السبت، 18 يونيو 2011

الكرملين وأزمة الكويت (1)

تأليـف : الكسندر بيلونوغوف

ترجمة : د . جمال حسين علي

موسكو - دار أولما بريس 2001


يعد هذا الكتاب أول منشور باللغة الروسية يتحدث بالتفصيل عن الغزو العراقي للكويت وما رافقه من أحداث مأساوية لغاية تحرير البلادِ ويسرد المؤلف الكسندر بيلونوغوف الذي كان يشغل في تلك الأشهر العصيبة منصب نائب وزير خارجية الاتحاد السوفيتي كمشارك في الأحداث عن كيفية تشكيل موقف الاتحاد السوفيتي حيال الأزمة وعن تقلبات محادثات موسكو المختلفة ويحاول الإجابة عن السؤال: لماذا لم يتسن لأحد إيجاد مخرج سلمي للأزمة بالرغم من كافة الجهودِ
وسيعرف القارئ لأول مرة في هذا الكتاب الكثير من الظروف الغامضة التي أحاطت بواحدة من أكثر أحداث القرن العشرين دراماتيكية في العالم ومنطقة الخليج، دون أن تفوتنا الإشارة الى أن ذلك سيكون من 'وجهة نظر موسكو' بتأكيد المؤلف نفسهِ


عينت نائبا لوزير خارجية الاتحاد السوفيتي في 23 أبريل 1990، وكنت أعمل في الحقل الدبلوماسي أقل بقليل من 36 سنةِ قضيت السنوات الأربع السابقة في نيويورك رئيسا للبعثة الدبلوماسية السوفيتية لدى الأمم المتحدة وفي آن واحد ممثل الاتحاد السوفيتي في مجلس الأمن الدوليِ وكان هذا المنصب وسيبقى، واحدا من أهم المناصب في منظومة وزارة الخارجية بناء على كثرة الاختصاصات التي يحملها والتعقيدات التي كثيرا ما تنشأ في العالم وتسترعي اهتمام مجلس الأمنِ ولكنني اقتنعت بأن هذا المنصب أهم تعيين دبلوماسي وممتن جدا لعملي، كوني تخرجت في الأمم المتحدة من مدرسة الدبلوماسية المتعددة الجوانب والفريدة والمفيدةِ
قبلت اقتراح شيفرنادزه بأن أصبح نائبه بشعور من الثقة والهدوء معتبرا ذلك داخليا مرحلة طبيعية من الترقي الدبلوماسي الطويلِ
باشرت عملي الجديد في نهاية مايو 1990 بعد عودتي مباشرة من نيويورك وكلفت بقطاع واسع من القضاياِ وكان علي أن أشتغل بعلاقات الاتحاد السوفيتي مع عشرات من دول الشرق الأوسط والأدنى وأفريقيا ومن أفغانستان حتى جنوب أفريقياِ لا سيما أن هذه المنطقة معقدة بما فيه الكفايةِ بما في ذلك طابع نزاعاتها الداخلية والدولية على السواءِ واتفق أن تعاملت مع الكثير منها خلال عملي في نيويورك مثل: النزاع العربي - الإسرائيلي وافغانستان، والصحراء الغربية، وانغوليا، وموزامبيق والنزاع في القرن الأفريقي وغيرهاِ واحتجت في المنصب الجديد إلى الاستفادة من تجارب العمل السابقة عندما كنت سفير الاتحاد السوفيتي في مصر ومدير قسم الشرق الأوسط وأفريقيا في إدارة تخطيط إجراءات السياسة الخارجية في وزارة الخارجيةِ ولهذا السبب لم يعكر عملي سعة الإقليم ومشاكلهِ واعتقدت بأن أفغانستان ستكون مصدر صداعي الرئيسيِ ولم تكن في ذلك الحين قوات سوفيتية هناك، بل كانت البلاد ملتهبة بالحرب التي كانت فيها موسكو تساعد الرئيس نجيب الله الذي لم يكن وضعه مستقراِ وكان الشرق الأوسط يثير قلقا معينا لدينا، حيث كانت الانتفاضة الفلسطينية تدخل عامها الثالثِ
وحاولت في البداية الإطلاع على القضايا الخاصة بعلاقاتنا الثنائية مع البلدان التي كان علي أن انشغل بها والتعرف على سفرائها وهياكل الوزارة الخاضعة لي وإقامة الاتصالات التي كان ينبغي في المستقبل القريب أن أحل معها هذه المسائل أو تلك بصورة مشتركةِ
وفي الصيف كان يصل أغلب سفرائنا في هذه الدول أيضا للتمتع باجازةِ وكان علي أن التقي بهم للتعرف ومناقشة التفاصيل الخاصة بكل بلد، ولكي أتلقى المعلومات من الأيدي الأولى، إلى ذلك من مناقشة مشاكل السفارات والاتفاق معهم على إجراء الخطوات اللاحقةِ
استمرت هذه الهموم خلال يونيو ويوليو دون أن أشعر بمرور الوقتِ وفجأة انفجرت الحالة بشيء آخر تماما وبأهمية أخذت المقام الأولِ فقد أصبح استيلاء العراق على الكويت في مركز كل الحياة الدولية (وحياتي بالطبع)ِ
لم يتوقعوا هذا التطور في الكويت ولا في البلدان العربية ولا في الولايات المتحدة ولا اوروبا الغربية وإسرائيل وتركيا وإيرانِ ولم يسلموا بأي شيء شبيه في موسكو أيضاِ وبالمناسبة ليس في وزارة الخارجية وحدها، بل في المؤسسات الأخرى بما في ذلك الاستخبارات العسكرية ولجنة أمن الدولة (كي جي بي)ِ واضطر الجميع للرد فعلا وبصورة سريعة جدا على النزاع المندلعِ
لا يعني ما قيل أبدا بأن أحدا لم يكن يلاحظ توتر العلاقات العراقية - الكويتية الذي حدث قبل ذلك وإلى مبالغة بغداد المعادية للكويت ونقل قواتها الى الحدود معهاِ الجميع شاهدوا ذلك بوضوح وكان الرؤساء العرب يعرضون المقترحات والوساطة بغية رفع ضغط بغداد عن الكويتِ غير أن أحدا لم يستطع التصور بأن دولة عربية عضو في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ستقدم في نهاية القرن على الاستيلاء المسلح على دولة عربية أخرى ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمات دولية أخرىِ بدا أن مثل هذا الحادث لم يكن ممكناِ
مر القرنان الثامن عشر والتاسع عشر بهدوء على أهالي الكويتِ غير أن القرن العشرين حمل معه تغيراته الهائلةِ فقد اكتشف النفط في الكويت عام 1938 وبدأ استخراجه في عام 1946 مفتتحا عصرا جديدا تماما في تاريخ الكويت متمثلا في صعودها الى قمة الرقي المالي والإمكانات المقترنة بتحويل البلد المتخلف والفقير جدا في الماضي الى بلد معاصر للغايةِ
وأدت الضجة النفطية في السوق الى تغييرات ديموغرافية كبيرةِ وكانت موارد الكويت البشرية غير كافية بالمرة على استيعاب هذه التغييراتِ ونشأت الحاجة الى تدفق القوى العاملة وخاصة الكفوءةِ واندفع الى الكويت من الخارج مئات الألوفِ وبالرغم من الطابع الصارم للسماح للأجانب بدخول الكويت، إلا أنهم مع مرور الوقت مثلوا أكثر من نصف سكان البلد (قرابة 60 %) بما في ذلك الجزء العامل منهم بنسبة 85 %ِ ونشأ مجتمع فريد من نوعه حيث شكل سكان الكويت الأصليين قمة الهرم، أما الطبقات الدنيا فقد مثلتها فئات غير المواطنين الذين نظم وضعهم السياسي والحقوقي والاجتماعي من قبل المراجع العلياِ وإن كان هذا النظام بعيدا عن أنماط الديموقراطية الأميركية والأوروبية فان عدد الناس الراغبين في الحصول على إمكانية العمل والعيش في الكويت كان وسيبقى أكثر من اللازم بسبب مستوى الحياة الجذاب جدا في هذا البلد الصغير من الكرة الأرضيةِ وفي عام 1990 بلغ عدد سكان الكويت 1، 2 مليون نسمة تقريباِ
وتتحدد حالة هذا البلد الممتازة بثرواته الطبيعية الجبارة (بالأخص عند مقارنتها مع أراضي الكويت الصغيرة) التي تشكل نسبتها 10 % تقريبا من احتياطات النفط العالميةِ وكانت الكويت لحظة الاستيلاء عليها من العراق تحتل المرتبة السادسة لأكبر منتجي النفط في العالمِ
ووظفت الكويت الأموال الحاصلة عليها من استخراج وتصدير النفط داخل البلاد وخارجها وفي بنوك اوروبا والولايات المتحدة وصناعة بعض البلدان النفطية ومحطات البنزين في إيطاليا حتى الدانمرك وفي الكثير من المجالات المربحة الأخرىِ ويعتقد أن استثمارات الكويت الخارجية تجاوزت لغاية عام 1990ال 100 مليار دولار ووصلت ودائع الكويتيين الشخصية 50 مليارا أخرىِ
وبدأ دخل الكويت من استثماراتها الخارجية يفوق دخلها من النفط المستخرج، الأمر الذي أضعف تبعية الكويت لتقلبات أسعار النفط في السوق العالمية، وبالتناسب أضعف ضرورة ترابط أحجام استخراج النفط بالحالة التي تشهدها السوق العالمية للنفطِ ومن الممكن أن هذه الحالة حسنة بالنسبة للكويت نفسها، غير أن لمصدري النفط الآخرين نظرتهم الأخرى لخصوصية الكويت هذهِ عدا الادعاءات الشاملة بكل الكويت، كانت لبغداد ادعاءات ذات طابع جزئي، بالمفهوم الإقليمي للكلمة: أولا، نقل أو على الأقل إيجار جزيرتي وربة وبوبيان للعراقِ وهما عبارة عن تشكيلات رملية مسطحة غير مأهولة واقعتين بالقرب من مصب شط العربِ وكانوا ينظرون إليهما كمواقع هامة استراتيجيا تأمن دخولا قويا للعراق للخليجِ ثانيا، منح العراق الجزء الكويتي لأغنى مواقع النفط في العالم وهو حقل الرميلة (احتياطي النفط فيه 30 مليار برميل)ِ ويدخل هذا الموقع النفطي الشبيه بالموزة ممتدا من الشمال الى الجنوب لعشرة كيلومترات تقريبا في أراضي الكويتِ وكان العراق ضجرا جدا بوقوع 90 % من هذا الحقل في العراق وكانت تستخرج منه الكمية نفسها التي تستخرج في القطعة الكويتية الصغيرةِ وفي سنوات الحرب العراقية - الإيرانية زرع العراقيون الألغام في آبارهم النفطية في الرميلة وكان النفط يستخرج في قطاع الكويت فقطِ
كان هذان المطلبان يقدمان من وقت لآخر من بغداد لقادة الكويتِ وكان هؤلاء القادة يحاولون تجنب هذه الادعاءات مفضلين الحوار لحل هذه القضيةِ
ولم تميز العلاقات العراقية - الكويتية التي كانت تتسم بالمد والجزر الثقة والرفق بسبب ادعاءات العراق بالكويت التي لم تختف أبداِ ولكن هذه الادعاءات كتمت في حقبة الحرب العراقية - الإيرانية عندما احتاجت بغداد بشدة الكويت بصفتها الممول الرئيسي وممر النقل العامل بخدمتها بنشاطِ
وكانت الكويت في هذا الوقت البوابة الرئيسية التي تصل عبرها الى العراق الأسلحة والمهمات والذخائر والمواد الغذائية والبضائع الأخرى وتوجه عبرها الصادرات النفطية العراقية الكبيرة الى الخارج، بعد أن أغلق شط العرب وكان من غير الممكن الاستغناء عن موانئ الكويتِ
وبدا أن التغييرات نحو الأحسن حصلت بفارغ الصبر في العلاقات العراقية - الكويتيةِ ولكن بعد أقل من سنتين على وقف إطلاق النار بين العراق وإيران، عاد كل شيء الى ما كان عليه في الماضي القريب: استخدم العراق من جديد سياسة الضغط على الكويتِ
لم يجر الضغط هذه المرة على المسائل الإقليمية، قدر تعلقه بمسائل المال والنفطِ فقد خرجت بغداد من الحرب ضد إيران مثخنة بديون خارجية كبيرة مقسمة بالتساوي: 40 مليار دولار للدول العربية ونفس المبلغ تقريبا لغير العربية، الغربية بشكل خاصِ وظنوا في بغداد بأن على العرب إسقاط ديونهم، آخذين في نظر الاعتبار الضحايا البشرية والمادية التي تكبدها العراق الذي لم يكن يدافع عن نفسه فحسب، بل عن العالم العربي وبالمقام الأول عن بلدان الخليج من 'خطر خميني'ِ وسلكت المملكة العربية السعودية على هذا النحو، إلا أن البلدان العربية الأخرى لم تستعجل في حذوهاِ ويبدو أنه كانت للكويت حججها بعدم إلغاء ديون العراق ببساطة، آخذة بنظر الاعتبار عدم رغبة العراق العنيدة في ترسيم الحدود معها وحل هذه القضية نهائياِ
وكان هذا 'التمرد' يثير ضجرا كبيرا في بغداد التي اعتبرت الديون ليست سوى معوناتِ وأخبرت الصحافة بأن صدام حسين طالب في مايو 1990 خلال مؤتمر القمة العربية الكويت ب 12 بليون دولارِ غير أن الكويتيين لم يستعجلوا في فتح صرتهمِ وبعد مرور شهر واحد زار نائب رئيس وزراء العراق سعدون حمادي الكويتِ وكما يؤكدون أدهش كثيرا مضيفيه عندما عرض عليهم، كبرهان على قدرتهم بالتضحية المالية بيسر، قائمة طويلة بممتلكات الكويت الخارجيةِ وحسب بعض المعلومات وافقت الكويت على تقديم 500 مليون دولار فقط وليس دفعة واحدة، بل خلال ثلاث سنواتِ وقدروا في بغداد العرض الكويتي كإهانة كبيرةِ
يرتبط التناقض بين العراق وبعض بلدان الخليج بأسعار النفط وكمية استخراجهِ وكان العراق كبلد منتج للنفط متورطا في الديون وبحاجة الى موارد مالية كبيرة في آن واحدِ لذلك اهتم وبشكل طبيعي بأسعار النفط ورفعها الى حدها الأقصى في السوق العالميةِ
لكن الأسعار انخفضت في النصف الأول من عام 1990 بنسبة 30 % ووصل سعر البرميل الى 14 دولاراِ وألقت بغداد الذنب على الكويت والإمارات العربية، مؤكدين عدم التزامهما بحصصهما في استخراج النفط مما أدى الى إغراق السوق العالمية بالنفطِ
وأظهر صدام حسين انزعاجه في هذا الصدد لأول مرة في نهاية مايو 1990 في بغداد خلال القمة العربية التي عقدت هناك لمناقشة مسألة هجرة اليهود السوفيت الى إسرائيلِ غير أن هدف اللقاء الآخر والأكثر أهمية بالنسبة لبغداد انحصر بلا شك في إعطاء إشارة عدم الارتياح الى أولئك العرب الذين لم يسارعوا في مد يد العون إليهاِ واتهمهم علنا بالحرب المالية ضد العراق - وأشار الرئيس العراقي الى أنه لا ينوي احتمال هذا الظرفِ وكان صريحا بشكل أكبر في الأروقة حيث طالب بتقديم 30 مليار دولار تقريبا الى العراق فوراِ وضغطت بغداد مجددا في 16 يوليو في إطار جامعة الدول العربية عندما نشرت رسالة وزير الخارجية طارق عزيز الى الأمين العام للجامعة الشاذلي القليبي التي اتهم فيها الكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة بمخالفة اتفاقات منظمة البلدان المصدرة للبترول وانتهاكها لاتفاقات حصص استخراج النفط واتخاذ سياسة إغراق السوق العالمية للنفط بغية تخفيض أسعار النفطِ زد على ذلك اتهمت بغداد الكويت كذلك ب 'سرقة' النفط العراقي بمبلغ يعادل 4ِ2 مليار دولارِ ودار الحديث في الرسالة على أن عاملي النفط الكويتيين يستخدمون طراسق الحفر المائل في قطاعهم الخاص للرميلة لامتصاص النفط العراقي، كما زعمِ وألقى طارق عزيز نفسه بعد ساعات في تونس وخلال عقد دورة الوزراء لجامعة الدول العربية خطابا قاسيا تطرق فيه الى الموضوع نفسه، مضفيا على الجدال التقني -التجاري طابعا سياسيا متهما الكويت من جديد ب 'الحرب الاقتصادية' وحياكة 'الدسائس ' ضد العراقِ
وأثار خطاب صدام حسين الذي ألقاه في بغداد في 17 يوليو بمناسبة الذكرى ال 22 لمجيء حزب البعث إلى الحكم في العراق توترا وانفعالا أكبرِ وكان ذلك في جوهر الأمر هجمة مكشوفة على رؤساء بلدان الخليج الذين كما زعم 'يحاولون تقويض العراق بعد انتصاره العسكري' و 'بدلا من مكافأة العراق الذي ضحى بخيرة شبابه من أجل الدفاع عن قصورهم وثرواتهم يعدون له الضرر الهائل' و 'يغرزون السكين المسموم في ظهره'ِ وعنف بالأخص في هذا الخطاب الكويت والإمارات العربية، موجها تهديده لهما بشكل مباشر: 'إن رفع أصواتنا ضد الشر ليس الوسيلة الأخيرة إطلاقا، فإذا استمر الشر سنجد الوسائل الفاعلة التي ستضع الأمور في موضعها الصحيح'!ِ
تبع ذلك إيقاظ ضجة أخرى أحدثتها بغداد في دورة الجامعة العربية بخصوص نقل المركز الجمركي الحدودي الكويتيِ وبالرغم من أن هذا المركز بعد نقله بقي ضمن الأراضي الكويتية، إلا أن طارق عزيز اتهم الكويت في اجتماعات جامعة الدول العربية وفي أحاديثه الصحافية بارتكاب مخالفات إقليميةِ واستخدمت الدعاية العراقية هذه الحالة لغرض مضاعفة التوتر المعادي للكويتِ غير أن الكويت لم تهتز خوفاِ واكتفت بإرسال مبعوثيها الى البلدان العربية لشرح موقفها وتوضيح الحالة وأعربت في رسالة الى جامعة الدول العربية عن دهشتها من التأكيدات 'التي لا أساس لها من جانب العراق الشقيق'ِ
واتخذت دورة منظمة البلدان المصدرة للبترول المنعقدة في جنيف في 25 - 27 يوليو 1990 قرارا برفع أسعار النفط الى 21 دولارا للبرميل لغرض مساعدة العراق وإيرانِوالتزمت الكويت والإمارات العربية بمراعاة حصص إنتاج النفط المخصصة لهاِ غير أن هذا لم يخفض بيانات بغداد الضارية تجاه هذين البلدين في أيام يوليو الأخيرةِ

