الاثنين، 29 ديسمبر، 2008

أسرار السفارة العظمى


" أيها العالم : لا يعرف أسرار الأفرنج سواك
ولا يستطيع الخوض في نارهم
إلا أنت ! "
-محمد إقبال-


لم يطرأ على ذهن صدام ، بأنه سيبني دون أن يعلم سفارة الولايات المتحدة في البلاد التي ظن بأنه سيدها الى الأبد.
وكعادته في اختيار قصوره ، تبرز لديه قضية المكان وصلاحيته الأمنية، التي توفر له أقصى درجات العزلة من الشعب الذي أطلق عليه اسم القصور.
وما أن تستقر قناعته بالمكان ، يأتي دور الرغبات واللاعبين على ذقنه من مبتكري المقترحات والمبادرات ، لكن قصوره عادة ، لابد وأن تحتوي على متطلبات إنسان يهوى الدنيا جدا ، زد عليها تلك التي يخترعها المزيفون.
ولأن المدرسة واحدة كما يحلو للعراقيين وصف العلاقة بين النظام السابق والولايات المتحدة ، فأن صدام لم يترك للمعماري الأمريكي المتخصص في تكنولوجيا السفارات ، أي مجال للشك ، في أن الرئيس السابق للعراق وصحبه ، أهدوا لهم أفضل ما لديهم من بناء جاهز لن يكلفهم شيء ، سوى توليف المباني الضخمة الزائدة عن الحاجة والتي تبلـّد التفكير، بأخرى أكثر عملية واستجابة لمتطلبات كل دائرة ستعمل تحت قبة " قصور الشعب ".
الموقع
فكروا على النحو نفسه ، في تأمين الموقع أولا ، وإمكانية اختراقه في " حرب شوارع " جرت البروفة الأولى لها ، وقربه من الطرق السريعة التي ستكون المسلك والشريان الذي سيزودهم بكل متطلبات معيشة نحو 10 آلاف إنسان ، لو تجمعهم دفعة واحدة يمكن أن يملئوا ملعبا متوسط الحجم لكرة القدم بالهتاف والتشجيع.
لذلك بدءوا منذ مطلع أبريل 2004 بقطع طرق إضافية ، ظنها الكثيرون بأنها رد فعل طبيعي على أحداث العنف التي شهدتها البلاد مؤخرا ، وهذا الظن صحيح من جهة ، وغير صحيح ، كونهم خططوا لإغلاق هذه الطرق بسبب قصر الخضراء الذي جهزوه ليكون مقر السفارة الأمريكية المنتظرة، وسكنوا لبعض الوقت كي ينفذوا خطتهم في الوقت الملائم.
وحسب معلوماتنا من المصادر العاملة في تجهيز السفارة الأمريكية في بغداد ، فأن المسؤولين عن الأمن يريدون تأمين إغلاق منطقة عرضها يكفي لاستيعاب قذائف الهاون التي تصيب مؤسسات المنطقة الخضراء الأربع المعروفة.
ويحاولون إحاطة السفارة الأمريكية بحزام أمني يصل عرضه الى 3 كيلومترا ، لكي يقللوا من فرص مهاجمتها بقذائف الهاون ، أما وصول الشاحنات والسيارات المفخخة سيكون مستحيلا ، إلا في حالة حدوث خيانة من داخل المنظومة الأمنية للسفارة وهذا أمر مستبعد تماما في الوضع العراقي ، لأن هذه المنظومة أمريكية مائة في المائة ولا يستطيع أحد خرقها.
السكن
و اتفقت الجهات الأمريكية المعنية على أن تحل سفارتهم في أحد قصور صدام ، لكن النقاش كان يجري على أيّ من هذه القصور العشرة الضخمة في بغداد سيختارون.
وإلى جانب الترتيبات الأمنية المذكورة ، فكروا في مسألة إسكان نحو 3 آلاف دبلوماسي ، وهؤلاء المعلن عنهم والرسميين فقط ، أضف إليهم تفرعاتهم في مدن العراق ومسؤولي التحالف والدوائر المالية والفنية والتجارية والاقتصادية وتلك المرتبطة بالأمم المتحدة. أما الأجهزة الخاصة الخمسة أو الست العاملة في العراق ، فهذه لوحدها تنتشر الآن في 80 قصرا لصدام ، فلا يكفيها قصر واحد.
