الاثنين، 29 ديسمبر 2008

المنكتون: نـُحـّـات البسمة و صائدو البديهية


" جمهور يضحك لكن لا يعرف الابتسام "
- ادغار آلان بو -


لا يوجد شعب يحب المرارة ويهوى السأم ويتمنى العيش فوق خمسين مئوي بلا كهرباء و يموت يوميا حتى من الخوف والإشاعة. وإن فرضت على العراق المأساة تلو الأخرى ، فالعراقيون ينضحون بما فيهم من إقبال على الدنيا وأجنحتها الذاوية مداوين أيامهم المثقلة كمن يزرع زهرة وسط قش من الصبير والعاقول.
ومن بينهم هناك الذين ينقرون الكلمات بسرعة بديهية يبدو أنها موروثة جيل بعد آخر ، ففي التراث العربي العديد جدا من ملاك البديهية البارقة وذوو العقول التي تستجيب أسرع من غيرها للمحة والإجابة المستقرة في الجوهر.
واشتهرت الشعوب التي وقع عليها ضيم الأنظمة كما كان يعالج السوفيتي القسوة المفروضة عليه أبان الحكم الستاليني والمصري المضغوط كثيرا اقتصاديا وسياسيا وغيرهم من الشعوب التي كانت تصدر الضحك بالرغم من المعاناة البالغة التي تعيشها.
ويبدو أن العلاقة طردية ما بين الآلام والضحك عليها ، وتميز العراقيون منذ العهد الملكي باهتمامهم للنكتة والتعليق الطريف وكانت مجموعة "حبزبوز" التي أصدرت مجلة وجريدة واسعة الانتشار أكثر من قصائد الجواهري وبحر العلوم ، رائدة في مجال النكتة السياسية والاجتماعية ، فلم يتعرض له منشور عراقي من مضايقة ، قدر تعرضها ومجموعة الكتاب والمعلقين ورسامي الكاريكاتير الذين لم يتركوا قضية مهما كان حجمها ، إلا وعالجوها في نكتة أو رسم.
لقد كانت الحكومات التي تدرك عدم شرعيتها الكاملة تخاف أكثر من غيرها من النكتة الشعبية ، كما أن الكثير من الأنظمة ، العراقي السابق على سبيل المثال ، تؤسس هيئات خاصة تطارد النكتة وتسجلها وتعدلها وتغير اتجاهها ، وثمة الكثير من المعطيات التي تدلل على أن صدام كان مستمعا جيدا لتلك التقارير التي تحصر فيها " نكات الأسبوع " ويسمع ويدقق اكثر في تلك التي تتولى أمره أو عائلته او تاريخه وتصرفاته.
وكان لانتشار النكتة أوقات القمع الصدامي أثره البالغ حتى في سير الحياة اليومية للعراقي ، فقد أصدر " مجلس قيادة الثورة " قرارا يحاكم فيه بالإعدام من يتندر على " رمز الأمة " و " قائد نهضتها " ، وكانوا لا يعنون مؤلفي النكات فحسب ، فهؤلاء يغلوهم بالتيزاب ، بل كل من تسول له نفسه ويرددها أو يسمعها ، بل أن الأمر قسم كالتالي : فأحكام مؤلف النكتة عرفناها ، والذي يرددها إعدام 100 % والذي يسمعها ويضحك يرافقه الى المشنقة ومن يسمعها ويسكت دون أن يخبر سجن مؤبد.
وهذا القانون لم يشمل الذات الصدامية فحسب ، بل حددوا فيه ما كانوا يسمونه " القيادة " ، لكنهم حددوا العقوبة على النكات التي تشمل عزت الدوري فما دون بالسجن المؤبد.
ومع ذلك ، وبالرغم من إعدام المئات وربما الآلاف من العراقيين بسبب مزاح أو جلسة غير بريئة تخللتها بعض التعليقات المضحكة التي تخص "القيادة" وقائدهم الضرورة ، فأن العراقيين استمروا في التنفيس عما أصابهم ولم يستطع أحد من منع انتشار النكتة التي كانت النافذة الوحيدة المتاحة للابتسام في البلاد.
ترجمة وتحوير
واضطر النظام في مراحل كثيرة ، متعددة ومختلفة ، من توجيه الرأي العام بالنكتة ، من خلال التركيز على شخصيات أو طوائف أو قوميات ، وكانت أقسام مهمومة ومشغولة بترجمة النكات وتجميعها وتوزيعها من خلال الجهاز الحزبي الضخم المنتشر وسط الشعب ، بحيث وصلت المنافسة ما بين أقسام النكات في المخابرات الى إيصال النكتة وقياس سرعة انتشارها بين الناس بالساعات وليس بالأيام.
وبالرغم من أن النظام صنع شعرائه وكتابه وممجديه ومذيعيه ومطربيه ورساميه ، إلا أنه كان يعاني من قلة المنكتين وصناع الضحك المحترفين لديه، لذلك لجأ الى جانب ترجمة النكات العالمية ، الى تحوير النكات العربية ولاسيما المصرية واللبنانية لوضعها في قالب عراقي وتوجيهها بالشكل الذي يريدون.
الحلي والدليم
فقد أشغلوا العراقيين ليومنا هذا بالآلاف النكات الخاصة بسعدي الحلي ، والمرحوم هو مطرب شعبي يحبه العراقيون البسطاء للغاية وينتشر في أوساطهم ، لذلك تحول الى مادة دسمة للضحك ، لاسيما وأن النكات المرتبطة به تطرح مسألة هي بالأساس تثير الضحك ، وبالمناسبة هناك الآن موقع عراقي متخصص بالنكات أسمه : سعدي الحلي دوت كوم !! يمكن الدخول إليه والإطلاع على آلاف النكات الحديثة.
ويبدو أن صدام كان يبغى إبعاد النكات عنه وتوجيهها الى أي شخصية أخرى ، فوجدوا هذه الشخصية الشعبية الشهيرة لكي يؤلموه بها يوميا. ولم يكتفوا بذلك ، فقد انتشرت موجة فظيعة من النكات على قبيلة الدليم الواسعة الانتشار في وسط وغرب العراق بعد محاولة الانقلاب التي قادتها مجموعة محمد الدليمي ، فلم يكتف صدام بإعدامهم جميعا ومن والاهم ومن سلموا عليه بالصدفة ، بل وجه كل النكات العالمية والمحلية وخاصة المصرية التي تتناول شخصية الفلاح الصعيدي البسيط ، ليعرّقها ضد خصومه الدليم.
وكان يفعل الشيء نفسه مع غرمائه السياسيين ، فلم يمانع من انتشار النكات حول الرؤساء العرب أوقات خصوماته لهم ، بل شجعها وساهم في نشرها حتى على صفحات الصحف الرسمية وكانت قمة هذا العمل أوقات الحرب العراقية – الإيرانية حين اهتمت صحف رسمية كالثورة والجمهورية في بث رسوم ونكات مستمرة على القيادات الإيرانية ورجال الدين المعممين بشكل عام.
وجوه اجتماعية
وعلى مدار العصور ، كان صناع الضحك في العراق الأشهر من الساسة والعلماء والشعراء والفنانين ، فلا يوجد أحد في البصرة لا يعرف " تومان " أو " غنـّو " أو " حميد كلن " ، كما لا ينسى المضحكون رائدهم حبزبوز ورسامين كاريكاتير كانوا يستدرجون النكات يوميا مثل غازي وبسام فرج وخضير الحميري وعباس فاضل وضياء الحجار. فلم يفوتوا مناسبة واحدة أو تصريح فيه مرونة للنقد أو حتى إشاعة دون أن يلتقطونها ، فمثلا يبرزون الجدل حول الدستور ، حيث يقول طبيب لمريض : لا تقلق فقراتك كلها جيدة ، المشكلة في مكان آخر . وذلك المتقاعد الذي يطمأن زميله في المظاهرة التي تطالب برواتبهم: لم يبق شيء ، كلها 90 مظاهرة و 140 احتجاج و70 اعتصام ويستجيبون لمطالبنا.
وحول المتاريس والكتل الإسمنتية التي تملأ شوارع وساحات البلاد ويصورون العراق كسيارة قديمة متعبة يحمل صخور الأزمات المصطنعة والقوانين المزاجية والبيروقراطية والفساد الإداري والدكتاتورية والسجون وتقترب النكتة العراقية المعاصرة من الصورة الحقيقية التي تعيشها البلاد ، ولعل هذا الاتفاق ، يجيز للناس تداولها بلا مشقة ولا خوف ففيها كل العناصر الناجحة من حيث الشكل ودقة الاختيار ولمحة التعليق.
المضحكون المجهولون
وإذا كان ثمة مضحكين معروفين ولديهم فرص التعبير عن تعليقاتهم وتلميحاتهم المضحكة عبر الصحف أو التلفزيون وأحيانا يسجلونها على كاسيتات وتوزع على الأرصفة ، فهناك المضحكون المحترفون ، الذين تنبع منهم كل النكات الشعبية المعروفة ، وليس تلك المترجمة أو المحورة أو المسروقة من كتب التاريخ والتراث والفلكلور ، وعثرنا على المجموعة الأهم في واحدة من أقدم الأحياء البغدادية.
لقد تجاوز أصغرهم الآن الستين وكانوا فيما قبل مراكز الترفيه أين يحلون. ولم تكن غير المقاهي وجلسات السمر في باحات الخانات أو دار من أصبح عازبا منهم لسبب أو لآخر ، الساحات التي يغردون فيها أجمل النكات.
يقول أبو هادي ، بأن المحيطين بك هم الذين يساعدونك في تركيب النكتة وإطلاقها ، فهم المهيئين لأجوائها وبدونهم لا تستطيع الجلوس وتاليف نكتة ، فالمسالة ، باعتقاده ، ليست بسيطة كما تسمع نكتة معادة من أحدهم ، ففي هذه الحالة تكون أنت في موقف لابد أن تفلت منك العبارة غير المتوقعة.
وسرّ الضحك برأيه هو ربط الخيوط وابتكار النتائج بلغة بسيطة لا تخطر ببال المتلقي ، يساعدك في ذلك الإمساك بالموضوع الأصل وتفجير الحالة غير المتوقعة التي تفاجئك كصفعة ، عندها تنفجر بالضحك.
لا يدري أبو هادي إن كان هو فعلا مؤلف للنكات كما يعده الكثيرون ، ويقول أنه يعيش على سجيته ولم يفتعل اقتناص الموقف وإخراج النكتة وإدارتها وحكيها ، كل ما في الأمر أنه يعلق على شيء يحصل أمامه أو حادثة يسمع بها ، ويرى بأن الآخرين هم الذين يعيدون تأليفها كل حسب طريقته ويحورونها ويضيفون ويحذفون منها.
ولا يتذكر نوري الحاج سعيد النكات التي يعتبر مؤلفها ولا يستطيع حصر عدد تقريبي لها ، فكما يقول ان حياتهم كلها بأيامها ولياليها كانت تسير على هذا النحو وبشكل غريزي كنا نعلق ونتبادل الضحك ونتنابز ونتنافس على أقوى تعليق وبإضافات الحضور تظهر النكتة لوحدها بدون تحضير ولا تعمد من احد.
عصف السنين
الباحة التي جلسنا عندها في البيت البغدادي القديم تطل منها نوافذ مترنمة لم يفتحها أحد منذ سنين ، مثل ذلك السلم الذي لا يعرف صالح هل كان سيقع بنا أم لا ، وطوال الساعات التي جلسنا فيها مع أقدم المضحكين في العراق ، كان رجال يدخلون ويخرجون وثمة من يدخل ويجلس وثمة من يدخل ليمرق في واحدة من غرف البيت ليمكث فيها ، لم نفهم سرّ هذا البيت الذي يدخل فيه الناس المختلفين كما لو كانوا في بيتهم ، وشعرنا بأن وجودنا يكلل المكان بالثقل ، فقد كانوا يحضرون لجلستهم المسائية المعتادة لكننا اقتحمنا عليهم خلوتهم هذه. قلت لهم بأنهم يعدون شيئا ما ، فكل من يدخل بيده كيس وثمة فلينة تستقر وسط المنزل وغرامفون قديم عليه أشرطة أقدم لأم كلثوم وبدا أن كل شيء معدا لاحتساء المساء. كسر اكتشافنا خجلهم فقد كانوا مترددين من إخراج القناني والمزات ، وبدوا كأطفال مرحين حال اكتشافهم بأننا لسنا من أولئك الذين يجلدون وخلال لحظات فقط كانت المائدة جاهزة بما فيها القناني المغشوشة.
ظهر من كان في منزويا في غرف البيت ليلتموا حول " البطل " يشوق من على وشك الرحيل ودلفت الكلمات لتخرج من مخادعها ، لتلك اللحظة التي سألتهم فيها : من اللحظة التي دخلت فيها بيتكم وأنا الذي يضحككم ، فكيف يقولون أنكم أشهر المضحكين في البلاد ؟!
النكات الآن
حول المضحكون العراقيون مآسي نهب البلاد الى قاموس " نكات الحواسم " التي ظهر الكثير منها وتخص أولئك الذين أثروا فجأة ويحاولون بأموالهم تغيير جلدهم الحقيقي والظهور بمستوى راق مزيف. صاحبتها النكات المصورة تلك المواقف ما بين المواطنين البسطاء جدا والأمريكان وكانت تخص المراحل الأولى ما بعد الحرب وسوء الفهم المنطقي الذي ينتج عنه تفاهم عراقي بسيط مع أمريكي.
وكان إغراق البلاد بالأطباق الفضائية وإطلاع الناس على النجوم والمطربات الحديثات وغيرها من وسائل تكنولوجية بدأت بالوصول الى العراق نكاتها أيضا.
وما أن ظهر " مجلس الحكم " وتحكيمه حسب الحروف الأبجدية حتى غزت النكات السياسية التي تناولتهم فردا فردا بلا شفقة أحيانا واستمرت الحالة للآن ، فقد توقفت الكثير من النكات عند وجوه جديدة في الصراع الدائر مثل السادة مقتدى الصدر وعبد العزيز الحكيم وسياسيين كبيان جبر وموفق الربيعي ، أما حصة الرئيس جلال الطالباني فكانت الأكثر. فقد ظهرت نكات ترجم فيها مؤلفوها عبارات صدام التي كان يحلو تكرارها الى الكردية مثل : فليخسأ الخاسئون وغيرها وركبوها على بيانات وهمية للرئيس الجديد وظهورها باللغة الكردية سيكون مضحكا بطبيعة الحال.
وظفوا مصائب حقيقية كفضيحة أبو غريب في مجلدات للنكات لا تعد ولا تحصى وكانت " أصيلة " وغير محرفة ومترجمة ، لأنها اتخذت من الفضيحة نفسها مادة دسمة لنكات ناجحة فنيا من وجهة نظر الإضحاك.
والبلاوي التي تتراكم عليهم من التكفيريين الذين يعتبرون ظاهرة جديدة على الحياة والمجتمع العراقي ، أفرزت نكاتها العديدة ، لاسيما تعليماتهم الدينية المتشددة وغيرها من المسائل ، حتى ظاهرة الانتحاريين ، أخرجوا منها نكات غاية في الفطنة.
أما سوء الخدمات والأزمات المتلاحقة ، فأدخلت معجمها الخاص في توليف النكات العراقية المعاصرة ، كما الحوادث الفردية المبهرة كاعتقال صدام في الحفرة واختفاء عزت الدوري الغامض الذي أعطى لهم فرصة كبيرة للتعليق عليه بنكات مستمرة للآن.
دواء الفقراء
يسمونها " دواء الفقراء " يغمسونها مع الخبز البائت ويتبادلونها بالمجان ملقية عليهم فترات من السحر وهيام مؤقت يدغدغ أعصابهم التعبى. ولا حل غير النكتة برأي مظهر الصافي الكاتب الاجتماعي العراقي ، لمواجهة الوعود الكاذبة والواقع الذي يعاكس تماما الأحلام البسيطة للناس ، فكما داعب أبو نواس هارون الرشيد ، كان قراقوش ظاهرة منطقية بمواجهة الحجاج وكذلك الحال اليوم بالنسبة للعراقيين الذين يستخدمون النكتة حاليا كوسيلة للتعبير عن رأيهم ، اعتراضهم أو تأييدهم ، سخريتهم وتجسيد آلامهم وتدجينها وليس وسيلة تهريج يخدرون الشعب بواسطتها كما كان أحوال سوق النكتة سابقا.
العراقيون يشخصون العلة تلو الأخرى وينتقدون أيا كان بلا استثناء ومن النادر أن يظهر أسم في المجالات المختلفة ، دون أن يباشروا في تفكيكه والتندر عليه.
النكتة أقرب أن تكون لبيانات الشوارع و المقاهي وأماكن العمل وسيارات نقل الركاب العمومية والأسواق الشعبية وصالونات الحلاقة وأرصفة التنزه ، هنا تسمع الأحكام من خلال نكتة لا تتجاوز بضعة كلمات يعقبها تعليق وإضافة وتنوع وهكذا. وكلما اتسعت دائرة المحرمات وضغط على حريات الناس وزادت مطالبهم ، ستكثر النكات وستزداد وقاحة وقسوة وقد تنزل مفرداتها وتفقد ذوقها وصبرها ، كشكل للإدانة يعجل في التبصر ورد الضيم أو جزء منه للجانب الأكبر من الشعب الذي يتشفى بالنكتة احيانا كثيرا ولا يتسلى بها ، ينقلها بغيض بدون هدف الضحك ، ليتحول فن الفقراء هذا الى محور يسجل التاريخ وكمراقب يلفظ الواقع بلسان سليط.

