الأربعاء، 27 يوليو، 2011

أخطر رجل في العراق


شارك في الهجوم الأول على مركز التجارة العالمي ويقود تنظيم القاعدة في العراق
هرب من نيويورك إلى باكستان ومنها إلى إيران واستقر في العراق
من هم الأربعة الذين يعرفون بوجوده في العراق؟
أعلن بوش: 'أريده شخصيا'ِِ فارتفعت جائزة القبض عليه إلى 5 ملايين دولار
60 ضابطا في الإف بي آي يطاردونه في العراق بلا جدوى
قال 'ليس عبد الرحمن فقط يضرب أميركا فسيأتي يوم يضربها كل العراقيين'

اسمه الكامل عبد الرحمن سعيد طه ياسين، العراقي الأصل، الاميركي الجنسيةِ والعراقي الوحيد الذي شارك في الهجوم الأول على مركز التجارة العالمي في نيويورك عام1993ِ وهو الوحيد الذي بقي طليقا ممن خططوا ونفذوا الهجوم، غير أن الجدل لا يزال قائما، في ما يخص مشاركته في عملية 11 سبتمبر، وشهادته تتعطش لسماعها وإعلانها الإدارة الاميركية عن دوره في أحداث سبتمبر، فهي التي ستعزز الاتهامات الاميركية التي كان المسؤولون الاميركيون يرددونها دائما عن تورط النظام العراقي بتنظيم القاعدةِ
فعبد الرحمن ياسين دخل الى العراق وأصبح تحت سيطرة المخابرات العراقية منذ 1993 ولغاية سقوط النظام، وكل تحرك كان يقوم به كان تحت إشراف مباشر من صدام حسين، ولو اعترف بمشاركته في 11 سبتمبر فهذا سيحسم موضوع تورط النظامِ
من هنا تكمن الأهمية الحقوقية الأولى لعبد الرحمن ياسين، أضف إليها الأهمية الاستراتيجية المنحصرة في كونه الآن يقود عناصر القاعدة ونشاطها في العراق، بل وقعت على عاتقه أخطر مهمة في تاريخ التنظيم وهي بناء 'القاعدة' في العراقِ
ونظرا لما تقدم، طالب الرئيس جورج بوش دائرة التحريات الفدرالية 'أف بي آي' أن يجلبوا له ياسين بأي ثمنِ قال هذه العبارة لأحد مصادر 'القبس' ، ضابط كبير في هذا الجهاز، وواحد من 60 ضابطا ألقيت على عاتقهم مسؤولية واحدة ومهمة ألفها وياؤها تنحصران في الاسم الذي عانت منه أعتى أجهزة الأمن في التاريخ: عبد الرحمن ياسينِ
حصل عبد الرحمن على الجنسية الاميركية بالوراثة من والده ياسين، ذلك العراقي المهاجر في الخمسيناتِ
أكمل كلية الهندسة الكيميائية في بلاده (الولايات المتحدة) ولم يكن غير شاب قصير، ضعيف البنية، لا يتجاوز وزنه 50 كلغم، ولم يفترض أحد من أصدقائه أو معلميه بأن هذا الصبي الذي يعاني من مرض الصرع، سيشغل حاسبات البنتاغون والسي آي أيه وإف بي آي وغيرهم لأكثر من عقد ونصف العقد وسيوضع اسمه في مقدمة أعمال جدول اجتماعات الرئيس في البيت الأبيضِ
بداية، ملأت رأسه جماعة الملا عمر عبد الرحمن بالأفكار المعادية لاميركا، وراحت تحثه على التطرف بذريعة أن الدنيا فانية وأن مثواه الأخير في الجنةِ
هكذا زرع به 'الجهاد' كباقي أقرانه في التنظيم، وبعد أشهر معدودات أثبت ياسين بأنه مؤهل للقيام بالأعمال الكبرى بعد سفرتين الى أفغانستان، تلقى خلالهما تدريبات خاصة روحية وفيزيائيةِ
الدخان الأول
وياسين هو اول من تسبب في الدخان الأول الذي ملأ نيويورك المسالمة والراقية بعد الاعتداء الأول الذي تعرض له مركز التجارة العالميِ
هو الذي هيأ السيارة المفخخة بالكامل ومنها أصبح المهندس الأول في تعبئة السيارات بالموت الذي كان يقرر مكانه وزمانه في أفغانستانِ وقد أرهق طبيب الأمراض الجلدية التابع للمخابرات العراقية كثيرا، قبل أن يعالج البثور والحفر و'الأكزمة' التي خلفتها المواد الكيميائية المتفجرة التي كان يحضرها على كفيه ومناطق متفرقة من ساعديهِ
بطاقة عائلية
توفي والده ودفن في اميركا وترك للعائلة بيتا في حي الجامعة الواقع في مركز العاصمة العراقية حيث تسكن فيه حتى الآن والدته وشقيقه الصغير طه والكبير سامي قبل أن ينتقل ليسكن في بيت مستقل في منطقة السيديةِ
