الاثنين، 29 ديسمبر، 2008

البطاقة التموينية


حاضرة دوما في الأحاديث والمطابخ والبطون ، حامية للغاية في مجالس الأمن والحكم والوزراء وجلسات العشائر والعرائس ومنظمات الغذاء والتعاون والإرهاب. وبدونها لا يمكنك عقد القران ولا تسجيل السيارة ولا استئجار مشتمل ولا فض العراك بين الكنـّات.
وهي الورقة التي شغلت المرجعية والأحزاب ولجان الأمم المتحدة المختلفة ولم يخلو اجتماع سياسي واقتصادي واجتماعي وحتى رياضي دون التطرق إليها.
شفافة وطويلة ورشيقة ، يكتب فيها أسم المحظوظ وعنوانه وعمره ومنزلته في التاريخ بأحرف مشوشة ، باهتة من كمبيوتر خاص لا يمتلك أحد له مثيل سوى في وزارة التجارة العراق.
البطاقة التي تجاوزت أهميتها الجنسية وشهادة الجنسية ورخصة السياقة وشهادة الدكتوراه وهي التي تحدد المواطنة العراقية ، فبواسطتها فقط ، يتسنى للعراقي الانتخاب وتعبير الرأي ، في وضع ورقته الانتخابية في الصندوق المنتظر ليختار قيادته الجديدة التي أول ما يتمنى منها زيادة حصته وتحسين نوعيتها في : البطاقة التموينية !
مفردات جديدة
البطاقة التموينية دخلت الى حياة المواطن العراقي العادي منذ عام 1990 وقبلها عرفها العراقيون خلال الحرب العالمية الثانية فقط في تاريخهم المعاصر.
وولدت هذه المفردة الجديدة ، مفردات أخرى ، أصبحت ضمن التآلف اليومي المحلي للغة.
ونظام التموين الذي فرضه الحصار الاقتصادي ، مستمرا ليومنا هذا ويعتمد على هيكلية أشرفت عليها الأمم المتحدة ومنظمة الغذاء العالمية ومنظمة الصحة الدولية.
ووفقا لهذا النظام توزع العائلات العراقية كل حسب منطقة سكنه على " وكلاء التوزيع". وهذه المفردة جديدة أيضا ، فالوكيل أصبح جزءا حيويا في تاريخ كل عائلة ، وصدرت قوانين كثيرة تحدد ما للوكيل وما عليه ، منها عدم جواز انتقال محل عمله ، إلا بموافقة مركز خاص في وزارة التجارة ، لضمان عدم تحميل العائلة أجور النقل.
والمفردة الأخرى هي " نسبة الجفاف " التي تقود الى مفردة ليست هينة في الحياة العراقية أيضا وهي " فرق تجزئة الوزن " التي تثير العراقيين جدا ، فالفارق في الوزن هو دائما قلة الوزن المحدد الذي يدعي الوكيل عادة بأن الحصة استلمها ناقصة ، ويوزع هذا النقص على الناس ، لكي لا يتحمل الخسارة ، في حين يؤكد المسؤولين في الوزارة المعنية بأن فارق الوزن يدعمونه دائما للوكيل.
ومفردة " خصم الجفاف " التي تعادل 2 % من الحصة العامة التي يستلمها الوكيل ، فالمواد الغذائية تتعرض الى ما تتعرض إليه لاسيما في الصيف من جفاف وتلف وغير ذلك.
أما الوكيل الذي يعتبر أهم حلقة في عملية إطعام الشعب ، فمسؤول عن تجهيز ما يقارب 250 – 500 عائلة ويمنح ، حسب مفردة جديدة أخرى ما يعرف بـ " مراقبة الوزن " الذي تقوم به اجهزة " الرقابة التجارية " مجموعة من الأكياس لتعويضه عن فارق الوزن.
وآخر مفردة وهبتها حياة البطاقة التموينية هي " السقف الزمني " الذي حدد بأسبوع ينبغي على المواطن فيه استلام حصته من الغذاء مهما كانت ظروفه وفي هذه المدن يمكنه حمل أكياسه الى الأجهزة الرقابية في وزارة التجارة ، علـّهم يكتشفون عدد الغرامات التي سرقت منه.
