الاثنين، 29 ديسمبر، 2008

اطلاق سراح دجلة


للنهر الذي تحدثنا عنه ، نهنهة في التاريخ ، فلا هو قادر على حمل أوجاع البلاد ولا بمستطاعها انتشاله من الخراب ، رغم حضوره في كل المدونات التي تتكلم عن العراق.
لم يكن حرا دائما ، وعلى أهدابه الزرق مشت كتب المعرفة والأدب والجغرافيا والفيزياء والطب والأصول والتوحيد والفقه ، وحلت أيام فيه ، كان المحتلون يعبرون بخيولهم على الكتب والمخطوطات ويتجولون بين شاطئيه. وركدت عبر كبوته الدماء ، واستحال أحمر من اشتهاء الموت لساكنيه. تصدع وانطلق مذعورا وغاب وشارك في كل الحروب والغزوات التي أدهشت أمواجه.
كان مسرحا لتاريخ الخلفاء والأمراء والملوك والدكتاتوريين ومرآة للطيارين المحليين والغزاة ومصوري الأقمار الصناعية ، وما أن اجتازته الدبابة الأولى ، عرف الجميع من أقصى الكوكب الى رحابه ، إن العراق سقط !
أنهل منه مصففو الشعر والشعراء ، الرواة والمؤرخين ، المطربين وقراء الموالد ، واقتطع كل الحكام جزء منه لمداواة عزلتهم.
غير أنه لم يسجن على مر العصور ويحاط بالأسوار كما حصل له على يد الطاغية الأخير ، دقوا على ضفتيه أياما من الأعمدة وفصول من الأسلاك وبحار من الممنوعات.
في المجامر وحلاوة المكان ، ظل أبنا للشمس وطينا للعجزة وملكوت للزنوج ما أن يرقصوا باستراحات السفن.
لنسلـّم حكاية دجلة لعدالة الحبر والورق ، مباركة الدفة للمرساة وفوانيس الكهول بتأخر سرب اليمام.
تنافس مشروع
ما كان يعرف مصير بغداد ، لولا وجود دجلة ، فجميع المؤرخين يؤكدون على أن إنشاء بغداد كان بسبب وجود هذا النهر الذي مرّن الناس واحتواهم بين ضفتيه ليؤسس التنافس العريق بين الكرخ والرصافة ، المدعيان بأحقية كل منهما بصداقة النهر.
فأي مشروع يفتتحه الكرخيون على دجلة ، يقابله الرصافيون بمشروع مماثل ، حتى إذا ظهر شاعر في هذه الضفة ، لابد من انفلات قصيدة في الأخرى.
واستمرت على مر العصور حالة من التنافس والندية بين الضفتين ، ولم تستطع الحكومات المتعاقبة إهمال وجود النهر وشقه العاصمة الى نصفين ، فقد أوحى دجلة لها إصدار قرارات تأخذ بنظر الاعتبار شطري بغداد ، فلكل منهما مديرية للتجنيد أو الكهرباء أو الماء والتربية والخدمات ولم يتوحدا إلا بظهور أمانة العاصمة في الرصافة في الحقبة الجمهورية والتي أخذت على عاتقها المجال البلدي الموحد لبغداد.
اختطاف نهر
تلاشت بالتدريج الطرق البسيطة والترابية النازلة الى دجلة حتى اختفت تماما في الثمانينيات.
ولم يكن بمستطاع الناس بلوغ النهر طوال عقدين ونصف بالرغم من امتداد دجلة وتعرجه ضمن بغداد لوحدها لمسافة تزيد أو تقل عن 45 كيلومترا.
وحتى المطاعم والمقاهي التي انتشرت في الرصافة بالمكان الممتع الذي عرفه العراقيون بشارع أبو نواس ، فقد طالها المنع ودفعت من دجلة عشرات الأمتار لتلاصق الطريق المبلط ، ليحتفظ الحاكم بحزام أمني يقيه من الناس وعيونهم.
الحالة نفسها ألمت بكورنيش الأعظمية الذي ظهر به قصر جديد للشعب الممنوع من السير بمحاذاته ، وكذا الحال في الكاظمية والجادرية ، بالرغم من أن المسافة التي تمتد فيها هذه المناطق لا تتعدى ثلث طول النهر داخل بغداد.
مصدر الحياة
بقى دجلة طوال التاريخ مصدر رزق الناس بما في ذلك البغداديون ، لغاية سقوط الملكية وظهور الضباط والثوار ، ليصبح مجرد التنزه والسباحة فيه نوعا من المغامرة.