أين سيسكن كل هؤلاء ؟
من المؤكد حسب معطياتنا فأن كل الدبلوماسيين الذين تم اختيارهم سيأتون للعمل في العراق لوحدهم ، أي سيعيشونها " عزابية " ، وعليه يمكنهم تدبر أمورهم والسكن داخل السفارة وفي مكاتبهم الشخصية ، وستجلب لهم " كرفانات " مكيفة ومزودة بكافة أنواع الراحة ستملأ حديقة القصر الذي ما أن بناه صدام ، حتى ماتت كل أشجاره ! ( كان يختار المناطق المخضرة والمزروعة أساسا ويصادرها من الناس أو الدولة ).
سفارة العجائب
وسفارة الولايات المتحدة في بغداد من عجائب البعثات الدبلوماسية على مر العصور ، ففيها لأول مرة ستشاهد قاعات عرض سينمائي ومسرح سيزود بأجهزة الترجمة الفورية وصوتيات وإنارة متكاملة لإقامة الحفلات الموسيقية وقاعة فخمة للاستقبال ، ويمتد على مساحة غير صغيرة في الموقع مطار ، تلحق معه مخابئ للمروحيات ومراكز لصيانتها. وفيه بالطبع مرآب شاسع تحت الأرض.
ويحرص المختصون لغاية هذه اللحظة على تجهيز الغرف الزجاجية والمعتمة والحمراء ( وقسم منها جهزها لهم صدام سلفا ) ، والتي ستخصص لعمليات الاستجواب وتصويره وغيرها من العمليات التي تستدعي مراقبة خارجية.
وستكون السفارة الأولى التي تحتوي على معتقل ! وهذا الابتكار لم يفت صدام على الأرجح ، لذلك يصر العراقيون على اعتبارهم مدرسة واحدة. وستوفر لمن لا يحب التجول في المدينة ، فرصة لممارسة كافة أنواع الألعاب الرياضية حتى صيد السمك !
لكن من غير المفهوم ، ما الذي سيفعله الأمريكان بالمسجد الموجود ضمن بناء القصر – السفارة ؟ ( حرص صدام بناء على حملته الإيمانية على بناء مسجد في أي مشروع وقصر للشعب ).
البعوض
يعمل " فريق البعوضة " ( هذه التسمية ليست من اختراعنا بالمرة ) منذ نهاية أبريل 2003 على تكوين نفسه وتوسيع معارفه وأجهزته. ولعله أول الأجهزة التي سكنت السفارة الجديدة ، حتى قبل تعيين سفيرا لها. ولأنهم أول من افتتح المبنى – المدينة ، فقد حرصوا على نصب أجهزتهم ومراصدهم وهوائياتهم وكل ما من شأنه الدخول في أفواه وآذان الخلق في الإقليم كله.
" البعوض " سيلجون في كل الأضابير والأحاديث والغرف والمعاطف والعكل والغترات ، وسيستمتعون لتسجيل مكالمات الثريا والموبايلات وسيفكون شفرات الرسائل الدبلوماسية للدول الصديقة والمنبوذة على السواء. سيقرءون كل الصحف ويستمعون لكافة الإذاعات والقنوات في الأرض والفضاء.
سيؤرشفون النكات ويلاحظون الإشاعات ويقيمونها وسيبثون المناسب منها ويردون على غير المناسب.
وهؤلاء الشبان الظرفاء الذين اختاروا لأنفسهم تسمية " البعوض " ، خيرة مصاصي الأنباء وقراصنة الكمبيوتر وحاملي العيون الجائعة ، موهوبون لدرجة أنهم تمكنوا من تزوير حتى اللهجة العراقية وطبعوها على لسانهم في أقل من سنة ، يعاونهم مترجمين ومساعدين محليين ، خاضوا معهم تجارب قاسية لإثبات الولاء . ملهمين ، من الصعب خداعهم ، مجبولين بحمل المهام الدقيقة مثل الترانزسترات التي تلتصق بأجسادهم وآذانهم وملابسهم ونظاراتهم وقبعاتهم وما ملكت خلفياتهم.
العقرب
ولعلها المرة الأولى التي تسمعون بهذه التسمية ، وهي للجهاز المتعدد الوظائف والمهام ، الخارج من رحم دائرة التحريات الفيدرالية ، والمشكل فقط في العراق !!
قوامه مختلط من جنسيات مختلفة ، يطمح الأمريكيون في أن يكون العراقيون أساسا له. غير أنهم يعانون من صعوبة إيجاد " عقارب محلية " تلدغ ( أعدائهم ) ولا تموت.