بهجة الجميلات الصابرات


" كانت الأحلام تطير من شعرها الى الجو "
- ادواردو غاليانو -

لا شيء يبذل البهجة في شرايينهن و يخفف وزن قلوبهن ، غير شعورهن بأنهن مكتملات وأكثر اكتمالا من لحظة فاتت ، فائضة بالشوق أو ممتلئة بالمعاني وبالعاطفة البسيطة.
واكتمال الطلعة لا يطالع بكراسة أو ملحق مجلة متخصصة ، ولا في زوغان عيون الزملاء في العمل ، بل في ذلك النور الذي لا تقاومه نوافذ ولا ستائر ، ما يشعرن به وقناعتهن الوثيقة بأنهن الأجمل اليوم وغدا ، مهما شبح الفارق في العيون واتقد فحم الفؤاد.
وهنّ تكور لصراع الإهمال والكمال ، سعيهن لاختطاف المهج وشد وثاق الأفق بما يبرق تحت الرموش ، الإلهام الذي لا يلين ، الكفاح لغاية آخر بسمة ، أنه النضال الشريف ، والأكثر نزاهة في الإنسانية ، ذلك الذي يرفعهن درجات ويثبت أقدامهن ويطرد عنهن الكوابيس و حكايات الأبراج.
السعي الأرجواني لأن تكون أجمل دوما ، كمعنى صعب الإمساك وكحسّ لا تملكه غير الذات ، كأن تذهب بالموجودات الى افتراق كله رضا ما أن تقبل الفاتنة التي تسري مع خطواتها الروائح المدخرة ، في أن تحيـّر الناظر في ما وهبت ، مغالاة في الأناقة وتشبث برسوخ الذوق الحلو ، خطواتها بهجة متنقلة، زهور وأكاليل لا تكتمل إلا بها.
المؤامرة الوحيدة في هذه الدنيا التي تجعلها أحلى ، في أن تنزوي فريدة ، دافنة اللحظة الهاربة ، في أي فضاء متاح ، لتعمل أنامل أخرى مرصعات لتحيل ارتدادها ذرات لا متناهية ، غير منفصلة ، ملتئمة على الدوام ، تكسو ثمرتها الحقيقية على أوراقها ، عند العارفات والمولدات فرح مهرجان السيدات في : صالونات الجمال !
سنوات العزلة
والنضال في أن تكون أجمل ، منسوج في أوردتهن ومثوى خفقانهن ولا سلطان لأحد في أن تصبح أو تكون ولا تكون.
وصناعة الجمال ليس طلاء زينة وخلاص ، أنه تعبير وتفسير واستعادة ونشوة وإصلاح وجمع فتات الجمال المتناثرة وصقلها بما يشعرن من أحاسيس.
أنه مؤامرة الخيال الصائب على الواقع الكسول للأهداب والحواجب والرموش والأظافر وكل أوراقها المزهرة ، جهد متراص بالغ المهارة والصعوبة ، ليس بمستطاع مجالس وقرارات وحرمان وعزلة وقناة أرضية واحدة وبضعة مطبوعات مستنسخة الحد منه ، فهو الدورة التي لا تتوقف كالألوان التي لا يستطيع مخلوق محوها ، فالجمال هبة يكسو الوجوه ويلون القلوب ، هو ليس ظلال ولا وهم ولا سيأتي بعد حين ، كالنور المستحيل الانطفاء.
هذا سرّ مقايضة الجميلات العراقيات ، المرأى بالصندوق الذي عبئن به ، في أن يكون مظهرهن مغلفا بالعبء والخوف والحاجة والنحول والمساحيق المغشوشة والمستحضرات الغبية ، ما يبدين عليه ، وليس ما ينبغي أن يظهرن عليه.
كان صبرا على ضيم وليس تقبله ، فالجمال المنتهك يبقى جمالا ، حتى تنتهي خشونة الفجر وتهوى الستائر و الأستار وتبطل الحياة من تناثرها ، ليبقى الطائر في نهاية المطاف المرّ ، مغردا ، بالنغمة نفسها التي جبل عليها ، هو ذلك سرّ مقايضة الجميلات العراقيات بين المرأى والعزلة.
رجال واحتجاج
لم تسر الأمور بشكل هيـّن ، فتكتل النساء مع أسرارهن ، طمأنينة وعلامة تميزهن كغموض القوقعة. وأن تكسر جدران هذه القوقعة ، فلا أمل في أن ينتظرك أحد أو يحاول التحليق مع عدستك.
الاتكاء فقط على المواهب الأخرى يمد الحبال ويذوب الجدل إن قام ويمهد وصال الثقة ببعض العسر.
يبقى التأكيد على أن أبواب صالونات الجمال التي أغلقت في بحثنا ، أكثر من التي فتحت ، والاعتراض لم يكن من أصحاب الصالونات ، بل كان التهذيب يتطلب أخذ الإذن من كافة المريدات للدخول والتصوير والحديث ، ولأن أغلبهن محجبات ، لا يكشفن عن أحوالهن أمام الرجال ، فقد كان رفض واحدة فقط ، يؤدي الى رفض الأخريات.
والصالونات التي مهدت لنا ترجمة هذا اللون من الحياة ، كانت كافية لقناعة الدأب وأجابت على كل أطراف المساجلة.
وكان الأشجع ممن طرقنا عليهم الأبواب وفتحوها لنا آمنين ، مسرورين بوضوح رقيق : منتهى وإسراء وريتا وأحمد وهند ، هؤلاء من ألغى المزلاج وساعدنا على الإمساك بأطراف الغزال الذي يجهدون في صناعته بعملية تسويق الجمال الى الجرف الآخر من الدنيا.



زواج فجمال
كثرة الأعراس في رمضان مسألة التوقف عندها أكيد ، لكن ما يربط الأمر بقضيتنا الراهنة ، هو النشاط الكبير لصالونات الجمال في رمضان والمرتبط بحفلات الأعراس.
فالصالونات الكبيرة وحتى تلك في المناطق الشعبية محجوزة تماما نصف أيام الأسبوع ، ليوم الخطبة والعقد والحنة ومن ثم الزفاف ومن الصعب جدا العثور على كرسي تتجمل فيه المرأة ولو بالرشوة.
والصالونات المحجوزات للأعراس لا يمكن التقرب منها ، لأن حرب حقيقية ستندلع لو حاول رجل غريب التقرب والتصوير ، لهول الحماية المسلحة للأقرباء ، التي تنغمس باختلاس الفتيات للنظر في تطلع هذه الأعياد المستمرة.
اقتصاد وتاريخ
لا تشذ صانعات الجمال في العراق عن القاعدة المعروفة لدى أبناء هذا الشعب ولعهم بالحديث في أي مناسبة عن التاريخ والسياسة ومن حولهما الوضع الاقتصادي.
وكانت منتهى صاحبة صالون المربد ، جادة في طرحها مسألة ضعف الرقابة الرسمية على هذه المهنة التي تعتقد بأن الكثيرين وحسب وصفها ، من هب ودبّ دخل فيها ، بعد أن أعطى كل واحد الحق لنفسه بتبني المشروع الذي يرغب ، وفيما يخص هذه المهنة المعقدة كما قالت ، فقد قبلت في المرحلة الجديدة للبلاد الكثير من الطارئين الذين فتحوا صالونات بلا ترخيص وأثروا على الشغلة من ناحية تدهور الأسعار ونوعية إنتاجهم للجمال.
وزادت على ذلك بقولها ، أن الكثير من الصالونات غير المرخصة بدأت تفتح في البيوت ، ويكفي صاحبها تعليق إعلان على مدخل شارعه أو بيته ليستقبل الزبائن مباشرة في مكان سكنه ، مؤكدة بأن هذه الأمور من المستحيل حصولها بوجود رقابة ودولة منظمة.
والسياسة هي الوضع الأمني الذي قالت عنه ريتا بأنه خارج نطاق عملهم ، فلم يتعرض أي صالون للجمال الى سطو ولم تتعرض أي من الزبونات الى خطف !
وبالرغم من عدم حدوث ذلك ، إلا أنها شبكت صالونها بسياج من الحديد وأصبحت أكثر حذرا من السابق ، وتغلق الصالون في وقت غير متأخر وليس كما كان عملهم يستمر الى ساعات متأخرة ، حيث الكثير من الارستقراطيات يفضلن المجيء الى الصالونات قبل ذهابهن الى السهرات في النوادي الخاصة.
وحديث الاقتصاد تركناه لإسراء التي قالت بأن الأسعار بالنسبة للشعر القصير 3000 دينار والسشوار 2000 ، أما الأسعار الأخرى فتعتمد على القص ونوعية التسريحة وترتبط بأسعار المكياج التي تختلف حسب الطلب ، فثمة مكياج الليزر والطبيعي وتجميل العرائس ومن معهن يختلف عن تجميل العابرين بالصدفة.
كما أن بعض الزبونات يجلبن مواد المكياج والزينة والغسل والصبغ وغيرها معهن ، فلهذا يدفعن أتعاب الصالون فقط.
والطريف أن منتهى أكدت على أنها طالما واجهت مواقف محرجة ، فبعد انتهائها من تجميل سيدة ما ، تقول بأنها لا تملك نقود أو تعطيها نصف المبلغ ، فمن الدين ما تسترجعه ومنه ما تنساه.
وعن الفوارق الطبقية في الصالونات ، قالت منتهى بأنه بالرغم من وقوع صالونها في منطقة راقية ، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة رقي العمل وجودته ، فحسب علمها ، توجد الكثير من الصالونات في الحياء الشعبية ، أمهر من مثيلاتها في الأحياء الراقية.