لماذا هذا الكتاب؟

في عامي 1990 - 1991 كنت نائبا لوزير خارجية الاتحاد السوفيتيِ وكانت تدخل في دائرة عملي الى جانب مسائل كثيرة، علاقات الاتحاد السوفيتي مع بلدان الشرق الأدنى والأوسطِ لذلك كنت منجرا منذ بداية أزمة الكويت التي سببها استيلاء العراق على الكويت، حتى نهايتها، عندما أخضعت بغداد لمطالب الأمم المتحدة بعد هزيمتها الساحقة من قوى التحالف المناوئ للعراقِ

والكتاب الذي أقدمه عبارة عن حديث شاهد عيان ومشارك في الأحداث بشكل مباشرِ واتفق أن أعمل على تحديد موقفنا من مختلف نواحي الأزمة وشاركت في المحادثات التي تمت مع العراق وتركيا وإيران والبلدان العربية ودول أخرى، خاصة التي كانت عضوا في مجلس الأمن وقتذاكِ
وكنت أجري الاتصالات والمحادثات بنفسي وفي حالات أخرى أجدها وراء طاولة المحادثات التي يجريها رئيس الاتحاد السوفيتي ميخائيل غورباتشوف أو وزير الخارجية أدوارد شيفرنادزه، وبعد إقالته الكساندر بيسميرتنيخِ وكانت مشاركتي تتحدد أحيانا بإعداد الوثائق المناسبة ولهذا السبب أو ذاك كانت بعض الأمور تسير من خلالي أو بالقرب منيِ
وأظن بأني لا أجافي الحقيقة إن قلت، بأن أزمة الكويت تعتبر واحدة من أهم الدروس التي حملتها الحياة والعلاقات الدوليةِ وبالرغم من الوقت الذي مضى عليها، إلا أن الكثير من صفحاتها لم تطو بعدِ وحملت عواقبها سوية معنا الى القرن ال 21 وخاصة في نوع نظام العقوبات الخاصة المفروضة على العراق التي تؤثر بشكل حساس على الشعب العراقي والحالة السياسية العامة في المنطقة وعلى إمكانات البلدان الأخرى بما فيها روسيا في تطوير العلاقات مع العراقِ وكانت محاولات بغداد الرامية الى التحرر من المراقبة بلا إذن، تؤدي أكثر من مرة الى تفاقم حاد للحالة وتوصل الى ضربات جديدة للولايات المتحدة ضد العراقِ ولا تنتهي في الوقت نفسه، المعارك الدبلوماسية حول الخط المستقبلي لمجلس الأمن الدولي حيال العراقِ وعدم رغبة بغداد في تنفيذ بعض قراراتهِ كل ذلك يزيد من احتمالات تفاقم الحالة من جديد في هذه المنطقةِ
ومن هنا تبرز أهمية معرفة الماضي بشكل موثق وتفصيلي، خاصة تلك الواقعة التي تطورت فيها الأحداث في سير الأزمة الكويتيةِ وما هي قرارات مجلس الأمن ولماذا اتخذت وبما كانت تسترشد فيه موسكو في سياستها وتصرفاتهاِ
ولدت عندي فكرة تأليف الكتاب عن أزمة الكويت في كندا حيث عملت سفيرا لروسيا في الفترة 1992 - 1998 ِ وتسنى لي هناك التعرف على الكثير من المنشورات الخاصة بهذه الأزمة والتي ظهرت في الغرب في الحال أو بعد مرور عدة سنواتِ وفي غضون ذلك لاحظت أن الكثير مما قيل عن موقف الاتحاد السوفيتي كان عرضيا وغير موضوعيِ ويمكننا أن نرى في مذكرات إنسان مطلع كجيمس بيكر الذي كان يشغل أثناء الأزمة منصب وزير خارجية الولايات المتحدة تفسيرات سيئة لأعمال وتعليلات موسكوِ وما أن عدت الى الوطن، حتى قررت التحدث بنفسي عن الأزمة وإظهارها 'من زاوية موسكو'، أو بالأدق كيف كانت تظهر لأولئك الذين انشغلوا وعملوا بها في وزارة الخارجية السوفيتيةِ
وترسخت نواياي عندما اقتنعت بأن ما نشر عن أزمة الكويت لم يظهر في بلدنا لا كأبحاث ولا كمذكرات ( لا أتكلم هنا عن مقالات المجاملات )ِ أما جدول شواهد العيان الذين ينبغي أن يكشفوا شهادتهم، فقصير جدا حتى الآنِ
نجد مقالات يفغيني بريماكوف المنشورة في أربعة أعداد لجريدة 'برافدا' في عام 1991 بعنوان 'الحرب التي من الممكن ألا تقع'ِ وبضع صفحات مكرسة عن الأزمة في كتاب لأدوارد شيفرنادزه 'خياري'ِ وفي مذكرات مساعد رئيس الاتحاد السوفيتي أ ِ تشيرنايفِ ومن الممكن أن شيئا ما لم يقع في مجال بصريِ ومع ذلك فأن ذلك لن يغير الصورة العامة لما ظهرِ
وكنت أؤلف كتابي غير معتمد على ما تبقى من ذاكرتي فحسب، بل استندت إلى كل المحادثات والمناقشات التي أجريتها بنفسي أو التي كنت أحضرهاِ وساعدتني اللقاءات والمحادثات والمؤتمرات الصحافية التي كانت تنشر في ذلك الوقت في 'مختبر وزارة الخارجية السوفيتية' والتي وجدت فيها تصريحاتي الخاصة التي سأشير إليها في بطن الكتابِ ولابد أن أبدي تقديري للعون الكبير الذي قدمه زميلي في المدرسة وفي معهد العلاقات الدولية وفي العمل المشترك في نيويورك ف ِ لوزينسكي الذي أحال لي مجموعة كاملة لما نشرته الصحافة الأميركية في ذلك الوقت التي عكست الكيفية التي هضمت فيها الولايات المتحدة موقف وخطوات موسكو في غضون أزمة الكويت وكيف كانت تؤثر على الجو السياسي حول الأزمة وفي سيرهاِ
وأود أن أنتهز الفرصة لأشكر من كل قلبي مستعربي وزارة الخارجية الذين كانوا لي سندا متينا خلال الأزمةِ وهم مجموعة ساطعة من الأشخاص البارزين والخبراء والدبلوماسيين الأمناء سنأتي على ذكر أسمائهم عبر صفحات الكتابِ
واضطررت في بعض الحالات لغرض إكمال الصورة، ذكر حوادث غير متعلقة مباشرة بعملي، مشخصا إياها كباحث على الأرجح مستندا على وثائق الخارجية الروسية المتوفرة لديِ
وبطبيعة الحال، لدي موقفي الخاص من الأحداث، وسوف لا أخفيه عن القارئِ ومن الممكن أن تقديراتي لا تعجب أحدا ما، وهذا مفهوم، كون مختلف القوى السياسية في بلدنا في حقبة الأزمة كانت تحمل تصورات مختلفة عما حدثِ والأهم استخلاص العبر والدروس اللازمة وخاصة للقائمين على السياسة أو الذين باستطاعتهم التأثير عليهاِ وآمل أن يساعد الكتاب في تحقيق ذلكِ


خواص الخلفية التاريخية للأزمة

كان العراق في حدوده القائمة المفصلة من الإنكليز بعد الحرب العالمية الأولى يتكون من ثلاث ولايات تابعة للامبراطورية العثمانية السابقةِ وأصبح دولة مستقلة في عام 1932 بعد انتهاء الانتداب الذي حصلت إنكلترا عليه من عصبة الأمم بصفتها أرضا معادية سابقاِ وكما هو معلوم فان تركيا حاربت إلى جانب ألمانيا في الحرب العالمية الأولى ودفعت غاليا ثمن ذلك، إذ أعطت للمنتصرين، إنكلترا وفرنسا قطعا كبيرة من أراضيهاِ وتبقى خريطة الشرق الأوسط والأدنى إلى اليوم، في درجة كبيرة، نتاج إعادة تنظيم الأراضي التي قامت به لندن وباريسِ
وحصلت الكويت على الاستقلال بعد 30 عاما، في عام 1961، عندما اضطر الإنكليز أنفسهم للتخلي عن المحمية التي فرضوها على مشايخ البلاد في عام 1899 بواسطة اتفاقية سرية مع حاكمهاِ وكانت الكويت تنتسب في ذلك الوقت الى الإمبراطورية العثمانيةِ غير أن الأتراك، خلافا للمحافظات التي كونت العراق، لم يحتلوها ولم يحكموها عمليا، الأمر الذي سمح للحكام المحليين للسلالة الملكية لآل الصباح تولي حكم هذا الجزء من الجزيرة العربية في ظروف حكم ذاتي نسبيِ وإذ كانت الكويت تتبع لإنكلترا أكثر منها لتركيا، فقد وجدت نفسها في الحرب العالمية الأولى الى جانب الحلفاءِ وهذا الموقف ساعد على أن تكون مصائر الكويت والعراق بعد الحرب مختلفةِ
فقد توصلت لندن والأستانة في عام 1913 الى اتفاقية حول وضع الكويت الخاص وكذلك حول حدودهاِ غير أن الاتفاقية لم تبرم بسبب بداية اندلاع الحربِ وفي عام 1922 أنهى الإنكليز رسميا تخطيط الحدود بين العراق والكويت والمملكة العربية السعوديةِ ونظم لهذا الغرض مثال لمؤتمر دوليِ واستخدم مصطلح 'مثال' لأن أيا من الدول العربية الثلاث المذكورة لم يكن مستقلا بعدِ وظهرت بسبب ذلك منطقة الحياد القائمة حتى اليوم وهي منطقة تقع ضمن اختصاص الكويت والمملكة العربية السعوديةِ
لا أريد كحقوقي أو مؤرخ أو جيوغرافي أو اختصاصي في علم الإثنوغرافيا أن أحكم من وجهة نظر هذه العلوم عن أفضليات ونواقص خطوط الحدود التي رسمت في نوفمبر 1922 بيد السير بيرسي كوكس بالقلم الأحمر على الخريطةِ وكان كوكس مندوبا ساميا إنكليزيا في بغداد والشخص الرئيسي المؤثر في المؤتمر المذكورِ أريد أن أشير فقط الى أنهم لم يفترضوا في ذلك الوقت وجود ثروات نفطية مخفية تحت الرمال ولم يدر الحديث عن تقاسم هذه الثرواتِ فالواقعة الرئيسية انحصرت في أن العربية السعودية ومن ثم العراق وأخيرا الكويت حصلت على الاستقلال مع هذه الحدود بالذاتِ وقبلت هذه الحدود في هيئة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والمنظمات الدولية الأخرىِ حيث أخذت على عاتقها، عدا الالتزامات الأخرى التعهد بعدم استخدام القوة لحل المسائل المتنازع عليهاِ ولكن المنازعات بدأت فورا تقريباِ وتجلى ذلك بشكل رئيسي في ادعاءات بغدادِ فقد ظهرت في الثلاثينات رواية 'حقوق العراق التاريخية' في الكويت، أي في أراضي البلد كلهاِ وبشكل خاص كانت الادعاءات تبنى على أساس أن العراق والكويت جزءان من الإمبراطورية العثمانية وأن الكويت كانت لوقت ما ضمن ولاية البصرة (المدينة الثانية في العراق من حيث الحجم)ِ واستنتج من هنا أنه عندما ينصرف الإنكليز من الكويت يجب أن تعاد للتوحد مع العراقِ وكانت هذه الادعاءات تسمع من أعلى المقامات في العراق وخاصة من قبل الملك غازي في عام 1937 الذي دعا حتى الى ضم الكويت وبدأ لتحقيق هذا الهدف تحشيد القوات العراقية على الحدود مع الكويتِ غير أن موت غازي وضع حدا لهذه التدابير ولم يسمح الإنكليز بتحقيق ذلكِ
وبدأت الانفعالات الجديدة في العراق بصدد الكويت عندما حصلت الكويت على الاستقلال في 19 يونيو 1961 ِ واستعجل الجنرال قاسم الذي كان يحكم العراق في ذلك الوقت في إعلان الكويت جزءا من العراقِ وثمة روايات مختلفة حول تلك الواقعة، حيث بدأ نقل القوات العراقية الى الحدودِ ولكن لندن أعادت، بناء على طلب من حكومة الكويت، قواتها فورا إلى أراضيهاِ وتم تبديلها بعد مرور بعض الوقت بتشكيلة من 3 آلاف شخص كونتها جامعة الدول العربية واضطر قاسم الى التراجعِ

الكرملين وأزمة الكويت (2)

