الاثنين، 29 ديسمبر، 2008

أين اختفى سلاح الجيش العراقي؟


إن كان ما يخبئه الليل ، يفضحه النهار ، فأن ما يكشفه هذا الفصل يحتاج الى ليال و نهارات ، كلاب حراسة وعيون غير مستئذنة ، التباس مزوق من وحي حامي حماه مدمر الجيش الباسل ، الذي لم يدرك سر العلاقة بين الليل والنهار ، وكأنه يخفي ضجيج الحديد في دوارة الغابات وجوهر النهر.
صدأ السؤال في الحناجر وأسلاك الفضائيات لكثرة تكراره ، ماجت الشكوك وأبحرت خيالات المحللين بما تيسر لهم من كراسات الدرس العسكري القديم ، لحنوه وأطربوا لسماع تعابيرهم الجميلة ، هو ذلك السؤال المحير للصامد والهارب ، للجائع والمبلول : أين اختفى الجيش العراقي وأسلحته ؟
وماذا حل ببغداد ، بعد أن سميت بـ " القلعة الحصينة " ، تيمنا بالرواية الخالدة فعلا التي خطها مدبر الجيل ومدمره.
أين اختفى السلاح وقوات النخبة والأجهزة الخاصة والصواريخ التي بحث عنها ايكوس وباتلر وبليكس ؟
هل تلاشت كما كان الأمر مع زمرة الدكتاتوريين من آسهم حتى جوكرهم ؟
ومن الأخير الذي قال : وداعا أيها السلاح !
هل استخدموه ، كدسوه ، أخفوه ، طمروه ، زرعوه ؟

كلهم هناك
الرجال الذين أتوا الى بغداد من عزلة الصحاري ورطوبة القرى ، تحولوا في السنوات التي أهدروا بها حرمة البلاد الى أخطبوط عملاق. وكان هذا يمد بأذرعه اللانهائية الى ما يمكن أن يستطيع. طمعوا بسخاء لا محدود بكل شبر فيه ماء وخضرة ، وكل ما يمت لجمال الطبيعة بصلة. ولم يتركوا زاوية إلا وبنوا لهم فيها منتجعا أو بيتا ، قصرا ومزرعة ، لهم ولمن بمعيتهم ولحيواناتهم ولمن يولد بعد قرن.
فما أن تجتاز كورنيش الأعظمية ، عابرا جسر الأئمة ، واضعا الكاظمية على يمينك ، يداهمك النهر المحتل بأسلاكهم وجدرانهم العالية. لا تحتاج سوى أن تجرجر خطواتك أسفل نحو الغابات باتجاه التاجي ، لترى واحدة من حماقات التخطيط العسكري للمهيب السابق ، وستؤكد لك الطبيعة وما دار فيها ، أن الأخطاء القاتلة هي التي تؤدي الى الهزائم في الحرب و في الحب أيضا.
غابة المدرعات
الغابة الكبرى التي يتوقع أن الكثيرين من الأعوان وربما حتى صدام مختبئون فيها ، تبدأ ببيت عريض لعبد حميد حمود ، هناك يقضون أوقاتهم ، ويسرحون في يخوتهم ، قال لنا أحد العاملين معهم بأن كل القرارات التي قتلتنا أكثر من الرصاص توقع في هذه المزارع. فالحكومة والقيادة انتقلت كليا الى الغابة التي يلتف النهر عليها ويمشي مع ظلال نخيلها.
تطوي السيارة طريق الأفعى وسلطته المطلقة ، وأول انطباع يفاجئك بأن غنائم السلطة يتم تقاسمها هنا ، وبالذات في ما يسمونه أنفسهم " جنة التاجي ".
سترون " أغنياء بلا حدود " وأباطرة زمن المجد الخارجين من جوف مراكب التهريب الشراعية في العوجة والممتدين بالوطن طولا وعرضا، وطننا الكبير ، العربي الأكبر ، في متناول يدهم ، بالجمر الذي لا تخوم له وإليه.
مكان يغير الزمان ، وزمان أوثقوه بالمكان ، لغابات من خضرة لا طائل لها وأنهر صناعية تدخل في منتجع من يرغب في قص حصته من دجلة العريانة. زمان رجيم في خلاء ناموسي ، نابض لهم وحدهم ، وما علينا إلا التنهد بالسؤال : كيف وزعوا حتى النهر فيما بينهم ؟!