حسب الموضة
دلتنا هند صاحبة صالون طيبة والتي تمتلك خبرة كافية برغبات العراقيات، على أكثر موضات التسريحات التي تستهويهن عادة ، مشيرة الى أنها تعرض عليهن مقترحها الذي تنفذه في نهاية المطاف مع بعض الأمنيات من زبائنها.
والقصـّات أو التسريحات التي يفضلنها على الأغلب الفرساجييه ، سايكل ستيبس ، ستيبس مشفر ، دلص ، كاري مدرج ، كلوش ، الفرنسي وغيرها.
هذه التسميات أصعب من المصطلحات الفيزيائية بالنسبة لمثلنا ، غير أنها متداولة جدا بين هواة التردد على صالونات الجمال.
وقالت هند بأن زبائنها ، كما النساء عادة بشكل عام ، مولعات بما يشاهدنه في المجلات والتلفزيون ، من مطربة أو مذيعة أو فيلم سينمائي. فالكثير جدا من المرات يأتين بنسخة من المجلة ولو تطلب الأمر يجلبن فيلم فيديو ليعرضن عليها التسريحة المطلوبة.
بالنسبة لهند هذا النوع من الطلبات ليس غريبا عليها وتواجهها على الدوام وتعتبره نوع من العمل الصعب ، يفوق العمل في التسريحات التي تجيدها.
فالإطلاع ، حسب هند ، على التسريحة أو الموديل في صورة أو فيلم ، لا يكفي لتقليدها بشكل مناسب ، لكنها تصر على أن الخبرة خير منجية لمثل هذه الرغبات والمواقف.
الماستر
لطول مراسه واختلاطه بالنساء ، فلأحمد صاحب معهد وصالون أريدو للنساء ، صوت رفيع بالكاد نسمعه ، يختلف عن ذلك الهجوم الذي قاده في البداية على النظام السابق الذي حرمه من متعة ممارسة هوايته التي تدرب عليها في البيت بداية حياته.
قال بأنه في السابق ممنوع عمل الرجال في صالونات النساء مهما كانت المهنة حتى لو فراش أو حارس ! ويعتقد بأن مثل هذه القرارات غير المفهومة دفعته لأن يكون حلاقا رجاليا بالرغم من أن موهبته تبرز مع النساء أكثر باعتقاده ، وشدد على أنه مهما كلف الثمن فلا يستقبل الرجال في صالونه.
وأثار مسألة بالغة التعقيد من الناحية المهنية والنفسية وربما الاجتماعية وهي ميل النساء للماستر الرجل ( لم يستخدم مفردة حلاق ) وليس المرأة وحاول برهنة نظريته بالقول ، بأنه متأكد من ذلك حسب الخبرة فقد عمل طويلا في هذا " السلك " ويدرك بأن المرأة تحب جدا أن يزينها الرجل. وتعليله بأن المرأة تشعر في الداخل وبعقلها الباطن بأن امرأة مثلها تغار منها ولا تجملها بالطريقة التي تريد حتى لا تصير أجمل منها.
استرسل أحمد طويلا في شرح وإثبات هذه الحالة ، وعاد ليؤكد : أما الرجل فهو يتعمق في جمال المرأة ويفهمه وينفذ ما يحلم به في وجه المرأة ونظرته لجمالها كرجل هو ما تريد المرأة الوصول إليه ، هذه النظرة هي التي سينفذها بيديه وعقله وقلبه وكل أحاسيسه.
سحّارات وعرّافات
في واحدة من مرابطات المراقبة أمام معاهد وصالونات النساء ، أثارنا مروق نسوة بعباءات وبملابس وأعمار لا تشي بأنهن يتجملن هناك أو يصففن تسريحاتهن ، يبقين بعض الوقت ثم يغادرن ، فما هن فاعلات في صالونات الجمال ؟!
تبين أن لديهن مواعيد خاصة مع نساء خاصات جدا ، يكون وجودهن في " الكوافير " مسألة طبيعية أمام الزوج والمجتمع والأهل عموما ، لكنهن في حقيقة الأمر وبالاتفاق مع صاحبات الصالونات رتبن مواعيد مع العرافات وقارئات الفناجين الماهرات للغاية والسحّارات على أصولهن وفصولهن.
فأم فلان وأم علان ، لديهن ملحق بغرف سرية خاصة يمارسن فيه هذه المهنة المثيرة للجدل مع عليات القوم اللواتي لا يستطعن الوصول إليهن في مناطقهن الشعبية عادة ، فلا توجد سحارة واحدة في العراق ثرية ، وكلهن تقريبا من الطبقات المسحوقة.
خاطـبات
ولبعض الصالونات متعهدات جمع رأسين بالحلال ، وهذه المهنة الشعبية التي انتعشت في زمان زيادة النساء على أعداد الرجال في البلاد والمعروفات بالتسمية : الخاطبات.
وبعض معاهد النساء وصالونات الجمال ، معاهد نساء بحق وحقيقي ، ففيها تجد أرشيف متكامل بالراغبات بالزواج ، فيه معلومات وفيرة وصور مختلفة وبالألوان ويتقاضى الصالون نسبته في هذه العملية من الطرفين ، بل من الثلاثة ، الخاطب والمخطوب والخطـّابة !
مراسيل ومواعيد
ولقاء بضعة آلاف من الدنانير ، تدبر لك صاحبة الصالون أو واحدة من الفتيات اللواتي يعملن فيه ، لقاء مع حبيبتك ، والعملية بسيطة ، حيث تأتي المقصودة بالموعد ، لتنتظر أن يمر بها المعني بأمرها ، يجلس في السيارة ، يدق هورن السيارة بموسيقى معتاد عليها ، لتخاطب المسؤولة عن تنظيم المواعيد ، المقصودة بالهورن : زوجك وصل !
وللواتي لم يصبحن حبيبات وللذين لم يستووا أحباء بعد ، لابد أن يمرون بالمرحلة الأولى في صالونات صناعة الحب ، التي تتكفل بإيصال الرسائل المكتوبة والشفهية للتي يخرس لسانك ما أن تراها وتتلعثم ولا تقوى على الوقوف أمامها لحظة واحدة ، فتقوم بتدبيج رسالة حب وإيداعها في الصالون الذي يقوم بمهمة المرسال على أفضل وجه ، لقاء أتعاب الحب.
كالأصابع
ليسو بالتأكيد على شاكلة واحدة ، صالونات الجمال ومعاهد النساء المطروحات هنا ، وما ذكر ، تمارسه بعض منها وليس كلها بالطبع.
وتبقى هذه الأماكن ، لحظة تنزوي فيها المرأة الى نفسها لترى ما لم تستطيع رؤيته في نفسها أو تسد نقصا لا تقوى عليه لوحدها و محاولة لتعزيز الثقة في النفس والارتياح في الروح واستعادة شباب مضموم يثوي كخمائل وإيداع الزهرة الشاحبة نداها في زوايا ابتهاج الجميلات الصابرات.