لم يكن ذلك ممكنا ليس بسبب الدكتاتورية فحسب ، بل بسبب القفزة العمرانية التي شهدها العراق بعد عام 1958 ، فقد أنشأت على ضفتي النهر ولسبب غير معلوم أغلب البنايات الرسمية والقصر الجمهوري والوزارات والبنوك، ولأن الأثرياء دائما يحبون الأنهر ، فقد اشتروا كل الأراضي المسموحة لسكن الناس والمحاذية لدجلة.
بنت الدولة منشآتها وأحاطتها بالأسوار وسريعا ما بنى الأغنياء قصورهم ولفوها بدورهم بالأسوار نفسها.
ومع ذلك بقت بعض المنافذ في الأعظمية والكاظمية الجادرية وأبو نواس يتنفس فيها الخلق عبق الماء من خلالها ، لغاية اللحظة التي قرر فيها صدام حسين إغلاق الضفتين بالكامل بالأسوار المبينة بالصور والتي حطم العامة جزء منها تعبيرا عن دورهم في إطلاق سراح دجلة.
إقامة جبرية
لكن إقامة الجنود الغرباء في كل المنشآت الحكومية والأمنية وقصور صدام ، أرجأت تحرير دجلة ، ولم يستطع الناس الاستفادة من الضفتين بالكامل.
فالغرباء اليوم لا يحتلوا أو لا يسكنوا قصور الشعب فحسب ، بل ينامون في بيوت أبناء القائد وأبناء القيادة وأبناء أبنائهم وصحبهم وجواريهم وغيرها.
ولم تكفيهم هذه القصور بل احتلوا جزيرة الأعراس التي زف إليها نصف سكان بغداد وكذلك يقيمون الآن في الجزيرة السياحية في الراشدية.
لماذا احتكر المحررون دجلة كما فعلها السابقون ؟ ذكرنا الإجابة في رسائل سياسية أخرى.
وعلى ضفتي دجلة وزارات التخطيط والصحة والدفاع وكلية صدام ومبنى المخابرات والمجمع الهائل الذي يسميه العامة " صدامية الكرخ " الذي بنى صدام فيه 300 قصرا لأتباعه.
تشغل هذه القصور والمؤسسات مساحة شاسعة تحيط بالنهر ، استولى عليها النظام بأساليب مختلفة كالمصادرة من الخونة والعملاء أو شرائها بأسعار يفرضها بنفسه من الأثرياء الذين كانوا قد اشتروها بدورهم من حكومة 1958 بأسعار رمزية في تلك الأوقات.
والمحتلون على أقل الأحوال ، لم يذكروا مرة بأن العيش لهم طاب في هذه القصور ويصرحون دوما بأنهم سيحولونها الى مجمعات سياحية لحظة مغادرتها ورفع ما يسمونه " الحظر الأمني " عليها.
بهجة الليل
لقد حرم العراقيون من بهجة حياة الليل التي أنعمها النهر عليهم ، وأطفأت تلك الأنوار البراقة التي كانت الأمواج تضاعفها في النفوس والسمك الخارج توا من الماء نحو المائدة المرحة.
كانت نزهة وجلسة في مطعم على دجلة أبهر هدية يقدمها المرء لعائلته في الأوقات الخيرة ، صدى معطر بسحر النهر وعالم متصل بالفرح والأزهار والخضار الذي لا يزيله ليل أو جفن.
فتنة من أفواج السائرين ، لا يفصلهم زمن ولا حجاب ولا تكلف ، يتوحدون في كرنفال يومي لغاية الفجر ، ليعودوا في المساء التالي للبهجة نفسها.
لم تكن لليالي دجلة ظلام ليل ، ولا الناس هم الناس الذين نراهم اليوم ، الجميع كانوا ملهمين ، متبرجين بحياء ، معمدين بالأنس والألعاب النارية وأقواس الضحكات التي لا تنتهي.
لكن أي كرنفال عندما يهرب جمهوره من توتر البلاط وأزمة اللهب الذي لا ينطفئ ؟ هو ذا ما حل بدجلة لربع قرن.
وإن رحلوا
لم نحاور متفائل واحد بشأن مستقبل النهر وفرحه ، والجميع ذكروا بأنه حتى في حالة مغادرة الجنود قصور النظام ومبانيه ، فالوضع الأمني لا يشجع على التجوال والتنزه لاسيما في المساء.
وأشاروا الى أن الأمريكان يمعنون في احتلال الأماكن التي يحبها الناس، وحتى الجسور الـ 14 التي تقع على دجلة بغداد ، يفتحونها ويغلقونها على كيفهم.
لم يتغير الأمر جوهريا بنظر محاورينا ، فالممنوعات السابقة بقت على حالها ، أضف إليها الوضع الأمني السيئ الذي لم يكن العامل المؤثر الوحيد على دجلة ، بل الأهم منه ، تغير مزاج الناس ونمط حياتهم جدا، فمن ينشغل الآن بترتيب صحبة الى النهر أو احتفال عائلي أو غيرها من المباهج القديمة !
