الاثنين، 29 ديسمبر، 2008

صباغو سبورة العراق


التلميذ والدرس ، يستنطقان دهان السبورة المستورد ونداء المربون الأوائل ، جدا. حاملو فرشة التعليم ومسودات التاريخ الموجع الذي يزعم الصف بتقليده وتقليد المترجم الذي يفتدي خطايا من أحب مسامير الرحلات التي مزقت سراويل صبيان البلاد.
خريف جديد في العراق المدبج بحرية بيانات المنتصرين والانقلابيين والمغدورين والفارين ، يبث رطوبته وشواء شمسه على الجباه والخدود المضمومة بتقليعة الطهارة الدائمة ، حيث لا شرائط ملونة تتغنج بها ضفائر فتيات فائرات كصبيحة جائزة الإشراق ولا رقة الانسياب نحو المدرسة كما لو كن يجمعن خيالات الأسرار الماشية نحو عتبة الجرس ، داقا موسيقاه كسلطة عاطفة تستهوي الصدور النابضة توا بالحبّ الأول.
الجبروت المتجاهَـل للمعلم المتظاهر بالأناقة والمعلمة المتثائبة من زعيق الزوج الكسول وأثاث البيت المديون ومدرس الأحياء الذي يعمم تصرفات الأرانب على البشر والكيماوي بلا دورق والفيزياوي الذي أضاع ساعة التوقيت بين حرائق النهب وأبو العربي المواجه صعوبة في لفظ مخارج الكلمات والمكلف بتعليم الإنكليزي لوجود شاغر بعد هروب الأساسي لدولة اسكندنافية والبطل المحلي لرمي الرمح ومدرس الرياضة الذي يوصل أبطال المستقبل الى باحة المدرسة بسيارته المهداة لقاء تزويدهم طباخه بقنينة غاز مملوءة.
هو التقليد الوحيد الذي لم تغيره الحروب والنكبات ، استنفار الصبيحة المنتظرة لإعداد الولد والبنت لإلقائهم في أتون المدارس. قبل رحيل الطغاة ، كان الوالدين المحسنين يستدينون التبرعات المفروضة على الصغار لشراء كعكة ميلاده وميكروفون غجرييه وزيتوني المدير وحديقة شعبة الحزب. بعد رحيلهم ، تستجدي البلاد بأكملها الفرشاة والصبغ ، الممحاة والمبراة ، الهندسة والحاسبة ، السبورة وطباشيرها ، الحقيبة والماء النظيف ،، البلاد كلها رقعت جيوبها وأعادت تفتيشها ونفضها لكي تصرف آخر دينار على صباحها الجديد ورأفة العارف والنهر غير المغشوش وأمانة الأجيال ، التوبة والإدّعاء على شكل قلب ترسمه أجمل صبايا الحي للولد المفتول الطلعة ، الحالمان كلاهما بترديد درجاتهما النهائية بتباه ، كسكوت العصفور والبلبل الفتـّان ، يطير في البستان ، في موطني .. موطني .. خالد مخلد في رباك .. أناشيد الربع الساعة الأولى من صبيحة الافتتاح الأول بلا أوغاد ودعاء أوباش ، في الناصية والعتبة والشجرة التي لا تتوقف جذورها ، في اللحظات ، النسمة ، ملاحقة اللحظات المتلاقية ، في صف الحلوين المتعثرين من فرط الفرح، عند بوابتها المتبرجة وصفاتها المستقيمة ، بنقائضها وظواهرها وبواطنها ، من لا أقدس منها : المدرسة !
تصفية
لم يترك النظام السابق معلما أو مدرسا أو أستاذا واحدا دون أن يحشره في صومعة حزبه. وبدونها فلا يمتلك أحد الحق في مسك الطباشير أو تنظيف السبورة أو تفحص مجهر الخلايا الميتة والحية لو لم يكن بعثيا.
