الاثنين، 29 ديسمبر، 2008

العراق الآخر : على الأرصفة !


الأربعة عشر عاما القاسية للغاية التي مرت على العراق ، علـّمت الناس الأعاجيب والابتكارات والغوص أكثر في أطراف العالم والفراغ وصناعة المكان من اللاشيء وصياغة الأجر وتنمية الدجاجة من الأحرف الأولى وبيعها مع بيضها وريشها ومنقارها . تفكيك ما لا يستخدم في البيت وبيعه في أول فرصة ، ترقيع المرقع ودسه في الألوان وإخراجه بأي شكل وسعر ، الاستغناء عن الساعة والمروحة والحنفية ومقبض الباب وطاولة الطعام ومنضدة الشاي وسجادة الهول وإيداعها في المكان الذي يلتقي عنده الجميع بالجميع ، ما وهبه الله للعراقيين : الرصيف !
طبقتان
الحروب والمحسوبية والمنسوبية والمناطقية والعشائرية والحزبية وكل ما يمت للتمييز في المجتمعات بصلة ، عاشها العراق طوال ربع القرن الفائت ، الأمر الذي أدى الى تشكيل طبقتين فقط في المجتمع العراقي : القادرة وغير القادرة ، الميسورة والمسحوقة الطارقة والمطروقة المبنية والمدمرة والسائرة والواقفة.
وانحصرت مسؤولية الدولة في أعوام ما بعد الحصار في سلب طبقة ومنح ما تستطيع سلبه الى الطبقة الأخرى ، وكان الهم الأول للطبقة الصاعدة ، دفع الأخرى التي تمثل الأكثرية الساحقة ، أكثر فأكثر في قاع الدنيا ، وكأن العلاقة الجدلية بينهما وحيدة ، يموت الغالبية لتعيش الأقلية ، يضعف الكثير ليسمن القليل.
وكان هذا الصراع حقيقيا وهو المسبب في الانتفاضات والمصادمات والهجرة الجماعية للشعب ، اضطرار المرء لبيع نفسه أو أعضاء جسده أو فرد من عائلته ، ضميره وقطرة العرق المتبقية على جبهته ، صراع قاس وطويل ، تجسد بشكل كامل وحي وبالألوان على الأرصفة !
اقتصاد الرصيف
بعد اختفاء دور الدولة في التسعينات على حركة المجتمع في الجانب الاقتصادي تحديدا ، أخذ الشعب على عاتقه مسؤولية إطعام نفسه بنفسه وتسيير شؤونه بما يمتلك من " مخزون استراتيجي " ، والحديث يدور هنا فقط على من اختار طريق الحصول على اللقمة الشريفة.
ومن هنا ظهر أكثر المصطلحات في الرأس المال الاشتراكي الذي لم ينتبه إليه ماركس على الأرجح وهو " اقتصاد الرصيف " ، حيث تحول الشارع كمكان ومجال للعمل للجماهير المضطرة والمدفوعة الى ممارسة بيع ما تملك وشراء ما تقدر عليه ، في ظروف غياب أي فرصة عمل فيما يسمونه " القطاع العام " الذي كانت الممارسات فيه تشبه عبودية القرون الأولى والوسطى ، حيث يعمل الإنسان طوال اليوم لقاء مرتبات لا تكفي المدخن ولا المرضعة ولا عدد من الأقلام لتلميذ ، فالمعلمون كانوا يتقاضون 4 آلاف دينار فقط ، أي دولارين في الشهر والطبيب نحو 8 آلاف أي أربعة دولارات في الشهر وهذا لا يكفيهم حتى لدفع أجرة النقل.
لا مناص لأن يبيع المهندس الفلافل على الرصيف ويعمل الطبيب المتخرج حديثا حمالا و يمشي المعلم أموره ببيع الكتب أو الساعات المستعملة أو أدوات الخردة بمختلف أنواعها وتحمل أرملة الحرب الأكياس من اليد الى اليد ويمسح الصبيان غبار الكبار وتلم العجائز بقايا السندويشات من القمامة.
هكذا تحول الرصيف العراقي الى لوحة مرعبة وحزينة مفتتة الصخر لمرارتها في الأعوام التي توالدت كالإعصار والتي كانت تسير على عمر العراقيين وتدوسهم وتهرسهم بلا شفقة.
خلو خيالي
لجوء العراقيين الى الأرصفة لم يكن هواية ومجرد استسهال العيش بأي طريقة ، بل كان اضطرارا بعد أن سدت آفاق الحصول على متر واحد بين أربعة جدران في الأسواق المعروفة وغير المعروفة.
ففي أسواق المنصور والعرصات وفلسطين والحارثية وغيرها من الأماكن التي تعد " راقية " يصل " خلو " المحل البسيط الواحد الى ربع مليون دولار ويتناقص الى 100 ألف دولار حسب موقعه بالنسبة للشارع العام وتوفر مواقف للسيارات ويتناقص هذا " الخلو " بالتدريج مع أهمية السوق ليصل الى بضعة آلاف من الدولارات.
