الاثنين، 29 ديسمبر، 2008

تهشم كأس أبي نواس


شرفة إثر أخرى كانت تطفأ في بغداد ، لكنه الوحيد الذي تبقى أنواره وأوتاره تتكئ على النهر المتوازن مع السماء، في الصيف ينشط وفي الربيع يزدهر كسطوح القلب ونجمة أطلقت سراحها غيمة عابرة.
من غير الممكن اصطياد بغدادي ليس لديه ذكريات فيه أو لم يبلغ الأمواج دعائه وأمانيه أو يتطلع الى النيران التي تعد مائدته ، منتزعا من أمسياته الصيفية البالغة السحر ، آلاف الأحلام غير المحسوبة واستسلام مطيع لهجران اليوم المتعب والليل المؤرق والفضاء المسجون بالأكاذيب.
كان التأمل في هذا الشارع زبد أسفنجة وخاتم النهر المنتظر وأقحوان بطيء النمو واشتياق الرغبة الأخيرة وسراج من طيور لا تمل الدوران وقطط واثبات على ما تلقيه من باطن السمكة وذيلها.
أنه النشوة للعريسين المغطيين بالورد ونزهة ما قبل الحياة الجديدة وصور الكاميرات غير المغشوشة ومقاييس الفعل والجد والهزل والانسجام ووثبة الغصن المزين بالحب وأنشودة الحديقة الخالدة والأرجاء الحبيبة للمدينة التي تسطع عليها الشمس نهارا وأنور هذا المكان ليلا ، جيـّاشة أجنحته ، مباحة ملذاته ، بريء ليله الغابر.
وهو الشارع الذي لا يمكنك نقله الى أي مكان آخر ولا إلباسه قناع جديد ولا تحويل نشاطه ولا تغيير هندسته ولا يصلح إلا لينتشي هنا ، وفي هذا المكان المصنوع منه كيانه وإرثه وتاريخه وخلود رائعة النحات محمد غني حكمت في سرده البرونزي العميق لملحمة شهرزاد وشهريار المعانقين كلمات ذلك الشاعر الذي أمسى شارعا ، المضيع عصارتنا والناسج القصائد الباقية قرنا بعد قرن مودعها حفنة من الفرح والتشكيك والسقم والعذاب والفوضى التي اخترعها قبل السرياليين والوجوديين والهيبزيين.
الشاعر أو الشارع غير المحدود ببراعمه ووروده وعاره وبغضه ومناداته بغير استجارة لأن ينهض أحدهم يطلق سراح الشاعر و الشارع الذي احتضن الملايين وأعلن أبوته لهم مكلوم الغيظ ، كاظم المرارة .. ولأن يعيد للشاعر مطره المنسي ومفرداته المنكوبة ودفق ذكريات المدينة التي إن حل بها غريب لا يعرف أي عنوان آخر يزعق بالهاتف الوحيد المتاح لديه لكي تسمعه بالكاد : في شارع أبو نواس !
الاحتلال الأول
ولعلها الأقدار التي حملت القوى العظمى الى شارع أبو نواس لتستقر طول أشهر ما بعد السقوط الأولى في فندقي فلسطين ميريديان وعشتار الشيراتون. وكانت الأقدار قد سبقت الغرباء في أن هذا الشارع يكون المختار لمحبوبي النظام ومقربيه وعناصره الفتاكة لكي يبنوا مجمعاتهم السكنية ناهيك عن إطلالة القصر الجمهوري الذي يعد من فضائل الملكية في العراق ، على الضفة الأخرى من نهر دجلة المقابلة تماما الى الشارع والذي سيجوا نهره بالأسلاك طوال عقود حتى تلك اللحظة التي تهشمت فيه كل الأسوار بسقوط تماثيل البرونز وإشاعات الورق التي تمكنت من البلاد.
لم يكن اختيارهم شارع أبو نواس امنيا ولا استراتيجيا ، بل هو سبب أكثر من سياحي وفيه استحواذ وأنانية وحب تملك الأشياء الجميلة تميزوا بها كون هذا المكان كما رأوا وأدركنا منذ نشوء بغداد المعاصرة ؛ الأجمل والأمرح والأكثر زهوا ومتعة.