مهامه سوبر خطيرة ، لا نستطيع حصرها ولو نتدارك ما أسعفتنا به المصادر من داخل الجهاز لكي نتقن واجباته التالية : متابعة العناصر المعادية للولايات المتحدة والتحالف عموما ، مراقبة كل مصادر التوتر أو المرشحة للتوتر ، التسرب داخل الأحزاب والحركات والمنظمات الشعبية ، كسب أكبر عدد ممكن من المقربين لرجال الدين والمرجعيات المعروفة ، السيطرة على حركة الأجانب داخل العراق ، مكافحة التجسس المضاد من أجهزة الاستخبارات الخارجية ، القضاء على الأزمات حتى لو كانت تخص الوقود ، افتعال الأزمات الثانوية تغطية للرئيسية ، الاندساس داخل العشائر والتجمعات المتطرفة ، تنفيذ عمليات المداهمة الخاصة للخاصين جدا ، المساعدة في تحديد البؤر التي من الممكن أن يصدر منها العنف ، صناعة الوجوه السياسية أو إسقاط المصنوعة منها ، إعداد الإكسسوارات اللازمة لمسرح العمليات ( هذه الفقرة تتطلب شرحا مهنيا لا نجيده ) ، استشعار الأخطار قبل حصولها ، الاغتيال و منع الاغتيال المضاد وغيرها من مهام تعد واحدة منها مما ذكرنا وما لم نذكر جسيمة.
السيكيورتي
وهؤلاء متشابهون في كل السفارات الأمريكية في العالم ، كما لو رسمهم تشكيلي واحد وخيــّط أزيائهم مصمم منهم. ولكنهم في السفارة الاستثنائية العظمى ، سيكونون استثنائيين أيضا ، بالإضافة الى أن عددهم غير محدود.
لن يتبعوا لأحد من الأجهزة الأمنية العاملة في السفارة ، ولن يحموا أي شخص عدا الدبلوماسيين الرسميين وجدران السفارة ومبناها من الأضرار الخارجية والاعتداءات.
ولا تنحصر مهامهم في " الشؤون الداخلية " للعراق ولن يتحدثوا في السياسية وليس المطلوب منهم حتى معرفة اسم رئيس العراق. ملزمين بحماية السفارة من الهجمات المحتملة والحفاظ على حياة الدبلوماسيين فيها وسيكون لهم شأن عظيم في تمرير الصحفيين الى هذا أو ذاك من المسؤولين الكبار فيها. ويرجح أن يكون عددهم كبيرا ، ولا يستبعد أن يكون لقسم منهم مهام مزدوجة أو متعددة.
بنتاغون صغير
أن مراجعة سريعة للدوائر العسكرية المتشعبة والأجهزة الخاصة التابعة لها ، تعطي انطباع بأن السفارة الأمريكية في بغداد ستظهر كما لو كانت نموذج مصغر للبنتاغون والخارجية ودائرة التحريات الفيدرالية ووكالة المخابرات المركزية وغيرها من أجهزة مكافحة الإرهاب. وسيعين العسكريين مركز ، موجود الآن ، مهمته إعداد الملخصات والدراسات الجاهزة وتحليل الشخصيات ومجمل العملية السياسية والأمنية والاقتصادية والنفطية والمالية في العراق.
يعمل في هذا المركز مختصون أمريكيون وبريطانيون وعراقيون وجنسيات تحالفية أخرى.
وبعد أن " سلموا السلطة الى العراقيين " في 28 يونيو 2004 انضم أوتماتيكيا كل هؤلاء الى " ستاف " السفارة ولو غير الأصلي.
أضف عليهم " جيش المستشارين " الذين جلبتهم سلطة التحالف معهم وأغلبهم من العراقيين الحاصلين على الجنسية الأمريكية أو " الغرين كارت" ، ولم يذكر لنا أي من الذين نعرفهم في هذا الجيش عن قرب تسريحه ، بمعنى استمرار مهامهم كل في مجاله
تجدر الإشارة الى أن الأمريكان جلبوا معهم مستشارين في كافة جوانب الحياة والدولة : اقتصاديين وعساكر وبوليسيين ورياضيين وإعلاميين ومطربين وممثلين وصباغين ومداحين ...الخ.
ويدلل على صحة تكهننا ، أن الأمريكان لا يزالون يحتاجون الى العاملين والمتعاونين معهم ، فكل هؤلاء المستشارين لم يلبوا حاجاتهم ، حسب ما أملته الظروف الحالية ، لذلك قاموا ومنذ ستة أشهر تقريبا بتوزيع استمارات على الراغبين طلبوا فيها الكثير من الاختصاصات وأجروا مقابلات معهم ولا تزال العملية جارية لاختيار فرق عمل في مجالات مختلفة.