هذه المبالغ لا تتوفر في جيوب العامة ، لاسيما العاطلين ، زد عليها الإيجارات الشهرية التي تصل الى مليوني دينار ، أضف عليها ضرائب الدخل والإعلان والضرائب السنوية والأتاوات التي تدفع الى العصابات والرشاوى التي تدس في جيوب مفتشي أمانة العاصمة أو البلديات المتنوعة وهدايا الشرطة وأعباء الماء والكهرباء وقهوة وشاي الضيوف الذين لا يشترون شيئا.
رصيف للإيجار
وإذا كان النظام السابق ينكل ويسحق بقسوته المعروفة باعة الأرصفة ، فأن النظام الحالي تركهم في سبيلهم لانشغاله في أمور وأحوال أكثر تعقيدا وفوّض أمرهم الى المجالس البلدية المحلية التي سرعان ما وجدت لغة مشتركة معهم وهي الاتفاق مع أصحاب المحلات على بيع الأرصفة أو تأجيرها لقاء مبالغ يتقاسمها أصحاب المحلات ومراقبي المجالس البلدية.
وللتوضيح : يقوم صاحب المحل بتأجير الرصيف المقابل لمحله بناء على اتفاق يلتزم به الطرفان ، فمثلا ، لا يعرض بائع الرصيف البضاعة نفسها لصاحب المحل ، على أن يقوم الثاني بتهيئة مستلزمات وجود بائع الرصيف في الشارع طوال اليوم ، مدّه بالكهرباء والماء وتزويد ثلاجته التي يبيع بها المرطبات بالطاقة وغيرها من الخدمات.
الغش
صاحب محل العطور يؤجر الرصيف لمن يبيع البيبسي ومحل الكماليات يؤجره لمن يعرض الأقراص المدمجة المستنسخة والمكتبة تسمح لرصيف ألعاب الأطفال وهكذا.
ولأن أصحاب المحلات يحرصون على سمعتهم التجارية ، فلا يبيعون السلع المغشوشة أو ما يسمونها هنا " المضروبة " ، بل يمنحونها لباعة الرصيف ليتدبروها مع فارق بسيط بالسعر.
ففي المحل تجد العطور التركية والسورية والإيرانية والأردنية ، فيما يبيع أبو الرصيف العطور المغشوشة والمصنعة محليا ولو بالبهارات. باعة الأرصفة يفتحون زجاجة العرض ويقسمونها الى ثلاثة أقسام أو أكثر ويضيفون عليها الماء المقطر أو مواد كحولية مختلفة ويعيدون تغليفها باستخدام الماركات التجارية التي تزاول مطابع معروفة تجهيز الراغبين بها.
فرق الإيجار والجودة وضريبة الغش ، ينعكس وللإنصاف ، على سعر سلع الرصيف ، حيث تكون أرخص بشكل ملحوظ، من مثيلاتها في المحلات.
والغش تطور بالنسبة للتجار الذين يمتلكون علاقات مع شركات في دول الجوار ، حيث يتفق معهم على تقليد ماركات معروفة ويبيعها داخل العراق بأقل من سعر الأصلية بقليل ، في ظروف عدم معرفة المواطن العراقي وصعوبة تمييزه بين الأصلي والتقليد ، لعدم رؤيته الأصلي بالأساس وسماعه به فقط.
هذا الحديث يشمل مواد يعتمد عليها المواطن كثيرا في حياته ويدخر طويلا من أجل اقتنائها كالثلاجات والتلفزيونات والغسالات وغيرها من الأدوات المنزلية الهامة.
ما هو أخطر
باعة الأرصفة قد يمررون على الناس العاديين أو يغشونهم في بضاعة قد تسلب منهم أموالهم فحسب ، وهذه أضعف الخسائر ، بالمقارنة مع سلع تباع على الأرصفة يؤثر الغش والتزوير فيها على صحة الناس وقد تؤدي بحياتهم ، كالأدوية غير الصالحة أو غير الصحيحة أساسا ، كالأدوية المصيرية الخاصة بالقلب والشرايين والضغط والسكري.
أن لصيدليات الرصيف شهرة لا تقل عن الصيدليات المعروفة في المدن العراقية وباعة أدوية الرصيف أخذوا على عاتقهم بيع كافة أنواع الأدوية ، عدا الخطيرة التي أشرنا إليها ، تجد لديهم الحبوب المخدرة كالفاليوم وكبسولات التنويم وحبوب منع الحمل و المنشطات والمقويات والمحفزات الجنسية وأجهزة معالجة الربو وعسر التنفس وغيرها من أدوية لا يمكن في كل الأحوال استخدامها دون استشارة طبيب.