شارع القيادة
يبدأ في آخر نقطة شوهد صدام فيها قبل أن يختفي في " أحراش الجنة " ؛ نهاية الكاظمية !
من هذه المنطقة البغدادية الأصيلة وحتى نهاية التاجي ، يبدأ شارع القيادة تحت ظلال الزيزفون والنخيل والأعناب في بقعة مطهر البلاد واهتماماته المشعثة.
بعد منتجع حمود ، هذه جنة قصي ، ومن ثم تأتي جنانهم حسب الرتب الحزبية : عزت الدوري وطه ياسين رمضان وطارق عزيز ووطبان وسبعاوي وطلفاح وسمير الشيخلي والحبوش وحكمت الأول والثاني ومزبان الذي فتت الحصار بقشور الرقي وصاحب الشرطة الذي تباهى بأنه يحمل " الحزام النافس " ( هكذا قالها أمام جمهرة من الصحافيين الدوليين ويقصد بالطبع الحزام الناسف ) وسعدون حمادي الذي كوموا بيته ودمروا كل طابوقة فيه ، حيث اجتمعت القيادة آخر مرة ولعلهم رأوا بعضهم البعض للمرة الأخيرة، هل لا يمكن أن يحترم التاريخ على مصادفاته ، دخل حزب البعث الى العراق من بيت حمادي وقدر أن يخرج منه أو يطمر بعد أكثر من نصف قرن تحت أنقاضه.
ولا يوجد من يهتم بمصير الجثث المدفونة في المبنى – المقبرة ، ربما الكثير من المطلوبين غائصين في وحل الاجتماع النهائي للحزب !
العشاء الأخير
جلست على أرجوحة رئيس المجلس الوطني العراقي ونظرت الى كومة البيت لنصف ساعة ، داهمني خاطر لا يمكنني تطبيقه لا جسديا ولا ماليا، وهو نبش البيت الذي تحول الى تل من صخور مستوردة ، سمعت طلقات رصاص قريبة ، أعرف أنها تحذيرية وللمخاطبة . غير أن نفور سؤال داهم اختناقي : لماذا لا يرفعوا الصخور لينهوا حسبة المطلوبين تحت هذه الأنقاض ؟
تصلني شتائم فلاحين كانوا قبل أسابيع يمتطون الشبح ويسيرون الإشارات الضوئية بمشيئتهم ، لم أرغب في استفزاز أحد ، طالما رأيت سفنهم التي ترتجف من زئيرها أسماك دجلة ، جاثية مستعبدة، لكني حدقت طويلا في حواجب البيت ورقبته ، ذلك الذي أضاء اجتماعهم الأخير.
الخطأ الطنان
في المكان الموصوف أعلاه ، مكثت كل القيادة العراقية في الساعات الأخيرة من قيادتها. وعقدت الاجتماع السياسي الأخير كما ذكرنا وكذلك اللقاء العسكري الأخير ، وبحوزتنا خريطة العمليات الأخيرة التي كانت موضوعة على الطاولة الرئيسية في مقر القيادة العسكرية العامة.
ولأنه معقلها ومهجعها ، ويلاتها وخسارتها ، منبع الأوامر التي لم تنفذ وضجة الأقدام لا العقول ، فقد حشدوا فيها نصف قوة الجيش العراقي المهيأ للدفاع عن بغداد وما تبقى سالما منه من معارك الجنوب الشهيرة.
أحصيناها قطعة أثر قطعة وإليكم المجموع : 402 دبابة ، 298 ناقلة أشخاص مدرعة وعشرات مدافع مقاومة الطائرات وصواريخ سام والدوشكات و 30 سمتية خيطوها بالسعف.
وضع صدام في مزارع وجنائن التاجي قوة عسكرية تفوق القوة الإسرائيلية التي أصابتنا مقتلا في 5 حزيران. وكان يعتقد فعلا أن معركة بغداد ستطول ، لذلك لم يدمر الجسور والطرق السريعة ، كان يريد أن يدخل الأمريكان الى بغداد ليبيدهم فيها ، ولم يكن الصحاف كاذبا مباشرا بالمعنى الحرفي للكذب ، بل كان ينقل أمنيات القائد وخططه بشكل متعسف الغباء. لقد كشف الصحاف خطط قيادته على نحو غريب وغامض ، سواء في المطار ، أو تصريحاته المعروفة الأخرى.