مبررات الوكلاء
التقينا باكثر من وكيل ، وكما لو اتفقوا على كلمة واحدة مؤكدين بأن لولاهم لما نجح العمل بالبطاقة التموينية ، وحسب كلامهم ، فهم الذين يتحملون النقص في المواد ، وخاصة بعد أحداث النهب التي تعرضت لها مخازن المواد الغذائية والفوضى والفراغ الذي أعقب ذلك ، تدبروا تجهيز الناس ببعض المواد ، حيث لم تكن هناك وزارة لأكثر من أربعة أشهر لتسلمهم الكميات الكافية والمقررة في الحصة.
وأشاروا الى أنهم لا يربحون شيئا ، فالنسبة التي يحصلون عليها وهي 50 دينار للفرد الواحد ، تذهب الى النقل الذي ارتفعت أسعاره ، خاصة في تلك الأوقات التي تمر بها البلاد بأزمة للوقود ، ناهيك عن الاضطراب الأمني. وشكوا من عدم تجهيزهم بسيارات خاصة لتسهل من عملية النقل ، ولا توجد لديهم ما يسمى بالميزان الإلكتروني الذي يدقق أكثر في الحصة التي أغلبها يقاس بالغرامات ، وأخبروا بأن البعض في وزارة التجارة قام ببيع هذه الميازين التي فرضتها الأمم المتحدة في السوق الخاصة ولم يسلمها الى الوكلاء.
شكاوى المواطنين
تتركز في الكمية والنوعية ، فالطحين أسمر ورديء جدا ومن الصعب خبزه والسكر درجة ثالثة وقديم وكله زبالة والروائح الكريهة التي تصدر من البقوليات المختلفة لسوء خزنها على الأرجح ومساحيق الغسل التي لا تصلح لتنظيف البشر وحاجياتهم والتي سببت في أمراضهم الجلدية والرز نصفه حصو وحجارة وديدان.
أما الكمية فلا تلبي حاجة العائلة فهي قليلة جدا و يطالب كل المواطنين بزيادة مفرداتها ، حسب تعبيرهم ، ويتسائلون : ما الذي يضير الحكومة لو أضافت حليب الأطفال والكبار والألبان واللحوم والدجاج والمكرونة والجبن والمعجون وغيرها من أساسيات الوجبات العراقية.
ردود الرسميين
لا يوجد نقص إطلاقا في كمية الحصة ، لأن وزارة التجارة تمنح الوكلاء وزنا أكثر من المطلوب لتلافي هذا الأمر ولكن الوكلاء يتلاعبون في الوزن للحصول على المنافع الخاصة.
والنوعية الرديئة لا تحدث دائما وتعتمد على الظروف التي يمر بها البلد وخاصة الصعوبة التي برزت بعد التدهور الأمني واختطاف سواق الشاحنات وانتظار معظمهم عند الحدود ، حيث ترفض الكثير من شركات المجازفة بشاحناتها وسائقيها وتمنعهم من دخول العراق ، الأمر الذي يدفع الوزارة لاستئجار شاحنات محلية تنقل من تلك المنتظرة في الحدود ، وهذه عملية شاقة ومكلفة وتهدر المزيد من الوقت الذي يؤثر في النتيجة في السعر والنوعية المستوردة.
وبشأن الخزن السيء للمواد ، فقالوا بأنهم " يتابعون " الموضوع وشكلوا لجان لمعالجة هذه المشكلة ، مشيرين أن الوزارة استلمت أغلب المخازن حطاما بعد حرقها ونهبها وأعادت تأهيلها في الفترة الماضية.
وبالنسبة لزيادة المواد داخل الحصة فقالوا في وزارة التجارة بأنهم " يعدون الدراسات " في هذا المجال وسيقررون بالتشاور مع وزارات أخرى وموافقة مجلس الوزراء تنفيذ هذا المطلب الشعبي أم عدمه.
غير صالح
اعترف وزير التجارة العراقي بأن نوعية المواد الداخلة في البطاقة التموينية رديئة. وضرب مثلا ، بالطحين العفن الذي وزع للناس مؤخرا باتهامه " أصحاب النفوس الضعيفة " المشتركين في المثلث : المطحنة – الناقل – الوكيل بالنتيجة التي آلت إليه أحوال الحصة وتعفن المنتوج بسبب رش الماء على الحنطة قبل طحنها ليزيد وزنها ، الأمر الذي تسبب في عفونة طحين الخلق وكثرة الديدان فيه.
لابد من التوضيح بأن الحنطة العراقية من النوع " السيـّال " غير المتماسك، أي غير القابل على الخبز ، لذلك يضطرون الى خلطها من الحنطة الاسترالية ، السويسرية ، الروسية والأمريكية بنسبة 75 % عراقية و 25 مستوردة بعد خزنها بالسايلوات.