ولأن الأمر جرى على هذا النحو لأجيال ، فقد واجهت إدارة التربية والمشرفون الجدد على العملية التربوية سؤالا بالغ الخطورة والصعوبة في تفسير سلطة الائتلاف القاضي بـ " اجتثاث البعثيين " من دوائر الدولة. فماذا يفعلون في الوقت الذي انخرط أو أخرط كل الـ 400 ألف شخص ممن يمارسون التدريس في العراق في الحزب المكروه ؟
وجدوا ضوابطهم المعتمدة على الدرجة الحزبية وخرجوا الى صيغة فصلوا فيها 12 ألف منهم و 40 من المسؤولين في الوزارتين المعنيتين بالتعليم ، وترددوا في مسّ الآخرين ، لأن ذلك سيؤدي الى ظهور مصطلح جديد الى جانب الفراغ السياسي والأمني وهو الفراغ التعليمي. ارتضى الجميع هذا العدد من القرابين وسمح للعدد المتبقي الدخول الى الصف.
ويبدو أن بعض الحركات والأحزاب مأخوذة بأساليب النظام المدانة من قبلهم قبل غيرهم ، فهؤلاء يستفزون الآخرين بقبول تعاليمهم ويفرضون بالإجبار والتهديد والابتزاز العلني على الطالبات فرض الحجاب والطلاب حضور ممارساتهم وشعائرهم الخاصة ومجالسهم شبه الدينية.
هذه الصورة التقطت للمبنى الذي كان زاهيا على مر العصور لمدخل الجامعة المستنصرية التي تمشت في أروقتها وساحاتها جميلات العراق والأمة العربية وجرّب طلابها كل التقليعات المعاصرة في اللبس والموسيقى والإدراك.
لم يجد مبتكر العبارة الفضفاضة المكتوبة على اللافتة " يتألق شعاع الشهادة وتنقشع غمامة الخيانة في عراق الكبرياء " ، مكانا آخر لتعليق قماشه الأسود غير الأمتار التي خط عليها أسم الجامعة. ومن أعطاهم الحق في تذييل لافتته باسم الجامعة. ولماذا تعلق صور الأشخاص مهما كانت منزلتهم في حرم الجامعة بعد إزالتها قبل أسابيع ؟ ولماذا تحرس اللافتة والصور ببنادق غرباء لا تشي وجوههم بأنهم يتلقون محاضراتهم في قاعات المستنصرية ، غير أن وجودهم في الحرم الجماعي يعود الى انتمائهم الى الفيلق نفسه الذي ينضوي تحت لوائه الوزير !!.
هذه الصورة انعكاس مجسم لواقع الجامعات العراقية ، فهي التقطت في واحدة من أعرق جامعات الشرق الأوسط ، تاريخا وعلما.
انتزاع الأسواط
وعلى هؤلاء الارتفاع بالهبوط المروع لمستوى التعليم وانتزاع أبر وتقاليد النظام من الجسد التربوي حيث كان ضابط أمن المنطقة يأمر المدير الذي يأمر بدوره معلم الإنشاء والتعبير لفرض موضوع في هذا الدرس يكتب فيه كل طالب " رؤيته " للواقع الداخلي الذي تعيشه عائلته ، أو عن صفات أبيه وأمه وأخيه ، عمّ يتساءلون وممّ يشكون ومن أي أمراض يؤرقون. أسلوب تجسس لا أقذر منه في التاريخ ، بالإضافة الى حذف صور الطاغية التي تطاردهم مع حفر الجدران المزينة بنصف مواد المنهج الدراسي لغرض الغش.
مناهج جديدة
أنفقت اليونسيف و " اليوسيد " ومنظمات أخرى نحو 82 مليون دولار لطباعة 75 – 80 مليون كتاب مدرسي " محسـّن " ، تدخل الأمريكان في إعداد مواده ، حيث كانت نقاطهم الحمر مركزة على حذف وتغيير كل الأفكار التي كان النظام السابق يدسها في كل المواد حتى في عندما يغازل قيس ليلاه أو ينزعج عنتر من عبوديته وتعريف المستقيم بأنه أقصر الطرق بين نقطتين. بالإضافة الى ذلك اهتم الأمريكيون بإزالة أي عبارة أو حرف تحرض على العنف أو الإرهاب واختاروا من القرآن الكريم ما يناسب وضعهم.
