الاثنين، 29 ديسمبر، 2008

الماضي المكدس في حواف المدن العراقية


" صدئت عربة الكلمات "
- بول ايلوار -


لم تكن البصرة بحاجة الى اختراع البهجة وابتكار الضفاف ، ولا تحسب الناصرية قطرات الندى على الحصى وكم تعطي أو تأخذ.
والجنوب ، أينما حللت فيه ، يمتحن الإغراء ، ويغني للجمال وينتحر كل غروب من الحبّ.
والفرق .. نعمة .. بين الجهل والعلم ، الكفر والإيمان ، الأهمية واللامبالاة ، الإفلات والاختناق.
الفرق نعمة ،، لو تسنى قياسه وفق الفهم. لكن الفرق الذي طاردنا في زوايا الجنوب العراقي وحتى بغداد ، مبني على سوء الفهم.
ولولا الصباح والمساء .. وتلك البديهيات الأخرى التي لا تفصلها حواجز الزمان والمكان ، لقلنا أن ما تركته الصور المفروضة على عينينا، مجهول رجيم أو طيران مفاجئ لنعامة يهشم جناحيها وزنها.
فكلما طال تجوالنا في بغداد حتى البصرة ، في الميادين العامة وقرب الصور المحطمة للدكتاتور ، عبر الأزقة وحواف المحال وجنبات العتبات ، وفي ظلال الزحام ، يتعمق ، ويبتعد التصديق بأنها مدننا التي غض عشبنا فيها.
وتدق ، تدق بمطرقة حديدية على جدران الجمجمة ، تستفز ذاكرتك وصور الميناء والأسواق والمتنزهات والضحكات والحجارة النابضة المتحضرة ، تلك التي كانت تتناسل أزهار حقيقية وشعراء وفلكلور ولوحة وقصة ودهشة.
فماذا خبئت لك المدن ؟
ما لا تعرفه ولم تخلق له : صلادة وانسحاق ..وويل للذي يغمض عينيه ويمزق بصيرته وينصف التسامح ولمن يبحث عن حل للصور التالية.
ولائم الكتب
في المدن العراقية ، كانت الكتب تطالعك حتى في النفايات العمومية والمراحيض الاشتراكية. وكانت كالدورة الزراعية ومزاج المواسم ، قطيع يرشف من قطيع.
كتب تسخن وتذيب وتحرق وتنسج أشهى العبارات وأجسر الكلمات، كأنها أسراب من الأفكار لجميع فلاسفة القرون الماضية وروايات العصر الذهبي لفلوبير وبلزاك وجاك لندن وديستويفسكي وتورغينيف وتولوستوي وهمنغواي والقصص الأولى لموبسان وتشيخوف وانفجار الأسلوب لدى ناتالي ساروت وجيمس جويس وفرجينيا وولف ووليم فولكنر ومارسيل بروست. لم تخل مكتبة في البصرة أو بغداد من الأعمال الكاملة لسارتر وكامو وبيكيت وكولون ولسن ، وإن منعوا لفترة أعمال دي . لورنس وأوسكار وايلد ، فأن شعراء كإليوت ورامبو وفيرلين ومالارميه وسان جون بيرس وباسترناك ، كانت تحرز التفوق على جيوبنا الفقيرة. ولم يهدأ سيل المعرفة على نواصي الأرصفة البغدادية وعربات الدفع البصرية لماركس ولينين وماو تسي تونغ وهيجل وتشي غيفارا وفهد وسيد قطب ومحمد باقر الصدر. وتخصص باعة كثيرون بالروايات العربية لنجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ومحمد عبد الحليم عبد الله ، في الوقت نفسه كانت مجلات الموعد والصياد وحواء في أيدي كل من تعرف القراءة في البصرة المثقفة.
في شوارعها وعلى أرفف مكتباتها عرفنا من يكون نزار قباني وإنسي الحاج وجبران خليل جبران وطاغور وجماعة أبوللو وشعر وقرأنا محاولات السياب في الآداب وتنوير نازك الملائكة وشجاعة أمل دنقل وشاعرية النواب. و زواياها لم تخل من عمالقة الأدب اللاتيني، بورخس واستورياس وماركيز وماتشادو وشاعر غرناطة وريلكه والمعلم الأكبر كافكا.
اختصرت لنا مكتبات البصرة وبغداد كل ما جرى في الدنيا ، دموعها وآلامها وعلومها وطالعتنا بأفضل الكتب في الطب والجنس والموسيقى والفلسفة والشعر والأدب وما كانت تبطل ، فشلالها هادر بالمزيد من المعارف التي لم تنقطع حتى آخر يوم رأينا فيه شوارعها المبتلة بالقمع الأول.
انغماد الكتاب في أجسادنا كان تعبيرا عن تداخل الأشياء ، نحت صورّنا فأملنا إليه ، قفزة للمستقبل وجرأة للخلاص من العنف.
ولكي تعود بالكامل لأحضان البلاد ، أحضانها كما حلمت في دفئها سنوات البرد والصقيع ، تتوقع أن تجد بلبلة ما ، كتغيير في الديكور وبعض العناوين ، اضطراب في الأسعار ، فقدان الرغبة بالقراءة لجامعي البطاقة التموينية.
غير أنهم كما لو كانوا يعرضون بطاريات أو مسابح رخيصة أو أقداح شاي أو ملاعق أو ألعاب أطفال صينية ، ينثرون الكتب " المعاصرة " في كل مكان. تقرأ في كل زاوية : وصايا الإمام خامنئي ,, الليلة الأولى في القبر ،، تقاسيم حسينية ،، الخميني العظيم ،، لا أدري شنو من عناوين لا يمكن لذاكرتنا حفظها ، غير أن صور الرجال المعممين على الأغلفة تعطيك انطباع بأن الساعة أزفت وكأننا ندور في إحدى صالات الجنة.