تابعوا في العواصم العربية والغربية باهتمام بالغ حملة الضغط العراقية على الكويت والإمارات الآخذة بالتزايدِ وكانت هذه الحملة تثير قلق الشخصيات الفطنةِ مثلا، خلال لقائي مع وزير الدولة للشؤون الخارجية التونسي حبيب بن يحيى وصف الحالة المتشكلة بالخطرة والمنذرة بالانفجارِ ورأى أن العرب إذا لم يتعاملوا معها بالعقل، فان الانفجار حاصل قبل الوقت الذي يفترضه الكثيرونِ وكانت مثل هذه الآراء تطرح بهذه الطريقة أو تلكِ وظنوا ان الكويتيين سيدفعون هذه المرة الفدية الدورية للجار الوقحِ
وبطبيعة الحال كانت الخلافات العراقية - الكويتية الموضوع الرئيسي في مناقشاتي مع سفيري كلا البلدين في موسكوِ وبما أن كلا منهما سيذكر أكثر من مرة في صفحات الكتاب، فلابد من قول بضع كلمات عن هذين الدبلوماسيينِ
تعرفت عليهما في آن واحد عندما زاراني بمصاحبة ممثل جامعة الدول العربية في 23 مايو 1990 لأجل مناقشة الهجرة المتزايدة لليهود السوفيت الى إسرائيلِ وحضر السفير الكويتي بصفته عميد السلك الدبلوماسي العربي في موسكوِ أما السفير العراقي فقد جاء بصفته ممثل البلد الذي انعقد فيه لقاء القمة العربيةِ
تعليمات حرفية
كان السفير العراقي غافل جاسم حسين في كل أحاديثه معنيا بحزم وعلى الدوام بالأطر الرسمية، ولم يتناول أبدا أي موضوع، حتى تلك التي جاء من أجلهاِ وبدا وكأنه يطرح الحد الأدنى من الكلمات في غضون تنفيذه للتكليفات الموكلة إليهِ وكنت أشعر بأن كل كلمة يتفوه بها مأخوذة حرفيا من التعليمات التي استلمهاِ وعندما كنت أطلب منه التعليق على ما قاله، كان يرد على طلبي، بالكلمات نفسها التي قالها وبالإيجاز نفسه وخاصة عندما يدور الحديث حول مبادرتيِ لم يحصل بيننا بتاتا تبادل حي وغير متكلف للآراء، وكان السفير يصر على معرفة نفسه بأنه مرجع للنقل فقطِ كان في متوسط العمر ونحيفا ومزررا بكل الأزرار ( في المعنى المباشر والمجازي )ِ وعرفت أنه كان يسلك، خلافا لذلك، تجاه العاملين معي، خلال زياراته لإدارة بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأنه متعجرف وسليط اللسانِ
أما السفير الكويتي عبد المحسن يوسف الدعيج فيناقض السفير العراقي تماماِ كان أصغر سنا بقليل ويترك انطباعا بأنه محب للحياة ومؤانس وديناميكي ولديه شعور عال بالنكتةِ وكان يمكث في موسكو لفترة طويلة ويتكلم الروسية وله عدد ليس بقليل من الأصدقاء الموسكوفيين، بمن فيهم موظفو وزارة الخارجية الذين لم ينسهم عندما انتهى عمله كسفير في موسكوِ وعندما عين مثلي سفيرا في كندا، كانت زياراته تتواصل الى موسكو، فقد كان يشعر بحنين حقيقي إليهاِ
لأعود الى جوهر الموضوع ِِ عندما كان سفير العراق يتكلم عن المشاكل الخاصة بالشؤون النفطية، يركز على أن بلده يتكبد خسارة جراء انخفاض أسعار النفطِ ويفسر هبوطها ب 'المخطط المشكوك فيه' الذي تنفذه الكويت ودولة الإماراتِ وحسب أقواله فان القيادة العراقية تنظر الى عدم مراعاة حصص استخراج النفط من قبل هاتين الدولتين 'مؤامرة صريحة' تهدف الى إضعاف الإمكانات المالية للبلدان العربية مثل العراق وليبيا والجزائرِ
الغاء الديون
ومن جانبه، كان السفير الكويتي يفند الاتهامات العراقية الباطلة بقيام الكويت بتخريب اقتصاد العراقِ ويؤكد على أن بلده يقدم المساعدات الى العراقِ ويرى أن سبب التوتر ناجم من أن بغداد تمارس الضغوط على بلده بقصد إلغاء ديونها العديدة والحصول على اعتمادات جديدةِ وحسب قول السفير الكويتي اتجهت القيادة العراقية الى الكويت بغية الحصول على الأموال قبل أسبوع واحد من نشر التهم في دورة جامعة الدول العربية ضد بلدهِ واعترف السفير بأن الكويت رفضت إلغاء الديون العراقية، وأنها ردت إيجابا على طلب الاعتمادات الجديدة وأنها اقترحت أن تسير وفق آلية الصندوق العربي للتنمية الاقتصاديةِ أما مشكلة الحدود فان الكويت، حسب قول السفير، راضية عن موافقة العراق لغرض بحثها في إطار جامعة الدول العربيةِ وقال السفير مشيرا الى اتصالات السفارة الكويتية في واشنطن مع البيت الأبيض ووزارة الخارجية بأنه حسب التكهنات الاميركية فمن المشكوك فيه أن يقوم صدام حسين بتصعيد الموقف أكثرِ جرى حديثي مع السفير الكويتي في 23 يوليوِ
الا أن وتيرة الأحداث كانت تسير نحو التصعيدِ وبدأت الاستخبارات الاميركية وآليتها الفضائية والملحقون العسكريون لمختلف البلدان في العراق يسجلون تحركات القوات العراقية بما فيها قوته الضاربة، الحرس الجمهوري كما يسمونه، باتجاه الحدود مع الكويت، وكانت وحدات الدبابات والمدرعات الأخرى تلعب دورا خاصا في هذه التحركاتِ
وطرح السؤال عما يعني كل هذا: إذا كان هذا التلويح بالسلاح فقط بهدف التخويف، وهل تكون الكويت الهدف الوحيد لذلك؟ ، أم أن شيئا أكبر قد يحصلِ أو العكس؟، فقد لا يتعلق تحرك القوات بالخلافات العراقية - الكويتيةِ
ومهما كان الأمر، كان الغموض يقلق الزعماء العرب، وربما بالدرجة الأولى الرئيس المصري حسني مبارك، الذي كان عليه قيادة مؤتمر القمة العربية المقرر عقده في القاهرة في نوفمبرِ
وبعد أن تلقى حسني مبارك من مخابراته معلومات تؤكد على تركز القوات العراقية في الحدود مع الكويت وبعد لقائه مع طارق عزيز في القاهرة في 22 يوليو، قرر التوجه مباشرة الى صدام حسين وإذا اقتضى الأمر يصبح وسيطاِ وقام لتحقيق هذا الهدف في 24 يوليو برحلة سرية الى بغداد حيث اختلى بالرئيس العراقي لثلاث ساعاتِ وجاء في كتاب عن الأزمة الكويتية والذي أعدته مجلة 'يو اس نيوس أند وورد ريبورت' عن لقاء الرئيسين على أساس مراسليها ما يلي:
كنت أستمر في سؤاله: ما هي نواياك ولماذا هذا التوتر بين العراق والكويت؟ وكان مبارك يضغط على صدام بشأن تحرك فرق الحرس الجمهوري نحو الكويتِ وكان صدام يجيبه بأنه ليس ثمة داع للقلق وأن هذه التحركات عاديةِ غير أن مبارك استمر في الإصرار على رأيه، وجهت إليه سؤالا واضحا ومباشرا: هل لديك نوايا بتنفيذ عمل عسكري ضد الكويت؟ وأعاد الرئيس العراقي كلامه بأنه لا داع للقلقِ وأن تحركات قواته هدفها تخويف آل الصباح فحسبِ وقال صدام انهم مذعورون وخائفون ويكفي هذاِ وقال مبارك لصدام في الطريق الى المطار انه سيسافر الآن الى الكويت وإن كان بإمكانه نقل أي شيء الى آل الصباح من الزعيم العراقي مباشرةِ وحسب قول مبارك أبدى صدام اهتماما ضعيفا لهذا الطلب وقال: لا أقل لهم الآن أي شيءِ انني لا أنوي ان اتخذ شيئا ما، دعهم يرتجفوا خوفاِ وأجاب مبارك على هذا الكلام باقتراح مضاد مفاده أن يوفد صدام من يمثله الى بلد ثالث ويرسل الكويتيون وفدا أيضا، فمن الممكن أن يتوصل الجانبان الى حل لخلافاتهماِ وليس بالضرورة أن تكون مصر البلد الثالثِ لماذا، مثلا، لا تكون العربية السعودية؟ِ وبالفعل اجتمع الجانبان في جدة التي كانت أكثر حيادية وملائمة في حرارة الصيف التي لا تطاقِ ووافق صدام على هذا الاقتراحِ
حدث فيما ما بعد ما أثار عجب الرئيس المصريِ وخلال استمرار طيرانه من بغداد الى الكويت وخلال ساعة وربع الساعة فقط، أصدر وزير الخارجية العراقي طارق عزيز وفي اللحظات التي كانت طائرة الرئيس المصري تهبط في الكويت، بيانا صحفيا أعلن فيه لقاء الرئيسين مؤكدا أنه تمت مناقشة العلاقات العراقية - المصرية وأن مسألة الكويت لم يتم التطرق إليهاِ
ومع ذلك، أوصل حسني مبارك رسالته حتى نهايتهاِ واتفق مع أمير الكويت ومن ثم مع الملك فهد عاهل العربية السعودية على إجراء المحادثات في جدة وأخبر صدام حسين بذلك في اليوم التالي بالهاتفِ ونصح مبارك الجانب الكويتي بإبداء المرونة وأخطر الكويتيين مباشرة بأن العراق بحاجة الى أموالِ
وبعد أن علم رؤساء الدول عن رحلة حسني مبارك الى بغداد، انهالت عليه الاتصالات الهاتفية بغية الإطلاع على نتائجهاِ وكان مبارك يوضح لهم في ذلك المعنى بأنه وفقا للتأكيدات التي حصل عليها فان الحديث لا يدور حول تدخل القوات العراقية في الكويتِ وأبلغ ذلك الرئيس الاميركي جورج بوشِ
وكان الجانب العراقي ينفي قطعيا فيما بعد ( بما في ذلك خلال الأحاديث في موسكو ) بأن صدام حسين أعطى مبارك أية وعود بعدم التدخل في الكويت وأكد العراقيون ان رئيس مصر 'لم يفهم ' كما زعموا، تركيبة الكلام الذي كان الرئيس العراقي يجسم فيها أفكاره بشأن الكويتِ
وأدلى طارق عزيز في حديثه مع ميخائيل غورباتشوف في اللقاء الذي حضرته برأيه في هذا الصدد على النحو التالي: لا يستطيع أحد من الزعماء العرب أن يقول بالنص الصريح لزعيم آخر بأنه سيضطر لبدء العمليات الحربية ضد بلد عربيِ غير أن أي إنسان سليم العقل ينبغي أن يدرك عما يجري الحديث ( لنلاحظ أن طارق عزيز اعترف عمليا بتفسيراته بأن قرار تنفيذ اجتياح الكويت قد اتخذ بينما كان حسني مبارك وصدام حسين يجتمعون في بغداد )ِ
وعدا الرئيس المصري أبدى ملك الأردن حسين نشاطا معينا في هذه الأيام أيضاِ فقد زار بغداد في 30 يوليو والتقى بصدام حسينِ ومن هناك طار الى الكويت حيث تحدث مع ولي العهد سعدِ ويقال في كتاب ابن أخ الملك السعودي الجنرال خالد بن سلطان عن هذه المناقشات ما يلي: كما أعرف اهتم ولي العهد الشيخ سعد بما يجول في عقل صدامِ
الملك حسين: هو زعلان منكم جدا!
الشيخ سعد: هل ثمة خطر عسكري؟ الملك حسين: كلاِ
الشيخ سعد: ولماذا ركز القوات على طول حدودنا؟
لم يصدق الملك حسين بأن القوات توجد هناك بالفعلِ ولذا اقترح عليه الشيخ سعد بإيصاله الى منطقة الحدود لرؤية مواقع العراقيين الأمامية التي كانت واضحة جدا في ذلك الوقتِ
حسين ينفي الخطر العسكري
يصعب الاستنتاج فيما قيل بما انحصرت فيه الرسالة التي كان الملك حسين يريد إيصالها في الحقيقة: إخطار الكويتيين أو ترك الانطباع لديهم بأنه لا يوجد ثمة خطر عسكريِ ولكن إذا أخذنا في الاعتبار بأن الملك حسين أخبر الرئيس بوش في تلك الأيام بعدم وجود خطر عسكري، فمن المرجح أن نتوصل الى استنتاج بأنه من المشكوك فيه أن مهمة الملك كانت تنحصر في إخطار القيادة الكويتية بالاعتداء المحتملِ وهذا لا يتفق مع طبيعة علاقاته الشخصية مع صدام حسين وكل سلوكه اللاحقِ
وزار بغداد في الأيام نفسها الأمين العام لجامعة الدول العربية الشاذلي القليبي ( لم يرغب المسؤولون العراقيون في رؤيته واستقباله وكانوا يتعمدون تأجيل وصوله ) ولم تأت زيارته بنتائج ملموسةِ
فما هو إذن الدور الذي خصص للقاء العراقي - الكويتي في جدة؟
تم اللقاء في الأول من أغسطس ومثل ولي العهد الشيخ سعد الجانب الكويتي، فيما ترأس الوفد العراقي عزة إبراهيم نائب رئيس مجلس قيادة الثورة وهو الشخصية الثانية في الدولة شكلياِ يكتب الجنرال خالد بن سلطان عن هذا اللقاء ما يلي:
خلافا لبعض التقارير المنشورة فيما بعد، لم يصبح لقاء جدة ميدان معركة، ولم تحدث فيه انفجارات ولا علامات سخطِ لم يحدث أي شيء يبرر غزو الكويت في الليلة التاليةِ كان في وسع عزة إبراهيم أن يأمل بالطبع عندما كان يقوم باستمالة المعارضة الدبلوماسية الشديدة في الأيام السابقة في وداعة الكويتيين واستعدادهم لإسقاط ديون العراق العسكرية وتقديم معونات جديدة والتخلي عن الموقع النفطي الرميلةِ غير أن الكويتيين لم يكونوا مستعدين لتقديم التنازلات دون قيد أو شرطِ وكانوا ينوون رفض أفكار صدام الباطنية الواضحة جدا والتي تعني أن ما يملكونه سيكون ملكا للعراق في معنى معينِ وعندما لم يقدموا تنازلات فقد عزة إبراهيم اهتمامه باللقاءِ
افتتح الملك فهد اللقاء بالتحيات الأخوية التقليدية وترك الجانبين يتحادثان على انفرادِ ووصلا فيما بعد الى قصر الملك ليبلغاه بنتائج المباحثات في سيارة واحدة مزينة بالعلمين العراقي والكويتيِ أقام الملك مأدبة غداء تكريما لهما وتمت فيها مراعاة القواعد الرسميةِ أجلس الملك فهد الشيخ سعد على يمينه وعزة إبراهيم على يسارهِ ولم يدل شيء على أن العلاقات قد قطعت أو أن المباحثات تعاني من مأزقِ وتم الاتفاق على مواصلة المباحثات في بغداد في المستقبل القريبِ غير أن صدام غزا الكويت بعد مرور عدة ساعاتِ
يمكننا استنتاج ما يلي عن كيفية تنظيم لقاء جدة وكيفية جريانه وما تبع ذلك: لم تكن القيادة العراقية في حقيقة الأمر، تنوي إجراء المحادثات مع الكويتِ كان لقاء جدة عبارة عن تنازل تكتيكي للرئيس مبارك كأسلوب لإضعاف رد فعل الدول العربية على الغزو المخطط له للكويت وإضعاف يقظة الكويتيين وغيرهم في آن واحد وعمل تمويه بأن المحادثات ستستمرِ فقد أدلى طارق عزيز بتصريح خاص مفاده بأن اللقاء التالي سيتم في بغدادِ وأبلغ سفير العراق في واشنطن لمساعد وزير الخارجية الاميركي جون كيلي بالموقف نفسهِ غير أن النتيجة تتوثب: كانت بغداد تقوم عن عمد بالتضليلِ
وقررت القيادة الكويتية التي اجتمعت على عجل بعد اختتام لقاء جدة عدم اتخاذ أي شيء بانتظار الجولة التاليةِ ومن الممكن أنهم في الكويت لم يكونوا مذعورين لأنهم تعودوا خلال سنوات عديدة على تظاهر بغداد بالقوة والتي كانت تصل أحيانا الى اعتداءات مسلحةِ فمثلا، حشدت بغداد قواتها على الحدود مع الكويت في عام 1973 واحتلت جزءا من أراضي الكويت الشمالية الشرقية وسحبت قواتها بناء على طلب من جامعة الدول العربيةِ وخلال الحرب مع إيران، كانت القوات العراقية ترابط في جهة الحدود الكويتية عدة سنوات ( بحجة الخطر الإيراني وخلافا لاعتراضات الكويت)ِ
وهذه المرة أيضا فضل الكويتيون عدم اتخاذ تدابير معينة لكي لا يعطوا ذريعة لبغداد للاعتداء عليهمِ وفي حقيقة الأمر هل يمكن الحديث عن مقاومة عسكرية خطيرة؟
الكويت أقل من العراق مساحة في 25 مرة وعدد سكانها أقل بعشر مرات وقواتها المسلحة ضئيلة جدا بالمقارنة مع جيش العراق الذي بلغ عدد أفراده مليون مقاتل صقلتهم حرب السنوات الثمانيِ
ولم تستعجل القيادة الكويتية في الاستعانة بالنصرة السياسية والعسكرية الأجنبية خلافا للرئيس الإماراتي الذي سافر فورا الى واشنطن بعد اتهام بلاده بالعدوان الاقتصادي على العراق عائدا بمقترح إجراء مناورات عسكرية مشتركة ( وتحقق ذلك بالفعل )ِ
طابع الهجوم
واعتقد أن القارئ سيهتم بالحديث عن تلك الأيام الذي أجريته مع الأمير بندر بن سلطان الممثل الخاص لملك العربية السعودية الذي وصل الى موسكو في أغسطس 1990 تحدث الأمير بأنه " قبل دخول القوات العراقية الى الكويت بأسبوع واحد أخبرنا الأمريكان أن العراقيين يركزون وحداتهم العسكرية في منطقة الحدود الكويتية، واستفسرنا من بغداد عما يعني هذا، أجابونا أن الأمر لا يعدو أكثر من تدريبات عسكرية يتهيؤون لإجرائها، ونقلنا ما قيل الى الكويتيين ووثقوا بهذا، وكانوا مهمومين بتلك المعلومات التي نقلها الأمريكان لهم ظانين أن واشنطن تبحث عن حجة لمرابطة قواعدها في أراضيهمِ وبعد عدة أيام أحال الأمريكان إلينا وإلى الكويتيين صور الأقمار الصناعية التي تظهر القوات العراقية والتي دلت على أن القوات العراقية مرابطة بوضع هجوميِ غير أن الكويتيين ظنوا من جديد أن الأمريكان يسعون الى تخويفهم ويبحثون عن حجة لإدخال قواتهم الى بلدهمِ واتصل الملك فهد في اليوم نفسه هاتفيا بصدام حسينِ وأكد الرئيس العراقي لملكنا أن أي تدخل في الكويت لم يهيئ لهِ ولكن الملك فهد أوفد الى بغداد وزير الخارجية وحاولوا إقناعه أيضا أن أي تدخل لم يخطط لهِ وأثبت صدام حسين هذا الشيء في الأيام نفسها تقريبا لرئيس مصر وملك الأردن وياسر عرفات بأنه لن يحدث أي عمل عسكريِ ونقلوا هذه التأكيدات فيما بعد الى الكويتيين وإليناِ وحاولنا من جانبنا تهدئة الكويتيين ونشعر الآن بأننا كنا مذنبين "ِ بالتالي، إذا كانت القيادة العراقية تنوي إخفاء خططها فأنها نجحت في ذلك تماماِ فقد نام الكويتيون بهدوء في ليلة 1 - 2 أغسطس ولم يسلموا في الكويت وواشنطن ولندن والعواصم العربية والعواصم الأخرى بفكرة أن مصير الكويت كدولة مستقلة سيكون مشكوكا فيهاِ
ولعل سفر أكثرية السفراء بما فيهم السفير الأمريكي والسوفيتي المتوافق في يوليو من بغداد لقضاء الإجازة، دليل على أن الأزمة لم تكن متوقعةِ ويعتبر أغسطس موسما ميتا سياسيا ليس في أوروبا والولايات المتحدة فحسب، بل في العالم العربي أيضا ( يعود ذلك لأسباب مناخية حيث تصل درجة الحرارة في نهاية الصيف الى حد لا يطاق)ِ كان فيكتور بوسوفاليوك الدبلوماسي المجرب والمستعرب سفيرنا في العراق في ذلك الوقتِ شغل منصبه في بغداد في أبريل 1990 وكان قبلها سفيرنا في سلطنة عمان، حيث نقل من هناك الى العراقِ وتجسس بوسوفاليوك قبل عدة أيام من سفره الى موسكو وعلم من السلطات العراقية فيما إذا لم تكن هناك موانع ما لغيابه المؤقت عن البلدِ وأكدوا له أنه لا يوجد مانع من تمتعه بالإجازةِ وحصل أنه مكث في موسكو يومين أو ثلاثة فقط واضطر إلى العودة بأول رحلة بعد الاعتداء العراقي على الكويتِ
وكما أشرت، كانوا في موسكو يتابعون باهتمام وانتباه تطور الأحداث في المنطقةِ ولم يرد إلينا أي شيء مقلق لا من سفرائنا ولا من خطوطنا الأخرىِ وتوجهت قبل يومين من الاعتداء الى الإدارة العملياتية في هيئة الأركان العامة وكانوا يعتقدون أيضا بأن حشد القوات العراقية يتعلق بتدريبات مقبلة (ويبدو أن مثل هذه الرواية لم تكن تدس للسعوديين فقط، بل لممثلينا العسكريين في العراق أيضا)ِ وفي 27 يوليو وخلال استقبالي رئيس وفد جمعية الصداقة العراقية - السوفيتية وزير الدولة العراقي أرشد الزيباري قلت له إننا في الاتحاد السوفيتي نتابع بانتباه توتر العلاقات العراقية - الكويتية ومعنيون بإخلاص بأن الخلافات الناشئة ينبغي تسويتها بالوسائل السياسية عن طريق الاتصالات الثنائية أو بمساعدة أجهزة جامعة الدول العربيةِ وفي غضون ذلك أعربت عن ارتياحنا عن ارتفاع أسعار النفط وعن الأمل في أن أحد أسباب الخلافات العراقية - الكويتية قد أزيل بنجاحِ وأشرت كذلك (كما فعلت هذا من قبل في أحاديث مع سفيري العراق والكويت) إلى أننا ننظر الى أي توتر في العالم العربي كعامل سلبيِ وكان الوزير يحني رأسه ولم يقل من جانبه شيئا يمكنه إثارة هلعناِ وقبل يوم واحد من العدوان استقبلت بعثة النوايا الحسنة العمانيةِ وإن كان الحديث مكرسا على العلاقات الثنائية، إلا أنني رأيت من الضروري أن أقول: نعبر عن قلقنا بشأن التوتر الحاصل بين العراق والكويت ونأمل في أن الجارين سيتمكنان من تسوية مشاكلهما وتطبيع علاقاتهما وإذا اقتضى الأمر بمساعدة الدول العربية الأخرىِ وسيعمل الاتحاد السوفيتي في اتجاه تطبيع العلاقات العراقية - الكويتية وهذا ما يحدده موقفنا المبدئي: العمل في مصلحة الوحدة العربية على الدوامِ

خسائر الحرب مع إيران : 500 إلى 700 مليار

للحق لا أستطيع حتى الآن أن أوضح لنفسي، كيف تمكنت قيادة العراق وبدا أنها مكونة من رجال ناضجين ومجربين جدا الإقبال على تلك المغامرة كالاستيلاء المسلح على دولة أخرىِ يمكنني أن أبني آرائي على الأخطاء الفاحشة للغاية التي أدت الى هزيمة العراق العسكرية وتلك الحالة التي لا يحسد عليها الشعب العراقي ودولته بعد مرور عشر سنواتِ سأتحدث عن هذه التفاصيل في الفصل الأخير من الكتابِ لكن أود الإشارة الآن الى مسألة واحدة: لماذا صعب حتى التصور بأن بغداد ستسير في عام 1990 بإرادتها الخاصة نحو الحرب؟
سنتان مضتا على انتهاء أطول النزاعات الحربية الدامية في النصف الثاني من القرن العشرين وهي الحرب العراقية - الإيرانية والتي أعلنت السلطات العراقية في ختامها عن انتصارهاِ وهذا يكون صحيحا جزئيا فقط، في ذلك المعنى الذي اضطر فيه الخميني في النهاية الى التخلي عن حلم إسقاط نظام صدام حسين وبعد أن استنفد قواه في الحرب وافق الخميني على وقف إطلاق النار وكانت بغداد مستعدة لذلك بسرور قبل ست سنوات من تلك اللحظة عندما خرست طلقات النارِ ولم تتوصل بغداد الى شيء في النهايةِ أخذت زمام المبادرة في شن الحرب ومن ثم لم تعرف كيف تنهيها عندما بدأت القوات العراقية تطرد الى المواقع نفسها التي بدأت منها الهجوم قبل ثمان سنواتِ أتذكر جيدا ذلك لكوني ممثل الاتحاد السوفيتي الدائم في مجلس الأمن وكانت مسألة الحرب العراقية - الإيرانية على جدول أعمالنا على الدوامِ وحسب بعض المعطيات بلغت خسائر العراق الاقتصادية جراء الحرب ضد إيران نحو 500 - 700 بليون دولار وهلك وشوه فيها نصف مليون عراقي وعانت جدا مدينة البصرة التي كانت القوات الإيرانية تحاول الاستيلاء عليها أكثر من مرةِ وتكبدت الصناعة النفطية وحقل تكرير النفط وهما أساس الاقتصاد العراقي خسائر جسيمة، مما أثر سلبا على مستوى إنتاج النفط وبالتالي على مستوى إيراداته الناتجة عن التصديرِ فقد كان العراق يستخرج في العام الذي سبق الحرب 1979 نحو 175 مليون طن من النفط، لم يتمكن من استخراج سوى 139 مليون طن فقط بعد مرور عشر سنينِ
وبعبارة أخرى تحولت الحرب ضد إيران بالنسبة للعراق وفي نواح كثيرة وخاصة البشرية والاقتصادية والاجتماعية الى مصيبة كبيرةِ لذلك احتل التغلب على خسائر الحرب الصدارة وأصبح المهمة الوطنية الرئيسية التي ينبغي تنفيذها في ظل حالة من السلام والهدوء ولهذا السبب بالذات صعب التصور أن تقوم القيادة العراقية بالاشتباك من جديد في مغامرة حربيةِ وحصل ذلك للأسف الشديدِ