هروع إلى العيد لفضّ الغيظ


ترنيمة عراقية في يوم طوارئ


" صَـلـّي لي كي أُحسن دعوتهم إلى العيد "
- أنسي الحاج -

ما أن بلعت ريقها بمشقة ، تساءلت البغدادية الواصلة نصف العمر أمام المرآة : يا له من ادعاء ، ما هذه الملامح سوى انعكاس لأشياء تبددت في المرأى وهذه التي أمامي لا أعرف أسمها !
وكما لو شمت بخور عتيق ، لفت رقبتها متوالية هذيان أشبه بنشيج نائبات بسط ذاكرتها نحو ذلك اليوم المغبر الذي ألقت وراءه الماء وسبـّحت بحمده ، غير أن الماء نشف وخمس وعشرين شتاء مرت بها وهي تمرق الحصى البراق النافر من أسفلت زمان الملوك.
حاولت استرجاع لحظة الرحيل ، ليتاح لها تصديق سطوة المرآة والربع قرن التي دقت أزاهيرها وأمحت وهجها وأشحبت أطيافها وماجت في ألوانها. هفت لسماع أحرف الوداع التقليدية حيث تزدري الأستار لتبلع ألم لا يحتمل ، أن أول يوم للعيد كان التقاء ساعات السهد وأطلال أحلام غزلتها خيوط اخضرار منبت الحديقة التي يحبها.
لا مراء في أن تتلمس شعرها المبيض الذائب في الأنوار وجسدها المتلاطم الأيام لكي تسترسل في استرجاع رماد آخر يوم اصطحبها لاستقبال العيد مع طفلتيهما الودودتين كحرية أجنحة مصاغة في غابة.
لا مراء من تمزيق الشخص الواحد الذي تقمصته لتخرج الى هذا اليوم الأخير عبر الساحات المخنوقة بالبشر والضاجة بالهمس والزعيق والطبول والأسحار ، دوحة مراهقات وحناجر رجال تقرب المنايا أطلت عليها ما أن فتحت الباب القديم الذي طالما لحن أسمه مع الرياح والأمطار وزئير الليل الذي تضاعف في حواس النساء الثلاثة المتراصات كسدرة أدبر عنها الثمر.
فرط خيال
العالم الجديد الذي رأته مبطئا لا تعرف كنهه ، والنسوة المتزاحمات كعطر نافورة لم يفصحن عن أفكارها الطيبة ، الكسولة ، عن تلك الأيام النائية ، ساورها الشك في أن دهشتها الشديدة بما يحصل ، كونها أصبحت أكثر ثقلا من ذلك اليوم الذي كانت تسند أعصابها إليه ، ليتولى بنفسه مضايقة الباعة بالأسعار التي يشتهيها.
الأصوات السليطة لم تشعرها بالمهانة ، بل بالضيق في أن شبح السوق يسترد احتماله وأن الناس ما عادوا يحملون النجوى وأن الضلال تهرب من بين حواف نعلها ليغبر اليوم الذي قررت فيه تعويض صغيراتها عن ربع قرن من وحدة السجينات المنتظرات.
لم ترضها الدفعات التي تعرضت لها في الزحام وكانت تتمنى لو يعتذر لها الزمن الذي صمدت بوجهه وأن يضمنها البيان الأول للتحرير وأن تسير رافعة الهامة في يوم ثأره ، غير أن الهدوء السحيق الذي لا يصدق ، عزلها أكثر كحاملة أوان ، تلك التواقة في أن يتوزع قهرها على خلجان نفسها كي لا تشمرها الأيام بعيدا عن منزل المراهقات الجميلات الغائصات بالأشعار وبقصائد أبيهن الخارجة عن القواعد والمألوف.
صففت لهن الريشات على القبعات وطرزت على حواف وساداتهن الدموع بعد أن بللهن النوم والانتظار ، في أن يرتدين الأنغام نفسها التي كان يستسلم حال سماعها بروح شاردة لا تشكو ، فماذا لو امتد به العمر لينشد لهن قصيدة الرحمة ، الهائلة ، الرائعة ، الثابتة بأمواج الكلمات غير المشفرة لأحد ، بالقوافي التي لم تنسب الى جهة ، بأعماق الواعظين ومهارة الراوين وفصاحة النابهين ، طمأنينة الحرف حين يرقد على كف الصائن نصـّه.
ملجأ الأم
حين أغلقت بابها ، سدت قلبها : ملجأ أم اليتيمتين الصغيرتين.
ملجأ كوشاح لعزل الناموس ونار تطرد الذئاب وجدران تقطع حبل السكون والتباس ركام الحزن إن يعوي بلا انقطاع وانطفاء الكآبة في تخوم الوجع وفتات الدهر المقطع الأوصال وأحشاء المرارة في المدينة الكاكية و اسفنجة الترقب الماصة حدقات العيون والشكوك ، الشهيق بومضة والزفير بانفجار يعقبه صراخ وتمايل بختها وانفضاض البراعم بما يسير في كسوفها ، رجل اللحظات المتردية واللحن والرضا والأعناب المتسلقة على كسوة الشتاء ، الشعاع الوحيد الموروث من الشمس السابق للحياة ومهج البلابل واللام الشمل في فضاء التودد.
ملجئهن القلب وانقطاع المكان بأرجوحة السرّة الممعنة الجنون ، بالتهديد المستمر في أن تمنح لقب الأرملة ولم تكمل العشرين بعد ، في أن يستقر في وداعتها الدعاء : حمدا على الوحدة ، حمدا على الرجاء ، حيّ على الأزمنة الطويلة ، سبحان مالئ البصر ودافق السمع ورافع طنين النواح.
منزل اليتيمات الصغيرات ، المنعزلات في العبارة المفاجئة والالتباس والقصد والإصغاء للعدم والمنطق والصلة وما في أحد في الحجرة بانقضاء آلاف الأيام : ملجأ الأم !
طالع أرملة
بانقضاء الأعوام الخمس والعشرين من رحيله ، اصطفت في خاطرها هدية العيد ، دَين ما حملته أهداب الماضي ، للفتاتين المسكينتين بما ملكت آمالها بكثيف ملح لهفتها ونفسها الداكنة.
وكنهار لا يروى ، أدركت بأن العالم خارج الحجرة التي تكلست فيها ، تبدل كثيرا ، فشعرت كأنها طافية في جوف الحافلة التي حملتها الى شريعة البيروتي كي يتسنى لها عبور النهر بالقوارب القديمة التي رافقتها في أشد أيامها ضيقا.
بدت دجلة قسطا واحدا لم تنو النظر إليها ، فهذا العالم الذي لن يراه أبدا ، وأيامها ليست سوى عجلات تحمل عليها صغيراتها الجميلات ، هذا النهر لم يطل عليه بعد الآن ولن يراه ولن يسمع زمجرات الزناجير وأبواق التحذير ومروحيات الهوى والفرص المتوانية وحذر المشاعر والتلاعب بالقول ومكر الفعل.
ململمة عباءتها ، خارجة من النهر الى حلق شارع البنات لتواري رغبتها في طلاء صغيراتها بقماش مطربة البارحة التي شققت رغبتهن في تقليد ملبسها.
تزاحم زمن
هنا يحتفظون بخواتم الأميرات ، جادات الملابس المفرطة الزحام وعلى نواصي التكايا وصناديق الزجاج سجون العرائس ومانيكانات الحلم ذوات الأقراط الملمعة والنظرة المبهمة الصامتة كمن قرأ برقية موت بلغة لا يجيدها.
ما أجمل العرائس السجينات في الخيام الزجاجية وكم مفرحة السلال المتدليات قشورا وأزهار. أمسكت بتلابيب باروكة جافة ، فتناثر الشعر كجرح قديم ، فأضاف لارتباكها رذاذ يعدو ، سقط متكورا ما أن تعثر نعلها بصندوق أفلام مستنسخة.
لم يسعفها تدافع البشر لانتقاء عبارة اعتذار من صبي الأفلام المغشوشة حيث ألقت بها الجمهرة المنحسرة مع أصوات الحمالين باتجاه باقة فساتين تليق معها تلك القبعات الحائزة عليها من ذخيرة الماضي.
أسعفها منظر الفساتين الملونات على استعادة حياة ما قبل الخمس وعشرين عاما ، فأمسكت بترددها ، مرتابة في صحوة رغبتها في أن تدس جسدها في واحد منها ، لكن ضنى أسرع في ابتلاع رغبتها ، في السؤال الشرعي الذي ملأ يقينها : يا أسفي ، من ذا سيكون قربي حينها !
اختطفت قدرتها لتزيين صورة الفتاتين المنتظرتين هديتها ووضعهن على قامة المانيكان ، لتقرأ الهزة التي ستحرر عزلتهن من تصفد النوافذ. لم يجل في خاطرها غير ذلك التناسق بين قامة السجينات الثلاثة بهروب أغصان الفساتين الموردة وتلويحهن بفتنة الاكتمال ، في أن تسري بهن إليها وتجعلهن لها ، بالشفق المستغيث احتشاد الجمال في حجرة.
سنون القفار
انظري الى الفضاء كيف تغير وإلى النهار كيف ازدحم بالفقراء ، الى فتاتيك وعالمهن الحزين ، الى السحب مغطية إبهار العيد ، الى الليالي التي غصت في جدائلها بلا طائل ، لنفسك العطشانة والعريانة والمرتجفة الأشكال ، الى سيد دورتك الدموية واضطرام كهرباء رئتيك ، لهمسك واختناقك في أن يعود من الأيام زبدها ومن الساعات بياضها والصخور عتمتها والحشائش لدغتها الآثمة.
اهرعي كتلك الـ " بنية " العاشقة جدا ، وجها لوجه وجسدا لسماء وخميلة لتجوال ، لكي تبقي للموعد مهابته ولنبل الحب جوهره واطمئنانه ، كي تغار منك الأميرات وتصهرين ذؤابات الصبـّار ، بما يحمله الطاهر فيك الى ميلاده ، عنك ، بين درس الأعمال وثمارها ، يناعة النجم وانسكاب النور على مرآه.
تمددت حسرة في بوق حلقها لكنها انحسرت بآهة مستعجلة : أبعد خمس وعشرين عاما من الانطمار في حجرة تخرجين في يوم النار ومنع التجول وقلق الهواء وتيه السلام !
مخرج الأوراد
دارتها الهواجس حول نفسها ، لكن احتباس الشارع بالناس داس على تفكيرها ودبّ على نأيها ، ملقيا بنظراتها على الأحوال وكيف زهيت والبضائع وكيف تبهرجت واللظى حين أمهل الدروب.
ببشرتها الشاحبة المتصببة عرقا وغيضا ، انتزعت خاتمه الذي لم يفارق كفها ، واضعة إياه على طاولة الصائغ الشاب الذي ما أن لمسه حتى هتف بسعر لم تقدره كما ينبغي. لكنها أردفت : أريده بسعر الفستانين ، هناك ، الورديين !
حتى بغيابك تسنى لك أن تشارك في صنع هدية جميلة لهن ، فلا مخرج آخر لبث الأوراد على حدائق فتاتيك ورتق فراشاتهن في سرعة غيابك وطوله المؤذي ، بحوافر ابتعادك والضحى النافر من صورتك القديمة.
تصلبت كفها ما أن غادرها خاتمه ، ولم يشف غليلها وريقات النقود التي أضحت ، بعد ثوان من عمر محنتها المديدة ، فستانين ورديين ومضت نشوتهما في أول لحظة سيطل مقبلهن على جدائل أغنية شابتين وحيدتين للغاية ، أجفلت عنهم الدنيا وما فيها ، بصخبها وعنفها ، وكلمات أبيهن الشاعر الذي لا يحضر أسمه أحد ، والذي لم يبطل المطر دق أحرفه على حيطان الصفيح المكومة تحتها أجساد الجميلات الثلاثة.