من هذه الأماكن يستلم أصحاب المطاحن المحلية النسب المذكورة لتبدأ بعد ذلك العملية التي أشار إليها الوزير.
غير أن تعليق الوزير يطرح العديد من الأسئلة : ألا يوجد عقد بين الوزارة وأصحاب المطاحن يفرضون فيه شرطا جزائيا في حالة استلامهم طحينا سيئا؟ ولماذا لا يفرضون مراقبين دائميين على المطاحن لمراقبة التجاوزات التي تحصل أثناء الطحن ؟ لماذا يستلم المعنيين المواد من المطاحن عندما تكون سيئة ولماذا لا يفحصونها ، خاصة وأن الطحين أساسي جدا في المائدة العراقية ويؤثر بشكل حاسم على صحة الناس ؟
هذه الأسئلة ليست جديدة على المعنيين وتعد أولية بالنسبة لشغلهم ، فلديهم آليات كاملة من الناحية النظرية ، فكل وجبة مطحونة تراقب وتمر بفحص مختبري وتختم الأكياس من المراقب الصحي وثمة لجان متخصصة تشرف على هذه العملية برمتها ، ومع ذلك يحدث ما أكد عليه الوزير من توزيع أهم مادة في الصحن العراقي : عفنة مزروعة بالديدان !
الغش أنواع
يستلم أصحاب المطاحن الحنطة المستوردة الجيدة ليبيعوها بدورهم في أسواق جميلة والعلاوي والشورجة ويشتروا بدلا عنه الطحين القديم ليعيد طحنه مخمرا بالماء ، لذلك يتعفن بسرعة. أو يشتري الحنطة من الفلاحين العراقيين ليطحنها بدلا من الحنطة المخلوطة والتي تفرضها شروط الحصة التموينية.
والحنطة العراقية سيئة وخاصة الجنوبية بسبب التربة وعدم وجود شبكات البزل فيزيدها ملوحة والتلوث الذي تعرضت له دجلة والفرات بسبب الإهمال الذي أصاب القطاع الزراعي منذ أكثر من عقدين. والحل الوحيد الذي ينهي " أزمة الطحين " هو تحسين وضع الحنطة العراقية ، الأمر الذي سيقلل بالبداهة من الاعتماد على الحنطة المستوردة.
بانوراما
السكر يجلبونه من مصر ، لكن الذي يستلمه المواطن شيء أبيض فيه حلاوة وديدان وحجارة بيضاء مرة ومع ذلك فقد توقف منح السكر لبضعة أشهر . والشاي اختفى أيضا مع قطع الخشب السوداء في خلطته الغريبة ، أما حليب الأطفال فلم يره أحد منذ عام والزيوت توصلك لأقرب صيدلية لمعالجة آثارها المدمرة للجهاز الهضمي ولا زالوا مصرين على استيراد الرز السيء من جنوب شرق آسيا كون الرز العراقي الجيد لا يكفي العراق سوى لنصف شهر بالإضافة الى أنه أغلى من المستورد. والمنظفات من مصر وتونس والأردن وسوريا للعام الرابع عشر على التوالي بالرغم من عدم تغير سحنة العراقيين وثباتهم على لون بشرة واحد ، أما الجبن فنماذجه لا تزال معروضة في ثلاجة الوزير !
وقائع
يصل الغذاء الى العراق بواسطة ثلاث موانئ رئيسية على الأقل هي العقبة وأم قصر والموانئ السورية وتنقله شاحنات الشركة العامة للحبوب علاوة على شركات نقل خاصة وأشرنا الى المتاعب التي تتعرض لها من المجاهدين واللصوص على السواء.
والمصاعب التي كان الرسميون يرددونها أنتهى أوانها وخاصة إلقاء أغلب مشاكلهم على النظام المنقرض ، مثل العقود والشركات التي كان يفضلها لأسباب سياسية ، فقد انتهى العمل بمذكرة التفاهم منذ أكثر من عام وإذا كانت مواد متعفنة قد استوردها النظام ، فقد أتى عليها النهب والحرق منذ سنة ونصف ، فعلام يوجهون اللوم الآن ؟
الطريف أنهم لا يزالون يوجهونه الى النظام الذي أصبح سابقا ، ولكن الى ما يسمونهم " الفلول " في الفلوجة والرمادي واضطراب الوضع الأمني ، طبعا الوضع الأمني لا يعفن الطحين ولا يرمي الحجارة والزبالة في السكر والشاي ، فللوضع الأمني مشاكله على الحصة وطريقة إيصال المواد وزيادة سعرها ، لا على نوعيتها.