تساءل الكثير من التدريسيين بالطريقة التي سيكتب بها الأمريكان تاريخهم في المناهج العراقية وكيف سيتعاملون مع مسائل أصبحت جزء من تاريخ المتلقين – الطلبة كصراع الشرق الأوسط والقضايا الأساسية فيه وكيف ستفسر هذه المناهج مفاهيم غربية كحرية التعبير والمجتمع المنفتح والصداقة المفخخة والديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان وغيرها.
في هذا الشأن ، أعلن بعض المهتمين والمعنيين في المناهج والعملية التربوية عموما عن تذمرهم للتدخل الأمريكي في إعدادها وبشكل مباشر وتساءلوا فيما إذا كان السيد بوش يسمح لهم بإعداد المناهج الأمريكية !
المدرسة والجامعة
تعرضت مباني المدارس والمؤسسات التعليمية كلها بما فيها الوزارتين المشرفتين على العملية التربوية في العراق ( التعليم العالي والتربية ) وكل الجامعات والمعاهد الى تدمير شامل بفعل أعمال النهب والتخريب الداخلي ولم تسعف هذه المؤسسات قوات الائتلاف لأسباب خارجة عن نطاق هذا الموضوع.
ولأن الدراسة في الجامعات أدق وتحتاج الى الكثير من الوسائل غير المتاحة حاليا ، لذلك فأن همومها على هذا الصعيد ومن وجهة نظر الأعمار ، كانت أشد ضراوة ، من تعديل أو تحسين مدرسة لا تحتاج لأكثر من سبورات نظيفة ومقعد كافية وكهرباء متقطعة ونظافة واهتمام عام.
ولتدارك متاعب العام الدراسي الجديد ، ووفق خطط مجلس الأعمار وبالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم العالي ، نجحت شركة " بكتل " في إعادة تأهيل أكثر من ألف مدرسة ومعهد ، صرفت عليها 40 مليون دولار. وتكفلت يونسيف بـاهيل 180 مدرسة ، فيما أنجزت قوات الائتلاف أعمالها في 230 مدرسة.
الحقيبة المدرسية
تعد الحقيبة المدرسية واحدة من أثقل الأعباء على دخل العائلة العراقية ، فإلى جانب الهندام والمصاريف الأخرى الخاصة بالتلميذ ، ثمة الاحتياجات التي يستخدمها دائما وتتطلب تعويضا مستمرا.
لم تفت هذه المسألة على المنظمات العاملة في العراق الهتمة بهذا الشأن وخاصة اليونسيف التي وزعت الكثير من الحقائب المدرسية حسب الأعمار والمراحل الدراسية. واستلمت بعض مدارس العراق كراتين يحتوي الواحد منها على 80 حقيبة تحتوي على المستلزمات الأساسية للتلميذ كالأقلام والدفاتر والممحاة والمبراة ومقص الأوراق وعلب ألوان وساعة خشبية لتعلم الوقت وسبورة صغيرة ومكعبات وشريط لاصق ، وفي المراحل الثانوية أضيف إليها علبة هندسة وحاسبة إلكترونية يدوية قدمت من منظمة غرميت أسوشيتدبريس ومشروع رايز.
وللمعلم حقيبته أيضا ، فتم توزيع كراتين تحتوي على 15 حقيبة تعليمية تحتوي على صبغ للسبورة وفرشاة صبغ وتقويم ودفتر ملاحظات وبعض الأقلام.
ومع ذلك فأن هذه الهدايا لا تكفي لسد حاجة ملايين الطلبة ، لا سيما وأن الدراسة تتطلب استخدام مستمر للأدوات المذكورة. ولهذا انتعشت الحركة في أشهر أسواق بغداد للقرطاسية وهو سوق السراي الذي دبت فيه حركة ونشاط تكفيه تجاره العيش حتى الفصل الثاني من العام الدراسي.
