الاثنين، 29 ديسمبر، 2008

طوابير الوقود والمرارة


الأزمات تخلق الأسئلة وتكون مسرى الحديث وتتآلف وتحيى وتتراءى في كل فكرة ملحة. وقبل أن تحل ضيفا تسأل من يعدون لك الطعام : هل لديكم نفط ؟ أحصلتم على قنينة غاز ؟!
النقص والحاجة أسئلة ، والأسئلة في مهب ريح تتعطش للأجوبة ، تلج ضفة الحياة اليومية وقاعها ، فالسائل الذي يطفو عليه العراق تبخر على أراضيه ، والأيام الرمضانية تمضي بالرجال بعد السحور للأزقة الوليدة توا ببيزنيس الوقود والأوقات الممهورة بالفساد والتقصير والجرائم على أنواعها التي لا يساعد المؤذن على تقليلها ولا تؤازرها العامة ولا تستكين أو تستلم لها البيانات الرسمية.
والطوابير غموض وانتظار وملل وتوقف لعبة الزمان وقهر وذل والشعور بالتقاط الفتات من هذه الدنيا ،،،
الطوابير محال وأوقات خربة ، ضائعة بلا فعل وتقليب صفحة الماء بعد جهد بالفراغ المزين جوف المصابيح المطفئة ووحشة الدار ، إذ ادلهمت مع الغروب.
و الظلام إن ينسج على لقاء العائلة المتيبسة بالصوم ، انطفاء أمل السيدة التي بذلت كل ما بوسعها من أجل تشييد منظر لقاء الجميع حول ثمار أناملها وأنفاسها ، جهدها الكريم المصبوب بالأطباق ، ارتداد أمل السيدات اللواتي كومن عضلاتهن لرؤية بهجة الرجال لحظة هبوط رغباتهم مع الترتيل : " على رزقك أفطرت " ، في تلك اللحظات التي ترفس بها ضواري العتمة ، الأمسية المنتظرة لأجمل اللحظات وأقدسها ، تلك التي يطالع الجميع بعضهم البعض في موعد الإفطار.
نافذة الظلام
مشتقات الحكاية وأصلها ، بئرها وأنابيبها ، أن العراق يعاني جدا في رمضان الجاري من أزمة محروقات ، جادة ومضنية ومهلكة للمزاج والصحون والجهد والوقت والمال.
والمشكلة في مكان ما في البلاد ، وليس بالضرورة في وزارة النفط الوحيدة التي دافع عنها المحتلون والوحيدة التي أفطروا وتغدوا وتعشوا فيها منذ دخولهم غير الوقور الى العاصمة والوحيدة التي قاتلوا من أجلها وسيقاتلون حتى آخر قطرة نفط.
المشكلة قد تكمن في أن للعراق ثاني احتياطي نفطي في الكوكب وقد تكون في التفجيرات التي تتعرض لها الأنابيب والاعتداءات التي توجه ضد الشاحنات والصهاريج والبنية النفطية الخربة التي تركها السابقون ، وربما ما فعله الحصار والتسيب وامتصاص العروق بلا تغذيتها وعسكرة البلاد وعدم الشعور بالمسؤولية وتفشي الفساد وغياب الروح الوطنية لمن يضع يديه على أرزاق الناس ، غياب التخطيط والإهمال والتناقض بين خطط الخبراء المتعددي الجنسية والمحليين ، ضياع البرغي الذي يضبط توازن البلاد ، تيه الجهة المراقبة والمحاسبة وعدم احترام الجميع للجميع والزوغان عبر القوانين المتآكلة كحنفيات التصدير.
والمشكلة قد تكون ناجمة من أن العراق يصدر مليوني برميل يوميا وسيصل بها الى ثلاثة بعد حين مؤجل ، ولا احد يعرف الى أين يذهب البترول وأين تستقر عوائده وأي نقطة تغلق بها نهايات الأنابيب.
والمشكلة على الأرجح لها علاقة بالشاحنات والصهاريج والتناكر الحكومية التي تبدل علاماتها المرورية وقطعها وتبيع البنزين والنفط على قوارع الطرق العراقية.
المشكلة لابد وأن تكمن في الصبية الذين لا ينامون على أسرّتهم ، بل يلتحفون الشوارع مع الجيليكانات ليبيعوا للخلق البنزين بأكثر من مائة مرة من سعره في المحطات المهجورة وصواميلها الجافة.
المشكلة هي أن العراقيين قدر عليهم أن يكونوا محكومين أبدا وأن يهجعوا الى مضاجعهم مكرهين دوما ومظلومين مهما اشتدت الخطوب ، يجرفهم ليل الى ليل وكذب الى زيف وهوة الى مستنقع وخطوة الى الإمام ودهر الى الخلف وأنهم يمشون حفاة على النفط والقمامة والدماء والمزابل العمومية وأن يمشطوا أيامهم بالقرارات والتعليمات والعاتق والحاجات.
المشكلة الكبرى ، أن العراقيين صاروا " شعب الحد الأدنى " من الرغبات والحاجات والحقوق والأساسيات والهواء والماء والابتسام والغدو والرواح في دوامة الفرج الآتي بالكاد : ظلمة وفجور معاني الكلمات ومبتغاها ، المبتدأ الأخضر والخبر اليابس وأن يكونا مفعولا به على بحر النفط ، طحالب النظريات الهرمة التي ينبغي أن تثبت صحتها على أجسادهم.