مافيا القوت
المشكلة كلها تنحصر في أن وزارة التجارة العراقية تنعم بالفاسدين والمرتشين منذ العهد السابق وبقوا على وضعهم ومسؤولياتهم ، بل ازدادت أذرعهم بعد تشكيلهم فيما يمكن أن نسميهم في الوقت الحاضر " مافيا البطاقة التموينية ".
وأذرعهم تمتد الى كل البلدان التي يتم استيراد مواد الحصة التموينية منها ، وثمة كلام يتداوله العراقيون بأن استبدال مواد الحصة يتم في سوريا والأردن حتى قبل أن تصل الى العراق ، استبدالها بمواد أقل جودة وسعرا.
هذا الكلام قد لا يفهم بسرعة ، بدون بعض الحسابات ، ففي العراق كما يقولون في الوزارات المختصة ، 25 مليون مواطن وإذا علمنا أن كل مادة شهريا يستورد منها مليون طن تقريبا وتوزع بالغرامات أو الكيلوات على الناس ، فأن أي تلاعب بأي غرام نتيجته بعض السنتات ، لكن هذه السنتات أو الدنانير تضرب ملايين المرات على عدد الأطنان والمواد والأشهر والسنين ، والنتيجة أن هذه المافيا تتعامل بمليارات الدولارات في السنة ، لذلك فأن مسألة الغش والفساد والتزوير والتلاعب على المدى الطويل يخلق أقوى المافيات الثرية في المنطقة.
بغياب السوط
والقانون ليس مواد مطبوعة ، بل آليات تنفذه ، ابتداء من ملاحقات النيابة وانتهاء بقرار القضاة في المحكمة. ومشكلة العراق ، توجد فيه كفاية من القوانين ، لكن لا توجد فيه المؤسسات التي تحمي وتؤمن تطبيق القانون ، وغابت الجهات التي تلاحق المتلاعبين بقوت الشعب ، ليس الوكيل في المنطقة الفلانية الذي يغش الناس ببضعة غرامات ، بل الشركات الكبرى التي توقع عقودا بتوريد المادة المعينة عالية الجودة وفي النتيجة تجلب أرخص وأسوأ المواد في السوق العالمية ، وحتى لو سلمت المرحلة الأولى من الغش وقام المورد باستيراد المواد اللازمة ، فأن الشركات الناقلة ستستبدلها حتى في عرض البحر ، أو في الموانئ المذكورة ، وحصلت مرات كثيرة ، أن كشف المفتشون النجباء عمليات الاحتيال هذه ، وكتبوا الى مرؤوسيهم في الوزارة ، إلا أن أحدا ، لم يلاحق أحد في عمليات التزييف هذه.
تاليا ، في بلد على أعتاب بناء ديمقراطية ستهز أمريكا ، لا يحق لأي كان توجيه السؤال البلشفي المندثر : من أين لهم هذا ؟! من أين لموظفي الاستيراد في وزارة التجارة وهم موظفين عاديين ، عمارات وسيارات وطلعات بهية ووجوه مشرقة وسفرات استجمام طوال الكرة الأرضية وعرضها ؟
أسرار المخازن
بالكاد جمعوا العاملين في الوزارة خلال أشهر السقوط الأولى ، التي استطاعوا فيها ترميم المخازن وتدبير من يشرف عليها ، وما أن تشكلت الوزارة بعد أشهر من الغياب ، فزع الدكتور علي عبد الأمير علاوي أول وزير تجارة في العهد الجديد من هول الفساد في وزارته وكان يرددها حتى وهو يمشي لوحده في الإنكليزية والأمريكية والعربية وحتى الإيطالية ، لكن لم يسمعه أحد في الإدارة المدنية المنحلة .
لقد كانت المخازن التي يفترض أن تطعم 25 مليون إنسان مغضوب عليهم لربع قرن على الأقل ، مركزا لعتاة المضاربين في غذاء الشعب ، الذين لا تحرك ضمائرهم حوادث السرطان والتلوث والتهاب الكبد والجهاز الهضمي الذي أصيب به مئات الآلاف من المواطنين نتيجة تناولهم الزبالة المقشرة والمطحونة ، المصبوغة والملفوفة بالسلوفان ، سموما حية مباشرة ، سقوها الشعب بإرادته وجشعهم.
وإذ يرسل الوزير النزيه لجان تفتيشية ، الى المخازن ، فما هي فاعلة ، أزاء عملية ، بل منظومة إجرامية كاملة الأوصاف والأطراف ومدعومة بالوثائق الكافية التي كانت بمتناول الجميع.