الكرملين وأزمة الكويت (3)


في الساعة الثانية من ليلة 1 - 2 أغسطس، بدأت الوحدات العسكرية العراقية المتكونة من 120 ألف شخص العدوان على الكويت شاقة جبهة واسعةِ وكانت العاصمة الكويتية هدفها الرئيسيِ واستخدموا في سيرهم الحثيث طريق السيارات العصري الذي يربط الكويت بالبصرةِ وضمت الوحدات العراقية خيرة تشكيلات الحرس الجمهوري المزودة بالدبابات الحديثةِ وسارت في نسق الهجوم الثاني وحدات المدفعية والمشاة الآليِ
كان التقدم سريعا وخاليا من المقاومة تقريبا بسبب عدم وجود وحدات عسكرية كويتية تقريبا في الشمال من العاصمة التي كانت الوحدات العراقية قد وصلتها الساعة الخامسة صباحا واستولت عليها بالكامل بمساندة فاعلة من المقاتلات والمروحياتِ وحتى الساعة الثانية بعد الظهر، كانت مباني كافة المؤسسات العامة ومحطة التلفزيون والإذاعة والمطار والميناء وغيرها من المواقع الهامة تحت سيطرة الجيش العراقيِ ودارت المعارك الرئيسية بالقرب من الثكنات والقصر الأميري دسمان حيث كان يقاوم فيه عدد من المدافعين ، واستشهد الأخ الأصغر للأمير الشيخ فهد الأحمد المعروف في البلاد والخارج بنشاطاته في اللجنتين الأولمبيتين الوطنية والآسيويةِ وأحرق قصر دسمان ومقر آخر للأمير في المدينةِ
وبعد أن استولت القوات العراقية على العاصمة تقدمت في عمق البلد واحتلته بالكامل خلال يومين ونيفِ كانت تعد حربا خاطفة واعتبرتها بغداد ناجحة تماما، حيث لم يصحبها سوى فشل واحد مزعج لها وهو خروج الأمير وعائلته وأعضاء حكومة الكويت من البلاد، بتمكنهم من الانتقال الى المملكة العربية السعودية المجاورة كمأوى لهمِ وانتقل أيضا الى العربية السعودية عدد من العسكريين أيضا وأحيانا مع معداتهم الحربية وخاصة الطائراتِ
وحاولت السلطات العسكرية العراقية قطع كل الاتصالات الخارجية مع الكويت مثل البحرية والجوية والهاتفيةِ وكان الأمر أعقد عند الحدود البريةِ فقد كان من المستحيل عمليا حجزها كلها في الصحراء وبدأ تدفق الناس الذين لا يريدون العيش تحت نير حكم بغداد عبر فتحات الحدودِ
ترك الكويت ثلث سكانها خلال الاحتلال ( استقبلت المملكة العربية السعودية وحدها 360 ألف لاجئ من الكويت )ِ وكان للهجرة الكثير من الأسباب بما فيها القتل والتعذيب وحالات النهب والاغتصاب التي تعرض الناس إليها فورا تقريباِ
ومع ذلك تكون لدى الكثيرين انطباع بأن سلطات الاحتلال لم تكن تمنع رحيل الناس وجرى ذلك بوعي تام، حيث كان تنوي تغيير تشكيلة الكويت الديموغرافية بهذه الطريقةِ وبالعكس، تدفق سيل من النازحين العراقيين الى الكويتِ
موسكو تحدد موقفها
حصل أنهم عرفوا في الاتحاد السوفيتي عن بداية العدوان العراقي على الكويت من الأمريكانِ وكانت استخباراتهم الفضائية التي كان الخليج، ولأسباب مفهومة، موضوع اهتمام متزايد، تخبر على الدوام المعلومات الخاصة بتحرك القوات العراقية قرب الحدود مع الكويت وإعادة تنظيمها وتشكيلهاِ غير أن المحللين في واشنطن لم يستعجلوا في اتخاذ استنتاج نهائيِ وكانت دائرة المخابرات المركزية تقدر فرص الاعتداء حتى قبل بضعة ساعات من وقوعه كخمسين الى خمسينِ وفي كل الأحوال توقعوا أن ينتهي الأمر بالاستيلاء على الجزيرتين اللتين كان العراق يدعي بهما منذ زمن بعيد ومنطقة الحدود، الأمر الذي كانت واشنطن مستعدة للموافقة عليه وإغماض عينها عنه عموماِ
وكانت تأكيدات الزعماء العرب تهدئ الكويتيينِ ويؤكدون بأن الملك حسين اتصل هاتفيا مرتين مع الرئيس الأمريكي بوش في 28 و 30 يوليو بهذا الصددِ ولهذا لم يدق جرس الإنذار في حاملات الطائرات الأمريكية القريبة من الخليج للتوجه على عجل الى منطقة النزاع المحتملِ
ومع ذلك، رأى مستشار الرئيس الأمريكي لمسائل الأمن القومي الجنرال برينت سكوكروفت ان من الضروري إنذار الرئيس بوش في الساعة الثامنة وعشرين دقيقة مساء بزيادة احتمال العدوان العراقيِ وقبل ذلك أنذرت وزارة الخارجية الأمريكية في المعنى نفسه مسؤولها جيمس بيكر الذي كان في تلك اللحظة يجري محادثات في إركوتسك الروسية مع أدوارد شيفرنادزهِ وكان وزير الخارجية السوفيتي يقول فيما بعد أكثر من مرة ( كتب ذلك بشكل واضح في كتابه " خياري " ) بأنه لم يستطع الاعتقاد بأن بوسع القيادة العراقية القيام بمثل تلك الخطوة الطائشةِ
كان شيفرنادزه قد زار العراق قبل عام وتناقش مع صدام حسين لعدة ساعاتِ ورأى بعينيه مدينة البصرة المدمرة وتكونت لديه فكرة بأن الأولويات العراقية لا تقبل عدوانا جديدا بكل بساطةِ وقال لبيكر عندما أبلغه بإنذار الخارجية الأمريكية : 'لا يوجد أي منطق في هذا التصرف'ِ
أخبرت السلطات الكويتية بعد معرفتها ببداية الاعتداء بسرعة السفارة الأمريكية ولم تطلب من الأمريكان أية مساعدة، معتقدة أن القوات العراقية ستتوقف في اللحظات القريبةِ وما أن شعر الكويتيون بأن هذه القوات لا تنوي التوقف زاد قلقهم وطلبوا المساعدة للمرة الأولىِ ووجهت إذاعة الكويت نفس النداء الى جميع البلدانِ وأبلغت السفارة الأمريكية وزارة الخارجية بتطور الأحداثِ
كانت في هذه الأثناء الساعة التاسعة مساء في واشنطن، عندما أصبح واضحا أن العدوان العسكري الواسع النطاق بينِ واجتمعت جماعة الأزمة في مجلس الأمن القومي الأمريكي بسرعة مبتدئة العملِ وأصدر البيت الأبيض في وقت متأخر من الليل بيانا موجزا استنكر فيه الاعتداء ودعا بغداد الى إنهائه فوراِ وفي الساعة الخامسة صباحا وقع الرئيس جورج بوش أمرا بتجميد جميع الحسابات الكويتية والعراقية لكي لا تستغلها بغدادِ
وانتهت المحادثات في إركوتسك بين شيفرنادزه و بيكر وبينما كان كل منهما يهم بالعودة وصلهم خبر عدوان العراق على الكويتِ لم يكن واضحا لهم عمق التدخل وأهدافهِ ولذلك ناقش رئيسا الإدارتين الخارجيتين الحالة بشكل موجز وبطابع عامِ ولم يبديا أية تصريحات علنية بصدد الأزمة واتفقا على إدامة الاتصالات الوثيقةِ
توقيت موسكو والكويت واحدِ أي أن الاعتداء العراقي على الكويت بدأ بالنسبة لموسكو في الساعة الثانية ليلا أيضاِ وعرفت النبأ في الصباح الباكر عندما دق هاتف من سكرتارية الوزير حال وصول الإشارات المقلقة الأولىِ وعندما وصلت الى الخارجية كانت المعلومات ناقصة للغايةِ وبرزت حالا جملة من الأسئلة : ما هو هدف الاعتداء، وإلى أي مدى سيذهب العراق في هذا العمل غير المفهوم لحد الآن، وما هي حالة مواطنينا في الكويت (كان عددهم 800 شخص تقريبا) وكيف يمكن تأمين سلامتهم، هل أن جميعهم أحياء وكيف يجب صياغة موقف الاتحاد السوفيتي السياسي، ومتى وماذا وبمن ينبغي إعلانه باسم بلدنا وكيف سيكون سلوكنا في مجلس الأمن حيث ستطرح مسألة العدوان حتما؟ وهل ينبغي اتخاذ خطوات من جانبنا حيال بغداد، وإذا كان ذلك ضروريا فما هي وعلى أي مستوى؟
واقتضى الأمر أن نحدد موقفنا من جميع هذه المشاكل المنهمرة، دفعة واحدةِ
كنت متيقنا جدا بأن الأنظار في العالم أجمع ستتجه الآن نحو موسكو بالذات: كيف سنرد فعلا؟ِ فلم يخف على أحد أن العراق يعتبر واحدا من أكبر زبائننا العسكريين وأن ثمة خبراء عسكريين كثيرين في العراقِ فما هو موقف موسكو من تدخل 'محسوبها' المسلح في الكويت؟ هل سيتحدد الموقف ممتزجا بروح 'الحرب الباردة'؟ أو بصورة جديدة؟ وماذا سيؤخذ بمثابة المقياس؟
كان من الواضح أن موسكو وضعت أمام امتحان خطير لقياس نضجها السياسي والأخلاقيِ وطرحت المسألة بالنسبة لنا على المكشوف وبصورة مبدئية: كيف نتصرف؟ وكان على قيادة الدولة العليا أن تجيب فوراِ
وفي غضون هذه المعمعة لم يكن أدوارد شيفرنادزه في موسكو ( لم يصل بعد من إركوتسك ) وكان ميخائيل غورباتشوف يتمتع بإجازة في القرم مع مساعده للشؤون الدولية أِ تشيرنايفِ وكان من الممكن تذليل هذه الصعوبات بالطبع، لكن الأمر بحاجة الى وقتِ بل كان هذا الوقت شحيحا جداِ ففور إعلان الأنباء سينهال على وزارة الخارجية وابلا من دقات الهاتف من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي والحكومة والمؤسسات ووسائل الإعلام والمواطنين العاديين الذين يتواجد أقرباؤهم في الكويت والعراقِ لذا وجب البدء في إدراك جميع المسائل الخاصة بالوضع وتقليب نظام الأعمال وطرقه وإعداد المقترحات للقيادة فوراِ
جمعت المسؤولين في دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي كانت مختصة بعلاقتنا مع العراق والكويتِ وبعد أن أجريت تبادل الآراء الموجز حول الأزمة، تحدثت عن ما ينبغي أن ننشغل به الآن ووزعت التكليفات : من يجمع من كافة المصادر الممكنة المعلومات ويعممها ومن يعد مشروع البيان (قررنا حالا أن هذا البيان سيكون بيان الحكومة أيضا لأهمية المسألة) ومن يعمل على إعداد نص النداء المزمع توجيهه الى بغداد ومن يتصل على عجل بممثليتنا في الأمم المتحدة؟ِِِالخِ وبعد أن وزعت الواجبات انشغلت بأمر آخر وهو مهم بالدرجة الأولى: اللقاء مع السفير الكويتي الذي توجه بطلب استقباله على عجلِ
ووضحت لدينا خلال المعلومات المتوافرة واقعة العدوان المسلحِ ولم يكن واضحا قط لماذا أقبلت بغداد على هذه المخالفة الخشنة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدةِ لقد صادف وتسنى لي عام 1957 أن شاركت في وضع مفهوم 'العدوان' في اللجنة الحقوقية للجمعية العامة للأمم المتحدة والذي أقر فيما بعد رسميا بقرار من الجمعيةِ وكان مفهوم 'العدوان' منذ ذلك الحين واضحاِ ولذلك وبصفتي حقوقيا، لم يكن لدي أدنى شك في كيفية وصف تعسف القوات العراقية ( وكيف سيصف المجتمع الدولي هذا ) في أراض دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة وهي الكويتِ
ومع ذلك، كان ثمة ما ينبغي التأمل فيه : دار الحديث حول النزاع بين الدولتين العربيتين اللتين للاتحاد السوفيتي مع كل منهما نظام للعلاقاتِ وكان حجم العلاقات من الناحية المادية مع العراق يتجاوز كثيرا جملة مصالحنا الاقتصادية في الكويتِ ولا يتحدد الأمر بالمسائل المالية والاقتصادية، فقد كانت هناك عوامل تاريخية وسياسية وعسكرية وحتى إنسانية تربط الاتحاد السوفيتي بالعراقِ وكان من واجبنا أن نأخذها في الاعتبار في غضون إعداد المقترحات للقيادة العلياِ وكانت واقعة أن قرابة 8 آلاف مواطن سوفيتي موجودون في العراق لوحدها أمر خطير جداِ
وعموما، لم تكن علاقاتنا السياسية سيئةِ ففي عام 1972 أبرمت معاهدة الصداقة والتعاون وكانت الزيارات على مختلف المستويات تجري بانتظام بينناِ وكان كلا الطرفين يعامل بعضه الآخر بقدر معين من التحفظ، وكان لذلك أسبابه: إعدام الشيوعيين العراقيين واضطهادهم، استخدام السلاح الكيميائي ضد الأكراد، كبت مخالفة الآراء الرسمية بشكل قاسِ وكان التطور الاجتماعي في البلدين يختلف أكثر فأكثرِ فبينما كنا نسير نحو الحرية والديمقراطية، كان العراق يزيد من ضغطه على الحريات وتتزايد ظاهرة عبادة صدام حسينِ لكن هذه الخلافات لم تظهر بصورة ملحوظة في العلاقات الرسمية، فقد كانت متأدبة وتتميز بالعطف المتبادل، غير أن التحفظ الباطني كان موجوداِ وكان هذا التحفظ وفي درجة معينة منه، أدى الى انغلاق النسق العراقي الأعلى وضاعف في تشكيل خواصه الوخيمة الحبلى بالمفاجآتِ وعدت تقلبات الحرب العراقية - الإيرانية بالنسبة لنا في هذا المعنى إنذارا معينا، وها هي المفاجأة الجديدةِ
العلاقات مع الكويت
أما الكويت فأقيمت العلاقات الدبلوماسية معها في عام 1963 وكانت العلاقات تتطور منذ ذلك الحين بلا اعوجاج ويميزها اتجاه مستقر نحو توسيع التعاون بالرغم من الفرق الخطير في الاتجاهين السياسي والاجتماعيِ غير أن المراعاة الحازمة في عدم التدخل في الشؤون الداخلية ساعدت على نمو الثقة المتبادلةِ والكويت بالذات افتتحت أول سفارة سوفيتية على أرض الجزيرة العربيةِ وساعدت الكويت على ظهور سفاراتنا بمرور الوقت في الإمارات العربية وقطر وعمانِ واستجاب الاتحاد السوفيتي بدوره لمطلب الكويت بتأمين سلامة نقل نفطها عبر الخليج في واحدة من أسخن أوقات الحرب العراقية - الإيرانيةِ صحيح أن الأمر لم يصل الى مرحلة التنفيذ، لأن الأمريكان أخذوا هذه المهمة على عاتقهم بعد أن رفضوا طلبا كويتيا مماثلاِ