سائقات في طرق الموت والفوضى


" لا ، لا ، فهي الشمس ! "
- خوان رامون خيمينيث -

وحدها في الطرقات التي ابتلعت نباتها ، مترقبة عينها خوف إفلاتها من الفضاء المسموح لها في أن تكون بلا حدود ، علوّ انطلاق الوحيدة المرددة المعوذات كلها قبل تقدمها الصباحي في شوارع صارت أكثر قرفا وجزعا والبلوى فيها شعور ونفايات ألقت بها الرياح على مصائر الخلق ، حرة بمواجهة المفاجئات والصدمات والتعليقات والتحرش المفضي بتحميل النفس أكثر مما ينوء به يومها ، المغالي ، الممعن أذى ومرارة ، وحدها مغطاة بالأدعية وطرد الوساوس ما أن تقع في مطبّ أو زحام عربات جوالة ومركبات محترفة ومسرفات غريبة والرجال الذين امتهنوا نجدة الآخرين وحيوانات تمرست في إيذاء الجميع ، كما الصعود المتتالي لسلم ينبغي تجنبه وكتخطي النظرة غير الموفقة.
وحدها بمجاراة الطرق الملغومة وسيارات الموت واللصوص المبتدئين والزمارت المخبولة والشرطة العاجزين والإشارات غير المحترمة والجسور النافقة والرغبة في تخطي ما لا تحمد عقباه و زعيق من ولد عاطلا وجمهرة محمومين بالآمال وتجمع من خدعوا وتشاجر من خسروا الرهان الأخير ومواقع متشبثين بمجد لن يأتي ، دائما وحدها بالرغبة ومملكة الهدوء والاكتفاء النقي واستجماع ما تبقى من حيل لكي تعاود صغيرتها مدرستها وتمسك بدفتر التوقيعات قبل سحبه من المدير العام المرتشي ، رافعة الآهة تلو الدعاء ، في أن يمضي بها الطريق بلا متاعب ولا مضايقات ولا انفجارات مدوية ولا رمي عشوائي ولا منافذ مغلقة حتى إخلاء الجثث وعبور مواكب المناضلين السابقين وأصحابهم مالكي السيارات المصادرة ، وحدها راكعة خلف مقود الحياة التي قررتها ، لتأتي وتروح وتدمع وتمسح ليلها وأمانيها ومتعها ومفرداتها المحببة، عل ّ وعسى أن يكون هذا اليوم أخف توترا من سابقه كرعشة من ارتكب خطأ بلا عمد ، كمثل تقديم تعزية مفروضة أو استعارة بسمة في غير محلها ، وحدها تدير مقود السيارة التي ورثتها من الرجل الأبدي أو تلك التي باعت غرفة عرسها لكي لا تهان في تدافع الحافلات الشعبية وتدون عليها النكات الماجنة والإشاعات المارقة وتصفيف شعارات الغد المنشود وزكام البنزين المغشوش وعرق من لمّ براغيث الحي في فراشه وتودد من فاته قطار العمر ودعابات من أحس بمواهبه متأخرا.
وحدها ، إن تظن أو هكذا يعتقد القلب المسكون بالهواجس ، بأن مركبة متهالكة تسير بمشيئتها ، أفضل من استدراج الأنين والأنباء المزورة والجلوس في فوضى الإشارات والمكونات الكاملة للشعب المسلوخ.
وحدها ، مع آلاف ممن وضعن مصيرهن بأصابعهن لتوفير اللقمة الممكنة وكسر عضد الزهرة ، فاتحات سماء الخلاص ، مرجرجات الجمود ، الرقيقات، الحزينات ، الصامدات ، نجمات الفرسان الغائبين وأحلام الأمراء وأوراق الشجر المذهـّب بالمآقي والمطلي بالدموع ،، أنهن بأوفى ما يمكن أن يوصفن به : العراقيات !
أميرات الطرقات
أصبح واضحا أن كل المخاطر التي يتعرض لها المرء في العراق تبدأ ما أن يغادر بيته ، في الأغلب. وأن فرص الموت تزيد في الشوارع وأن السيارات تحديدا ، المصدر الأول والرئيسي للتعرض للمهالك ولذلك فأن قمة التوتر تسود الشوارع العراقية ، لاسيما في العاصمة ، والشوارع تحولت الى ساحة للمنازلة غير العادلة ما بين الآمنين وكل أنواع المجرمين ، بدءا من الانتحاريين وليس انتهاء بقطاع الطرق.
وأصبح مشاهدا بالعين المجردة ، كثرة النساء اللواتي يعتمدن على أنفسهن في قيادة السيارات ، وبتعبير أقصر : السائقات. فهذه الظاهرة انتشرت في العراق مرتبطة جدليا بالبطالة. فنسبة العاملات في الوزارات وشركات القطاع الخاص والمدارس والمستشفيات أكثر من نسبة العاملين ، لأسباب ليست محصورة بحديثنا الآن.
الخط والحظ
وعليه فقد وجدت الغالبية العظمى من العاملات أنفسهن أمام ثلاث خيارات، رابعهم الذهاب الى العمل مشيا وهذا خيار موهوم بالمسافة فحسب ، أما أولها فينحصر في مصطلح ابتكرته النسوة العراقيات وهو الاشتراك بـ " خط ".
و " الخط " هو تجمع بضعة نسوة والاتفاق فيما بينهن لتأجير سيارة حجمها يتناسب مع عددهن ليصلن بواسطتها لأماكن العمل ، على أن تقسم الأجرة بالتساوي. وللخط مساوئ كثيرة ترتبط بأفضل الحالات بمزاج السائق وصحة سيارته ومحاسنه اقتصادية وكذلك أمنية من باب الحشر مع الناس عيد.
والخيار الثاني وهو بمجمله سيء كتسلق الحافلات العامة بلا حرية اختيار من يجلس معك أو جنبك ومهما تعرضت لمضايقة فهذا من شان المصادفات وأخلاق الشوارع ومحاسن الصدف و تجليات الدهر. والثالث ، هو ما نبحث في توصيفه هذه الأثناء.
المضطرات
الأمهات غير العاملات يواجهن مشكلة ليست هينة ، خاصة اللواتي لا يملكن معيلا ، وهي كيفية وصول أبنائهن الى المدرسة وعودتهم منها. لذلك دفعت الكثيرات لاستبدال الخيارات المطروحة أعلاه بأخذ زمام الحل على عاتقهن بشراء سيارة مهما طال بها العمر لكي ترتهن مهمتها بتلبية الحاجة المدرسية وأحيانا للتسوق.
ويعد منظر امرأة منهمكة بفتح غطاء السيارة أو التفرج على عجلتها المثقوبة وتلك الهاربة من دخان المحرك القديم ، مألوفا ومتزامنا خاصة مع ساعات الصباح الأولى.
هو اضطرار من ليس لديه الحل ، وبند كآبة جديد يضاف لمن تترك رقتها لتنضج عضلاتها وتفكك غطاء الماء الفوار للسيارة الخامدة.
المتنوعات
إذا كان الرجال يتركون سياراتهم في البيت خوفا من الاعتداء والسرقة والتفجير ويستقلون أي وسيلة لقضاء حاجياتهم ، فكيف بالنساء المتزايدات العدد في الشوارع ؟
ولا يخفى صعوبة حشر نفسك في شارع عام لتسألهن بعض من متطلبات الاستطلاع العام في وقت يعد فيه أي نوع من صنوف التطفل مشروع اعتداء ، غير أن ظرفا متاح أمهل لأمل محسن التأكد من حسن نوايانا لتبدأ بإلقاء اللوم على كل شيء بدءا من الظرف الذي ألفى بها سائقة في شوارع بغداد مرورا بالزحام الذي خلفته كثرة السيارات والاحتياطات الأمنية وقدر المخاوف المهلكة للأعصاب وحسب تعبيرها انحدار الأخلاق الذي وصل لدى البعض ، حتى تلك التي يسمونها أخلاق السياقة.
داهمتنا س . ك بمجاملة غير متوقعة بقولها أن وجوهكم لا توحي بالمضايقة ولا بنية الاعتداء ، وحسب قولها ، أن لديها خبرة في معرفة الوجوه الشريرة ، لكنها استدركت قائلة : لا أدري لماذا ازدادت هذه الوجوه كثيرا ؟
هناك امرأة مؤمنة بالقدر لم تجد ضرورة في تعرف نفسها ، وجل ّ إيمانها يجعلها راضية بالمكتوب الذي لا تستطيع هي أو غيرها الهروب منه ، باختصار ألقت كل شيء على القسمة والنصيب.
بينما أخرى تحرص على غلق أبواب سيارتها ورفع النوافذ حتى في الحر الشديد وبالرغم من كل شيء فهي تعيش قلق دائم طالما تسير في الشارع ، لكنها حذرت من السير في الشوارع الخالية وفي عز الظهر أو في المساء المتأخر ، مؤكدة بأن الخشية ليست في سرقة السيارة ، بل الخطف أو القتل الذي يمتهنه البعض.
المحاربات
لم نتعرف على بطلة حادثة الحارثية ، لكن أكرم صاحب محل للتسجيلات شارك في جزء منها ويحلو ترديدها ، ففي واحدة من أمسيات بغداد وبينما الشارع مكتظ بالسيارات والمارة سمعوا صوت إطلاق نار وما أن أطل حتى رأى سيدة بيدها مسدس وتمسك بأحد الأشخاص تبين فيما بعد انه واثنين من شركائه حاولوا سرقة سيارة سيدة المسدس.
لم تتوان هذه السيدة حال تعرض عصابة الثلاثة لها ، انتزعت المسدس وأطلقت النار في الهواء ، ولم تكتف بهروبهم ، بل لاحقتهم ركضا وأمسكت بأحدهم ، في حكاية يتناقلها البغداديون وخاصة شرطة العاصمة بمزيد من الفخر.
وتبين بعد سؤال عدد من السائقات ، أنهن جميعا تقريبا يحملن مسدسات ويحسنّ استخدامها ، لكن أي ّ ممن تطفلنا عليهن ، لم يشغلهن أناقة السيارة ولا منظرها ولا يفكرن حتى بسماع موسيقى وأغان ، وقالت أحداهن بأنه لو يوجد مسجل في السيارة ستفضل سماع تلاوات القرآن.
وعن لصق صور رجال دين في بعض سيارات النساء ، أجابت طبيبة أسنان تعود من عيادتها في وقت متأخر بقولها الصريح ، أنها تطرد العين بهن والشر وضربت بعض الأمثلة التي أبعدتها هذه الصور من بعض المواقف المحرجة والخطرة.
المحترفة
شجع خوف بعض النساء من سواق التكسي الرجال ولكثرة الحوادث المتنوعة من مضايقات وصولا الى الخطف أو الاعتداء ، فالبعض يستخدم سيارته لمآرب كثيرة وخاصة لاصطياد النساء ، حيث لا توجد في العراق حتى الآن سيارات تكسي خاصة معروفة بألوانها وعلاماتها ، فأي سيارة يمكن العمل بها بالأجرة ، هذا الخوف شجع بعض النساء على العمل سائقات تكسي غير معلنات ، وينحصر نشاطهن على النساء فقط.
بمعنى ، أن نساء كثيرات بحاجة الى تكسي في مواقف متعددة وكذلك هناك العديد من السائقات لا يشير أي شيء على أنهن يعملن سائقات بالأجرة. هذه الظاهرة انتشرت في بغداد ، غير أنها خفية ، دوافعها الحاجة الفظيعة وحرمان النساء وأعالتهن أطفال بلا رجل في ظرف يعاني منه البلد من البطالة الكبيرة النسبة.
تتخصص سائقات التكسي الى جانب النساء ، في نقل العائلات والرجال كبار السن أو رجل مع زوجته ، أما الوقت فيعتمد على ما يكسبه اليوم من رزق يكفي لإطعام الأطفال في اليوم التالي والأماكن أغلبها محصور حيث الأسواق التي تهواها النساء والمراكز الحكومية والمؤسسات التي تجذب المراجعين.
طالبات
بعد مسافة الجامعات عن مراكز السكن ، أجبر بعض الفتيات على الاعتماد على أنفسهن في الوصول الى الجامعة وهي حالة بدأت تنمو. تقول هنادي بأنها تتعرض لمضايقات اعتادت عليها ، سواء كانت لوحدها أو عندما تنقل زميلاتها ، فالبعض لا يحتمل وجود عدد من الفتيات في سيارة واحدة. أغلب المضايقين من المراهقين والشبان ، لكنها ترى بان زيادة رجال الشرطة وسيارات النجدة في كل الشوارع تقريبا والساحات قلل كثيرا منها ، لكن مصاحبة بعض سيارات الشبان لها لغاية وصولها للجامعة ونظراتهم وتعليقاتهم وأغانيهم العالية لا يستطيع احد محاسبتهم عليه من وجهة نظر القانون ، فكل منا يجلس في سيارته ولم يوجه اعتداء مباشر يحتـّم الشكوى.
بلا إحصاء
لا يمتلكون في إدارة المرور العامة أي إحصائية لعدد السائقات في العاصمة ، بالرغم من أن الأمر قد يكون متاحا لو راجعوا سجل من تم منحهن اجازات السوق.
لكن الوضع في العراق الآن يتيح لمراهقين بأعمار لا تتجاوز الخامسة عشر في قيادة مركبات نقل وسيارات خاصة ، فاجازات السوق يمكن الحصول عليها من أرصفة التزوير.
ومع ذلك فان الانطباع العام لدى شرطة المرور على قيادة المرأة للسيارة ايجابية كونها تتصف بالرزانة والالتزام بضوابط الشارع وعدم خرق القوانين.
مبتدئات
وتنتشر في العراق مع الزيادة الهائلة للسيارات في السنتين الأخيرتين ، مكاتب تعليم السياقة. يقول صاحب مكتب السعدون بأن أغلب زبائنه من النساء فالرجال برأيه لا يلجئون الى مدارس تعليم القيادة ، لأن لديهم متسع من الحرية للتعلم بطرق مختلفة عن طريق أصدقائهم وفي أي وقت ومكان ، بينما لا تملك النساء هذه الحرية والمكان والسيارة ولا تأخذ راحتها في الشوارع العامة، فالمرأة بطبعها حسب اعتقاده ، تلتزم وتحرص على معرفة الدروس وتخشى التعلم في الأماكن المكتظة والمزدحمة كون المبتدئة ترتبك كثيرا وسط هذا النوع من الطرق.
على الطرقات أجمل
وسواء كنّ محاربات أو طالبات ، عاملات أو مهيضات الجناح ، مبتدئات أم محترفات ، فوجودهن في الطرق ، مهابة مكشوفة ونزع الآلام من المطبات وصيرورة تزيد من تحمل مفاجآت الأيام.
هنّ أنوار الشوارع وعصافير الرؤيا وأكاليل متنقلة وبذار أعمالهن الفاضلة.