ونظرا للصيت الخطير جدا الذي تركه الولد عبد الرحمن على العائلة برمتها، لم يحضر أحد الى مجلس الفاتحة الذي أقيم بعد وفاة والدهِ ولم يتبق من عائلته الرئيسية غير أخويه وعمه عبد الملك وعمته مليكة الذين يسكنون في حي الخضراء في بغداد أيضاِ أما أخوه منتصر، فقد تزوج من اميركية وفضل العيش عند 'الشيطان الأكبر'ِ
هذه المقدمة ليست لأغراض التعريف، بل لأن البيوت والأشخاص المذكورين يقعون حتى الآن تحت مراقبة سوبر مشددة، وتطبق كاميرات الأقمار الصناعية على رقبات ومداخل البيوت أعلاهِ
لكن أحدا من هؤلاء المراقبين لم يستطع تسجيل علامة شك واحدة تشير الى اقتراب عبد الرحمن من بيوت العائلة في بغداد، بالرغم من أنه دخل العراق منذ عام 1993ِ فكيف كانت قصة دخوله؟ِ
الهروب والعودة
بعد تنفيذ عملية نيويورك الأولى، لا يستطيع أحد الحديث عن الطريقة التي تمكن بها عبد الرحمن المراقب أصلا قبل العملية من قبل الأجهزة الاميركية، ونجاحه بعدها بالافلات من الولايات المتحدة والوصول الى باكستان في عام 1993ِ
ومن الواضح أنه أجرى الاتصالات الضرورية بالجماعة في أفغانستان، حيث لم تكن طالبان قد سيطرت على البلد وانتهت هذه الاتصالات بالاتفاق على عودته الى العراق عن طريق إيرانِ
نجح في عبور أفغانستان الى إيران وأتم الخطوات الأولى لعبوره منها الى العراق، لكن الصدفة أو قوة المخابرات العراقية وقتذاك، وربما لوشاية أحد أو لاتفاق مسبق بين العراق وإيران أو بين العراق وشخص ما في القاعدة أو باكستان، علمت المخابرات العراقية بخطة دخوله الى العراق، حيث كانوا باستقباله ما ان وطأت قدماه أرض العراقِ
تعاون وابتزاز
تبقى العلاقة التي بدأت بين عبد الرحمن والمخابرات العراقية غير واضحة البداية فهي أمر من اثنين لا ثالث لهما : الأول، بعد القبض عليه (في الناصرية)، في حالة إذا قبض عليه أصلا، تم إجباره على التعاونِ الثاني، ثمة تعاون مسبق بينه وبين المخابرات العراقية أو بين ولاته وهذه المخابرات، وتم التظاهر (من الجانب العراقي) على أساس أنه ألقي القبض عليه في العراقِ
كان العراق في تلك الفترة يحاول فتح أي ثغرة في جدار المقاطعة الاميركي الصلب، واعتقد صدام بأن ياسين قد يكون ورقته الرابحة في يوم ما، وبالفعل فقد كان عبد الرحمن ضمن أهم بنود التنازل التي قدمها صدام للإدارة الاميركية قبل الانقضاض عليه بأيامِ
وهذا اما اكدته الصحافة الاميركية الاسبوع الماضي في كلامها عن وساطة قام بها رجل اعمال لبنانيِ
وأيا كان شكل العلاقة، فالنهاية كانت واحدة وكما أرادها الطرف العراقي بطبيعة الحالِ ومباشرة وبعد توجيه صدام وإشرافه المباشر ألقيت مسؤولية رجل القاعدة الخطير على اثنين من النسق الأعلى للمخابرات العراقية وهما رئيسها طاهر جليل الحبوش ومساعده حسن عزبة، وعلى الثالث وهو الضابط محمد الدليميِ
الظل المعدوم
كلف محمد الدليمي الذي كتب عليه ملازمة ياسين كظله طوال 10 سنوات بهذه المهمة، أي أن يلازمه ويبقيه على قيد الحياة وكما قال له حسن عزبة بأن صدام حسين قال له شخصيا بأنه لو تم كشف أمر عبد الرحمن ياسين أو جرى عليه شيء أو هرب فان ذلك يكلف الثلاثة حياتهمِ وعلى هذا الأساس بنيت خطة الاحتفاظ بياسين ببالغ السرية لمدة 10 سنوات، على مبدأ عدم حرمانه من أي شيء، عدا النساء والخروج من البيت الذي فرضت عليه الإقامة فيهِ
السجينان
وجد الدليمي نفسه وحيدا مع عبد الرحمن، فقد كان من غير الممكن أن يطلع على السر شخص آخر غيره وغير الثلاثة الكبار المذكورينِ فكان الدليمي يجلب له دواء الصرع ويعالج قدمه اليمنى التي أصابها الفسخ جراء مطاردة فاشلة من الاميركان له في جبال باكستان وكانت السبب في الانزلاق الذي تعرضت له فقراتهِ