وكان الاتحاد السوفيتي يشارك في إنجاز بعض المشاريع ذات الطابع الاقتصادي والتكنولوجي في الكويتِ وكان يزداد بهذا السبب عدد الخبراء المدنيين السوفيت العاملين هناكِ وقد بلغ عددهم قبل الأزمة بضع مئاتِ وأرسيت البداية للتعاون في المجال العسكري أيضاِ وقدمت الكويت لنا عددا من القروضِ ووجدت مصالح مشتركة ونقاط لقاء في مجال السياسة الخارجيةِ لذلك لكلا البلدين الأسس لكي يكونا مرتاحين بتطور علاقاتهما وتقدمها، الأمر الذي كان يؤكده تبادل الوفود والمحادثات المستمرةِ
وإذا كانت لموسكو علاقات حسنة مع العراق والكويت على السواء، فأنها معنية بطبيعة الحال، بالمحافظة عليها وتطويرها المطردِ وكنا كذلك بحاجة الى السلام في الشرق الأوسطِ وها نحن وجدنا أنفسنا أمام أفق لأزمة دولية كانت تخالف تماما مصالحنا من الناحية العامة وفي علاقاتنا مع العراق والكويت على السواءِ
في غضون ذلك كانت الأخبار الواردة من هناك تثير قلقنا أكثر فأكثرِ أولا، لم تدل على اعتداء فحسب، بل عدوان شامل للقوات العراقية على الكويت باستخدام عشرات الآلاف من الجنود وعدد كبير من الدبابات والصنوف الأخرى من القوات بما فيها الطائراتِ وكانت العملية تسير نحو الاستيلاء على البلد بأكملهِ وتقوى هذا الإحساس بما انتهجته إذاعة بغداد صراحة منذ الصباح بصدد " ظفر الشعب العراقي العظيم المجرب ودرع الأمة العربية وعنوان فخرها ورمز عزتها " والذي تساعد " قواته المسلحة المجيدة " في اجتياح الكويت وتخليصها من " النظام الخائن المنفذ لمؤامرات الصهيونية والأجنبية الأخرى "ِ ولم تبخل إذاعة بغداد بكيل الهجمات على القيادة الكويتية التي تواجههم ب " بالمناضلين في سبيل الحرية " الذين نفذوا كما زعمت القيادة العراقية بطلب الدفاع عن " الثورة الكويتية " وسكان الكويت من الدسائس الخارجيةِ
واحتل في إذاعة بغداد مركز الصدارة بيان مجلس قيادة الثورة الذي جاء فيه أن إدخال القوات الى الكويت تم بناء على طلب من " حكومة الكويت الحرة المؤقتة "ِ وأن القوات العراقية ستنسحب " عندما تستقر الأوضاع وتطلب منها الحكومة الحرة المؤقتة ذلك "ِ ويتضمن البيان أيضا تهديدا مباشرا بتحويل " العراق البطل والكويت العزيزة الى مقبرة لمن سيتطاولون على القيام بعدوان والذين يحركهم السعي الى التدخل والخيانة "ِ
بدأ جوهر ما يحدث يتضحِ وأصبح مفهوما أن النزاع تجاوز نوعيا إطار الجدال الحدودي بتبعية الجزر وجزء من حقل الرميلة الجنوبي كما كان الكثيرون يفترضون ذلك في بداية الأزمةِ وانتقلت المشكلة الى بقاء الكويت كدولة مستقلة مع سلطتها الشرعية التي وجدت هناك على مدى قرنين ونصف القرنِ وعلمنا بأن رواية
" الحكومة المؤقتة " ما هي إلا جزء من ادعاءات بغداد بكامل الكويت وامتصاصها عملياِ
ومهما كان الأمر، رأى خبراء وزراء الخارجية في مسائل العالم العربي الذين بحثت معهم صباح 2 أغسطس آفاق تطور الأوضاع بأن مثل هذه الوسائل والطرق ممكنة تماماِ
ولم نكن نريد، والحق يقال، أن نؤمن بذلكِ فعواقب هذا التهور وخيمة للغايةِ وكنا في موسكو نقدر العلاقات مع العراق حق قدرها ولم يرغب أحد في أن يحل في شعبه أية نكبةِ
وتلخصت نتائج اجتماعات العمل في وزارة الخارجية فيما يلي : يجب أن يكون رد الفعل على العدوان على النحو الذي نؤكد فيه على مخالفة العراق للقانون الدوليِ والتقيد بما لا يجوز أن نقوله في بداية الأمر وستتعلق تقديراتنا القادمة على تصرفات بغدادِ وينبغي أن يكون انسحاب القوات العراقية من الكويت بلا تأجيل وإعادة سيادة الكويت الكاملة من أهم مطالبنا في الوقت الحاضرِ ونضيف الى هذا النداء دعوة الى تسوية المسائل المتنازع عليها عن طريق المحادثاتِ ويجب أن تكون لهجة البيان حازمة وخالية من التهديد وأن تتسم بالأسف والحيرة لما حدث ويشوبها الأمل في انتصار البصيرة لحل المسألة سريعا بشكل سلميِ
اتفقنا أن تبنى هذه المعاني في البيان العلني وندائنا السري الى صدام حسين على السواءِ ويجب التمسك بهذا النهج في هيئة الأمم المتحدة أيضاِ
وقررنا تقديم الاقتراحات بإيقاف إمدادات الأسلحة السوفيتية الى العراقِ ويمكن القول إن هذه المسألة نشأت تلقائيا، فقد استخدمت بغداد أسلحتنا ليس لأغراض الدفاع كما نصت عليه اتفاقياتناِ وكنا أوقفنا توريد الأسلحة الى العراق في عام 1975 عندما استخدمها ضد الأكراد داخل العراق وكذلك أوقفناها عام 1980 عندما هاجمت القوات العراقية إيرانِ واستأنف إمداد العراق بالأسلحة بعد أن طردت إيران قواته الى الخلف وانتقل العراق الى مرحلة الدفاع عن أراضيه الخاصةِ ولم يكن في مثل هذا الموقف شيء معاد للعراقِ وكان موقف الاتحاد السوفيتي محصورا على الدوام في أن الأسلحة السوفيتية تورد لأغراض دفاعية فقط وكان شركاؤنا يدركون ذلك جيداِ
لا أريد أن أخفي بأنه بعد ورود المعلومات عن الاعتداء العراقي المكثف نشأ عندي شعور مضجر جدا بأن بغداد " كعبلت " موسكو من جديد باستخدامها الأسلحة السوفيتية لتحقيق أهداف جائرةِ وأصبح معلوما في اليوم التالي مثلا، أن الدور الرئيسي في القفز على الكويت عين للدبابات السوفيتية " تي 72 "ِ وعندما تستعمل الأسلحة الأجنبية المشتراة بخلاف القانون الدولي فإن ظلالها السيئة تلقى على الموردين شئنا أم أبيناِ وليس من المستغرب أن موسكو لم تستطع أن تشاطر إذاعة بغداد بهجتهاِ فليس التنكيل العسكري ببلد صغير وغير مسلح تقريبا أمرا سيئا للغاية فحسب، بل أن السلاح السوفيتي استخدم لتحقيق هذا الهدفِ ولكي أسهب قليلا، فأن صحفنا المركزية كتبت في اليوم التالي 3 أغسطس بأنه " بعد العدوان العراقي المسلح على الكويت اتخذ الاتحاد السوفيتي قرارا بإيقاف إمدادات الأسلحة والمعدات العسكرية الى العراق "ِ وكانت لهذه الخطوة أهمية سياسية وعسكرية كبيرةِ ومن المميز أن الصحافة الغربية والأمريكية بشكل خاص أبرزت هذا القرار على صدر صفحاتها الأولىِ
وعندما عاد أدورد شيفرنادزه من إركوتسك الى موسكو ووصل الى وزارة الخارجية، كانت لدينا مجموعة من مشروعات الوثائق من الدرجة الأولى جاهزةِ وبعد ظهور الوزير أصبح وضعي أيسرِ وما شجعني أن الوزير استحسن الوثائق المعدة بواسطتنا ولم يجر عليها تعديلات ملموسةِ وأسرني أن الاقتراحات المقدمة من قبل الوزير لميخائيل غورباتشوف الموجود في القرم نالت تفهم الرئيس وتأييدهِ
وكان من بين هذه المقترحات نص بيان الحكومة السوفيتية المنشور في 2 أغسطس بواسطة وسائل الإعلام الإلكترونية والمنشور في اليوم التالي في الصحافةِ وأشير في هذا البيان الى أن أي مسائل متنازع عليها لا تبرر استخدام القوة وأن تطور الأحداث يناقض أصلا مصالح الدول العربية ويعرقل إيجاد تسوية النزاع في الشرق الأوسط ويتنافى مع اتجاهات التصحيح الإيجابية الجارية في الحياة الدوليةِ
وجاء في البيان أن القيادة السوفيتية تعتقد أن " سحب القوات العراقية بلا قيد أو شرط وبلا تأجيل من الكويت من شأنه إزالة التوتر الناشئ في الخليج " و " يجب أن تعاد بالكامل سيادة واستقلال ووحدة أراضي الكويت "ِ
شكلت موضوعات هذا البيان التي كتبتها كلمة تقريبا أساس موقف الاتحاد السوفيتي من الأزمة الكويتيةِ وكانت بعض عناصر هذا الموقف تدقق وتتطور فيما بعدِ غير أن الفكرة الرئيسية وهي انسحاب القوات العراقية من الكويت وإعادة سيادتها واستقلالها ووحدة أراضيها حافظت بالكامل على قوتها حتى نهاية الأزمةِ
وأصبحت هذه الأفكار محور ارتكاز موقفنا في هيئة الأمم المتحدة في غضون النظر الى نواحي الأزمة المختلفةِ
3 طلبات كويتية
عندما تحدث لبلد مصيبة ما فان سفيره حتى لو تمالك نفسه بشكل ممتاز فلا يستطيع ضبط مشاعره الجياشةِ وكان توتر السفير الدعيج الداخلي كبيرا وباديا على ملامحهِ وعندما دخل الى مكتبي كانت جمله متقطعة وموجزة ورشيقة كعادتهاِ وانحصر جوهر خطابه فيما يلي : خرقت القوات العراقية حدود الكويت الرسمية واحتلت الجزء الشمالي من البلادِ وتوجد في الوقت الحاضر في ضواحي العاصمة ويحدث إطلاق نار على مقر رئيس الدولة ورئيس الوزراء وكذلك على المطار الدوليِ وقال السفير بأن قيادة الكويت تتوجه الى القيادة السوفيتية بطلب اتخاذ كل الإجراءات من أجل إنهاء الاعتداء العراقي في أقرب وقت ممكنِ وتطلب من موسكو الاتصال ببغداد بصورة عاجلة وكذلك تشغيل آلية مجلس الأمنِ
وعدت السفير بإخطار القيادة السوفيتية بلا إبطاء بالنداء الكويتي الموجه إليهاِ وقلت إذا طلبت الكويت عقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن سنؤيد مطلبهاِ وبعد أن أشرت الى أن ثمة مبادئ للقانون الدولي معترف بها من الجميع تنظم بدقة سلوك الدول، أكدت له بأن الاتحاد السوفيتي سيسترشد بها بالذات في تقدير ما حدثِ
إذن، تلقينا أولا، نداء الكويت الرسمي بطلب المساعدة في أسرع وقت لوضع حد للاعتداء على الأراضي الكويتية وإنهائهِ ثانيا، تلقينا الطلب بإقامة الاتصالات مع بغداد على عجل في هذا الصددِ وثالثا، طلب تشغيل آلية مجلس الأمن للهدف ذاتهِ
كانت الطلبات الثلاثة شرعية ومنطقية وتنطلق من بلد كان الاتحاد السوفيتي يحتفظ معه بعلاقات وديةِ ومن البديهي أن الاتحاد السوفيتي كدولة عظمى وعضو في مجلس الأمن يحمل على عاتقه نصيبا غير قليل من المسؤولية في المحافظة على السلام والشرعية الدوليةِ كان له الحق وحتى الالتزام المباشر في أن ينبري في أي حال للدفاع عن ضحية العدوان وحتى بلا نداء الكويت الشكلي بالطلب بنصرتهاِ ومن غير المشكوك فيه في آن واحد أن النداء الموجه كان يقوي بالنسبة للاتحاد السوفيتي الجانب المعنوي والحقوقي ويدفعه الى الفعلِ
العلاقات السوفيتية- العراقية
أقام الاتحاد السوفيتي العلاقات الدبلوماسية مع العراق عام 1944. وقطعت عام 1955 من قبل النظام الملكي العراقي (نتذكر في هذا الصدد حالا حلف بغداد)ِ وأعيد إنشاء العلاقات بعد ثورة يوليو 1958. وبدأ منذ ذلك الحين تعاوننا العسكري التكنولوجي مع العراق الذي اكتسب بالتدريج الوضع السائد في حجم الصلات العامة مع هذا البلدِ وردت الى العراق الدبابات وناقلات الأشخاص المدرعة والمدافع والمنظومات الصاروخية المتعددة الحشوات، صواريخ 'أرض - أرض '، الطائرات، المطاردات، قاذفات القنابل، المروحيات القتالية، وسائل الدفاع الجوي والاتصالات والذخائر ومهمات عسكرية أخرىِ ولم نكن نورد الأسلحة الى العراق فحسب، بل كنا نساعده في تنظيم إنتاجه العسكري الخاص أيضاِ وكان إعداد الكادر العسكري من أوجه التعاون الكبير أيضاِ فقد تخرج عدد كبير من الضباط العراقيين من المدارس والأكاديميات العسكرية السوفيتيةِ وكنا نساعد العراقيين في استيعاب المعدات العسكرية السوفيتية داخل العراق أيضاِ وبشكل قاطع لم نساعد العراق على اقتناء أسلحة الدمار الشامل : الكيميائية والبيولوجية والنووية (كانت بعض الشركات الغربية ترتكب هذه الخطايا، للأسف)ِ
وأتى التعاون العسكري التكنولوجي خلال ثلاثة عقود للميزانية السوفيتية 12 بليون دولار، وهذا المبلغ ليس بقليل بالطبعِ زد على ذلك بقى العراق مدينا لنا لغاية عام 1990 بعدة بلايين الدولاراتِ واتفق على أن تتم تغطيتها بحصص متساوية بما في ذلك إمدادات النفط (ليس للاتحاد السوفيتي مباشرة، بل لحساب الإمدادات السوفيتية الى بلدان ثالثة)ِ
وإذا كان حجم التعاون السوفيتي - العراقي في المجالين العسكري والمدني تتناسب ل 10 الى 1، فان الأمور في المجال غير العسكري كانت تسير بشكل لا بأس به أيضاِ فالمعدات والمنتجات الجاهزة عادلت نسبة 95% من التصدير السوفيتي الى العراقِ وكان التعاون الاقتصادي يجري كذلك، بمشاركة الاتحاد السوفيتي في بناء المنشآت الوطنية والاقتصادية المختلفة في العراق والتي كان أكبرها استثمار موقع غرب القرنة وبناء خط أنابيب الغاز الناصرية - بغداد وبناء المحطة الكهروحرارية في اليوسفيةِ وبني في العراق في السنوات التي سبقت الأزمة الكويتية مباشرة وبمشاركتنا قرابة 100 منشأةِ ونسقت الأفكار المبدئية الخاصة لتنفيذ مشاريع طويلة الأجل لتطوير التعاون التجاري والاقتصادي مع العراق حتى عام 2005ِ