هو الأسلوب الذي حارب فيه صدام إيران ، والذي حاربته فيه في المحمرة والأحواز والطاهري وديزفول والشلامجة : تكديس أكبر قدر من القوة النارية في حمى الأدغال وغابات النخيل.
لكنه أغفل كما يغفل من يرتكب خطأ العمر ، القدرة التكنولوجية الأمريكية ولم يستوعبها ربما حتى الآن. فلا أدغال ولا نخيل تمنع أجهزة الرصد الأمريكية الفائقة الحساسية والتي تكشف المعادن أو الإبرة في كومة قش.
لذلك تم اصطياد المدرعات الواحدة تلو الأخرى ، لأن من يضع دبابة في بستان يفقدها القدرة على المناورة ويحصرها في مستنقع وتتحول حينئذ الى ملجأ حديدي فيه مدفع. بمعنى أنه أراد لهذه القوة أن تضرب من على الأرض بتحويل الدبابة الى مدفع.
ولما رأى الجنود ( النخبة ) بأن النيران تصب عليهم من السماء والأرض والغيوم والسعف ، لم يتداركوا أقدامهم وتفاهموا بلغة الهرولة الى أبعد من الغابات وجحيمها.
لقد دخلنا في عمق الدبابات وتفحصناها جيدا ، الكثير منها لم يصب وسالمة بنسبة 70 % أي أكثر من 250 دبابة صالحة للجيش العراقي المستقبلي ، فيما اكتشفنا أن كل الدبابات على الإطلاق لم تستخدم، أي لم تطلق النار ، ولم نعثر على أية بقايا لقذيفة أو مدفع رشاش.
تجرؤ آخر
متكبدين خطة متهورة ، لا أظن بأن جنرالا واحدا في الجيش العراقي يجهل خطأ تكديس نصف القوة العراقية في أحراش وغابات التاجي ، ناهيك عن تحويلها الى مدافع وكأنه يتصور الأمريكان يقدمون عليه مهرولين لتحصدهم أماني الصحاف. فما الذي جعلهم يسلقون الموافقة المقروضة من العقل النير للقائد العام للقوات المسلحة ، رغم أن أحدا لا يمكنه الاعتقاد بصوابها ؟!
ظل صدام على طبيعته ، مخلدا لمجد البلاد المندثر ، كان حتى في معركة الحواسم يفكر بالدفاع عن جنائنه وليس العراق. الالتجاء الى هذا الأسلوب - تحشد القوات بالقرب من بيوتهم الريفية البديلة - له تفسير واحد لا غير وهو أنهم كانوا يتحسبون للدفاع عن أنفسهم من انتفاضة شعبية مسلحة أو شبه مسلحة ، لأن طريقة انتشار وتوزيع القوة تدلل على أنهم ليسوا بصدد مقاتلة أمريكا العظمى ، بل شعب هائج ثائر عليهم ، لذلك كانت هذه القوة تكفيهم للبقاء سنوات في حالة قيام ثورة شعبية عادية بلا تدخل خارجي.
هذا أسلوب التصرف الاستثنائي بشؤون الحكم ، والتخلص من الفوضى بالعنف ومن الورطة بالكارثة ومن الطاعون بالمنارة.
مناورة النهر
أن خطة صدام بالسيطرة على دجلة ومنع الشعب من التفكير بتذوق مياهها والاقتراب حتى من مستنقعاتها ، جزء من " استراتيجية الاستبداد " وليست الجزء الأكبر منها ، واللاحق الى هذه الاستراتيجية ، الأقوى ، هو أنه متنبأ بهذا اليوم الذي تطارده فيه الشبح والأشباح من السماء والطرق التي شقها بمكارمه الرئاسية. لهذا أخلى النهر منذ سنوات ليومه الأسود الذي لابد أن يراه شخص له القدرة على البقاء كصدام.
كانت زوارقهم الخاصة مخبئة في أماكن تبدو للوهلة الأولى كأنها للهو ، لكنها لم تكن كذلك ، فقد أخليت الحبال والأسلاك وتركت مدلاة على المرافئ المدشنة للهرب ، كمن اختلس جزء من شيء ، هكذا بدت لنا لحظة الهروب على الأقل : مستنقع بائس كإسطبل ترك خيوله ، منابت أقدام مسرعة، أنقاض من دمر شيئا بتعمد على السريع ، باختصار : هياج سلطة أضاعت ختمها الرئاسي !