" الكون المؤقت " لشبان العراق


" لن يعنيك أحد
عندما يذهب أبنائك الطوال الى الحرب "
- روبنسون جفرز -


" لم نولد في العراق لنمضغ طعامنا فقط " ، قالها الفتى العراقي الكامل الأوصاف والشاعر بثقل الملل ورتابة البطالة معتصرا ما يستطيع قوله في ألفاظ تطلبت تدخلا مجانيا من أكثر المتعلمين من جمع الشباب العراقي الخالي الوفاض تماما لكي يترجم لنا ما يقوله من " بدع " ومفردات يستأنسون في ترديدها لإضاءة ما تبقى لديهم من مرح.
وحتى الشجرة الواقفة منذ قرن لو لا تهزها ريح ويعكرها غبار ويغسلها مطر فستذوي مع كل مساء ، فكيف يحرك فتيان العراق زهو يومهم دون أن يذوبوا في عراك الكبار و تذبذبات الأمواج ونرجسية القمر ومزاج قرينات الحي وتآكل مصاطب الدنيا التي أول ما حملقوا فيها دورّتهم بالبارود والنار وأكل مال اليتيم ونسيان احترام الكبير والعطف على العليل ؟
كائنا ما يكونوا، بادخار نواصي التقاليد والعادات وتعاليم الدين ، فأن من يبسط اللآلئ ويبعث النضرة بالزهور ، مذاقا يرفرف بلا مدى ما أن يفتح اليوم بابه الجديد ؛ زغب الشباب وريشاته الطائرات بالنور المدلى المستحق أكثر من افتراق الأمل وطوابع الخيبة واستهزاء الفراغ وكوابيس الضياع حال استقرارها على العقول النابتة للتو بلا إرادة منها ، تستوي حقول للضغط وتشجير المستقبل بأجهزة السيطرة عن بعد والإفراط في تدجين سوء الحظ والمشاجرة ما بين مرارة القسمة واحتضار النصيب.
ها هي شجرة الأمل العراقي غير مقدرة مسئوليتها ، في أن الحطام يولد الخراب والبهجة تتشظى بيارق فراشات. ما يميزهم عن غيرهم من شباب الجيل ، أن لديهم العذر تلو الآخر ، والسبب المدجـّن بالويل والمفخخ بالفزع وقلة الحيلة وقصر اليد وفراغ الجيوب وشحة الخيارات.
لم يقبلوا لهذه الدنيا كي يمضغوا طعامهم بالتأكيد ، ولم تدركهم حوافر الحظ اعتباطا وبلا تجليات القدر ، فاتخذوا الاحتياط اللازم في تأثيث الهزائم وخواء العاصمة كلوحة متاحة ، لمطاردة الحيرة وقتل الفراغ الأثيم واقتناص الأخطاء في الذوق في التعبير وانتقاء المفردة كحالة الحوار النادر بين حيوانين مختلفين المنشأ والجينات وطبلة الأذن وحدة الأنياب.
فهي وإن شاء غبار الصدف ، محاولة للدخول في " الكون المؤقت " لشبان العراق ، كوقاحة نملة وترويض هوس والإصابة بحمى الافتراضات الخاطئة ومقاومة النوبات المزمنة لأكثر الأسئلة إهمالا في " الحياة السياسية العراقية " الجديدة والتي لم يطرحها أي من المدعين بقيادة الوطن : ما الذي يعاني منه شبان العراق في " الحقيقة والواقع " ؟!
زينة الحياة
هم زينة الأوطان والعالم الذي يستحق معرفته والمسلمة اليومية لمن يدعي أبوتهم والإمكانية الوحيدة التي تتبادر لذهن من يظن بامتلاكه الخيارات كلها ، في تنوع طرقه ووضوح علـّـته وتعافيه من التظاهر والتسامح المفتعل.
وسواء تخرجوا للتو من الجامعات أو أطلق سراحهم من السجون ، فتجمعهم مائدة واحدة وسقف مشابه وإشكالية غير قابلة للجدل في كيفية حصول كل منهم على وجبة الفراغ وطهي الملل في التطلع القاسي لأي منهم على ما يصاحب مشيته من إهمال فاجع كأنهم مجموعة من اليتامى في ملجأ عمومي وليس شبان الوطن !
الضوء يتألق
الكثير جدا من الشبان العراقيين يكدون من الصباح حتى المساء بمختلف أنواع المهن التي تتناسب مرة ولا تليق بهم وبما تعلموه مرات. وما أن يبدأ هدير العاصمة والمدن الأخرى ويشتغل محركها ، إلا وتجد الفتيان موزعين في الساحات والطرقات وعند عتبات المعامل الأهلية وكراجات غسل السيارات وتصليحها ، ثمة من يرعى الأغنام والمواشي وهناك من يرتب حركة المرور لقاء " إكرامية " تنسجم مع مزاج السائقين.
والكثيرون للغاية لا تنبسط أمامهم الحياة بسهولة ، لكنهم لا يلينون ولا يستسلمون لمصروف الأم وأدعيتها والارتكان الى حديقة المنزل.
ولم يكن هادي و جواد وسامي ممن " تشاورنا " معهم حول قسوة الكسل وخطأ العطل وضراوة التسول حتى من الأقرباء ، إلا نماذج غير مختارة عمدا، وعينة عالقة في الجيل كأوراق ناصعة في شجرته النامية. فالأول في سنة البكالوريوس الأخيرة وسيتخرج مدرسا للغة العربية بعد أسابيع ، غير أنه يفهم أكثر من المستر فورد ماذا تعاني منه هذه الأنواع من السيارات. ميكانيكي من الطراز الفريد ويهوى الى جانب صنعته هذه ، أشياء لم يستطع التقاطها بسهولة مع اختلافها ، موطنا نفسه ، راهنها لبارئها وأشقائه الصغار المتكفل برعايتهم بعد رحيل الأب في واحدة من الحروب السالفة.
والثاني ، ألق في صمته ، متتبعا روائح الأفلام الجديدة ، مبهر في سرقتها وتحويلها الى أقراص أطبقت عليه الشهرة في شوارع الكرادة ، متذمرا بعض الشيء من فشل السنوات الماضية ، محتفظا بين جوانحه ببعض الأمل في أن الناس متى ما بدئوا يقبلون على السينما ، فهم على استعداد تام لتقبل المعاني الكاملة لتقلبات الحياة الأخرى.
تجني له هذه المهنة أجرة العودة الى البيت وتناول ما يشتهيه من مطاعم السوق وفيض من مسرات بسيطة علاوة على صيانة أجهزته في البيت. فهو يزوّر الأفلام في بيته ويبيعها الى أصحاب المحال لقاء نسبة معقولة ويشكو فقط من الكهرباء التي تزاحمه انقطاعها المستمر على تلبية الطلبات الكثيرة.
والثالث من النماذج المضيئة في صحبة العاصمة ، عنفوان بجسد ضعيف ، لكنه غير محطم. يكلل يومه بالنجاح تلو الآخر متنقلا ما بين مطابع سوق السراي وشارع المتنبي والجامعات ومقاهي المثقفين ، كوسيط لطباعة الكتب لمثقفين لا يعرفون دهاليز السوق ومناظرات الورق ومشاغبة الأحبار ، حتى وصل به الأمر لكثرة المواد التي يحملها عند صاحب مقهى السوق ، أن يصدر مجلة شهرية بخمسمائة عدد كمرحلة أولى ، يسترجع فيها بعض من الفصول التي ينشرها من الكتب وليكن اسمها ما يكون ، لكنها المجلة الأولى ، ربما في تاريخ النشر ، يصدرها فتى يطبع الكتب للمثقفين ، مكتبه ناصية مقهى.
الضوء يتناقص
باقة الفتيان الذين ترونهم سائبين في المقاهي ، عاطلون بغير إرادتهم مستوين كتلك المقاعد المفترشة من بلغ العمر عتيا. لم يكن الحوار مع سلطان وعامر وفرج وبدر ومصطفى وغيرهم من هواة الكسل ، من باب التسلية كما يفعلون ، بل أقرب من الازدراء وقت المحن وافتعال الجد لحظة الهزل. أحدهم ترك المدرسة في الثالث متوسط لأنه قرر أن الشهادة لا تفيد ولو كانت كذلك لجلبت الفضائل لشقيقيه أسعد وأحمد اللذان يصطحبانه كل يوم الى هذه المقهى للتشفي بطاولة البلياردو أو ضرب قطع الدومينو على مصير الطاولات.
والأشقاء الثلاثة أجمعوا بأن لا عمل حكومي وفي القطاع الخاص يحتاج الأمر الى واسطة ، والحكومة لم تفتح التعيينات حتى لأولئك المفصولين السياسيين التي جاءت لنصرتهم ، فكيف الحال معهم.
وأكدوا بان العمل الوحيد المتاح ونسبة القبول فيه عالية هو الالتحاق بالجيش أو الشرطة ، غير أنهم بالغريزة لا يحبون ممارسة هذه المهنة ، ويصرون على أن حلمهم الوحيد الهجرة الى خارج العراق والالتحاق بعمهم في هولندا.
الوحيد الذي يعمل في جمهرة العاطلين الذين وجدناهم على ضفاف دجلة ، هو من يصلح دراجاتهم الهوائية التي يستخدمونها في الانتقال واللعب وأداء حركات بهلوانية يصفون بها أنفسهم وينافسون ثقتهم بأنفسهم ، بانهم في كل الأحوال قادرين على عمل شيء.
وهنا يتقن الجميع ألعاب المقاهي ويدخنون بلا حسرة ولا شفقة بالرئتين ، الأمر الذي يجعل من العسير التكهن بمصادر دخلهم وكيف باستطاعتهم تدبر مصاريفهم غير المتاحة حتى لموظفي الدولة. ومن المؤكد حين تجد شخص عاطلا ، فيوجد من يعمل ويصرف عليه.
أقدم العاطلين
لم تدهشنا حكايات أنمار عما فعله وجيرانه من سرقة أبريل الشهيرة وقال بأنه قضى عمره عاطلا ولم يعمل سوى ثلاثة أيام بعد السقوط كان له نتاجا لها الكثير من الأجهزة الكهربائية وعدد من السيارات وحتى الأجهزة الطبية. باعها وافتتح ثلاث صالونات للحلاقة وهو يجلس يوميا في المقهى حتى المساء ليحاسب محلاته ليعود عاطلا.
يحاول إقناعك بأنه لم يسرق أكثر من حصته التي ينبغي للدولة ان تمنحها إياه، وبرأيه لم يعمل أكثر من استرداد " حقوقه " السليبة واستغلال فرصة حلت لساعات ليعيش برفاهية لسنوات.
المهن المرتبكة
الشبان الذين تجاوزوا سن الفتوة وأكملوا الجيش أو سرحهم انحلال الجيش وجدوا أنفسهم في الشارع. ولأنهم جنود ، فعملوا حسب القاعدة العسكرية التي تقول بان الجندي يمارس كل المهن.
تراهم باعة سجائر يوما أو ينشرون الحظ ببطاقات اليانصيب وثمة من يبيع قناني الغاز أو يعيد تعبئتها لقاء أجر ، زبالون ومنظفو حدائق ، باعة صحف أو خردوات وأنتيكات وأثاث قديم ، حمالون وسماسرة فاشلون ، سواق تكسي أو صبية مقاهي ومطاعم. هؤلاء هم الثنايا والحوض والحفرة التي مهما ألقيت بها لا تمتلئ.
ضحايا الفساد
لم يمهل جاسم السؤال حتى بادر بالإجابة المستفيضة التي إن حصرتها تنتزع منك وعيا سياسيا لا بأس به : حين شكلت الوزارات جلب كل وزير أقاربه وأفراد عشيرته والتحمت الواسطة بالرشاوى ، فلا يمكنك الحصول على استمارة تعيين إلا بدفعك ثلاث أو أربع ورقات ( 300 – 400 دولار ) مقدما وبعدها أنت وحظك الذي عليك أن تسارع في جلبه بعدد من الوراق الجديدة وهكذا.
شدد جاسم على أنه من المستحيل العثور على عمل الآن في العراق بدون دفع مبالغ كبيرة لا يقوى على دفعها العاطل الباحث عن عمل. ويجد الحل كما وافقه البعض ممن هز برأسه بالهجرة الى أرض الله الواسعة.
نسب كبرى
بلغت نسبة البطالة قبل سقوط النظام 65 % من إجمالي الأيدي القادرة على العمل وبعد حل الكثير من المؤسسات بعد السقوط ارتفعت حسب التقديرات الرسمية لتصل الى 78 %.
والبطالة اجتاحت بالدرجة الأساسية الشبان المتخرجين حديثا من المعاهد والكليات ، فالحركة التجارية ونشاط المؤسسات الأمنية والأحزاب الثورية لا يتطلب شهادات أكاديمية ولا خريجين ، بل مهارات أخرى ، فهناك ضباط كبار في الجيش الجديد والشرطة النامية ومسؤولين كبار في الدولة لا يعرفون القراءة ولا الكتابة بطبيعة الحال ولديهم فقط لسان وقرابة وظهر قوي. أضف الى ذلك ان المهن التي انتعشت حاليا هي تلك التي لا تتطلب أي دراسة ، فمحصول الحمال تجاوز ما يتقاضاه المدرس ومن يغني في الأعراس يستطيع مصادقة رئيس جامعة لمؤهله المالي فقط.
وتوقف حملة الإعمار زاد من المشكلة ، وحتى إن بدأت يوما ما ، فالشركات الأمريكية وحدها التي فازت بالعقود وهي التي ستحدد دور " الأيدي العاملة " في المرحلة القادمة ، علما أن العمولات اهدرت وصرفت قبل الشروع بهذه الحملة.
وعقود إعادة تأهيل المؤسسات الحكومية وتنظيف المدن وصبغ المدارس وطلاء الشوارع وغيرها من عقود تجميلية ، لم تحل مشكلة البطالة لكونها نفذت على عجل وبأرخص الأيادي العاملة غير المتخصصة.
وحتى العمل في هذه المجالات وعند هذه الشركات لا يحل المشكلة لأنه مؤقت ولا يوجد فيه مستقبل.
مضاعفات نفسية
خبراء الطب النفسي وعلم الاجتماع يشيرون الى تزايد حالات الاكتئاب والنفور لدى الشبان وسكنهم في المقاهي ومنعطفات الشوارع تعبير عن يأسهم وحبهم للهجرة انعكاس لنفورهم من الوطن الذي لم يسعفهم وحالة اللوم الشديد التي تقض أيامهم يهدئونها بالحبوب المنومة والمهدئة والفاليوم وكبسولات الهذيان.
وتصل نسبة من بقى عاطلا عن العمل بعد التخرج الى 80 % و تتفوق عليها كثيرا نسبة الراغبين بالهجرة لو تسنت لهم الفرصة بذلك ، الأمر الذي يطرح قضية " الانتماء " بجدية على مستقبل البلاد والجيل برمته.
فأزمة الشهادات المرمية في الصناديق وعلى الرفوف باتت تهدد جيلين متعاقبين هما التسعينات والجيل الحالي والحيف الذي لحق بهؤلاء لا يسترده إلا العمل الجيد والمناسب والمثمر والتخلي عن طرح الشعارات التي حفظها الفتيان قبل الشبان الذين سيوافقون على العمل في مؤسسات دينية لا تناسبهم وآخرين سينزوون بالتدريج ليعملوا " مقاومين " من باب التشفي وقتل الوقت وكسب بعض النقود.
تكتل سلبي
يتزايد عدد الشبان الذين تركوا الدراسة في مراحل التعليم المختلفة لقناعتهم بأن هذه ستكون شهادة للبطالة والتسكع في الشوارع وقضاء العمر في المقاهي.
ومهما كانت البراءة عنوانهم ، إلا أن طاولات البلياردو والدوران في دراجة مستعملة ومناغاة الفضائيات والهيام بالعسل سيقطع الطريق نحو البناء الذي يعد المعيار الأول لرضا البلاد والستر الذي ستغطي به أبنائها وتداري انحلالهم وانحرافهم وتقوي عودهم راسمة ولو شعاع على ريبهم وشطط أفكارهم.