الكرملين وأزمة الكويت (4)

في الساعات نفسها تقريبا التي كان يجري في موسكو العمل على قدم وساق لجمع المعلومات الأولية وتقديرها وإعداد مشروعات الوثائق، كانت الحياة مهتاجة في مقر الأمم المتحدةِ ومن السهل لي معرفة ما كان يحدث هناك لأني على اطلاع جيد على آلية عمل الأمم المتحدة والقواعد والعادات، خلال السنوات الأربع التي شغلت فيها منصب ممثل الاتحاد السوفيتي في مجلس الأمن، وأعرف الأشخاص الذين كان عليهم الآن اتخاذ القرارات المناسبة باسم المجتمع الدوليِ وكانت الأحداث هناك تتطور على النحو التالي :
كان ممثل الولايات المتحدة الدائم توماس بيكيرينغ أحد أفضل الدبلوماسيين الأميركان المحترفين الذي تعاملت معهم، وكان أول عضو بين ال 15 الباقين في مجلس الأمن يعلم بالعدوان على الكويتِ فقد اتصل الرئيس بوش شخصيا ببيكرينغ في المساء وكلفه باتخاذ جميع الإجراءات الضرورية لكي يعقد سوية مع السفير الكويتي على عجل جلسة مجلس الأمنِ
كان الموظفون رفيعو المستوى في الأمم المتحدة ينظرون سلبا على الأرجح، لتصرفات الولايات المتحدة ومحاولتها إعاقة سير آلية العمل بشكل مفيد وطبيعيِ ولكنهم تذكروا حالا مجلس الأمن بسبب انعدام أي شيء آخر في تلك اللحظات يمكنه مواجهة العدوان العراقي، بل كان من الواجب الرد عليه بسرعةِ ولعبت أيضا دورها حقيقة أن جورج بوش نفسه كان يشغل منصب ممثل بلاده في الأمم المتحدة ويدرك أفضل من غيره أهمية مجلس الأمن وإمكاناته من وجهة نظر تعبئة الرأي العام العالمي وتأسيس قاعدة حقوقية ضرورية لاتخاذ الخطوات اللاحقةِ وكان على مجلس الأمن إدراك ماهية هذه الإجراءات والحاجة إليهاِ وكانت الحالة غامضة بما فيه الكفاية حتى الآنِ
أخبروا الأمين العام للأمم المتحدة بيريس دي كويلار عما حصل وأمر بالبدء فورا في الإعداد لعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن، ترأسه فيما بعد ف ِ سفرانتشوك نائبه لشؤون مجلس الأمنِ ولكن لكي تعمل آلية المجلس، لابد لدولة ما التوجه بطلب رسمي لعقد اجتماع طارئِ وحسب منطق الأشياء وجب أن تقوم الكويت بذلكِ غير أنهم لم يعثروا على ممثل الكويت الذي لم يكن يعرف شيئا عن هذه المصيبة التي حلت ببلدهِ واضطر بيكيرينغ نفسه توجيه الطلب المناسب الى الأمم المتحدة باسم الولايات المتحدة بينما جاء الطلب الكويتي ثانيا في وقت لاحقِ
وفي الوقت الذي كان فيه العمل جاريا بتبليغ أعضاء مجلس الأمن ورئيسه الراهن (يتبادل رؤساء المجلس كل شهر وكان ممثل رومانيا مونتيانو رئيسا في أغسطس ) وموظفي سكرتارية الأمم المتحدة، انشغل بيكيرينغ في إعداد مشروع القرارِ وانحصرت فكرته في أن يكون قصيرا ومركزا ومكتوبا على ذلك النحو الذي لا يثير معارضة أو شكوك أحد ما من أعضاء مجلس الأمنِ
نجح بيكيرينغ في ذلك واشترك معه ثمانية أعضاء آخرين في مجلس الأمن في صياغة نص القرار وهم : بريطانيا، فرنسا، كندا، فنلندا، كولومبيا، ماليزيا، أثيوبيا وكوت د إفوارِ وكان خلفي في مجلس الأمن السفير يولي فورنتسوف في ذلك الوقت في إجازة، ومثل الاتحاد السوفيتي في هذا الاجتماع نائبه الدبلوماسي المجرب جدا لوزينسكي، حيث مثل بلادنا في المجلس خلال كل أغسطس تقريباِ
وفي الوقت الذي كان فيه رئيس مجلس الأمن يجري المشاورات المقررة في جدول أعماله ونواحي الجلسة المقبلة الأخرى مع أعضائه، كنا في موسكو نحلل بسرعة مشروع القرار الذي بعثه لوزينسكي ونعد مقترحاتنا الى القيادة وتعليماتنا له والخاصة بتصرفاته اللاحقةِ
بدأت جلسة مجلس الأمن الرسمية في الساعة الخامسة صباحا تقريبا بتوقيت نيويوركِ ووفقا لقوانين هيئة الأمم المتحدة دعوا ممثلي الكويت والعراق كطرفين معنيين مباشرة بالمشاركة في الجلسةِ
كانت كلمة ممثل الكويت محمد ابو الحسن الذي أعطيت له أولا انفعالية ومليئة بالإحساس بالغبن والحيرة بصدد هجوم 'العراق الشقيق' على الكويت التي ساعدته كثيرا في الحرب ضد إيرانِ وطالب عبد الحسن بالتدخل الفوري وسحب كافة القوات العراقيةِ وكان من الصعب انتظار كلمة أخرى منهِ
ألقى 11 عضوا في مجلس الأمن كلماتِ واعتمدت كلمة ممثل الاتحاد السوفيتي لوزينسكي على بيان الحكومة السوفيتية الذي تسنى لنا إحالته إليه بسرعةِ
اختتمت الجلسة في الساعة السابعة صباحا (الثالثة بعد الظهر بتوقيت موسكو) باتخاذ القرار 660 بالإجماعِ صوت مع القرار 14 عضوا (امتنع ممثل اليمن عن التصويت بسبب عدم توفر تعليمات له من حكومته حسب تصريحه)ِ
بالتالي حدد مجلس الأمن في اليوم الأول من الأزمة موقفه منها وصاغ مطالبه تجاه بغدادِ وكانت الفاعلية التي بدا عليها مجلس الأمن تتناسب مع حالة الطوارئ ذاتها التي وجدت فيها دولة صغيرة نفسها ضحية عدوان سافر ومباشر ولم يكن بوسعها مواجهة العدوان وواجهت خطر احتلال أراضيها بالكاملِ وكان من غير المسموح به التمهل في مثل هذا الوضعِ وأكد مجلس الأمن بأنه رد بالفعل على العدوان وبسرعة وبصورة مماثلة وأدى واجبه الملقى على عاتقه حسب ميثاق الأمم المتحدةِ وثمة حقيقة بسيطة ساعد انتهاء 'الحرب الباردة' الأمم المتحدة في انبثاق "'نفس ثان' وولد المقدمات لإنجاح رسالتها الرئيسية المتمثلة بالسهر على مصالح السلام الدولي والأمن العالميِ
وبما أنهم سيشيرون في المستقبل مرارا إلى القرار رقم 660 في الأمم المتحدة وخارجها، فمن الضروري النظر إليه: أعرب مجلس الأمن في مقدمة القرار عن قلقه من العدوان العراقي المسلح على الكويت ووصفه كخرق فاضح للسلام والأمن الدوليِ وكما نرى فهو وصف واقعي وموضوعيِ وجاء كذلك في بنود القرار بأن مجلس الأمن: 1 ـ يستنكر عدوان العراق على الكويتِ 2 ـ يطالب العراق بسحب جميع قواته الى المواقع التي كانت تشغلها في 1 أغسطس 1990 بلا تأجيل وبلا قيد أو شرطِ 3 ـ يدعو العراق والكويت الى البدء بمحادثات مكثفة من أجل تسوية خلافاتهما ويؤيد كافة الجهود في هذا الصدد وبالأخص الجهود التي قامت بها جامعة الدول العربيةِ 4 ـ تقرر عقد جلسة جديدة إذا اقتضى الأمر لأجل النظر ومتابعة تنفيذ هذا القرارِ
أعتقد بأنه حتى أكثر التفسيرات تعنتا لن تستطيع كشف مبادئ سياسية مفرطة في هذا القرار أو تعمد لإثارة رد فعل بغداد برفضهِ بل على العكس، حافظ على لهجة لبقة الى حدها الأقصى والمطالب الموجهة الى بغداد في حدها الأدنى: إعادة القوات الى مواقعها السابقة ِِ فحسبِ وأخيرا يتضمن القرار نصيحة طيبة تعطي بغداد مخرجا لائقا وحتى رشيقا من الوضع بالإشارة الى الجلوس خلف طاولة المباحثات، لا سيما ان مجلس الأمن وجه نداء مماثلا الى الكويت، بالرغم من أن إجراء المحادثات من قبل الكويت كجانب منكوب بعد العدوان العراقي مسألة محرجة سياسياِ
وفتحت الإشارة المتضمنة في القرار الى تأييد المجلس لجهود جامعة الدول العربية في دورها أمام بغداد قناة للتسوية الملائمة، إذا كانت أهدافها منصبة على الأراضي الحدودية والأموال فقطِ
وكان على العراق في أي حال من الأحوال القيام بخطوات جوابيةِ ولكن بغداد تجاهلت القرار، وحتى لم توقف تقدم قواتها في العمق الكويتي وسارت قدما لاحتلال البلد بأكملهِ
الاتصالات الدبلوماسية
لنعد الآن الى موسكو في 2 أغسطس نفسهِ
استدعيت ظهرا الى وزارة الخارجية السفير العراقي غافل جاسم حسينِ أولا، سلمته بيان الحكومة السوفيتية لنقله الى بغداد ورفقت معه بعض التعليقات: وصفت أعمال العراق كعدوان عسكري ونوهت بأن لهجة بياننا اللينة لا ينبغي أن تفسر بعدم استعدادنا لإعطاء التقدير المستحق علنا لهذه الأعمال في المستقبلِ وأشرت الى ضرورة انسحاب القوات العراقية بلا تأجيل وإعادة السيادة الكويتية بالكاملِ
ثانيا، أحلت الى السفير نص نداء القيادة السوفيتية الى الرئيس العراقي صدام حسينِ وأعرب فيه عن القلق العميق والأسف للعدوان العراقي المسلح ضد الكويتِ وفي غضون ذلك وصف هذه الأعمال كمخالفة صارخة للقانون الدوليِ وسلط البيان الضوء على العواقب الوخيمة الناجمة عن هذا الفعل على المستوى الدولي، آخذين بنظر الاعتبار حضور الأساطيل الأجنبية الى الخليجِ وأعرب فيه عن الأمل في أن العراق سيكف عن استعمال القوة العسكرية ضد الكويت وسيتخذ قراره المعقول الوحيد وهو سحب قواته من الكويت بلا تأجيل وبلا قيد أو شرط واللجوء الى حل المسائل المتنازع عليها بالطرق والآليات المعروفة في مثل هذه الأحوالِ وجاء في النداء ان الاتحاد السوفيتي مستعد لإبداء المساعدة في هذا الاتجاه، شرط أن يعاد الوضع كما كان عليه قبل كل شيءِ
ثالثا، لفت نظر السفير الى قرار مجلس الأمن المتخذ توا وأشرت الى أن الاتحاد السوفيتي صوت لصالحه وأنه يعبر عن وجهة نظرنا عن الحالة الناشئةِ وقلت للسفير إننا ندعو العراق للامتثال لهذا القرار والعمل على تنفيذه ورفضه يعتبر خطوة خطيرة، لا سيما انه يتطابق بشكل كامل مع البند السابع لميثاق الأمم المتحدة مع كل العواقب الحقوقية والسياسية المبنية على أساسهِ
رابعا، تناولت مع السفير مسألة إمدادات الأسلحة السوفيتية الى العراق وأكدت له انه في الظروف الراهنة طرح السؤال حول إمكانية استمرارها وأن الأمر ستناقشه الحكومة السوفيتية بجدِ وأعربت عن الأمل في أن القيادة العراقية ستأخذ بنظر الاعتبار هذه المسألة خلال تحديد موقفها من قرار مجلس الأمنِ
خامسا، طرحت قضية تأمين سلامة المواطنين السوفيت القاطنين في الكويت معربا عن أملي في أن حكومة العراق وقيادتها العسكرية ستتخذان كافة الإجراءات الضرورية لتحقيق ذلكِ
وأكد السفير انه سيطلع قيادته فورا على ما دار بينناِ وحاول الإثبات بدوره ان القوات العراقية دخلت الكويت بمطلب من المعارضة الكويتية التي هبت، كما زعم، ضد النظام الحاكمِ وأنه قد تشكلت في الكويت حكومة حرة جديدة وهي التي توجهت الى العراق بطلب مساعدة وأن القوات العراقية ستنسحب حال أن تستتب الأوضاعِ أجبته اننا سنستمر باعترافنا بتلك الحكومة التي كانت تحكم في الكويت حتى اليوم الراهنِ وأفهمته بوضوح أننا لا نثق بثبات الرواية التي تزعم بوجود معارضة توجهت من أجل الحصول على 'مساعدة'ِ وافترقنا عند هذه الجملةِ
ولا أظن انه كان يشعر بالارتياح النفسي وهو يعد البرقية العاجلة الى بغداد التي يعرض فيها موقف الاتحاد السوفيتي من عدوان بلاده على الكويتِ
ولم تنته أحداث اليوم الأول من الأزمة بذلك عندنا، فقد برز تطور هام: اقترح علينا الأميركان عقد لقاء عاجل وقصير بين بيكر وشيفرنادزه في موسكو في 3 أغسطس في طريق عودة وزير الخارجية الأميركي من منغوليا الى الولايات المتحدة وكذلك نشر بيان سوفيتي - أميركي مشترك خاص بالكويتِ
ولدت فكرة هذا اللقاء لدى الأميركان في موسكو وأخبر بها بيكر الرئيس بوش باتصاله الهاتفي من أولان باتور وحصل على استحسان رئيسهِ ولا أخفي أنه لحظتها كان ينتابنا بعض الترددِ فقد كان هناك قرار مجلس الأمن وأعلنت موسكو وواشنطن على انفراد بياناتهما الحكوميةِ وبدا أن هذا كان كافيا في البدايةِ ومن جهة أخرى، لم يبحث هذا الموضوع في إركوتسك تقريبا وتجلت الآن بوضوح أهداف العملية واسعة النطاق وثمة بالتالي مسألة بحاجة الى تبادل الآراءِ
في النهاية، أمر شيفرنادزه بعد أن تحدث بالهاتف مع غورباتشوف بتهيئة اللقاء ومشروع البيان المشتركِ وتم تكليف مساعد الوزير سِ تراسينكو ممثلا لطرفنا ودنيس روس، أحد أقرب الأشخاص لبيكر والخبير في شؤون الشرق الأوسط والذي وجد نفسه في تلك اللحظة في موسكو، ممثلا للطرف الأميركيِ
ولد البيان المشترك بمخاض عسير، لأن الأميركان كانوا يميلون الى استخدام كلمات وعبارات لاذعة من شأنها أن تعقد حوارنا مع بغداد في المستقبلِ وكان من الواجب الحفاظ على قناة الاتصال هذه في إطارها العامِ
وافقنا على المسودة الخامسة فقط وأبدينا موقفنا الملخص بأننا سنذود عن مصالحنا في الشرق الأوسط ولا يمكننا الانطلاق وفق المصالح الأميركية بالكاملِ ولهذا السبب أطلق بيكر في مذكراته الكثير من السهام نحو 'المستعربين في وزارة الخارجية السوفيتية'ِ
عددت في كتابه عشرين صفحة على الأقل وبمختلف الأسباب ملاحظات غير راضية بهذا الصدد مثل 'عناد المستعربين السوفيت' و'عواطفهم'، كما زعم، الموالية لصدام حسينِ
والتقيت في 3 أغسطس من جديد بالسفير الكويتي عبد المحسن يوسف الدعيج وأخبرته بالخطوات التي اتخذها الاتحاد السوفيتي من أجل إنهاء العدوان العراقي: بيان الحكومة وقرار إيقاف إمدادات الأسلحة وتصويتنا في مجلس الأمنِ وقد عرف السفير ذلك من صحف الصباح، بل سمع لأول مرة عن حديثي الذي دار أمس مع السفير العراقي وعن مضمون نداء القيادة السوفيتية الى صدام حسين شخصياِ
أبلغته كذلك أن السفراء السوفيت حصلوا على تعليمات كاملة بشأن تشكيل رأي عام واسع بغية التأثير على بغداد لغرض دفعها لتنفيذ قرار مجلس الأمن بلا تأجيلِ وحدثته عن لقاء شيفرنادزه المقبل مع بيكر واحتمال إعلان بيان مشترك الذي كما نأمل سيساعد المجتمع الدولي لحث العراق على سحب قواته بأسرع وقت من الكويتِ
شكر السفير من صميم قلبه الاتحاد السوفيتي على موقفه العادل والموضوعي، غير أنه لم يكن يشعر بالتفاؤل من آفاق التغلب السريع على الأزمةِ وأوضح موقفه لأول مرة بأن الجانب الكويتي مع الرأي الداعم لفكرة أن الحصار الاقتصادي وحظر تصدير النفط العراقي بالكامل ستكون أكثر الإجراءات فعالية للتأثير على بغدادِ
وبعد الحديث مع الدعيج، جاء دور السفير العراقي غافل جاسم حسينِ وبالاتفاق مع الوزير أبلغته أيضا عن وصول بيكر واحتمال صدور بيان سوفيتي - أميركي مشترك وأعلمته أنه قد ظهر في مجلس الأمن مشروع (غير رسمي حتى الآن) بإصدار قرار يفرض عقوبات اقتصادية واسعة على العراق في حالة عدم تنفيذه قرار مجلس الأمن القاضي بسحب القوات المسلحةِ وأشرت الى أنه تزداد في مجلس الأمن الرغبة لصالح اتخاذ مثل هذا القرار وقد يتخذ في غضون ال 48 ساعة القادمةِ لذلك سيعمل أي تهاون وتأجيل في سحب القوات العراقية من الكويت لصالح صدور قرار العقوباتِ
لا حل سريعا
لنلاحظ أن الاتحاد السوفيتي أراد حل الأزمة بوسائل غير عسكريةِ وينحصر في هذا معنى لقاء اليوم مع بيكرِ ولا ينبغي تجاهل احتمال نشوء وضع ستلجأ عنده الولايات المتحدة الى القوةِ
وتلخص جوهر كل ما قيل في أمر واحد: يجب أن تنصرفوا من الكويت في أسرع وقتِ ووعد السفير بإطلاع بغداد حالا على نتائج حوارناِ ولم يكن لديه أي شيء جديد بالنسبة لناِ
في الحقيقة لم نبن آمالا خاصة على حل سريع وسهل للأزمة بعد أن كشفت بغداد من خلال تصريحاتها وتفسيراتها في بغداد والأمم المتحدة عن حقيقة نواياها حيال الكويتِ فقد وقع كل البلد عمليا تحت الاحتلال العراقيِ ودلت البرقيات الواردة من السفارة (يقصد السفارة السوفيتية في الكويت ولم يحددها سهوا على الأرجح) على أن الاجتياح كان مفاجئا وبلا أي استفزاز من الجانب الكويتيِ وكانت التأكيدات العراقية حول اندلاع الثورة الكويتية وتأسيس حكومة جديدة التي عجلت من دخول القوات العراقية، كما يزعمون، لمساعدتها، ليست سوى كذب مكشوفِ
لم يكن لكل هذه التطورات، إلا أن تنعكس على لقاء رئيسي دائرتي السياسة الخارجية السوفيتية والأميركية المنعقد في مساء 3 أغسطس في المطار الموسكوفي " فنوكوفو - 2 "ِ وأوضح شيفرنادزه وبيكر في كتابيهما أفكارهما وانفعالاتهما ولم يتطرقا الى محتوى أحاديثهما بصدد الواقعة نفسها في هذه المرحلة المبكرة والهامة والحرجة جدا للأزمة والتي أرسى فيها الأساس للتعامل السوفيتي - الأميركي معهاِ وإن حدد كل من الطرفين موقفه المبدئي ومطالبه تجاه بغداد بشكل مستقل تماما، فإن اللقاء في مطار " فنوكوفو " مكن من المقارنة بين هذين الموقفين وعملية تبادل المعلومات وأوضح نوايا بعضهما البعض بصدد الأزمة والاتفاق على التعامل ومقاييسه واتجاهات الجهود الرئيسية لدعمهِ وكما يشهد بيكر بنفسه، حصل شيفرنادزه منه على تأكيد بخصوص عدم وجود نية للولايات المتحدة للجوء والانتقال الى الأعمال الحربيةِ وقد يحدث استثناء واحد، إذا اقتضى الأمر، لإنقاذ مواطنيها على وجه السرعة فحسبِ
وركز في البيان المشترك الخاص بنتائج اللقاء على الاهتمام بتنفيذ قرار مجلس الأمن 660 فوراِ وبرز عنصر جديد، بالإشارة الى ضرورة إعادة الحكم الشرعي في الكويتِ ووجه الى بغداد الإنذار بأن 'المجتمع الدولي لا يستطيع التسليم بالعدوان أو أن يساعده'ِ
وشدد شيفرنادزه في المؤتمر الصحافي المنعقد في المطار على هذا الإنذار بقوله: إذا لم ينفذ العراق قرار مجلس الأمن 660 فسيطرح في جدول أعماله مشروع قرار آخر يكون الأساس لاتخاذ الإجراءات المناسبةِ وأشار الى أنه لا توجد للاتحاد السوفيتي خطط للتدخل العسكريِ
وأريد هنا التوقف عند مسألة، فقد حدد بيكر في مذكراته مواقف الطرفين والإعداد للقاء الذي تم على النحو الذي ذكرناهِ وأعطى الانطباع بأن قرار إيقاف إمدادات الأسلحة الى العراق جاء بفضل الدبلوماسية الأميركية التي بذلت، كما زعم، قصارى جهدها لحث الاتحاد السوفيتي على الموافقة لإصدار البيانِ ولم تنبس شفتا بيكر بحقيقة أن الاتحاد السوفيتي اتخذ قرار عدم توريد الأسلحة من طرف واحد وأعلنه قبل يوم من لقاء 'فنوككوفو - 2'ِ وإذا استند الاتحاد السوفيتي على منطق الأشياء في اتخاذ قراره هذا، فعلى مصدري الأسلحة الآخرين الاحتذاء حذوهِ ولم تنحصر القضية في أن القرار كان رسالة الى الآخرين، بل في أن القرار بقي بدون رد فعل منهمِ ولهذا السبب طرح شيفرنادزه أمام بيكر موقف فرنسا التي تعتبر البلد الثاني بعد الاتحاد السوفيتي من حيث إمداد العراق بالأسلحةِ وبعد أن أعطى بيكر ضمانات بأن باريس سترد إيجابيا على البيان، أكد أن مبعوثا أميركيا قد أرسل في مهمة مماثلة الى المورد الثالث من حيث الكمية وهو الصينِ وبعد هذه التأكيدات رفع القوسان من الفقرة التي تضمنتها مسودة البيان السوفيتي - الأميركي المشترك والموجه الى البلدان الثالثةِ
وطالما عرجت على مذكرات جيمس بيكر، فلابد الإشارة الى مسألة هامة وقد تكون متحيزة ( أو متصنعة ) عندما كان يظهر وزير الخارجية الأميركية على طريقة ال " شو " الأميركية بأنه المخرج الرئيسي للأحداثِ وقولي هذا ليس للاستخفاف ولا لتقليل دور الولايات المتحدة بالمرة، فقد كان فاعلا وكبيرا ورئيسيا في بعض النواحيِ وكان بيكر يعمل في الكثير من الحالات بنشاط ودقة، وكما يقال فإنه جدير بالثناء والمديحِ غير أن سلوك الدول الأخرى إزاء الأزمة الكويتية بهذه الصورة أو تلك لم يكن متطابقا مع إرادة واشنطن، بل اتخذت مواقفها مع ما تمليها مصالحها الخاصة ورؤية بلدهاِ ويخص هذا الكيفية التي تعاملت بها موسكو مع مجريات الأحداثِ وضع لقاء " فنوكوفو - 2 " حيث تم الاتفاق على إجراء مشاورات سوفيتية - أميركية وثيقة خاصة بأزمة الكويت، البداية لسلسلة طويلة ومكثفة للاتصالات التي جرت في موسكو وواشنطن ونيويورك وكذلك من خلال تبادل الرسائل والاتصالات الهاتفية بين رئيسي الدولتين ووزيري الخارجيةِ ويكفي القول أن 11 اتصالا هاتفيا تمت بين شيفرنادزه وبيكر جرت في أغسطس 1990 وحدهِ وكان علي في هذه الناحية وبصورة رئيسية أن أجري الاتصالات مع سفير الولايات المتحدة في موسكو جاك ميتلوكِ
(يتبع)
الحلقة الخامسة:
ما جرى في الغرب والعالم العربي

كلمة مندوب العراق

لكن ما أذهل بالفعل أعضاء مجلس الأمن كانت الكلمة الجوابية لممثل العراقِ أوردها بالكامل تقريبا بسبب إيجازها (وترجمتها من اللغة الإنكليزية) جاء فيها : 'يتلخص موقف حكومة بلدي فيما يلي:
أولا، تعتبر الأحداث الجارية في الكويت شأنا داخليا يخصها وليس للعراق علاقة بهاِ
ثانيا، توجهت حكومة الكويت المؤقتة الحرة الى حكومتي بطلب المساعدة في إحلال الأمن والنظام لكي لا يضطر الكويتيون للمعاناةِ واضطرت حكومتي الى تقديم مثل هذه المساعدة على أساس الطلب المذكورِ
ثالثا، تعلن حكومة العراق بشكل قاطع أن ليس لديها أطماع في الكويت وترغب في بناء علاقات حسن جوار معهاِ
رابعا، سيحدد الكويتيون بأنفسهم مستقبلهم في نهاية الأمرِ وستسحب القوات المسلحة العراقية فورا بعد استتاب النظام الذي يعد مطلب حكومة الكويت المؤقتة الحرةِ ونأمل أن ذلك سيتحقق خلال أيام أو بضعة أسابيعِ
خامسا، كما نعلم، تم إسقاط الحكومة الكويتية وهناك الآن حكومة جديدةِ وبناء على ذلك لا يمثلها الشخص الذي يشغل هنا مكان الكويت ولا يمكن أن تسري تصريحاتهِ
من اليسر ملاحظة أن أيا من تأكيدات ممثل العراق الواردة أعلاه لا تمت بأي شكل الى الحقيقة: لم يكن هناك إسقاط للحكومة الشرعية من قبل كويتيين ولا طلب مساعدة من قبل حكومة الكويت الحرة لأن مثل هذه الحكومة غير موجودة ببساطةِ ولا توجد حاجة لتوفير الأمن والنظام في الكويت لأنه لم يخل أحد بالنظام ولم يهدد الأمنِ ولم تكن ثمة حاجة لإنقاذ الكويتيين من المعاناة، لأن كل بلد كان يحسد ظروف الحياة في الكويتِ ولم يتمكن، بالطبع، إثارة أي شيء سوى الضحك، ما ذكر في البداية بأن أحداث الكويت ليست لها علاقة بالعراقِ
غير أن التناقض الأكبر، لم ينحصر في كذب البيان العراقي، بل في دعاية بغداد الرسمية التي بدأت بعد عدة أيام وبرهنت على شيء مخالف تماما وهو، أن كل شيء يجري في الكويت هو شأن عراقي داخلي فالكويت هي جزء من العراق الواحدِ وأزاح العراقيون ستر الدخان التي كانوا ينفثونها في الأمم المتحدة مثل 'أن حكومة العراق ليست لها أغراض في الكويت 'وأنها ' ترغب في بناء علاقات حسن جوار مع الكويت'ِ
لقد وقعت تصريحات ممثل العراق على أعضاء مجلس الأمن كالكرب، وسقطت في الحال.