ويشكو الآباء من تلاعب تجار القرطاسية بالأسعار وعدم إيصال هدايا المنظمات الدولية الى التلاميذ ، وبعضهم ذهب لاتهام القائمين على هذه العملية بالتواطؤ مع تجار السراي. أما وزارة التربية التي تبدأ أعمالها من تحت الصفر ، فالمنصفون لا يحملونها أكثر مما تقدر عليه بعد التدمير الفظيع الذي تعرضت له مؤسساتها ومركزها الرئيسي على السواء.
رواتب وزواج
كان راتب المعلم في أوجه يتراوح بين 3 – 5 دولارات في الشهر بطبيعة الحال. وتم زيادته 50 مرة تقريبا ، حيث يقبض المعلمون الآن راتبا يتراوح من 120 – 300 دولار وأساتذة الجامعة ضعف هذا الرقم.
هذه الخطوة كانت حاسمة ومهمة جدا في خلق التوازن في العملية التربوية ، حيث أهملت شريحة المعلمين من قبل النظام السابق بشكل سحقها تماما وجعل الكثير من المعلمين يمارسون أعمالا أضرت بسمعتهم وعملهم الأساس وغيرها.
ومما لا شك فيه ، أن المعلمين بعد إراحتهم بهذا الراتب الكافي في الوقت الحاضر ، سيتفرغون الى مهمتهم الشريفة فقط وسيترك هذا التفرغ حتما ، أثره على المسيرة التربوية الجديدة في العراق.
ليس هذا فحسب ، بل أكدت المشاهدات بأن الشبان الذين كانوا يعزفون عن الزواج لأسباب في معظمها اقتصادي ، بدئوا يفضلون المعلمات ، كالسابق ، وسيؤدي هذا الانجذاب الى تسوية ما لمشكلة العنوسة التي دهورت المجتمع العراقي في الحقبة الماضية.
الظواهر الأخطر
برزت مسائل لم تتعود عليها المدارس والجامعات طوال تاريخها ، مثل اختطاف الصبيان والفتيات ، لذلك ظهرت لوحة انتظار الآباء والأمهات والسيارات مقابل كل مؤسسة تعليمية.
وهناك الهجمات التي تتعرض لها المدارس وقلة الحماية المتوفرة ، لعددها الكبير في العراق ، وحتى لو تكفلت الشرطة العراقية بحماية بعض المدارس ، فهي الأخرى مستهدفة ، كونها متهمة بـ " التعاون مع الاحتلال ".
وإن لعبت الجهات المعنية دورا كبيرا في إعادة تأهيل المدارس وطلائها وتنظيفها ، إلا أنها تقف عاجزة عن معالجة ظاهرة تدخل المجاميع شبه المسلحة والمسلحة في فرض أعرافها على الطالبات خاصة وعلى الجو التعليمي عموما ، مستخدمة أساليب تهديد مختلفة. ولا يقوى الطالب أو الطالبة المسالمة المهتمة بتحصيلها العلمي على مواجهة هذه الضغوط وتقرر مع عائلتها الانصياع لها لتكفى الشر وتغلق الباب الذي تأتي من السموم.
والخوف والقلق والتهديد لا يشمل التلاميذ فقط ، فكل أبطال العملية التعليمية مشمولين بها ، فهذه الجماعات تفرض أيدلوجيتها وطرقها وطقوسها على المعلمين والمدرسين أيضا ، الذين يتعرضون لتهديد آخر ، وهذه المرة من الطلبة الذين لا يتوانون من تهديدهم بالقتل لو تجرأ أحدهم ولم يعطهم درجات النجاح ، كما قال معلم مرة بأنه رأى في جيبه قصاصة كتب فيها أحد طلبته الراسبين : " في المرة القادمة ستكون قنبلة يدوية ".
هذه المشاكل ليست فردية ، بل يمكن الاصطدام بها في أي مكان ووقت ، حيث لا يضبطها مسوغ أو يلجمها وازع أو تكسرها سلطة أو ينتقيها حظ ومرائي.
فالمشقة التعليمية التي كانت تعاني من الحكم الجائر ، على وشك أن ترزح تحت الرأي الجائر وتيبس حدائقها ووجنات الساعة التي يهوون إعادة دقاتها الى الوراء.