يستطيعون في المخازن استبدال أي سلعة بأخرى ، أو تأخير إرسال المواد لشهر أو ثلاثة ، حتى يتكدس لديهم المخزون ، ليعرضونه على أي لجنة ، وهم في الحقيقة ، قد باعوا الأصلي كله ، وعلى اللجنة البحث عنه في أسواق عمان أو دمشق ، أو في أسواق الجملة البغدادية ؛ في جميلة أو العلاوي وغيرها.
بعد أن ملّ الوزير المذكور من ذكر كل هذه الحقائق ، تفتقت قريحة مجلس الحكم بتشكيل لجنة النزاهة وأعطوها لمستشار الأمن القومي موفق الربيعي الذي لا نعرف عن مصيره شيء حتى الآن لكي نقول السابق ، فهو مثلنا لا يعرف ما منصبه.
عموما ، لم ينشغل الرجل بأمور هذه اللجنة سوى بضعة أيام ، فقد أطاحت بأوقاته وحيوية قلبه أحداث النجف والكوفة والفلوجة وغيرها ، الأمر الذي أدى الى سكوت الحاكمين بأمر الحاكم من تداول موضوعة " النزاهة " في الدولة العراقية ، فالموجة العاتية كانت تحصد اليابس والأخضر ، وتطحن المطحون ، وأصبح الحديث عن الفساد نوع من البطر.
براءة ذمة دولية
كانت منظمة الغذاء العالمية تمارس دور المنسق العام بين لجنة العقوبات 661 والمكلفة بتنفيذ " مذكرة التفاهم " والنظام العراقي ، ولم تتدخل في العقود ولا طريقة إبرامها التي كان النظام يسوقها لاعتبارات سياسية كما أشرنا مرات عديدة لهذه المسألة.
غير أن هذه المنظمة المرموقة ، أخذت على عاتقها بغياب النظام ومن بعده لجنة 661 التي تلاشت هي الأخرى بعد رفع الحظر أو الحصار ، مسؤولية لم يمنحها إياها أحد. وتحولت الى الطرف المباشر في عملية توريد العراق بالمواد الغذائية.
طبعا ، لم تمول الأمر على حسابها ، بل كانت تسحب من صندوق تنمية العراق بالتنسيق مع إدارة بريمر.
وتبين أنها أنفقت في الأشهر التي سبقت تشكيل الحكومة ، ما يتجاوز ملياري دولار على شراء المواد الغذائية وإيصالها الى العراق ، بالرغم من أن صدام منح الناس حصتهم لثلاثة أشهر تنتهي في 1 يوليو 2003 ، ويبدو أنه كان متيقنا بما يحدث.
هذه الأشهر : أبريل – مايو و يونيو ، كان النظام السابق قد صرف بها حصة الناس ، لكن المنظمة المذكورة وإدارة بريمر صرفت أيضا من صندوق العراق الغامض المبلغ أعلاه ، ولم يصل شيء لا الى الناس ولا الى المخازن.
أعقب ذلك ما هو أغرب : تعاقدت المنظمة بالتنسيق مع الإدارة المدنية ، مع الشركات نفسها التي كان النظام يتعاقد معها !!!
نعتقد بأن الوقت قد حان لتقليب الموضوع من كل جوانبه لمعرفة ألغاز البطاقة التموينية المحيرة ، لأن القضية لا تتوقف عند الوكيل البسيط الذي يحصل على بضعة سنتات من كل مواطن ، أو على صاحب شركة الشحن ، بل أن دائرة الفساد الدموية وصلت الى اغتيال ثلاث مدراء عامين في وزارة التجارة لوحدها وعدد غير محدود من الموظفين الأدنى.
ماذا نأكل غدا ؟
هو السؤال الذي يتقاسمه الزوجان العراقيان قبل أن يهجعا الى النوم طوال أربعة عشر عاما !! وهو الذي نشـّف ريق الآباء وحملهم الى النزول أكثر فأكثر من أجل الإجابة على سؤال الزوجة الليلي وهو الذي أفقد العرق من الجباه والماء من العيون وجفف الحلق وضيع مذاق الحياة.
والذي يعيش برغد ، لكي يظل هذا السؤال عالقا على شفاه الآباء لهو في ظلال مبين وسينزل الى الدرك الأسفل للتاريخ ، وإن أصبحت البطاقة التموينية ذات استخدام مزدوج : الطهي والانتخاب !!