لابد من التأكيد على أن الجيوش والأجهزة الأمريكية سيستمر تواجدها في قصور صدام الأخرى بالإضافة الى مطارات بغداد والمثنى ومعسكرات التاجي والمحاويل وسجون أبي غريب والرضوانية وباقي مواقعهم في المدن العراقية الأخرى.
ونظرا لضخامة الـ " ستاف " وكبر الدوائر التي ستعمل في السفارة الأمريكية ، يتساءل البعض كم ملحقا ستضم البعثة وكم سكرتير أول وثاني وثالث ، حسب الأعراف والتسلسل الوظيفي يمكن عدهم. وكيف سيكون رئيس الدائرة الفلانية ، بدرجة ملحق ، وهو وظيفيا أقدم وأرفع من السفير نفسه ، لتشعب وضخامة الدائرة التي يشرف عليها.
الآتي ليس أعظم
بدأت تعليقات العراقيين على السفير الأمريكي جون نيغروبونتي واعتبر الكثيرين بأن الأمر لن يختلف كثيرا وليس سوى عملية نقل وظيفية ، كما نقلوا صدام وجاءوا بغارنر ومن ثم نقلوه وحل بريمر الذي سيترك مكانه وفراشه الى بونتي.
ولا يعتقد من تداولنا معهم شؤون الوضع الدبلوماسي الأمريكي في العراق أن يحمل نيغروبونتي " وصفة سحرية " معه ، فكلهم مصرون على أن الأمور ستبقى على حالهم وقد تزداد سوءا ، في تشاؤم سيطر على الناس وله ما يبرره.
ومن المؤكد بأن " حقبة بونتي " ستشهد في العراق توقيع اتفاقية تحدد مصير القوات الأجنبية في العراق وما يترتب على ذلك من التزامات وأمور حقوقية أخرى. وقد تكون من الاتفاقيات الاستراتيجية الأولى التي سيتولى السفير الأمريكي الجديد شأنها.
ولم يخف العراقيون امتعاضهم من الطريقة التي يجرى بها إنشاء السفارة الأمريكية في العراق والتي يفترض أن تكون مقرا لبعثة دبلوماسية بين دولتين شريكين تربطهما مصالح مشتركة ويتعامل بعضهما مع الآخر على قدم المساواة ، كما يحفظ هذه الكليشة المترجمين عن ظهر قلب والتي يرددونها أحيانا قبل أن يتفوه بها الدبلوماسيين.
لم يعجبهم اختيار الأمريكان بأنفسهم أحد قصور صدام ليكون مقرا لسفارتهم ، فهذا المكان يكرهونه أصلا وينظرون له ككيان مغروس في قلوبهم قبل مدنهم وفوق ذلك سيأتي أمريكي يعتقدون بأنه سيحكمهم ، من ذات المكان الذي حلموا بتغييره.
أبواب الحكمة الأربع
لم يكن بالمستطاع اختراق مبنى السفارة المستقبلية بدون " دفعة " قوية، ولأن اختراقها مجرد مسألة وقت ، ففضلنا القيام باستطلاع عام والبحث عن أقرب مكان يمكننا بواسطته تصوير القصر – السفارة. وهو محروس كحامية عسكرية ، وقد يستمر نمط الحراسة على هذا النحو.
كانت الأبواب العملاقة المزينة سابقا بالنجوم التي تؤمن للرئيس الراحة لأنها وضعته في الشعار ثالثا بعد الله والوطن ، حيث قام أحدهم بإضافة كلمة واحدة فقط من صميم قلبه بالقرب من أسمه : العار!
وقفنا بعض الوقت نراقب القصر الذي لم يستمتع به الطاغية ، قربنا العدسة بكل ما تستطيع من زوم لتبين ملامح تماثيله النصفية المثبتة على أعمدة الأبواب الأربع للقصر ، كان النحاتون يلبسونه خوذة يفترض أن تكون لصلاح الدين أو نبوخذنصر أو أي داهية أخرى من تاريخ لم ينصفه صدام بالتشبه به ، ولم تراودنا أية فكرة حول المفارقة غير المتزنة التي يواكبنا بها الدهر في الامتياز الذي ستتبناه السفارة الأمريكية كونها الأولى أيضا في التاريخ التي يوجد فيها تماثيل رئيس خلعته دولة السفير !!