الكرملين وأزمةالكويت (5)

تابعنا في وزارة الخارجية بصورة دقيقة ردود الفعل العالمية على العدوان العراقي ضد الكويتِ واعتمدنا في هذا الصدد على تصريحات المسؤولين الكبار والمعلومات والأخبار الواردة من سفاراتنا ووكالات الأنباء وآراء ممثلي البعثات الدبلوماسية العاملة في موسكو ومصادر أخرىِ وكان من الواضح فورا أن الغرب أجمع على ادانة وعدم قبول الفعل العراقي قطعياِ وفي غضون ذلك لم تعط الحكومات الغربية تقديرها السياسي والحقوقي بذلك الحزم فحسب، بل كانت تتخذ اجراءات عملية موجهة الى حماية مصالح الكويت الاقتصادية والمالية والضغط على العراقِ وفرضت بعض البلدان العقوبات دون أن تنتظر قرارات الأمم المتحدة ومن طرف واحدِ واتخذت بلدان الاتحاد الأوروبي قرارا جماعيا في هذا الشأن وأخبرنا به سفير ايطاليا كونه ممثل البلد الذي يترأس الاتحاد في دورته الحاليةِ
وتطورت الأحداث في الولايات المتحدة على النحو التالي: في صباح 2 أغسطس سافر الرئيس بوش الى ولاية كولورادو لحضور مراسم منح جائزة معهد أسبين لرئيسة وزراء بريطانيا مرغريت تاتشرِ واتفق جميع الباحثين الغربيين على أن لقاءات بوش وتاتشر في أسبين وأحاديثهما الطويلة لعبت دورا كبيرا جدا في تحديد موقف الرئيس الأميركي من أزمة الكويت وطرق التغلب عليهاِ
كان بوسع العربية السعودية وحدها، كونها البلد الوحيد الذي يجاور الكويت وفي الوقت نفسه لها حدود خاصة مع العراق، في أن تكون مجالا طبيعيا وأكثر ملاءمة لتركيز ونشر القواتِ وركز الرئيس الأميركي بعد اعطائه أوامره بمرابطة حاملات الطائرات الأميركية في منطقة الخليج جل اهتمامه على السعودية وغيرها من البلدان العربية الرئيسية التي كانت الكثير من الأمور تتعلق بمواقفهاِ
وكان العالم العربي، أو بعبارة أخرى، مجموعة البلدان التي يجمعها الدين واللغة والتقاليد والثقافة المشتركة في تسعينات القرن العشرين مختلفة عن بعضها بشكل ملموس، ليس بمقدار ما تمتلكه من أراض وسكان فحسب، بل بطراز الدولة والأنظمة السياسية ومستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي وتوجه السياسة الخارجية وبعض المقاييس الأخرى أيضاِ وكانت العلاقات تتشكل بتباين فيما بينها، ونقصد في المقام الأول عواطف النخب الحاكمة وتنافرهاِ وفي خلفية حدث غير عادي كاستيلاء العراق على الكويت، لم تكن ردود أفعالها ذات مدلول واحد وتغيرت بناء على سير الأحداث ونتيجة لتأثير القوى الخارجية العربية وغير العربية على السواءِ
وأصبح الاستيلاء على الكويت بالنسبة للكثيرين، وخاصة الأكثرية في بلدان الخليج، صدمة مروعةِ ولم يعلنوا في بلدان الخليج لا في الصحافة ولا في التلفزيون أو الاذاعة أي شيء عما حصل خلال عدة أيامِ ولكن هذا الصمت عوضته المكالمات الهاتفية بين رؤساء الدول والوزراء في محاولة لاستيضاح ما يحدث والبحث عن وسائل للتصرف لاحقاِ وكانت بغداد بطبيعة الحال، في غضون ذلك، مركزا لجذب الاهتمام العام حيث توقف عليها كل شيءِ
غير أن بغداد اتخذت أسلوب العجرفة والتحدي كأنها تفهم الجميع موقعها في العالم العربيِ
وكما حدثني الأمير السعودي بندر، حاول الملك فهد بلا جدوى في تلك الليلة عندما شن العدوان الاتصال هاتفيا بصدام حسينِ وتسنى له ذلك في اليوم التالي فقطِ طلب الملك منه أن يسحب القوات بلا تأجيل وحاول اقناعه بضرورة حل المشاكل بين الدول العربية بالوسائل السلميةِ غير أن الرئيس العراقي، حسب قول بندر، رد بسخرية وحول مجرى الحديث الى مواضيع أخرىِ
وكما حدثني السفير الجزائري في موسكو عن محاولة أخرى قام بها الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد في اليوم التاليِ وحسب أقوال السفير، طالب بن جديد في مكالمة هاتفية صدام حسين بسحب القوات فورا من الأراضي الكويتيةِ ولم يتلق جوابا مرضياِ وبعدها أجرى اتصالاته كونه رئيس اتحاد المغرب العربي مع رؤساء هذه الدول لغرض تنسيق المواقفِ
وكان حديث الرئيس العراقي مع ملك الأردن في صباح 2 أغسطس مميزا جدا أيضاِ وحسب قول الملك الأردني أنذره صدام بأن الحديث لن يدور حول سحب القوات العراقية من الكويت اذا حاول العرب ادانة بغداد بسبب تدخلها في الكويتِ
وصل الملك حسين الى الاسكندرية، حيث كان فيها الرئيس المصري حسني مبارك في ذلك الوقت ليحيل اليه الانذارِ وكان حسني مبارك غاضبا من الزعيم العراقي لأنه يظن بأنه خدعه عندما وعده بعدم استخدام القوة ضد الكويتِ ومع ذلك رأى الرئيس المصري حل مشكلة الكويت بسرعة، لاسيما ان وزراء الخارجية العرب أخذوا بالتوافد على القاهرةِ وطلب من الملك حسين أن يذهب بلا ابطاء الى بغداد ويتفق على عقد لقاء قمة عربي مصغر بمشاركة صدام حسين ورؤساء دول الخليج العربية ومصر والأردنِ واقترح مبارك أن تتم تسوية الأزمة التي هي هدف لقاء القمة الرئيسي بالشكل التالي: تترك القوات العراقية الكويت ويعود آل الصباح الى هناك وبعد ذلك تجرى المحادثات العراقية الكويتية بتلميح مسبق بأنها سترضي العراقِ
وبينما كان مبارك والملك حسين يتحادثان في الأسكندرية اتصل الرئيس الأميركي جورج بوش هاتفيا بالرئيس مبارك، الأمر الذي مكنه التحدث مع الزعيمين العربيين في آن واحدِ وكتب الرئيس الأميركي فيما بعد حول هذا الحديث ما يلي:
'أخبرني الملك حسين بأنه ينوي زيارة السعودية والعراق فوراِ وقال لي: أبتهل اليكم يا سيدي أن تحافظوا على اطمئنانكمِ نود العمل لحل الأزمة في الاطار العربي وايجاد السبل التي من شأنها وضع الأسس لمستقبل أحسن'ِ
قلت للملك ان العالم لن يقبل الوضع الراهن وأنه غير مقبول للولايات المتحدةِ وقلت له: انني على يقين بأن صدام حسين يعرف هذا ولكن تستطيعون ابلاغه به باسميِ
أجاب الملك قائلا ان العراق مليئة عزما على مغادرة الكويت بأسرع وقت ممكن وربما خلال عدة أيامِ ووعد بالتوصل لتحقيق ذلكِ وأوضح مبارك انهم سيحاولون اتخاذ قرار بسحب القوات ولا يغفل حكومة الكويتِ وطلب مني: جورج أعطنا يومين لأجل بحث هذا القرارِ
تحدثت عن الاجراءات الاقتصادية المتخذة من قبلنا وقلت: قد ينشأ استثناء واحد بالطبع، اذا برز خطر ما بالنسبة للأميركان حيث سيكون كل شيء على نحو آخرِ
أيد حسني مبارك العقوبات ـ وان لم أطرح هذه المسألة خصيصا ـ وقال: سأتكلم مع صدام حسين وسأبقي اتصالاتي مع السعوديينِ قلت: هذا مهم جداِ قولوا من فضلكم لصدام حسين إن الولايات المتحدة مهمومة جدا جراء تصرفاته وكذلك الدول الأخرى ستسعى في هذا الشأنِ وتعرفون يا صديقي ماذا يعني هذاِ قولوا ذلك لصدام اذا شئتمِ وأجاب حسني مبارك بأنه سيقوم بذلكِ
يتضح الآن أن خطة حسني مبارك افترضت حل الأزمة عن طريق ايجاد حلول وسطِ وأخذ الملك حسين وان كان ذلك بلا حماس، على عاتقه نقل الرسالة المقترحة عليهِ لكنه كف عن مناقشة خطة مبارك كما قال ذلك بنفسه فيما بعد واحتار في مسألة طرح فكرة عقد لقاء القمة المصغرِ
بقي أمامنا أن نظن بأن الملك حسين اما كان يعرف نوايا صدام حسين أو توقعها أو انطلق من استحالة التوصل الى اتفاق معه حول اعادة الحكم الشرعي الى الكويتِ
هكذا فشلت المحاولة الأولى الرامية إلى ايجاد 'الحل العربي' لمشكلة تحرير الكويتِ وأكد بيان لمجلس قيادة الثورة العراقي المذاع من راديو بغداد في 3 أغسطس على أن بغداد لا تنوي البحث عن حلول وسطِ واستبعد هذا البيان امكان عودة عائلة الصباح الحاكمة الى وطنها الكويتِ ووعد في البدء بسحب القوات العرقية في 5 أغسطسِ
قوض رفض بغداد النظر في اعادة السلطة الشرعية الى الكويت في جوهر الأمر، فرصة البحث الناجح عن حل وسط في الاطار العربي أو الشامل على السواءِ
وفي هذه الأثناء، اتخذ مجلس جامعة الدول العربية المنعقد في 2 أغسطس بطلب من الكويت بعد جدال طويل قرارا استنكر فيه 'العدوان العراقي' على دولة الكويت و'سفك الدماء وتدمير الممتلكات' ودعا العراق الى 'سحب قواته فورا وبلا قيد أو شرط الى المواقع التي كانت تحتلها في 1 أغسطس'ِ
صوت العراق واليمن وموريتانيا والسودان ضد القرار وامتنعت منظمة التحرير الفلسطينية والأردن عن التصويت وغابت ليبيا عن حضور الجلسةِ وأثرت عوامل كثيرة على توزيع الأصوات: البعد الجغرافي عن مركز الأحداث، طبيعة العلاقات مع العراق (كان العراق يقدم مساعدات مالية وعسكرية لبعض البلدان العربية وخاصة موريتانيا والسودان) وخصائص الموقف من النظام القائم في الكويتِِِالخِ
ومن الهام أن مجلس جامعة الدول العربية اتخذ القرار نفسه الذي اتخذه قبل ساعات مجلس الأمن الدوليِ وبذلك أرسيت البداية لتشكيل موقف موحد بين الأمم المتحدة كمنظمة دولية وجامعة الدول العربية كمنظمة إقليمية لغرض إيجاد الطرق والوسائل لإعادة السلام والأمن اللذين خرقا بالعدوان العراقيِ
وبدأت الدول العربية تعرب عن موقفها السلبي مما حدث على انفراد أيضاِ وكانت سوريا في مقدمة الدول التي استنكرت أفعال بغداد بحزم وطالبت بمغادرتها فورا من الكويتِ وأعربت عن موقفها في نهاية الأمر، علنا باقي الدول العربية، بل عملت ذلك في مختلف المجالاتِ ولكنه من المميز أن أيا من الحكومات العربية، حتى تلك التي تتعاطف مع بغداد لم تؤيد علنا العدوان العراقيِ
وجدت المملكة العربية السعودية نفسها، بطبيعة الحال، في حالة معقدة للغاية والأكثر حساسيةِ فقد كانت تشعر بالأمان النسبي وترى أن الخطر الخارجي الرئيسي ضدها مصدره إيران ويشوب علاقاتها مع اليمن بعض النفور وكانت تخشى الطائرات الإسرائيليةِ وكانت ترى في العراق على الدوام الصديق والحليف تقريبا، لاسيما ان الرياض قدمت للعراق خلال حربها ضد إيران مبالغ بلا مقابل و قروضا تقدر بنحو 16 مليار دولارِ وسمح كل ذلك للملكة العربية السعودية وهي بلد سكانه 11 مليون نسمة وغني جدا أن تكتفي بقوات مسلحة مرصوصة جدا: 40 ألف شخص في القوات البرية و 250 دبابة و140 طائرة و 35 ألف شخص في الحرس الوطني (وهو عبارة عن فصائل بدوية مزودة بالأسلحة الخفيفة أساسا)ِ
لا يمكن حتى الحديث على أن هذه القوات تستطيع مواجهة قوة العراق العسكرية إذا أرادت بغداد مواصلة القفز نحو الجنوب، حيث تناسب القوات البرية السعودية والعراقية 1 الى 17ِ وكانوا في الرياض يدركون ذلك جيداِ
وفي 3 أغسطس تسربت إحدى الوحدات العسكرية العراقية الى الأراضي السعودية بحدود 10 كيلومترات تقريبا، الأمر الذي دفع رئيس هيئة الأركان السعودية الى الاتصال على عجل عبر الخط الساخن مع نظيره العراقيِ واعتذر الجانب العراقي وحتى وجه 'فاكس' أكد فيه بأنه 'إذا أدخل جندي عراقي واحد أصبعه عبر الحدود فسيقطعون يده كلها'ِ
غير أن التدخل تكرر في مكان آخر بعد 6 ساعات ولم يرغب أحد من المسؤولين العراقيين هذه المرة، الإجابة على تلفون الجنرال السعوديِ وبعد 6 ساعات أخرى حصل تدخل آخر وفي هذه المرة قطع الخط الساخن تماماِ
من المفهوم أن مظاهر استعراض القوة هذه (مهما كانت بواعثها) تثير الشك في متانة معاهدة عدم الاعتداء الموقعة بين البلدين عام 1989 وتأكيدات نائب رئيس مجلس قيادة الثورة عزة إبراهيم الذي زار السعودية في 3 أغسطس بعد المكالمة الهاتفية التي أجراها الملك فهد وصدام حسين، حيث دل تصريحه القاطع باسم صدام حسين بأن التغييرات الجارية في الكويت لا رجعة فيها وأن السعودية ستضطر للعيش من الآن فصاعدا تحت سيف ديموقليس التوسع العراقي وبالأخص أن الطريق الى الإمارات العربية المتحدة التي كانت بغداد تتهمها الى جانب الكويت بالمشاركة في المؤامرة المعادية للعراق، يمر عبر السعوديةِ
أجرى الرئيس جورج بوش أول حديث هاتفي (بعد الاستيلاء على الكويت) مع الملك فهد من أسبين في 2 أغسطسِ ويتذكر بوش قائلا: 'كان الملك مستعجلا وكان المترجم يلحقه بصعوبةِ تحدث فهد انه حاول قبل الضربة العراقية حل التناقضات العراقية ـ الكويتية وكان كلا الطرفين يعربان في سير المحادثات عن استعدادهما لذلكِ وحتى أن صدام أكد للسعوديين انه لا توجد لديه اهتمامات بالاعتداء على الكويتِ ونوه الملك بغضب بأن صدام تصرف على العكس من ذلك تماما، لأنه مغرور ولا يدرك عواقب أعماله التي أخلت بالنظام الدولي ويفكر فقط بمصالحه الشخصيةِ وقال الملك: آمل في حل القضية بوسائل سلميةِ وإذا لم يحدث ذلك فيجب تلقينه درسا قاسيا لكي يحفظه مدى الحياة إذا بقي حيا'ِ
اقترح بوش في سير الحديث على الملك بإرسال سرب من طائرات 'أف 15' الى السعودية واستغرب من أن الملك لم يستعجل في قول: نعمِ بل اقترح العودة الى هذه المسألة فيما بعدِ
درس لا ينساه
كان الملك فهد مترددا وليس في الأمر ما يدعو الى الاستغرابِ فقد كانوا في السعودية يفضلون دائما أن تكون القوات الأميركية قريبة بما فيه الكفاية، ولكن أن تكون 'وراء الأفق'ِ وكان حضور القوات الأجنبية ولاسيما غير الإسلامية يحرج الملك السعودي بصفته خادم الحرمين الشريفينِ ولم يتناسب وجود الأجانب مع التقاليد المحافظة ونمط حياة السعوديين أنفسهمِ زد على ذلك، كان من الواضح أن نشر القوات الأميركية في السعودية سيجر وراءه تلقائيا حالة عداء حاد ومواجهة مع بغداد طالما يوجد هناك صدام حسينِ وكانت هناك مخاوف وشكوك أخرى: هل كانت الولايات المتحدة مستعدة لإرسال قوات كبيرة بما فيه الكفاية وإبقائها في الجزيرة العربية حتى حل النزاع؟ ألا يحصل كما جرى في لبنان عندما فجروا الثكنة الأميركية الأمر الذي أدى الى سحب القوات الأميركية بسرعة؟ هل سيغادر الأميركان السعودية بعد حل الأزمة؟ِ
هذه المسائل وقضايا أخرى كانت موضوع بعض المكالمات الهاتفية بين بوش وفهد في فترة 2 ـ 5 أغسطسِ ووافقت السعودية في نهاية الأمر بعد أن شعرت بجدية المعلومات حول تركيز القوات العراقية قرب الحدود معها، على زيارة وزير الدفاع الأميركي ديك تشيني وقائد القوات المسلحة الأميركية الجنرال شفارتزكوف لجدة حيث كان الملك فهدِ
جعلت معطيات الاستطلاع الفضائي عن الوحدات العراقية من الدبابات والأخرى الآلية وصواريخ 'أرض ـ أرض' عند الحدود مقرونة بالإيضاحات والتأكيدات الأميركية، الملك فهد يميل الى صالح الطلب الرسمي الى الولايات المتحدة بإرسال قواتها المسلحة من أجل الدفاع عن أمن السعوديةِ وفي غضون ذلك طلبت القيادة السعودية عدم إعلان إرسال القوات حتى وصول الوحدات الأمامية الى أراضي البلد بالفعلِ ووقعت معاهدة التزمت الولايات المتحدة بموجبها سحب قواتها بطلب من السعوديةِ
هكذا أعطي 'الضوء الأخضر' لما سيسمى فيما بعد بعملية 'عاصفة الصحراء'ِ
جرى كل هذا سرا لمدة ماِ وأطلعوا موسكو عليه قبل يوم واحد من كلمة جورج بوش التي أعلن فيها عن إرسال القوات الى السعوديةِ
أيدت دول الخليج العربية الأخرى دعوة القوات المسلحة الأميركية بالإجماع لشعورها بالتهديد وأصبحت فيما بعد رأس الجسر لنشرهاِ
في المراحل الأولى للأزمة كان يلفت النظر بالأخص الموقف الموالي للعراق لعدد من أعضاء جامعة الدول العربيةِ وإذ لم تكن موريتانيا والسودان في هذه الناحية نشطين سياسيا (صوتا لصالح العراق ربما امتنانا له)، فلا يمكننا قول الأمر نفسه عن الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية واليمنِ
سعى الملك حسين لحل المشكلة بطريقة عائلية وبين الدوائر العربية ورأى الحل العربي بسحب بغداد قواتها من الكويت مع بقاء الحكومة المؤقتة الموالية للعراقِ وكان لزعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات طريقته للحل العربي المتلخصة في انسحاب العراق من الكويت لقاء مبلغ لا بأس به والحصول على جزيرتي وربة وبوبيان وتجري في الكويت انتخابات تحدد شكل نظام الحكم الجديدِ
بالتالي لم تقض الطريقة الأولى ولا الثانية على وجوب عودة النظام السابقِ
كيف كنا نفسر هذا السلوك غير المقاس آخذين في الاعتبار نعومة الرجلين السياسيين المعروفين؟ِ
كان الملك حسين في عام 1990 بعمر 54 سنة يجلس على العرش 38 سنة ويعتبر بحق أكثر رجال السياسة حصافة في الشرق الأوسطِ فلماذا أظهر هذا الميلان الواضح الى جانب بغداد؟ِ
كنا نرى السبب الرئيسي في الارتباط الاقتصادي الكبير للأردن مع العراقِ حيث تحصل على 95 % من النفط الضروري لها من العراق وبسعر منخفض للغاية يصل أحيانا الى دولارين للبرميل الواحدِ بالإضافة الى الإعانة المجانية السنوية من بغداد البالغة 50 مليون دولار وقرابة 800 مليون دولار كانت العمالة الأردنية تحولها سنويا الى عائلاتها (الأردنيين والفلسطينيين) والدخل الناتج من ميناء العقبة الذي كان 45 % من الواردات العراقية تمر منهِ بالتالي إذا ولت بغداد ظهرها لعمان فإن متاعب كبيرة ستلحق بالأردنِ ولم يكن في وسع الملك حسين ألا يأخذ في الاعتبار خاصية بلده الذي يعتبر أكثر من نصف سكانه من الفلسطينيين الذين يكنون عواطف حسنة تجاه بغدادِ وأصل هذه العواطف أملهم في أن العراق القوي عسكريا سيسترجع يوما ما أراضيهم المغتصبة من إسرائيلِ ولعل ثمة شيئا آخر حدد ولاء الملك حسين الى بغداد وهو موقفه الشخصي من صدام حسين وربما كان هناك شيء آخرِ
أما ياسر عرفات فمن المرجح أنه كان يرى في قوة العراق فائدة للقضية الفلسطينية وفي تغيير النظام السياسي في الكويت فائدة لتعديل الوضع الحقوقي والاجتماعي للفلسطينيين فيها وتحويلهم الى قوة سياسية ذات نفوذ (بلغ عدد الفلسطينيين في الكويت حسب مختلف التقديرات 300 ـ 400 ألف نسمة وهم أكبر جالية أجنبية)ِ
وحسب 'واشنطن بوست' وجه ياسر عرفات في 7 أغسطس الى صدام حسين برقية تهنئة بصدد أحداث الكويتِ ويمكننا الاعتقاد بأن ياسر عرفات لم يدرك وقتها أنه ارتكب خطأ كبيرا عندما عانق الرئيس العراقي أمام الكاميرات في اليوم التالي من الاستيلاء على الكويت وكان يدفع فيما بعد بحلوله للأزمة الموالية للعراقِ
أدار أغلبية الزعماء العرب وجوههم عن عرفاتِ وفقدت الجالية الفلسطينية في الكويت العمل بسبب الشلل الكامل في الحياة الاقتصادية الذي أصاب البلاد، وسيظهر إفلاس رهان عرفات على العراق أكثر فأكثر (جراء عزل بغداد من قبل المجتمع الدولي)ِ وستمضي شهور عديدة قبل أن يبدأ عرفات بتغيير نهجه خلسة وبالتدريج آخذا في الاعتبار مواقف الفلسطينيين العاديين الساكنين في العراقِ
وكانت اليمن تتمسك بموقف خاص طوال الأزمةِ زار الرئيس صالح بغداد في 4 أغسطس حيث صور معانقا صدام حسينِ وأعلنت وكالة الأنباء العراقية بأن الرئيس اليمني استحسن أعمال العراقِ ويصعب القول إن كان الأمر على هذا النحوِ وبدأت القيادة اليمنية تصرح لاحقا بأن مواقفها حيادية من النزاع وتسعى للعب دور الوسيطِ غير أن عواطفها الموالية للعراق والمعادية للسعودية لم تكن خافية على أحدِ
غير أن الجو السياسي في العالم العربي في ذلك الوقت حددته بقدر أكبر شخصيات أخرى بالمقام الأول: مبارك والأسد وفهدِ
ومع اتفاق الدوائر الرسمية وغالبية النخب العربية في الرأي على أن العراق خرق بقسوة النظام الدولي وقواعد العلاقات بين الدول العربية، فإن المجتمع العربي نفسه حمل عقليات مختلفة (توجد بشكل جزئي لحد الآن)ِ ومن المرح أن عواطف 'الشارع العربي' في البلدان الفقيرة كانت الى جانب صدام حسين بفضل شعاراته التي كان يوجهها من أجل الحصول على الشعبية وخاصة تلك المتعلقة بإعادة توزيع الثروة النفطيةِ وتقوت هذه العواطف بعدما انتقلت المواجهة بين العراق والولايات المتحدةِ
ومع ذلك، قدر ما كانت الأزمة تطول، ازدادت عزلة العراق الدوليةِ فقد استنكر العدوان العراقي عدا مجلس الأمن وجامعة الدول العربية، الجمعية العامة للأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة الدول الأميركية والاتحاد الأوروبي وبعض المنظمات الدولية والإقليمية الأخرىِ
واتخذت اللجنة الأولمبية الآسيوية بالإجماع في 8 سبتمبر قرارا حظر مشاركة العراق في الألعاب الآسيوية التي كان مقررا إجراؤها في بكين خريف 1990. ولن نبالغ في القول في أن بغداد وقعت في مرحلة الأزمة الكويتية في عزلة دولية شاملة تقريبا لم تستطع التغلب على عواقبها حتى مرور سنوات كثيرةِ