التمثال والشارع
منذ اللحظات الأولى لسقوط النظام ، تتبعنا خمول شارع أبو نواس التدريجي ومنينا النفس في أن العلة ستكون طارئة وتحاشينا حتى تصويره في رغبة مؤمنة في أن كل شيء سيتم إصلاحه وأن الغمـّة ستزول.
لكن الواقع أثبت أن الشارع سقط مع انهيار التمثال ، وربما في اللحظة نفسها حين ظهرت الدبابات والمدرعات الأجنبية في تلك الأحياء المخصصة للسمر والجدل وتنظير قرون المعرفة وبيانات الحداثة الشعرية ومخططات التشكيليين المبدعين وصياغة الأحرف الأولى من قصائد الأوقات الذهبية وتبادل أحدث النكات على القيادة الحكيمة.
منذ تلك اللحظات المخبئة بالمصير البغدادي ، ظهرت البراميل وجذوع النخيل أولا ، لتسد منافذ الشارع ومن ثم طورها الغرباء لتصبح دعامات إسمنتية وأنابيب وأكياس رمل ومن بعدها ظهرت أفواه الدبابات وشواهق مدافعها لتعلن انطفاء الشارع في أول علامة " أكس " تمنع السير منه وإليه ، لمختارين جدد وضعوا أيديهم على حكاياته وتاريخه وذكريات كل البغداديين تقريبا ، دون أن يهمس بإذنهم أحد بأن أرض العراق شاسعة ويمكنهم اختيار مكان أكثر عسكرية من هذا الذي يلجأ إليه العراقيون لإشعال سرورهم.
الصيف الثالث
سينقضي الصيف الثالث وربما العاشر في حكايات ما بعد السقوط ، لنجتر مع من كان يعرف أسرار مهجة الشارع ونعومة ظله على الخلق ، عدد الفرص التي كان من الممكن استغلالها لإنقاذه.
ومظهره في الصيف الثالث ، كما ترون ؛ براميل مطلية وإعلانات لسمك ومسارح مهجورة ومباني مهدمة وأسلاك لم يرفعها أحد ، بالرغم من أن الغرباء رحلوا عنه منذ أكثر من سنة.
لكن صالح بدري الذي يعد السمك في واحدة من كازينوهاته يقول بأننا جاهزون لاستقبال الناس وحولنا نشاط هذا المكان حيث كان الزبائن يسهرون فيه حتى الصباح ، أطعنا التوجيهات واستجبنا للتهديدات التي منعتنا من تقديم المشروبات المختلفة ، وليس لدينا الآن غير وجبات السمك لتقديمها.
ويعيشون حسب بدري ، بالطلبات التي تأتيهم من المسؤولين ومن دوائر الدولة ونشطاء الأحزاب. وتبان مصادر هواة السمك ، من تلك السيارات المدججة بالمسلحين التي تقف لتطوق المقهى المتيم بالناس لتستمر حالة المداهمة هذه حتى يشوون السمك على طريقة " المسكوف " البغدادية الشهيرة.
ثكنة عسكرية
من النقطة التي ينتهي فيها شارع الرشيد ليودع الناس في اتجاهين متوازيين الأول يلقي بهم في شارع السعدون والثاني الى شارع أبو نواس تبدأ المظاهر المدججة بالأكياس والعواميد والجدران الإسمنتية العالية ، حامية هذا الفندق أو ذاك الحزب أو تلك الجريدة الناطقة ، لغاية مطلع جسر الجادرية حيث تبدأ الأسوار الجديدة لأحزاب ورجال أهم يقودون البلاد حاليا.
تحول المكان الى ثكنة عسكرية نموذجية ولهذا سبب : أن الجدد استحوذوا على مباني المخلوعين ، وإذا كان المخلوعون قد أرغموا الناس على التوقف عند حد معين وأغلقوا المناطق التي كانوا يلهون فيها ، فليس للجدد حدود في الإغلاق ولا يعرف أحد من أية نقطة ينتهي به المسير وإلى أي حد تتكدس حرية تجواله ، لقد تركوا كل شيء على عاتق الإسمنت والبراميل والمسلحين وأنت وحظك كما يقال.
الفروع المنسية
المخططون الأوائل للمدينة لم يشقوا شارعي أبو نواس والسعدون ليكونا متوازيين بالصدفة ، ولأنهم الشارعين الأكثر نشاطا في العاصمة حسب التخصص : التجارة هنا واللهو هناك ، فقد تفرعت بينهم كل مائة متر شوارع تلحمهم ببعض ، اشتهرت في الفنادق والشقق الفندقية والمؤثثة التي تستقبل زوار الليل والصباح على السواء.
