الاثنين، 29 ديسمبر، 2008

الهروب الى النهر


" الماء يتكلم باستمرار ولا يكرر نفسه "
- اوكتافيو باث
-

رغم أنف الموت والرمي العشوائي وألغام الملفوفين بالنسيان وعداوة الكهرباء للأسلاك ولمدحهم أينما حلو وتماثيل الحرب المستمرة ونيران الوغى وحميم القلق والدموع التي لا تنجلي والشجن المرافق للشجن والخسائر التي لا تعوض والأفكار العذبة وعذابات الكلمة حين لا تصهر في زمانها ومآل الأوجاع المنفلقة منذ الصبح والمحيا المتداعي على البلاغة وفنون الحب الصامت كعبء قاصم للتعبير والأقلام الضالة السبيل ونمر العمر ما أن تتساقط أنيابه وفصول القسوة واللين والتعيس الذي ملكه الأنين والعيوب خارج الكوة ودوامة التمتع بحنث الوعود وزور الطفولة المغلظة العمق ؛ يكون التسرب الى النهر ، جزء من الحل والعنفوان المخلص ، بصدقه وسنيه غير المعدودات ، بأخاديع الدنيا وربح النفس إن التمت عليك الخطوب ، باللمس الرقيق لمجازاة الألم والنفس أن رضيت والزهو أن حملته الأسلاك ديدان فيض النفايات.
الى النهر ، مرضاة للتبهرج ومحو القتام وإخراج الشرر بالكيّ وضرب السهر بالعمى الدميم والكليمة غير المنطوقة بعد.
الى النهر ، الثوب الولود بالخصب وميعة البلاد وشعارها المضطرب ولحن طيورها أن سكتت ..
في سرد الرؤية المستمرة ، نرتل لكم ما جاء في الصفحة الأولى من حكايات النهر في موات النهار وحالما تزحف الكلمات نحو النضج فأن حفرا جديدا لأسرار النهر سيهدي كأمواجه وسيجني بمناجل الحروف أقاويل أخرى وأخرى عن ذلك الجريان الخالد الغاسل للخطايا.
المدينة أجمل
في النهر ، تنسى الحرب وأحوال الصفصاف والباعة العدوانيين ولا تسمع هورنات العصبيين ولا استغاثات المسجونين ولا نداءات المتحالفين من ميكرفونات إسعافات النفط مقابل الحياة ولا خطب الوعيد ولا مؤتمرات المنتصرين ولا تبوح لك مناشير الحصول على الرؤوس والجواري ولا يوقفك شرطي أو دورية مسلحة لجنود حلوين يهتمون بمؤخرتك لا براسك.
في النهر ، ترى المدينة أجمل ، مزينة بالرموش والأسطح المسالمة ، مشمسة برحيق الأغصان ومتنفسة الأحجار المحروقة.
في النهر ، تجيز لك الأحلام التفكير وتعطي كيانك الروح وتود لو تحب أبدا : العشب والضفة ومزاوجة الأمنية بالعشق والرمل الشديد العتمة ما أن يغادر الروح.
مؤكدا ، أن النهر مرآة قنديل وثروة لا تعادل وقمح موصل بشعير ونفي للألوان سوى أريج السماء ونهج الكوكب ..
النهر عولمة الطبيعة
والمسرح المصاغ من الثلج
مؤجج بالأنام ، عكر الجرف ، مكسـّر طيات الظهيرة وأظافر اليوم الملتهب ، محتضن الأطيار ومهدهد العصفور التعبان ومأوى الوزة والكلب العطشان والحزين ككتاب جبهتك ونمل عينيك المهدودتين وبلور الغربة في الوطن.
حوار النهر
- أريدك مشروعا لتأليف تجربة جديدة !
^ لا تستسلم للتكرار وانس اتفاقاتك السابقة مع العبارة.
- هذا الوجود فوقك يدوخني فما أن اجتاز نفقا حتى يداهمني طاغية جديد !
^ أنزل عندي وسأملي عليك الأثر ولا عليك غير إلصاق الإلهام بالورق واترك الكلام لأقداره.
- لا تبدو وديعا ولعلك محبطا وناشفا ، هل أنت أقل انخداعا مني ؟
^ أنك لا تعرف ،، عليك النزول !