ماذا جرى ؟
هي الأزمة الكبرى الثانية التي تداهم البلاد وتوقف مسيرها ، وإذ نحتكم للحجة المتوالية بأن الإرهابيين فجروا مصفى أو أنبوب نفط ما أن تسكن العاصمة بالطوابير على محطات الوقود ، فوقائع الأمور ونشرات الأنباء لم تعلن عن مثل هذه العمليات ولم يؤكدها أي مصدر رسمي. فما الذي جرى هذه المرة وجعل الناس يفقدون أيامهم بالاتكاء على الطوابير ؟
المشرفون على محطات الوقود يقولون بأن الشاحنات لا تصل بسبب الزحام وشرطة المرور يهيبون بالمواطنين الالتزام بذراع الشرطي والتقشف باستخدام الهورن والمواطنين يدفعون سياراتهم بالأكتاف من أسفل الجسور المغلقة حتى نهاياتها المسدودة لتأمين حياة أفضل لمتعددي الجنسيات وحتى لمن جاء الى العراق من أجل الحصول على الجنسية السعيدة.
الاتهام انحصر في " الطرق غير السالكة " وأي الطرق سالكة لو كانت المحطات الرسمية تتهم الأهلية بخزن الوقود وبيعه بالسوق السوداء ، الأمر الذي يؤدي الى أن زبائن الأهلية يضغطون على الرسمية ويروعون حنفياتها بالتفاهم بالمسدسات ، حتى في تلك الحالات التي تبقى فيها سيارة شاركت في الحرب العالمية الثانية متوقفة بالطابور يملأ صاحبها البنزين ليبيعه عند حافات المحطة ليعود من جديد ينتظر في الطابور وهكذا يمارس هذه المهنة طالما سياراته تعمل بالدفع اليدوي.
وبعض المحطات يقطع فيها التيار الكهربائي فتضطر للتوقف ساعات حتى تعود لها الطاقة ، وهذه الساعات كافية لتمتلئ طوابيرها.
كوبونات الحظ
المهمة المستحيلة بالحصول على قنينة غاز أو تعبئة خزان السيارة بالوقود تبدأ من الفجر حسب مبدأ " أنت وحظك " ، وتنتهي بالشكوى ابتداء من المجالس المحلية وحتى مجلس الأمن.
هذه الأزمات المتتالية : الكهرباء .. البنزين .. النفط .. الغاز ،، المواصلات ، تعطل الهواتف ، وغيرها من المتاعب المكعبة والتي صارت مزمنة ، تحدث في هذه الأوقات الحسنة الطقس ، فكيف الحال لو يضرب الشتاء تقويمه ؟
ثمة أحاديث بين الرسميين الى اعتماد أساليب قديمة ، كالتعامل بأرقام السيارات الفردي والزوجي واعتماد البطاقة التموينية وصرف الملايين من أجل طبع " كوبونات نفط " وتوزيعها على الناس لكي تبدأ مرحلة جديدة للتلاعب ومتاعب الكوبونات هذه المرة.
في وضح النهار
تسير الوانيتات في وضح النهار البغدادي محملة ببراميل " الكاز " والبنزين لتوزعها على النقاط الرئيسية للأسواق السوداء طوال العاصمة وعرضها.
لا يهتم أحد من المعنيين بضبط البلاد ، بوجود مثل هذه السيارات التي تمول السوق الثانية وغير الشرعية للوقود التي تبدو وكأنها كراجات أو مساحات مطلية بالدهان الأسود والزفت.
وبغياب الحزم والعقوبات والمنع بالقانون ، تستمر هذه السوق وتزدهر على حساب المواطن العادي الذي يشتري الظلام بالصمت
تهريب وسرقة
أحدثت المجموعات المسلحة المتنوعة الأهداف و ما يمكن ان نطلق عليه "عصابات العشائر " نحو 60 ثقبا في الأنبوب الناقل للمشتقات النفطية الى بغداد ، تسحب منه حسب إمكانيات كل منها وتهربه الى داخل وخارج العراق.
ولم تقتصر جرأة المهربين بإحداث فتحات في الأنبوب والسطو على محتوياته فحسب ، بل إقامة محطات صغيرة على الأنبوب مباشرة ، وتغطيتها بالسعف والأعشاب أو أي شيء آخر من باب التمويه.
ولهؤلاء المهربين علاقات مع عصابات أخرى لها نشاطها عبر الحدود أو في موانئ العراق وخاصة في منطقة أبي الخصيب.
والمثير ، أن الرأي العام بكل وسائله يركز اتهاماته المبنية على المشاهدات والوقائع فيما يخص التهريب والسطو على الممتلكات العامة ، لكن أي جهاز حكومي لم ينشط من اجل القضاء على هذه المفاسد.
ولا يوجد شك في المعلومات الصريحة التي يتحدثون عنها حتى داخل وزارة النفط العراقية بوجود " مافيا النفط " وهي مؤسسة على معطيات غير صالحة للتداول ، لاسيما وأن أعلى مؤسسة تشرف على النفط في العراق يسمونها " المجلس الأعلى للنفط ".
وهذا " المجلس الأعلى " يترأسه أياد علاوي ويضم في عضويته عدد من الوزراء بمن فيهم وزير النفط والمالية والتخطيط.
السطو على الطبيعة
المستسهلين الأمر والطفيليين في الكريات الحية للبلاد ، كان رد فعلهم على أزمة الوقود ، الهجوم على الطبيعة وما تبقى من أشجار في الحدائق النادرة والمتنزهات المتاحة لقطع أشجارها وتحويلها الى حطب واختزانه حتى الشتاء ليبيعونه بسعر أعلى وخاصة للمخابز ومطاعم السمك المسكوف التي تعتمد على الشواء.
ولم يهتم أحد لما يحصل من ابادة شاملة لأشجار العاصمة من قبل تجار الحطب ، الذين سيتركون بغداد خاوية من أي شجرة لو تركوا يعبثون بها على هذا النحو.