الأربعاء، 3 سبتمبر 2008

فرح جماعي


" كان لابد من قبول الحياة – هنا أو هناك –
مع ترك الزمن يمضي "

- ناتالي ساروت -

تعيد العائلات العراقية صياغة يومها بإزالة عقباته المفروضة على الدوار وسط البيت ، بهجره في الساعات التي تعقب العصر وتنتهي بحلول التاسعة مساء.
وألطف الخيارات التي تبعث لمن لديه الأطفال السلوى ، تلك الأماكن التي فيها ماء وخضرة وممرات نظيفة ومساء هادئ تنيره كهرباء تحرك ألعاب كاد الأطفال ينسوها.
لتكن صفحة للتجوال ما أن تنحاز القلوب للفرح ومداعبة الأحواض والأغصان والأزهار في تراص ّ جماعي للعائلات العراقية التي ملت من الركون في زويا البيت ومراوغة الحديث عن متطلباتها ورغباتها المارة من ثقب إبرة.
لوحات صافية ، مكملة لحياة تسير فيها البسمات بالتوازي مع رفرفة الأنباء المتداعية ، نوع من الحل المسهب والانفلات نحو فلين اللهو وبياض دنيا الحشائش وأشرطة الصغيرات الملونة ، البالغة الزهو لحظة الفرح.
افتقرت بغداد للبساط الأخضر منذ حركة التوسع السكاني والبناء الذي شهدت طفرته الرئيسية في مطلع السبعينات واقتصر اهتمام الساسة في ذلك الوقت على بناء المزيد من الجسور والطرق السريعة والمباني الحكومية وكان نصيب الأشجار في العاصمة قليل ، و بالكاد كان المواطن يستطيع تتبع البذرات المحدودة التي تنثر على تراب العاصمة.
وقبل ذلك الحين ظهرت أول مدينة للألعاب في بغداد عام 1966 حيث استغرق بنائها أكثر من ثلاث سنوات وعدت الأكبر في الإقليم من حيث السعة وتنوع الألعاب والبحيرات الصناعية التي كانت المتنفس الصيفي لكل أهالي العاصمة تقريبا.
ظرف موضوعي
حين دخل الأمريكيون بغداد ( نموذجا ) استهوتهم لأسباب تكنيكية – عسكرية ، المساحات الشاسعة المحمية بأسوار ، فبركت مدرعاتهم وآلياتهم في تلك المناطق بدءا من القصور الرئاسية ومرورا بالملعب الوحيد الكبير في المدينة وليس انتهاء في ملاعب الأطفال في الزوراء والرصافة وبحيرة النصب والجزيرة السياحية وغيرها.
وساعد ما أسموه " الانفلات الأمني " على ضعف المطالبة الشعبية المهمومة بقضايا أكثر جدية ، في استعادة مراكز الترفيه في العاصمة ، في وقت كان الحاكم الأمريكي فيه ، لا ينظر بعين العطف ، على المطالب الخجولة التي تظهر في الصحافة حينذاك.
ولسبب ما ، انسحبت القوات الأمريكية من المتنزهات البغدادية وتركت ملعب الشعب ليلعبوا فيه كرة القدم ، وكانت هذه الخطوة الأولى التي ساعدت الشركات الخاصة للبدء في صيانة ما تبقى منها والتحضير لإتمام بهجة الأطفال.
3 لثمانية ملايين
المولعون في فرض الإسمنت على بغداد ، أهدروا الكثير من الأموال عليه وعليهم ، دون أن يلتفتوا أو حتى يدركوا ، أن بغداد وضواحيها التي يسكنها نحو 8 ملايين شخص فيها ثلاث منتزهات كبيرة فقط ! وإذا قررت العائلات العراقية التنزه في المناسبات فقط على سبيل المثال ، فأن 3 ملايين شخص سيتوجهون الى حديقة واحدة ، ويمكن تصور الأمر من وجهة النظر الإحصائية على الأقل.
ومن الإنصاف ذكر بعض المحاولات الشعبية بالتنسيق مع مجالس بلدية محلية عاونتها ماديا منظمات إنسانية دولية أجبرتها الظروف الأمنية على مغادرة العراق ، أخرجت بعض الحدائق الملونة الصغيرة في مناطق بغدادية كالبياع والسيدية والحارثية وغيرها.
حديقة النصب
سنة ونصف ، تسبب الوجود الأمريكي بالقرب من " نصب الشهيد " (يسمونه الآن نصب ضحايا الدكتاتورية ) الى تحول أكبر مدينة للألعاب في الإقليم الى بقعة مهجورة يغلب عليها طابع الثكنة العسكرية.
هذا الأمر أدى الى هجرة كاملة لأصحاب المطاعم والمصورين وباعة الحاجيات النادرة والطريفة التي يهواها الأطفال.
غير ان الشركة التي استلمت تعهد العمل في هذه الحديقة بذلت جهدا استثنائيا وصلحت الألعاب القديمة التي جلبوها في الستينات ونصبت ألعابا جديدة صنعوها محليا من قبل شركات عراقية متخصصة أبرزها شركة العراق لتصنيع الألعاب الفنية.
دار الدولاب وارتفعت المناطيد وتلونت البالونات وأضيئت الأنوار معلنة استقبال الوجبة الأولى من طلاب النزهة الذين زادوا يوما بعد آخر بتنوع الخدمات وجدية عمل القطاع الخاص حين يستهويه الربح.
مشكلة جديدة
والشركات التي تصنع الفرح ينبغي أن تربح ، لكن ما ذكرته لنا بعض العائلات المستريحة في فيء المظلات المعمولة خصيصا للعائلات فقط ، هو أن أسعار الألعاب غالية جدا لاسيما للذي يمتلك الكثير من الأطفال الراغبين تجربة المزيد منها.
ويقول إبراهيم بمشاركة زوجته نهلة بأنهم يفضلون الجلوس من العصر حتى المساء تحت المظلة ومراقبة أطفالهم يمرحون كما تشاركهم أم إبراهيم في تلك الجلسة التي قالوا بأنهم طالما فقدوها في الأشهر الأخيرة ، في حين كانت نزهاتهم شبه يومية في هذا المكان الذي يحبونه.
وعن غلاء الألعاب أجابت نهلة السعدي بأنها فعلا كذلك للذي يتردد باستمرار ولديه الكثير من الأطفال. لكنهم حسب قولها ، يمتلكون أطفالا قنوعين ويبتكرون ألعابهم بأنفسهم وببلاش !
لعبة الموت
وسمير الذي يبتعد دائما عن أبويه ، عرفنا عليهم فيما بعد لنلتقط صورة لهما مع أخيه الصغير ، يتندر على ما يسمونه " لعبة الموت " هنا ويؤكد بأنها بسيطة ولا تثير الخوف وأنه في الكمبيوتر يجتاز ألعاب أصعب. يعرف سمير ألعاب " والت ديزني " الشهيرة ويتحسر لعدم وجودها.
يقبل الآخرين من الفتية على لعبات " التلفريك " والطائرات والأخطبوط والسكة الطائرة والخيول والسفينة التي تنقلب على نفسها.
تتكرر الأضواء الملونة المصاحبة لموسيقى راقصة تساعد الأطفال على الإسراع في قطع التذاكر والانغماس في الحالة وتقمص أدوار طالما أدوها مع الكمبيوترات.
أسعار مناسبة
كبير العاملين في حدائق الألعاب وصفي الحمودي يؤكد على أن أسعارهم مناسبة ، مفيدا بملاحظة أن ليس كل من يدخل الحديقة يقصد اللعب. فثمة عائلات لا يدفعون غير رسم الدخول الرمزي ويأتون حتى بطعامهم من البيت ومع ذلك فأنهم يستمتعون بالأجواء والخدمات هنا كلها بالمجان تقريبا.
هكذا فهم وصفي الموازنة ما بين ضيوفه ، فهم أنواع برأيه ، معتبرا أن أكثر شيء يسعده الإقبال الكبير الذي لا يزال يطمح إليه ، حيث لا يعتبر زوار حديقته كافين مقارنة بأوقات السبعينات التي لا تستطيع فيها أن تعثر على محط رجلك حسب وصفه.
ولا تنحصر مشكلة رعاة الحدائق المسلية في الأسعار ، بل في الوضع الأمني ، لاسيما بعد استهداف المدنيين في معظم العمليات والحوادث الإجرامية التي تحصل في العاصمة العراقية تحديدا.
ومع ذلك فأن الإقبال الأكثر يخص العائلات وسفرات المدارس أو تلك التي تنظمها التجمعات والاتحادات الطلابية من وقت لآخر وتبدأ من الصباح لغاية المغيب.
متاعب رسمية
تم خصخصة مدينة الألعاب في الرصافة منذ عام 1989 لكن أرضها ظلت تابعة لأمانة العاصمة ومحتوياتها تتبع للشركات المساهمة فيها. وبعد انتهاء عقد الايجار الأولي ، رفعت الدولة قيمته بثلاث أضعاف ليصل الآن الى نحو 120 مليون دينار ، الأمر الذي يصعب على الشركات الداخلة في المشروع المهمة في تطوير المدينة أو تخفيض أسعار الألعاب التي يشكو منها الناس.
كما أن المدينة تجهز نفسها بالكهرباء بدون مساعدة الدولة باعتمادها على مولدات كهربائية خاصة بها وكذلك الحال بالنسبة للماء الصالح للشرب والسقي ورعاية النباتات والحيوانات الموجودة فيها.
جفاف البحيرة
بدلا من الموسيقى والأنوار التي ينبغي أن تسبح في نافورة بحيرة مدينة الألعاب ، تشم رائحة مساحيق غسل السيارات التي حولت المكان الى محطة لغسل السيارات بلا مبالاة لا بالذوق العام ولا بمشاعر المتنزهين ، مع التذكير بأن هؤلاء كانوا في أوقات النظام السابق لا يستطيعون حتى وقف سياراتهم للحظة واحدة ، لأنهم يدركون بأن غسلهم مع سيارتهم سيتم في حمامات الرضوانية.
بحيرة الزوراء
على العكس من ذلك ، تسير القوارب الصغيرة بهدوء ومتعة في بحيرة الزوراء التي افتتحت مؤخرا بعد مغادرة القوات الأمريكية للمنتزه الأكثر شهرة في العراق.
وترتبط هذه الحديقة بذكريات الكثير من العراقيين ومن الصعب العثور على بغدادي في منتصف العمر لم يحجز جزء من أوقاته بين أشجارها وتنفلت منه الكلمات المتعثرة الأولى في لحظة هيام.
بدت الزوراء أكثر تنسيقا من حدائق الرصافة ، لطبيعتها من جهة ولنوعية زوارها الذين هم في الأغلب عائلات ، لعلهم بدئوا حياتهم الزوجية من هذا المكان بالذات.
وأكثر ما يزعج في الزوراء ، قربها من المنطقة الخضراء وإطلالها على شوارع اشتهرت بالمفخخات ، ومع ذلك فأن العراقيين الباحثين عن التنفس الآخر ، يتعقبون البهجة مولجين في تقفي ضحكات أطفالهم مقبلين على الحياة المتحركة والمدونة في شدو الأطيار والنسمات التي تهزها الأغصان وريشات البطات المأخوذة بسريان الزوار الجدد.
الحديقة المتجددة
نظفت قنوات المياه السائرة وسط الشواطئ المعمولة جيدا بالأحجار البيضاء وبعض الرخام ، فيما اصطبغت الجسور الصغيرة بألوان تحاكي المصابيح المطلاة بالطيف.
وما بين النساء المتألقات ، تفترش جلستهن زهرات وحيدات تقترب من فراشهن المحمول من البيت ورائحة شواء كلف البساط الأخضر بعض من نزاهته بحركات تولع في خرقها العائلات بالرغم من التحذيرات المكتوبة والمعلنة من " إذاعة المنتزه " الداخلية التي تبث آخر المنوعات الفضائية.
يجبر الحر بعض الصبية لعرض أجسادهم بلا قمصان مدخرين هبة النافورة الغاصة بهم وبصيحاتهم المترنحة وسط بهرجة الموسيقى المتوافقة مع الضجيج الشديد الحلاوة.
الجزيرة السياحية
قضى في هذا المكان الممتع الكثير جدا من الشبان العراقيين ليلة زواجهم الأولى وبلا مشقة يمكن حساب عدد الشبان الحاليين الذين يزورنها دون يعلموا أنهم كانوا من نتاج نضرتها وزخرفتها وردائها الحريري الممطوط على دجلة.
وهي أجمل بقعة سياحية في بغداد عكرها الأمريكيون أيضا حتى غادروها بعد تسليمها الى وزارة الثقافة. وفيها الكثير من الأشجار النادرة المعتنى بتصفيفها بستانيون مهرة بذلوا جهدا استثنائيا لتحويل مساحتها الكبيرة الى واحدة من الرياض المكتملة الرشاقة.
يحيط النهر معظم مساحتها ولا يسمع فيها صوت مسرفات ولا عربات ، سوى سكب القدح وارتداء الرداء الشفاف وتهادي المحبوبة وظلال الطيور الحسودة.
ينزو فيها عشاق العاصمة الآن مقتنصين لحظة ألفة وذكرى فائتة عن الرتابة اليومية مصورين الحمرة المبكرة للخد وثقل الكلمات عندما تصور المشاعر الحقيقية.
لحظات الهناء
هكذا قرر العراقيون توطيد الفرح كطمأنينة و يقظة هائمة. كنوع من الحل وجزء منه ، لكي يكبر صغيرهم ويصغر كبيرهم بالبراءة والثقة في أن الأمن بهجة أيضا والأمن خمائل ومسك يد الزوجة بعيدا عن طاولة الطعام ، والأمن قنطرة حب وبساطة و ليس الاعتناء بمزلاج الدار فحسب ، والأمن هو ما قرره هؤلاء العراقيون حين هبوا لصداقة الزهور والبحيرات والألعاب الطائرة واقتراح الزوارق في المياه الصناعية.
سيجذب بعضهم بعضا لتلاوة لحظات الهناء وسيكثر الأطفال عند السواقي وبوابات حجز التذاكر المسلية ، ما أن يصبحوا فردا واحدا ، قصيدته انقشاع الغيوم وابتداء البذار على الشواطئ.