- سأتعرف على السمكة مع انسياب المد.
^ متروك أنا ، راكد ، مسمـّر ، انحدر كما أشاء. ستحصل على سمكتك الرعناء ما أن يهل الناس على أمواجي.
- أنظر ، حتى ناصية زوارك غرقت فيك ولا أحد يعيدها الى الصواب. كيف سيلقون بأجسادهم بدون عتبة ؟
^ لا أحد يعيد الناصية فأنا أغوار من مستنقعات تتخمر ، هجرتني الأعراس وغادرني العشاق وكسروا في أحشائي الزجاج المظلل وألقوا بي غابات نفاياتهم وأسلحتهم المدمرة وثرموا أوصال المعدومين على ظهري وزكموا أنفاسي بهدير جسور استسلامهم وملئوا خياشيمي بالتلفيق المتفحم وأسرار العذابات المحققة ، تعال والعب فيما تبقى من الفردوس.
حوار الصياد
- لـِمَ النهر يبدو ساكنا وبلون الطين ؟
^ هذا وقت ذوبان الثلوج وارتفاع الغرين.
- ألستم صيادين ، لماذا جلستكم هذه عند الضفاف ؟
^ لا فائدة من النهر في هذه الأوقات ، لن تعثر فيه على شيء !
- كيف ؟ ولا سمكة واحدة ؟
^ لا أحد يراهن ويتعامل على السمك بالشط ، علينا التجربة. مهنتنا علمتنا عدم اليأس في كل الظروف. النهر كريم وغامض ، ولا يحب الكسولين ، لا يصح أن تجلس على الضفاف وتتمنى أو تتشاءم ، هو ذا أمامك ، افتح شباكك ودر قاربك وامض إليه.
الانجراف إليه
الشمس الضاربة عند المئذنة البعيدة ، براقة .. فوق الأمواج. ولم تكن الخطى ملساء لحظة الهبوط الى النهر ، أنه تعثر الشوق وأثر حرارة الظهيرة وغبار الماء الذي يزيد النهر غموضا ، فلا هو جرف ولا عمق ، مبطئة كانت الخطوة الأولى مستقرة على حلقوم القارب الملتئم بفرح الزبون القديم.
لم يكن نزولا الى النهر ، بل رقصة ذابت بعد عمر من الندم والخطر والركون الى ذكريات القوارب ، إذا نضجت أيام الشواطئ أسطرها الكاسرة.
ليس نزولا ، بل تمني بغسل مرمر القلب شدو الأمواج وسحرها وقشـّـها الرطيب.
تماسك فرحك بالرغم من معرفة الصياد تنور قلقك ولمس يديه الممدودة لتثبيتك في مقعد القارب الذي سنتبين أسراره بعد حين.
لم يبطل الصياد الحديث عن المهنة الجائعة للسمك وأصابعه التي كانت تمهر الشباك وتغازلها ، تفكها بدهاء وكأنه يستذكر سمكاته في كل خيط ممصوص فيها.
الرقة الأولى
أتستطيع المسير في النهر دون مصافحة أمواجه وإلقاء التحية عليه ! بدوت أكثر جرأة ما أن تركت اليسرى في النهر واليمنى تجامل العدسة التي كانت تقرّب إليك بغداد.
هي المدينة تراها من كل الاتجاهات ، ألغز آخر يفكه النهر ! أم هو الإمساك ببياض الزنابق أو الاسترخاء على قرميد ، أو غوص مبهم لتموج سريع الزوال ؟
واحد هو المستطاع ونفسها النسمات إن سقت الى ذهنك جنون استرخاء لا يطول.
وصلنا الى منتصف النهر .. أتعلم أنه وصف سيغضبه ، فالنهر ممتد في الأشنات كما في الأعماق ، يجانب الصخور كما البرمائيات ، النهر هو النهر ، لا منتصف لديه ولا حاشية ، ويبقى التناقض وصف قبيح.
وكشجرة عديمة الفائدة هوت بجهود عمال غابة ، حلقت الشباك بانفراج تام وتناسلت مع الأمواج حتى ذابت فيها كأي خشونة تستلقي على الرقة ، غابت الشباك مخلفة فحيح مبتور.