تجدر الإشارة الى أن معظم هذه الأدوية نافذة الصلاحية تسربها الصيدليات لباعة الأرصفة أو تتم سرقتها من المستشفيات الحكومية أو يتم تهريبها بطرق مختلفة لكون أغلب المتعاطين لا يمتلكون ورقة طبيب وخاصة الحبوب المنومة والمخدرة ومسكنات الأعصاب.
ويحدث ما هو أروع ، عندما تسأل أصحاب صيدليات الرصيف عن دواء معين أو أبر أو حقن خاصة لمعالجة الأمراض المزمنة والصعبة ، يقول لك : اكتب لي الدواء وتعال غدا لتحصل عليه.
هذا يعني أن لهذا البائع علاقة بمذاخر الأدوية التابعة للدولة ووزارة الصحة ، لأنك ستأتي في الغد الذي قال عليه وستحصل على الدواء المعقد ، مباشرة في الشارع !
وإذا كان انتشار ظاهرة الموت المجاني على أرصفة العراق مسألة اعتاد عليها الجميع في أوقات الفوضى وتعد إرثا من أوقات الفساد ، فكيف الحال والأمور ينبغي أن تأخذ مجراها الطبيعي بالتدريج في البلاد التي بدأت تستعيد أنفاسها ؟
خصخصة الشارع
أن الشارع العراقي تعرض الى تقاسم أملاك غير رسمي مورس من بعض الأنفار الذين تحولوا الى قوة لا يستهان بها في إعادة توزيع الاستثمارات والأرزاق.
فليس مصادفة أن تنتشر مطاعم الطريق وصيدليات الشارع ، بل وحتى حلاقين ومركبي أسنان وبسطات للصرافة يتداولون فيها كل أنواع العملة.
الشارع تحول الى سوق داخل السوق ونشاط غير مسيطر عليه وساحة لتزوير أية وثيقة حكومية مهما كثرت أختامها. وتؤثر العشوائية في هذا النشاط على الحركة التجارية المرخصة أيضا وتنتقل العدوى فيما بينها حين يكون التنافس غير عادل وبعيدا عن الأسس والأعراف التجارية.
وساعدت عوامل كثيرة على انتعاش تجارة الشارع ، أهمها ارتفاع القدرة الشرائية لدى العاملين في الدولة وتحطيم احتكار الدولة للتجارة وتحرر التجارة الخارجية واعتماد السوق الحرة وتجميد العمل بأنظمة الرسوم الجمركية وحل المؤسسات العسكرية والكثير من أجهزة الدولة السابقة التي خلفت بطالتها التي لم يجد غالبية من وجدوا أنفسهم بلا عمل ولا مرتبات في الشارع يمارسون فيه أية مهنة متاحة.
أقساط الرصيف
لقد تطورت تجارة الأرصفة في العراق الى حد أخذ باعة الأرصفة يمنحون فيه الراغبين من المشترين وصولات ، وقسم منهم يبيع بضاعته بالأقساط المريحة ويتكفل بإيصالها الى البيت.
خدمة الخمس نجوم هذه وصلت الى الأرصفة ، فأي ضمان يمكن لبائع الرصيف منحه وأي ضمان سيحصل عليه لو يتجرأ ويمارس البيع بالتقسيط؟
يشتكي بعض تجار الرصيف من تأخير بعض الزبائن دفع الأقساط ، ولدى باعة الأرصفة " مندوبين " متخصصين في متابعة الزبائن وجباية الأقساط الشهرية منهم.
وخدمة توصيل البضاعة تطورت أيضا ، فقد يساعد باعة الأرصفة الأزواج في أعمال المنزل ، فهم يأتون مع المتخصصين لنصب أي جهاز أو سلعة لقاء أجر بسيط.
دخل باعة الأرصفة الى البيوت وخلقت ثقة ما بين الطرفين ، هي الثقة التي شجعت على انتشار ظاهرة أقساط الرصيف.
احتضار الأرصفة
منذ سنين والأرصفة لم تدخل في الأولويات ، تركت مهملة حتى صارت موقعا لرمي القمامة ، تكسرت صخورها ولم يفكر أحد بتسويتها ، ضاعت مناظر الأرصفة بضياع المدن وغزو المجاري وطفح العالم السفلي واستباحة الصفيح والجينكو والحصائر لجراحات الرصيف الذي كان السهل الوحيد الذي يسحب المارة للتجوال ويصقل الحوارات وتبادل النظرات مع الأنوار العارية والبحث عن التمايل الناعم للسائرات على هدى الرصيف المنظم.
احتضرت الأرصفة العراقية بعد أن حلت الروح البدائية محل المدنية في تخطيط وفكر الدولة وكان الرصيف الوحيد المشيد بالمرمر ، ذلك الذي يؤدي الى جدارية له ، صورته وحدها كانت تنقذ الأرصفة من براز المدن!