وإن اقتصرت مشكلة دجلة على هذه العوامل فهي هيـّـنة ، قياسا للمصيبة الجديدة التي اقترفت بحق النهر.
مغص النهر
أمعاء النهر تتلوى وتتقيأ أحشائه حسب آخر فحص طبي بسبب التلوث!!
برزت هذه المشكلة بعد انهيار الدولة والمؤسسة الصناعية والخدمية العراقية.
فالمصانع والمعامل والمنشآت التي بنيت على ضفافه على امتداد 300 كلم شمال بغداد اعتبارا من مصفى نفط بيجي ومرورا بمعمل الزيوت وشركة صلاح الدين في الدور ومعمل الأدوية في سامراء ومعامل الطابوق والإسمنت في النهروان التي تستخدم النفط الأسود الذي تذهب مخلفاته الى النهر ، بدلا من الديزل غير المتوفر حاليا في العراق وغيرها كانت لديها وحدات عاملة لمعالجة النفايات ، غير أنها دمرت أو نهبت في غضون تحرير الشعب العراقي الذي رد على هذا التحرير بممارسة هواية تفجير مصفى بيجي وخطوط نقل النفط المحاذية للنهر والتي تعبره من كركوك الى المصفى.
يمشي النهر ومعه بقع النفط السوداء موزعا هذه المآثر على آلاف الهكتارات الزراعية ومحطات تنقية المياه وأسماكه وكل شيء يخصه.
ولمحطة الكهرباء في بيجي دور في تلوث دجلة بعد انفلات المسؤولية من عقالها وفقدان الناس الشعور بحب طبيعتهم بصيدهم الأسماك بالصعقة الكهربائية والمتفجرات المختلفة والسموم والمبيدات ، لغاية امتلاء النهر بالأسماك النافقة.
كان هؤلاء العراقيون يخافون من ممارسة هذه الأعمال بالنهر لأن النظام كان يحبسهم ويعدمهم ، أما الآن فلا يحبسون ولا يعدمون لاستخدامهم هذه الأساليب ، لذلك يستخدمونها بحرية فهم يفهمون الحرية المجلوبة لهم على هذا النحو ولا يوجد لدينا تفسير آخر.
في لب البيئة
التجول في مديرية بيئة بغداد ، يعطل الأسئلة عن التلوث والصفاء والخضرة الرحبة.
فهذا المبنى ملوث أساسا وكأنه مجزرة منهوبة. ولا يوجد للعاملين فيه جهاز واحد لقياس التلوث لأن الشعب سرق المبنى بأجهزته وأثاثه وشبابيكه.
لكن من الناحية النظرية يمكن معرفة الضعف في أداء أمانة العاصمة ، فمناطق الطمر الصحي موجودة في منطقتي العبيدي والعمارية ، لكن الزبالون ولقلة سيارات النفايات التي نهب أغلبها ولقلتهم ولانعدام صبرهم يلقون بالنفايات في دجلة الخير وأم البساتين.
ولأن أبو غريب والمحمودية والحسينية والدورة والرستمية والبياع ومعظم أطراف بغداد غير مشمولة بالصرف الصحي ، فهي تصرف صحتها في دجلة بالرغم من الاتفاق على تصريفها في النهر الثالث حيث يقع المصب العام.
وأكثر ما يمكنه قتل النهر من الحزن ، أن جميع مجاري بغداد يتم تصريفها في دجلة منذ 9 أبريل 2003 ؟! ولا يمكن بكل الأحوال إجراء تحقيق يدرس العلاقة بين تصريف المجاري في دجلة ويوم سقوط النظام ! ويمكن لبيئي محترف حساب مقدار التلوث الفظيع الذي تعرض له النهر خلال عام كامل.
تلاوة المصب
يهين الشعب النهر كل يوم مرة على الأقل أو حسب درجة الإسهال التي تصيبه ، وتورق فيه زبالة العاصمة بكل ما أوتيت من قمامة. ومن الصعب العثور على أحد مفزوع من هذه البيانات ، فالصخرة الجاثمة على الصدور ، تمنع التفوه بمفردات البيئة ولهاث الأمواج المغطاة بالنفط الأسود وقناني العرق المغشوش وعلب الكولا المستوردة.
ليس وحدها القصور عبء على النهر ولا همـّه الأوحد الجنود ، فرأسه ممتلئ بالديدان والطحالب وشقوق الدهور.
فيا أيها الفجر الجديد
علــّم الماء بعض التروي ونيــّم على خصبه النجمة الناطقة ..
سبحان من برأك وحررك وهداك لصراط القوقعة والشجيرة والصباح الأليف.