جاءتك مفاصل الأساطير وخاتم البلاد التي لم يعمر بها سلطان ولا شاه ولا ثائر ، أيكون الخاتم المفقود شؤما على سلاطين البلاد كما على حوافر خيوله ومنابت أطفاله وعيون أمهاته الصامتة !
شاركت بتعمد في سحب الشباك لكي يعطونك نسبة في الصيد ، لم تدرك لماذا غمس الشبكة مرة أخرى في الماء وسحبها من جديد ، حركة ليس فيها حرفنة قدر ما نسميه للمرة الأولى " مداعبة الفأل " أو مناغات قمرجي للحظ.
لا نعتقد بأن من السهولة رؤية رجلا جديا ، كذلك الصياد الذي سحب الشبكة الفارغة !!
الإيقاع الثاني
لم يتكلم الصياد كعادته ، ودمدم بأحرف كالعرق الذي كان يجف من شدة القيظ ما أن يظهر على جلده.
أعاد بتباطؤ هذه المرة لعبة أصابعه مع خيوط الشباك كمن يمسد أفعى ودية ، ودون أن ينظر إلينا ألقى بها مرددا أدعية ارتعشت بها شفتيه مرارا وقال كمن يبرر كسل الشبكة :
- ألم أقل لك بأنه موسم ذوبان الثلوج ؟
لم نعرف علاقة ذوبان الثلوج باختفاء الأسماك من النهر ، ولا ينبغي في كل الأحوال معرفة أسباب ظواهر متفق عليها لعابر سبيل.
في المرة الثانية بدت الشباك واضحة مع مسير القارب الذي أزاد الصياد سرعته ، وواضحا أنه أراد بذلك تغطية أكبر مساحة ممكنة من الماء ، علـّه يظفر بالسمكة الأولى. بدت الشباك كعجلات كسيحة ، مخيفة بضربها صفحة الماء وورد سؤال في الخاطر : ماذا لو اصطادت لنا هذه المرة جزمة جندي هارب ؟!!
أهلــّة العابرين
لا تبحث عن المخطوطات في النهر ، استذكارا لرسالة أدغار ألان بو في القنينة ، فلن يجلبها لك هذا النهر المغمور ولا فرائس ولا كنوز في سجنه عند الطرف الأغر للمدينة.
وكمن أحس بالصيد ، اتخذت أقدام الصياد طرف القارب ملمحا بالشباك مجاملا إياها ، آذتني ملامحه المتوسلة للنهر والتزم صوتي زفرة خاملة لمن لا تفرق لديه حال الدنيا وتعاقب الفصول.
استمرت روحه بالجدية نفسها والأدعية وجفاف الحلق عند التمني ، تطاير رذاذ الشباك وثقلت أقدامه تثبيتا للأمر الواقع المنذور إليه ، لمحت أول سمكة تضرب بجنوح خيوط صائدها ، تنازع ما أن ابتعدت عن أمواجها وليونة حياتها السائلة. ظهرت سمكة ثانية لفحت بأذيالها تقمص مصيرها الجديد ، قرفص جسده ليلمها بلا هوادة وكان يحث خطاها صوب مراوح بهجته التي استحالت سمكة ثالثة ، صغيرة جدا كما لو شارك فأر في توليفها.
شد القارب انسيابه نحو الجرف مجددا ، لكن أكثر ما أبهج الظهيرة ، رؤية صياد أثناء انغماسه بصيده ، فرح يحتسي فرح غير منفلت أبدا فيما أفتوا على تسميتها : السعادة.
الوداع المنطوق
عيون النهر ، أمله ومبتغاه ، هل سمعتم بنهر ارتكب خطأ أو معصية ! مقضومة الساعات التي صاغت ظهيرة الماء ، سلوى قرينة للريشات الناعمة الأولى لطير.
نظفوا السمكتان الصغيرتان وعمل مساعد الصياد في غضون ثرثرتنا المشتركة مع معلمه ، حفرة صغيرة لشوائها. ولم ينس نسبتنا في هذه الرحلة بالرغم من احتجاجنا وقوقعتها ومحاولتها غير المجدية للعودة الى الماء ، تلك السمكة الصغيرة جدا ، الوحيدة ، الضائعة.