فتح الدليمي لياسين سجلا طبيا في مستشفى 'بلاط الشهداء' في بغداد تحت اسم مزيف، وكان هذا المستشفى المتخصص الوحيد في علاج الأمراض المزمنة كالصرع والفقرات وغيرهاِ
هكذا، لم يسمحوا له بالاقتراب من الباب الرئيسي للدور المتعاقبة عليه في العقد الذي وجد نفسه فيه أسير الدلال العراقي والمداراة التي لم يفهم ثمنها بالضبطِ
توالي البيوت
بدءا أسكنوه في بيت خاص للمخابرات يقع في الكاظمية، ومنه نقلوه الى بيت في حي الجامعة، ثم الى آخر مشابه في الكرادة وبعدها نقلوه الى بيت في الجادرية بالقرب من سجن الحاكمية التابع للمخابراتِ
ولعل صدام أدرك أن الاميركان لم يتقبلوا عروضه في 'الصلح' وفي الأيام الأخيرة قبل الحرب التي أطاحت به، أمر بإيداعه في سجن أبو غريبِ
وضع الحبوش وعزبة الخطة للدليمي، وكانت تتلخص في فتح ملف خاص وباسم مستعار لياسين كمحكوم بقضية خاصة وإيداعه في زنزانة انفرادية في سجن الأحكام الخاصة في أبي غريبِ
وبالفعل، أخذ الدليمي رفيقه ياسين الى سجن أبو غريب وأودعه هناك ولم يتبق للحرب أكثر من ساعاتِ وكانت المرة الأخيرة التي يراها فيها وليس صدفة ما دفع ياسين ليقول لمحمد الدليمي لحظة توديعه : ليس عبد الرحمن الوحيد الذي سيضرب الاميركان، سيأتي يوم سيضرب العراقيون كلهم هؤلاء الاميركان!!
المحظوظ
لم يستضفه أبو غريب طويلا، فقد كانت منطقة السجن واحدة من ميادين أهم المعارك التي شهدتها الحرب الأخيرة، والتي أدت الى سيطرة القوات الاميركية على السجن وحولته الى معسكر لقواتها قبل سقوط النظام بأيام معدوداتِ
وكان للتخبط الاميركي وعدم وجود تنسيق بين الأجهزة الاميركية بشأن مسائل كثيرة من بينها مصير السجناء في أبي غريب وغيره من السجون العراقية، فقد تم إطلاق سراحهم جميعا، وبالمناسبة، فان أغلب السجناء كانوا قد أطلقوا سراح أنفسهم، بعد هروب الشرطة والسجانين مباشرة، ولا تتحمل القوات الاميركية إلا الوزر البسيط في عملية تحرير السجناء الكبرى في العراقِ
وفيما يخص بطل حكايتنا، فقد وجد نفسه أخيرا حرا، حاله كحال آلاف السجناء، في بلاد ضيعت سلطتها وقادتها وكل ما يتعلق بها كدولةِ وكخبير في التخفي والهرب وله باع طويل فيها، لم يجد صعوبة في الحصول على مأوى والانطلاق منه، قبل أن يرتب الاميركان أنفسهم، فقد شعر في تلك اللحظات بأن أعداءه اللدودين ركبوا المحيطات والبحار وقدموا إليه، وفي هذه الأثناء بدأ التخطيط لاستئناف المعركة التي أشعلها في ديارهم واستكمال 'الجهاد 'ِ
الممتلئ
تحول ذو الخمسين كيلوغراما الى رجل مربوع ومملوء ويحمل 93 كيلوغراما حسب آخر مرة قاس وزنه فيها محمد الدليمي، فلم يكن يمارس شيئا طوال 10 سنوات غير الأكل ومشاهدة الأفلام 'الهابطة'! وأدت هذه التغييرات التي طرأت على شكله العام الى ارتباك الفريق الاميركي المكلف بالبحث عنهِ
وكانت الأشهر الثلاثة الأولى التي أعقبت دخول قوات التحالف الى العراق، كافية لأن يعود عبد الرحمن ياسين الى وظيفته القديمة، فقد نجح، حسب الاميركان أنفسهم الذين اعتبروا جائزة صيده 5 ملايين دولار، أي أكثر بأربعين مرة من جائزة صيد المسؤولين العراقيين التقليديين، في بناء أو إعادة بناء فرق ضاربة للقاعدة في العراق، ولعل أسلوب السيارات المفخخة الذي نفذ به أول عمليات القاعدة، غير بعيد عن لمسات كفيه اللتين عالجتهما المخابرات العراقية من البثورِ
وسيكتب التاريخ مزيدا من الأحداث وستتناسب عدد البثور والحروق في كفيه طرديا مع كل سيارة تتطاير أشلاؤها مع عراقيين أو غرباء، حتى اليوم الذي سيجلس فيه طبيب أحد الأجهزة المخابراتية، يتفحص فيها كفيه من جديد، ليكتب لشخص يشبه الدليمي أفضل مرهم لإزالتها منه.