مذاق الخلان

المهنة التي أصبحت لقبا ، وجابهت بخل الحصار والتقشف في المنّ والسكر والذين اعتبروها من الشكليات ومظاهر البذخ والتسلية غير المواتية بالنقود وقوت الشعب غير العاثر على كيلو سكر زائد عن حاجة المخازن الحكومية.
لحلوانية العراق تاريخ طويل لم يفارقه الحاضر كثيرا ، فقد حافظوا ما استطاعوا على هذه المهنة الخاصة التي لم يقتحمها الطفيليون وبدت في استمرارها وتطورها ، كمهارة اختراع وأسرار يسلمونها لبعض جيل بعد جيل.
والأذواق والرغبات بقت على حالها ، فلكل مائدة نصيب ولكل نوع من الحلوى الشعبية العراقية ، نكهته ووقته ووظيفته وقيمته ، فلا تتداخل هذه العوامل ، فيحدث خلط كبير ، فالحلويات دخلت في الموروث الشعبي وكان وجودها دليل احترام وقبول واختفائها علامة خصام.
البشرى
توزيع الحلوى يعني الاحتفال ، فالخطيب المرتجف خوف عدم موافقة أهل حبيبته ، ينشرح ما أن يرى مضيفيه يقدمون له البقلاوة أو " منّ السما" ويعني دخول الحلوى الى المجالس الجدية ، الاتفاق والترحيب بالضيوف وعكسها يعني الابتعاد الى الطرق المسدودة.
وتوزيع الحلوى من قبل أحد بيوت المنطقة على باقي بيوت الحي ، يعني ثمة بشرى يزفها صاحب الحلوى لجيرانه ، نجاح الولد أو الظفر بعلاوة للموظف القديم أو وصول رسالة منتظرة من الابن المغترب أو ولادة صبي على سبعة بنات.
فالحلويات دخلت في الحياة الاجتماعية الأخرى كراية للفرح وإعلان النجاح والسلام والخروج بكفالة من القفص ومحاولة لمشاركة الجميع هذا الزهو كعلامة للتآلف والتضامن والاتحاد الذي طبع الأحياء الشعبية العراقية ، لاسيما في أوقات البلاد الذهبية.
تبادل الفرح
والفرح كان متبادلا أيضا ، فالجيران الذين يستلمون الحلويات ، سيردون بأحسن منها عند زيارتهم لصاحب المبادرة وتقديم التبريكات والتهنئة له ، لذلك تتحول الحلوى الى لغة ود تغذي العلاقات برقة ولطف.
ولطالما كانت الحلوى وسيلة للتقريب بين العائلات المتخاصمة أو التي تنوي التقرب لأخرى.
لقد جمعت الحلوى الناس كثيرا وكثيرا ولم يشهد لقاء فيه حلوى وخصام ، بل ساهمت في تقريب الرؤوس ، كما يقال ، بالحلال ، وهي أفضل هدية للمحتار والمفلس ، الجوعان والزعلان ، ماحية الشعور بالتردد والمشجعة على دخول البيوت من أبوابها ، مبعدة التنافر ومقربة النظرات ، أنها الاكتراث بقمته والاهتمام بأوجه ، ما أن تبعد الأيام خصال الخلان والأحباب.
الشكرجية
هم الحلوانية ببعض اللهجات العربية والحلوانيون بالجمع السالم وفي صلب القضية ، هم من يزيد أيامنا حلاوة وبطوننا سكرا و وهاد حياتنا جمالا ، الذين يتفنون في صبـّها وتزويقها وتأطيرها ولفـّها وضمها بكل ما ما يتناسب مع نسبة الخميرة والنار وقدر السكر والفستق ، الجوز والنشا ، الهيل وكل ما تشتهي النفس أن تقدم لك وأنت في عزّ انبهارك وتوقك لأن تأكل الصوان بالشوق والحب بظلال الأمسية التي تجمعك بمن تحب.
وأروع ما في بغداد الشعبية ، أنها حافظت على ما تبقى من بغداد الحلوة التي أن سارت بشيء ، على الآخرين المضي ورائها ، فلا أحد في هذا الكوكب يمكنه إعادة ما تصنعه أنامل الشكرجية المخضرمين فيها ، مهما قلبوا الدفاتر والوصفات، ومهما حاولوا استخدام أفضل الطرق وأنظف الأواني وأحسن المواد الأولية ، فأن شكرجي بغدادي شاب يستطيع لف وتدوير عجينة قطرها ثلاثة أمتار مؤكدا بأنه سيتلاعب بها وسيلفها على جسده ويطويها من جديد وسيقطعها بلمحة بصر ويدخلها الفرن ، بكل ثقة يقول لو عرضت هذه العملية في التلفزيون لما صدق الناس بأنها خميرة طحين أو عجينة ، يلامسها السكر ويداعبها كطفل يهوي الطيران ومن بعدها يحولها زهرة أو شجرة أو علبة مكعبة أو أي شيء كما تجلس بفخر في صالة العرض.
الرواد
كانوا قليلين ومعروفين جدا في العراق وخاصة في بغداد ، الحلوانية المشهورين ذوي البصمات الخاصة والتي لا يقلد أحدهم الآخر ولا يتجرأ من هو خارج عنهم تقليدها أو الادعاء بذلك.
بداية كانوا كعادة الموهوبين يعدون على الأصابع الشكرجية وكلهم حجاج كأسواق الشكرجي بأبنائه الذين فتح لكل منهم معرضه الخاص فيما بعد وحلويات الطارق والرواد والقسمة وأخيرا يتزعم شكرجية بغداد الآن الخاصكي ، لكونه صاحب أجود منتج وأفضل معمل ، وأسعاره أسخن من حلوياته ، ويفضل عرض بضاعته الآن بالدولار وحسب التعريفة العالمية.
وبما أن الحديث عن الأسعار ، فأن الجمهورية البعثية التي ادعت الاشتراكية وفرضت الأسعار على التجار ، استثنت معارض الحلوى ، لأنها على الأرجح ، إبداع ، كاللوحة أو الأغنية والقصة والرواية ، فلا أحد يستطيع تقييم سعرها ، لا يمكن لسلطة تحديد سعر كيلو الزلابية أو البقلاوة والكنافة والشعرية ومنّ السما وزنود الست والزلابية وغيرها ، فلكل مجتهد نصيب في هذه المسائل ، فهل يمكن مقارنة بقلاوة الخاصكي بأخرى في محل متواضع في سوق الميدان.
المخضرمون لم يفكروا يوما باستخدام مواد أولية رخيصة والتعمد بالإبهار بالشكل وغش الناس ، لم يفعلوا ذلك إطلاقا في أشد أيام محن البلاد ، وكانوا يفضلون إيقاف الإنتاج عن التلاعب بالذوق والطعم والرائحة ، لذلك حرصوا على المحافظة على مستواهم ومذاقهم ، مهما كان دور البديل ، سكرا أو جوزا أو لوزا أو الزيت الذي لا يستطيعون توظيف العادي منه ، بل الدهن الحر العالي المواصفات.
الانتشار والانغلاق
شهدت السبعينات أكبر قفزة في عالم الحلوى العراقية ، فقد استطاع الشكرجية الكبار فتح أفرع لهم في كل دول المنطقة تقريبا واستطاعوا تصدير منتجاتهم ووصلت الى أوربا وأمريكا حيث الجالية العربية كانت تفضل الحلوى العراقية.
غير أن الحصار وظروف التسعينات البالغة السوء ، منعت دخول المواد الأساسية في هذه الصناعة ، فانكفأ معظم شكرجية العراق على صناعة الحلوى باستخدام التمر ، لأن النظام منع استخدام السكر لمثل هذه الأمور التي عدها شكلية ، لذلك ظهرت الكثير من النكات على حلوى التمر الذي حوله العراقيون للحاجة والفاقة حتى الى عصير.
والظروف العصيبة التي عاشها البلد في ذلك العقد المرير ، أدت فيما أدت إليه الى " هجرة أكف " الصناع الماهرين في هذا المجال ، مرتضين العمل في دكان دمشقي أو كافيه بيروتي أو أمام واحدة من بسطات عمان !
تعويض الربـّات
ولم تكن العراقيات أقل شأنا من الرجال في مجال صناعة الحلوى ، وتبرز مهارتهن في رمضان حيث تستعد ربـّات البيوت منذ مطلع شعبان في تحضير اللوازم الرئيسية لحلوى الشهر الجميل. وكانت السيدات بمختلف مشاربهن يتنافسن بلا هوادة من أجل التبختر لحظة تقديم حلاوة أناملهن في لحظة قرار مجموعة الرجال ، كلجنة تحكيم ، أيهنّ أفضل وأحلى !
وتجنح العائلات ومن فيها سيدة تشعر أكثر من غيرها بحرص على ميزانية العائلة ، على صناعة كافة الحلوى المعروفة كالبقلاوة الزلابية والكنافة في البيت ، لأن العرف يقول أنها أرخص وأنظف و " مال البيت " التي لها مذاق خاص دائما.
أنها قوانين رمضان وعاداته التي لم يكسرها أحد في العائلة العراقية ، فحتى الفقيرة منها تستطيع إعداد الكاستر والمحلبي والليقيمات التي هي جزء مهم في المائدة الرمضانية ولا تتطلب مهارة كبيرة وإسراف.
غير أن عولمة التلفزيون وغزو الدشات على السطوح وظهور موضة مسلسلات رمضان ، أحدثت خرقا بيـّـنا في نشاط سيدات البيوت اللواتي أصبح الستلايت جزء من جدولهن اليومي واهتمامهن في الظروف العراقية الغاشمة التي قللت الزيارات ووجهت بالنتيجة ، ضربة في عملية التنافس بينهن ، فالتنافس كان المحفز الرئيسي ، أضف إليه المزاج العام لأم البيت المأخوذ بالذهول والشرود في هموم جانبية وعرضية والجزع المتوالي الذي تجسده فضائيات الحرائق.
الرهان
" من صينية بقلاوة " !!
هكذا يتراهن العراقيون في رمضان ، في نقاش سياسي أو رياضي أو في المحيبس أو الخلاف الودي حول أي قضية ، سيقضي الرهان على الخاسر جلب صينية بقلاوة للجميع.
وغير الرهان فصينية البقلاوة تتحول في الكثير من الأحيان الى المحفز ، فالذي يطلب منك شيء لتفعله له وخاصة في رمضان يوعد أن يجلب لك هذه الصينية.
وهناك رهن ثالث ، لا زال مستمرا حتى اليوم ، فقد كانت لعبة صوان البقلاوة مشهورة في المقاهي البغدادية ، حيث تتجمع فرق تضم أعضاء من البدينين عادة لتتبارى هكذا : من يستطيع أكل صينية بقلاوة بأكملها ؟!
الصينية تحتوي أكثر من 15 كيلو والتهامها دفعة واحدة ليس بالأمر الهين إطلاقا ، وتتخلل اللعبة أغان وتعليقات وردّات شعبية وتشجيع واشتهر البغداديون خاصة في هذه اللعبة التي كانت تستمر لساعات ، علما أن الوزن والوقت هما العاملان الحاسمان في الفوز. وكما اشتهرت اللعبة ، فاشتهر معها اللاعبون ، وفي حقيقة الأمر هم آكلي صوان البقلاوة !!
اللعبة طيبة كالناس ، فالخاسر يدفع ثمن الصينية ، أما الفائز الذي أكل أكثر من 15 كيلو فلا يدفع شيء غير مستقبله الصحي.
زحام
لا يبيت شيئا من حلوى المحلات الكبرى وخاصة في رمضان وتطور الأمر الى أن الناس وخاصة فرق المحيبس تحجز مقدما صواني الحلويات ، وانشغال الشبان في رمضان بالزواج ، أعطى زخما قويا لإنتاج الكثير من الحلوى لتوزيع بهجتها على أكثر الشرائح الشعبية.
تنشط معارض الحلوى قبل الإفطار وبعده في البيع ، فيما تعمل طيلة النهار في عملية الإعداد.
وكما هو رمضان دائما ، حلو وجامع يسعد بالالتقاء وينفر من الافتراق ، وحلوه من يبقي المسرة في عيون النسوة الماضيات في تقليب العجين والسكر ، الحسرات والزفرات ، نذرا للذي خرج ومزق أحشائهن إربا لطول غيابه.