هكذا تصطف مثل هذه " الكتب " في كل مكتبات المدينة التي خرجت منها نصف الثقافة العربية وفي بغداد التي لم يجادل أحد على أنها المدينة القارئة وخير عبارة وصفت ذلك " بيروت تطبع وبغداد تقرأ ".
فماذا تقرأ بغداد ولمن ستكتب البصرة ؟
السيدة والعندليب
اللسان والحنجرة والقلب .. توق. وكانت السنين تتلألأ في شوارعنا وأسواقنا وفي المناطق المحيطة بسينمات زمن الفرح. قررت بأنك لا ترى البصرة ، دون المرور بأسواق حنا الشيخ والمغايز وشارع الوطني والكورنيش.
الأخير مظلم كشط العرب ، والملابس السورية والتركية تزاحم الهواء في الأسواق ، لكن انحدارك نحو ساحة أم البروم باتجاه كراج المدينة الرئيسي ، لابد وأن يفيق بك ذاك التوق الذي كلموه بالكلمة واللحن.
لم تسمع السيدة ولا ياظالمني أو مقطع مميز من حيرت قلبي معاك ولا أشواق العندليب.
كان هذا الشارع وغيره يغني بنواصيه وأعمدته ولوحاته ونوافذه ، تحملك أغنية لتتلقفك أغنية أخرى ، تتلاطم وسط هدير أمواج من نغم لا يعاد لزمن لن يتكرر على الأرجح.
تتمنى للشارع أن يطول لكي تبطل ما تسمع ، ولكي تعتبر ما يصل الى أذنيك هفوة أو خدعة مؤقتة ..
راح صوت السيدة واختفى طرب العندليب وتستقبلك أصوات الأكف التي تلطم الصدور ، ونواح يقذفك لنواح ، بعد أن كنت تسير في الشارع ذاته ، تنهي هذا المقطع ليستلمك مقطع آخر لزهو الأغنية.
لطميات ونواح وصور تعرضها شاشات تلفزيون مسروقة من دور حكومية لمعارك وهمية بين الخضر والحمر. وكنت تسير ميتا الى الليلة الأولى للبرزخ.
مباني وبرقيات
كرسوم السجادة ، لابد لنقوش المباني معنى. ويفضل أن يكون لهذا المعنى شكل ملائم للمكان ولا يخفي ما ترنو إليه المدينة. وعندما تتحول نواد بصرية عريقة كشط العرب أو الميناء قضى فيها نصف شبان المدينة أمتع أوقاتهم الى مقرات وهمية لأحزاب أكثر وهمية ، فهذا فقط من فضل الديمقراطية بلا شك. فمن سمع بأحزاب مثل : عدالة الأئمة ، سراج الصالحين، أنصار المهدي ، هداية الفقهاء ...الخ من مسميات لا يعرفها غير أصحابها.
وانتقلت حملات التعبير على الجدران الى الدور السكنية ، فيعبر صاحب البيت عن شعوره بالفرح أو الحزن ، في هذه المناسبة أو تلك ، برفع بيارق أو أعلام بألوان مختلفة ويكتب ما يشاء على قطعة قماش أو ورق مقوى ما يحلو له من عبارات.
جماهير المقاهي
لم يجلس الناس في المقاهي بسبب العطش ، مثلا .. بل لأنهم يلمون تناثرهم ويصففون أوجاعهم ويرتبون أفكارهم فيها ، حتى أولئك الذين يلعبون النرد والقمار.
وقرأت في المقاهي قصائد الحداثة وتأسست فيها الأحزاب والتئم شمل أشهر السياسيين والأدباء والفنانين فيها.
وعندما تجلس مجموعة منهم ، لتصفح جريدة أو تبادل مخطوطة قصة جديدة ، ويفاجئ بمداهمة مجموعة شبان يرتدون الأسود وبعض الشرائط الخضر ، ويصرخون مطالبين الجميع التوجه الى أقرب قاعة لسماع خطبة أو شق صدورهم للطم أو النواح ، فهذا وجه مظلم لنهار ابتكر نهايته.
متع متلاشية
وأن تختفي 17 دار للسينما الصيفية في البصرة ومثلها مسارح وأندية رياضية ، فهذا يعني أن الأيام القادمة ستكون خاوية. وعندما تحجب صور الفيلم ويتم استبدالها بلافتة تؤكد على التزام إدارة السينما بعرض الأفلام التي لا تخدش الحياء ، فهذا يعني انتشار ما يعرف بالرقابة المفروضة من أي شخص وبدون تنظيم أو قانون.
فأصحاب السينمات تلقوا جميعا تهديدات من جماعات تدعي أنها تنهي عن المنكر ، ونفذوا بعض منها. وهذه علامة على بداية اختفاء واحدة من أهم الفنون المعاصرة ، وفي حالة إضافة المسرح إليها ، فسيلامس الموت الحياة الثقافية والترفيهية في البلاد الى وقت غير معلوم.
في متاهات المدن الرمادية تلهث الغيبيات وتمحى الأغنية واللوحة ويحترق الكتاب وتظلم قاعة السينما التي مسك نصف شبان البلاد يد حبيباتهم في زواياها لأول مرة.
مذعورا بكل هذا البؤس تلقيني المدن الى ماض يخذل الأحلام ويزرع الأمل في كيمياء غموض تدجن أنفاس من سولت له نفسه وعاش في هذه البلاد.