الاثنين، 29 ديسمبر، 2008

كيف أخفى النظام طائراته؟


هل استبد بالنظام اليأس ، أن دفن قوته الجوية في باطن الأرض وخيط طيران الجيش وكل المروحيات القتالية بالسعف وأخفاها في الغابات؟
أم أنه الطريق المطروق والخطة المستباحة وفخر الأوطان وأموال الجياع وما ابتلانا به فكر القائد !
سيتاح لنا الآن أو بعد حين ، فك ألغازه ، الواحد تلو الآخر ، فيما لو أدركنا أو صورنا أو كتبنا أو التقطت أعيننا ، شيء من الزيف والتذلل وتشممنا أنفاس الانهيار وحمية الطغاة وشقاوات نهابو البلاد.
سيتاح لنا ، طالما الوجع في صلبنا والتعسف تدبيرنا ، ورفرفة تيقظنا خمرة قرارات عاثرة ، أفلتت الزبد وهضمت الغياب.
طائر السعف
يذكرنا مشهد خياطة السعف كبدلة للسمتيات التي دفع ثمنها من كدّ الوطن وكبده ، بطائر القصب. هذا الطائر معروف للجنوبيين ، بأنه يكثر في المستنقعات والأحراش ، وما أن يحس بخطر وشيك يداهمه ، يضع مخالب قدميه في رقبته ويضغط عليها بقوة ليغرزها فيها. هكذا كان يفضل الانتحار على مواجهة الأخطار ، وربما القفص الأزلي.
لكن هذا التشبيه يفيد المروحيات وليس من اشتراها ، فلم نسمع حتى الآن بأن أي من أزلام النظام المنهار قد آلمته لحظات الانتحار الأخيرة أو حتى فكر به ، فهؤلاء تسابقوا على تسليم أنفسهم أو الاختفاء في الجحور.
تشبه المروحيات التي أغدق عليها القائد المبلول ما تيسر من ميزانية البلاد ليبني طيران الجيش ، طائرنا المذعور.
هذه السمتيات التي أخفيت كبطة هلس ريشها باضطراب ، كانت تصب حممها ونيرانها وغازاتها السامة ونتائج أبحاث الأسلحة الكيمياوية على أهل الدار. ولم يستثن أبطال التحرير أحدا من زاخو حتى الفاو. كانت تحوم على فقراء الجبال والأهوار لتنغص حياة البشر المسالمين الذين لا يملكون غير ما وهبه الخالق لهم من خضار وماء ومنجل وفالة ومحراث عتيق وحمار صبور.
قال لنا عبد الستار الذي اصطحبنا في مزرعته وبساتين العائلة ، بأن هذه السمتيات هبطت في أرضهم على حين غرة وبلا مقدمات. ويصف التشوش والقلق الذي انتاب الأطفال والنساء في الحقل ، وكيف حزموا حاجياتهم لمغادرة المكان ، فمن يستطيع المبيت ليلة واحدة في قاعدة جوية وقت الحرب ، حسب تعبير مضيفنا.
هكذا حولوا مزارع وبساتين الآمنين الى مأوى أو مخبأ ، بل وكر حيوان مذعور ، لأسلحتهم التي كانت قبل فترة ليست طويلة تفتك بهم.
ولم ينته الأمر بتركهم أسلحة ثقيلة ، بل استراتيجية في أماكن خاصة فيها مدنيين بدون موافقتهم ، بل أجبروهم على توقيع تعهد ألزموهم بموجبه ، الدفاع عن " الأمانة " وحمايتها !
ولم يسأل مخترع فكرة التعهد ، مبتكر نظرية إخفاء هذه الطائرات في المزارع ، عن فائدة هذا العهد. فممن يحمونها وكيف يدافع عنها مزارعين بسيطين ، إذا كان الحراس الأصليين ألقوا بها وخيطوها بالسعف وتركوها نهبا لمن هب وتوحل.