واحتوت هذه الأفرع ليس على الفنادق المتوسطة والصغيرة فحسب ، بل على كل المطاعم والبارات الأقل درجة من تلك التي احتلت الشاطئ ، وظفر الآلاف ممن كانوا يرتادونها على أفضل الخدمات في تلك الأوقات ، لاسيما وأن هذه المنطقة برمتها بإضافة السعدون وتفرعاته لغاية ساحة كهرمانة ، كانت البقعة الرئيسية لتجوال السياح من كل بلدان المعمورة.
وفي ظل هذه الظروف التي لا تجد فيها زائرا واحدا للشارع يقصد زيارته، كيف سيتسنى لهم تدبير أمور معيشتهم ونشاطاتهم المختلفة ؟
يقول محمد فتحي صاحب مقهى في أحد الأفرع بأن أغلب أصحاب المطاعم والمقاهي والمحال باعوها وانتقلوا الى مناطق أخرى ، لذلك من الصعب الحديث عن عودة أيام شارع أبو نواس. فالناس يخافون من مجرد المرور من هنا فكيف الحال بانتظار من يتجول أو يتنزه هنا ؟!
ولا يستطيع فتحي تحديد الخطورة البالغة لمن يرتاد هذه الأمكنة ، فهي من جهات عديدة ، بالإضافة الى القصف بالهاونات والاعتداءات التي تتعرض لها الفنادق ومقار الأحزاب ، تحول الشارع الى مرتع للصوص وأوكار للعصابات التي استغلت الهجرة الجماعية التي داهمته فوضعت أيديها على مباني ليس لها صاحب أو يخاف أن يظهر لها صاحب.
مسارح للبيع
بانتعاش المسرح العراقي التجاري في التسعينات ، أختار العديد من المسرحين ومنهم مكي عواد وجماعة مسرح أبو نواس هذا الشارع ليقيموا فيه حفلاتهم المسرحية وانتعشت بذلك ظاهرة المسارح الصيفية في ذلك لوقت.
اندفع الجمهور وسرق المسارح وأحرق ما تبقى منها ، في الأيام الرهيبة الأولى من عمليات نهب البلاد ، ولم تسجل حوادث في التاريخ تحكي عن سرقة الجمهور للمسارح إلا في هذه الأثناء.
خطط ملفقة
منذ الجمهورية الأولى نهاية الخمسينات ، وهم يتحدثون عن تطوير شارع أبو نواس وما أن يصل مسؤول جديد يبدأ بفتح ملفات من سبقه ليحكي عن بناء شارع مبلط يحاذي دجلة المسلوبة مباشرة وبناء مكتبة وطنية هناك وأحواض للسمك والأحياء المائية ومركز للفنون وآخر للسمعيات ومتحف يختصرون فيه تاريخ بغداد.
لم يحقق هذه الأمنيات النظام السابق ويتعذر على أحد في هذه الأوقات إعادتها على النظام الحالي المزحوم بجمهرة من الطلبات فلا مجال حتى للحديث معهم الآن على متاحف أو أحواض للسمك أو ترميم حديقة ، في وقت يفكرون فيه جديا بناء على " فتوى " ما بتغيير أسم الشارع فلا يصح أن يطلق شارع على أسم شاعر ماجن في هذه الدولة المؤمنة التقية من نخاعها حتى... !
شارع سفري
وجد الشارع زبائنه من عمال البناء ورجال الحراسات الخاصة وموظفي بعض المؤسسات الحكومية التي بقت على حالها عند أطراف الشارع ومناضلين الأحزاب وغيرهم. ولهؤلاء يعد صبية في ما يشبه المطاعم وجبات سفري من سندويشات رخيصة وعلب مشروبات يحفظونها في فلينات صغيرة يحملونها فيما بعد مع مطاعمهم السفري على عربات الحمير ليأتوا كل صباح لمزاولة هذه المهنة. هكذا تحولت أشهر مطاعم عراقية وربما عربية في أعرق شارع في العراق الى مطاعم تنقلها الحمير ذهابا وإيابا وكأن الدهر حكم على هذا الشارع بالموت الرجيم وتحوله من أب المطاعم العراقية الى ذلك الشارع الذي تجر مطاعمه الحمير!