم وجود اتصالات ما بين سيارة الإسعاف والمركز وفيما بينها.
قلنا للمدير بأن من الضروري امتلاكه لغرفة عمليات تشرف على كل مناطق العاصمة وتؤمن اتصالاتها مع كافة الدوائر الأمنية وتنسق مع القوات المتعددة الجنسية والأهداف والمطامح والمطامع. وأردفنا بأن حتى التلفزيون في مكتبكم ساكت فكيف تهرعون لنجدة الخلق ومن أين تأتيكم الأنباء عن التفجيرات والحوادث لكي تصلوا الى المكان بالسرعة الكافية وليس لديكم حتى الاتصالات اللاسلكية ، أجابنا بكل ثقة : بالسمع والشمّ !!
مهانة الغرباء
الأمريكيون قتلوا الكثير من العراقيين ، قتلوهم عمدا وسهوا ، والأمريكيون أهانوا الكثير من العراقيين ، أهانوهم فضولا أم حماقة والأمريكيون أذلوا الكثير من العراقيين ، أذلوهم استهتارا أم قصدا بيـّـنا ، لكن القتل أحيانا يجمع ما بين العمد والحماقة والقصد والاستهتار ، كلها مجتمعة في موقع تتطاير فيه أشلاء الناس ليحزم الأمريكيون المنطقة بأشرطة أمنية ومدرعات غاضبة ومروحيات ناهشة وبنادق مسعورة.
يطوقون السيارة المنفجرة ومن سقط معها وإذا كان هناك أمريكيا قتيلا أو جريحا في هذه الملهبة ، فلا يستطيع ولا رئيس جمهورية العراق الدخول واجتياز حاجزهم الأمني ، فما الذي يفعله في الحالة البالغة المأساة ، رجل الإسعاف ؟!
الغرباء يطردون " الغرباء " عن تلك المناطق ، يتركونهم واقفين بالساعات : منقذين ، والد التلميذة التي انتظر ميلادها العمر كله ، أم العريس الفرحان بنيشان خطيبته ، الأعمى منهم والبصير ، أيا كانوا ، ينتظرون حتى مغادرة الأمريكان المنطقة بالكامل وما أن تغادر آخر بندقية أمريكية مشرعة على رؤوسهم ، لتبدأ حينها عملية إخلاء وإحصاء وتعداد الموتى.
أن هذا التقليد الأمريكي بمنع وصول المسعفين الى الجرحى لحين مغادرة قواتهم بعد أن يفقد المصابين ما تبقى لهم من دم هو تصرف إجرامي قانونيا وسافل أخلاقيا ومنحرف إنسانيا والاستعلاء فيه واضح كما العنصرية المنحطة التي تشب رؤوس حثالة البشر ما أن يعتقدوا أنهم أفضل من الآخرين وأن دمائهم أغلى وأنقى.
أكدها مدير إسعاف العراق ومن جلس معنا في ذلك الجزء من الحوار الدامي : " في كل مرة يمنعنا الأمريكان من الوصول الى الجرحى حتى وفاتهم" ، وقالها الطبيب الذي مر بالصدفة وأشبعنا القول كل من شاهد عملية ولا نحتاج الى أدلة وشهود في حوادث عشنا أغلبها ، فبدل من السماح للناس وسيارات الإسعاف عمل شيء للمصابين كانوا يطلقون النار عليهم.
بأم أعيننا شاهدنا جنديا أمريكيا يقف عند رأس جريح لأكثر من ساعة وما أن تأكد أنه مات ، غادر المكان مع أصحابه !
لا نحتاج الى شهود ولا الى إثبات موت رأيناه وعشنا نبضاته المريعة ، ليزيح محاورنا ملف حقوقي – إنساني – مهني آخر بقوله : " لا توجد حصانة لرجل الإسعاف ".
الحصانة وهبتها كل القوانين والشرائع بما فيها قوانين بلاد تحت الاحتلال لرجال الإسعاف والأطباء وكل من يحمل شارة الطب وعلامتها المعروفة دوليا ( كانت اتفاقية جنيف واضحة في هذا الشأن ).
لكن الحصانة في العراق للأمريكان وكلابهم فقط وهي الحقيقة التي مهما استترنا عليها ، يثبتونها بأنفسهم بالتصرف السليط المبني على أصل القول.
الوصول قبلهم
الفرص الوحيدة المتاحة للحياة عندما يرشد الناس بأنفسهم سيارات الإسعاف لمناطق التفجر والحوادث ، فيصلون إليها قبل مقدم الأمريكان. تحدث بالصدفة أحيانا وبلطف الأقدار أحيانا أكثر.
ومرات يقتحم رجال الإسعاف الفوري مناطق المعارك التي يهرب أو يتحاشى دخولها الأمريكان ، كما قال لنا السيد عبد الكريم الموسوي ، مستذكرا ما قام به رجاله في شارع حيفا وكيف سقط ثلاثة شهداء في سيارة الإسعاف التي نعرضها عليكم وتلك الشجاعة التي تحلى بها المسعفون في الفلوجة عندما دخلوا مناطق التماس المباشر بدون حماية ، اما الحديث عن ستر واقية يفترض أن يرتديها رجال الإسعاف ، فهذا يعتبرونه هنا من ضروب الخيال العلمي ، فحتى الزي الطبي المعروف لا يملكه رجال الإسعاف في العراق بتأكيد المدير الموسوي ، الذي قال بأن المواطنين في أحيانا كثيرا كالتفجيرات التي حصلت في الكاظمية نقلوا المصابين إلينا بواسطة العربات اليدوية وعربات الحمير.