هل كان هؤلاء يظنون بأن توريطهم للمزارعين والملاك بهذه الأسلحة ، يدفعهم لقتال غبي ضد أقوى طيران في الكون بالمنجل وسكين المطبخ !
حتى فلاح بسيط كسلمان العسل ، يتندر ويستهزأ عندما تذكر منظر الجنود المرافقين للطيارين الذين هبطوا بالسمتيات في وحل البساتين وهم يصرخون بالفلاحين من أجل جلب المزيد من السعف وتركه بالقرب من الطائرات. وكيف كانوا يربطونها مع بعض بخيوط تشبه الكوخ ليغطوا بها سمتياتهم التي انسحبت قبل بدء المعركة.
أكد لنا سلمان بأنه علم بأن الحرب انتهت لصالح المهاجمين ، ما أن رأى هذا المنظر بأم عينيه وجمع السعف بيديه. وقال بأنه غير العارف بالأمور العسكرية ، كان على يقين بأن هذا السعف ، لا يمنع الرادارات والأجهزة الأمريكية المتطورة من اكتشاف مدفن السمتيات الحية.
علاوة على أن التكتيك الأمريكي في هذه الحرب اعتمد على ضرب الأهداف المتحركة والتي يصدر منها إطلاق نار أو تسبب إزعاج أو خطر لقواتها ، لذلك لم يمسوا أي من السمتيات اللابدة في الغابات الممتدة من شمال بغداد مرورا بالطارمية حتى الرمادي.
ولم يفهم لماذا وزعوا السمتيات على الحقول والمزارع بالتساوي، بحيث كان نصيب كل صاحب بستان مروحيتان.
يقول عبد الستار ، بأنهم اضطروا في بداية الحرب هجر المكان لاعتقادهم بأن القصف سيطوله من كل بد لانتشار الطائرات فيه ، غير أنه أكد بأن المزارع التي كانت تخفي الطائرات ، لم تتعرض للقصف على الإطلاق. ولكنه أردف بأنهم عادوا الى مزارعهم ما أن انتهت الحرب واختفى الخوف من النظام. ولم يتعرض أحد للطائرات. ومزح بقوله : أية " أمانة " أودعونا .. لا نستطيع رفعها ورميها بعيدا وليس بمقدورنا استخدامها ولا يمكننا أن نبيعها.
قلنا له : لماذا لم تدلوا الأمريكان عليها ليخلصوكم من ورطتها ، لا سيما وأن بعضها مسلحة وقد تشكل خطرا عليكم في أية لحظة. وإذا بإجابته تزيد تعقيد اللغز ، عندما أكد بأن هذا ما فعلوه ما أن رأوا الأمريكي الأول ، لكن " المحتلين " ، حسب قوله ، لم يعيروا لها أي اهتمام ، واكتفوا بالحضور ومشاهدة المنظر ومن ثم غادروا بلا رجعة.
سألنا إذا كان أحدا من أعوان النظام قد مر بهم وتفقد " الأمانة " فلا أحد يعلم ما الذي يفكرون به الآن بعد تطور الأحداث وتشكيل مجموعات للمقاومة ، وربما يعودون الى أسلحتهم القديمة التي لا يهتم الأمريكان بنزعها منهم بجدية ، قال بأن الفلاحين أنفسهم فككوا مروحات السمتيات حتى لا يسرقها أحد وتركوها بالقرب منها ، ويا للمفارقة ، لكي لا يتهمهم الأمريكان فيما بعد بأنهم سرقوها !
صحيح أن هذه الطائرات والكثير جدا من الأسلحة مهملة في الغابات وليس لها صاحب ولا نصير وتحولت بالتدريج الى مهجع للحيوانات السائبة والطيور الخاملة ، لكن لامبالاة أصحاب البيت الجدد تحمل بعض الغرابة والتساؤل ، فيما إذا كانوا لا يخافون أن تستخدم ضدهم يوما ما.