موقف تاتشر الحاسم

كانت تاتشر تترأس الى غاية هذه اللحظة الحكومة البريطانية وحجزت لها بشكل ثابت لقب 'السيدة الحديدية'، ممتلكة سمعة السياسي الصارم والحاسم المستعد لاتخاذ أكثر المواقف حزما والاجراءات من أجل الدفاع عن المصالح البريطانيةِ وأصبحت الحرب في سبيل الدفاع عن جزر الفوكلاند البعيدة التي حاولت الأرجنتين استردادها من بريطانيا رمزا لعقيدة تاتشر السياسيةِ وتجلى وفاؤها لهذه العقيدة الآن أيضا عندما ولد العدوان العراقي على الكويت الخطر بتقويض مواقف انكلترا في منطقة الخليجِ تلك المواقف الآخذة بالضعف بعد الحرب العالمية الثانيةِ وكانت وصفتها قطعية: ينبغي مواجهة القوة بالقوة وحمل العراق على سحب قواته من الكويت، ان اقتضى الأمر، بقوة السلاحِ واقترحت تاتشر بلا تردد على بوش مشاركة القوات الانكليزية في تحالف ضد صدام حسينِ وقالت في خطابها في أسبين ان الاحتلال 'تحد صارخ لمبادئ الأمم المتحدة ولو سمحنا بتحقيقه فلن يشعر بلد صغير بالأمان حيث ستسود شريعة الغاب'ِ
من غير الواضح فيما اذا كان الرئيس بوش قد اتخذ قراره النهائي والمصيري في أسبين أو بعد يومين بادراج مسألة الضغط العسكري المكثف على بغداد اضافة الى الضغط السياسي والاقتصاديِ والمهم أن نهج مواجهة العراق العسكرية قد أقر، غير أن تجسيده عمليا اصطدم حالا بمشكلة رأس الجسرِ

الأحد، 12 يونيو 2011

الكرملين وأزمةالكويت (6)

كان 5 أغسطس يوم راحةِ غير أن أزمة الكويت ساوت بالنسبة لنا أيام الراحة بأيام العملِ
قدم لي سفير العراق في موسكو في هذا اليوم رسالة صدام حسين الجوابية لاحالتها الى ميخائيل غورباتشوفِ وأشار الى أنهم في بغداد يتابعون باهتمام موقفناِ
كنا ننتظر الرد العراقي بأمل معين في أنه سيخفف الأوضاع وسيفتح الطريق الى مخرج غير مؤلم الى حد معين من الأزمة، وسيمكن من تجنب اتخاذ التدابير الاجبارية ضد العراق المقرة من قبل مجلس الأمنِ ولكن للأسف أصابتنا خيبة الأمل الكاملةِ فلم ينحصر جوهر الرسالة، وان كانت مسهبة، في التغلب على الأزمة، بل تركز على انتقاد الموقف السوفيتيِ فقد ابتدأت الرسالة بالجملة: 'استقبلنا باستغراب كبير موقف الحكومة السوفيتية ازاء الأحداث الأخيرة في الكويت'ِ وأن أعمال موسكو كانت تتصف ب 'العجلة' ولم تأخذ في الاعتبار طبيعة العلاقات السوفيتية ـ العراقية القائمةِ
لم تستغن الرسالة من المواعظ المباشرة وحتى التلميحات الصريحة الى عدم درايتنا وخبرتنا في رأيهمِ قيل في رسالة صدام حسين أنه ثمة في البلدان العربية أوضاع خاصة وعلاقات خصوصية جداِ وثمة مشاكل تبدو غير مفهومة للعالم الخارجي آخذا في الحسبان خصائص الحالة والعلاقات في منطقتناِ
وقال صدام لموسكو أيضا بأننا نأمل لهذا السبب ألا تتخذوا الآراء والقرارات المستعجلة ضد أصدقائكم قبل أن تحاولوا ادراك الوقائع وقبل كل شيء، الحوار مع الأصدقاء الأوفياءِ
وذكر صدام موسكو مشيرا الى دخول القوات السورية الى لبنان، ملمحا بأن هناك أمورا في الشرق الأوسط وحالات لا ينبغي بصددها اتباع 'أسلوب الاستعجال'ِ
ولمح بصورة واضحة جدا الى أعمالنا في أفغانستان التي قدرها العراق وحدد موقفه منها بالانطلاق من علاقته مع الاتحاد السوفيتيِ
أما جوهر المشكلة القائمة فأكد في رسالته على ما قام به العراق 'أمر طبيعي'ِ وأن لكل بلد في العالم الحق في ابداء العطف على الذين يتخذون التدابير اللازمة لتغيير الحكومات التي تحيك المؤامرات وتقوم بأعمال عدوانية ضد بلد ماِ
لوح صدام الى موسكو بقوله: كنا ننتظر من حكومة ودية كالحكومة السوفيتية، أن تسعى على الأقل الى معرفة الأسباب التي حفزت العراق على تقديم المساعدة لحكومة الكويت الحرة المؤقتةِ (أريد أن أشير بين القوسين هنا الى أن استعمال هذه الرواية الكاذبة بشأن الحكومة المذكورة مقصودا في رسالة الرئيس وذلك مدعاة للأسف في مراسلة في هذا المستوى)ِ
من المفهوم أن رسالة الرئيس العراقي المستلمة لم تتمكن من تغيير موقف الاتحاد السوفيتي أو التأثير سيكولوجيا على ادراك هذا الحدث بالنسبة للقيادة السوفيتية وفق الروح الملائمة لبغدادِ ولم يكن بالنسبة لنا شيئا جديدا ما جاء فيها بأن القوات العراقية ستبدأ انسحابها في 5 أغسطسِ لأن التصريح الرسمي الذي أدلت به بغداد عن هذا الأمر قبل يومين، صاحبته بعض التحفظاتِ ولم يجب السفير على سؤالي عن المدة التي يفترض أن يختتم فيها الانسحاب، مشيرا الى عدم توفر المعلومات الكافية لديهِ
العقوبات الدولية
في غضون ذلك كنا نعرف حسنا الأوضاع في مجلس الأمن ونرى أن الاستياء العالمي يزداد من تحدي بغداد للمجتمع الدولي والأمم المتحدة ومجلس الأمن برفضها اعادة الوضع الى الكويت قبل العدوانِ وتجسد هذا الاستياء في الرغبة بفرض طابع عقوبات واسعة بما فيه الكفاية وعامة وشاملة من ناحية التطبيقِ وبعبارة أخرى، الزامية لدول العالم كافة وليس عقوبات اقتصادية مفككة تفرضها بلدان حيال المعتدي بمبادرتها الخاصة وبحجم اختياريِ ووفقا لميثاق الأمم المتحدة، يمكن لمجلس الأمن وحده فرض مثل هذه الاجراءاتِ وكان مجلس الأمن قد اتخذ هذا الاجراء مرتين فقط قبل أزمة الكويتِ
قرر في موسكو (وللدقة في وزارة الخارجية السوفيتية) بأن استعداد بغداد لتنفيذ القرار 660 هو السبيل الوحيد الذي سيحول دون اتخاذ هذا القرارِ ولأنه لا يوجد متسع من الوقت، تقرر ارسال رسالة جديدة عاجلة الى صدام حسينِ تم تنسيقها واعدادها بسرعة مع ميخائيل غورباتشوف وأرسلت بعد عدة ساعات من استلام رسالة الرئيس العراقي المذكورةِ
لم يكن في خططنا الدخول في مجادلة مع الرئيس العراقي، بل ومن غير الصحيح ترك اللهجة التي اتسم بها الخطاب العراقي بلا رد فعلِ لذا أشير في الرسالة السوفيتية الثانية الى أن الخطاب العراقي استلم وتمت دراسته باهتمام واننا نقدر حق التقدير الصداقة والتعاون مع العراق اللذين كانا يتشكلان خلال أكثر من عقدِ ولكننا لا نستطيع ألا أن نعطي تقديراتنا المبدئية لما حدثِ وقيل كذلك بأننا لا نعتبر بالمرة من أنصار للقرارات العاجلة، غير أنه لا يجوز أن نرى وتيرة الأحداث تتطور الى هذا الحد الذي بدأ بادخال القوات العراقية المفاجئ الى الكويت دون اتخاذ خطوات مناسبة، بما في ذلك في مجلس الأمن كما يطالبنا ميثاق الأمم المتحدةِ وفندت رسالتنا كل الادعاءات العراقية ضد موسكوِ وكما أعتقد فإننا اكتفينا بالحد الأدنىِ
وأشير فيما بعد في الرسالة، الى أننا لم نرغب بعد اتخاذ مجلس الأمن القرار 660، أن يصل الأمر الى فرض العقوبات الالزامية الشاملة ضد العراقِ ومع ذلك فقد تطرح مسألة العقوبات في جدول الأعمال في الوقت القريبِ ولذا ننصح القيادة العراقية بالحاح، كوننا أصدقاء حقيقيين، تنفيذ قرارها الخاص والفعال في سحب القوات من الكويت لأن هذا الاجراء وحده قادر على تغيير الوضعِ وثبتنا الى أنه في حالة حاجة العراق الى يوم أو يومين فقط لدخول الكويت، فلا شيء يحول دون سحب قواته بالسرعة نفسهاِ وأعربنا عن ترحيبنا للعراق في حالة قيامه بمثل هذه الخطوة التي ستسقط مسألة العقوبات من الأساسِ
وأشير في الختام الى أن الاتحاد السوفيتي برهن أكثر من مرة على اخلاصه للعراق ويؤيدها في الحالات الصعبة والى أننا نحرص على المكتسبات الايجابية في علاقاتنا وسنحافظ عليها ونطورهاِ وأعربنا عن أملنا في أن الموقف العراقي سيكون مماثلا لموقفناِ
للأسف لم تصغ القيادة العراقية لنصائح موسكو قط، ولم تتعب نفسها حتى في الرد على رسالة رئيس الاتحاد السوفيتي الثانية أيضاِ والأسوأ من ذلك ظهرت في اليوم التالي في جريدة 'العراق' مقالة معادية للاتحاد السوفيتيِ وبما أن تعدد وحرية الآراء غير مسموح به في العراق، فقد كان من المستحيل نشر هذه المقالة بدون مصادقة من الجهات العلياِ ولا يمكن تقدير ما حصل على غير هذا النحو الذي كان يثير الضجر والانذار اليناِ وفي الوقت نفسه لا يصح التظاهر بأننا سنقبل هذا الموقف ونغمض أعيننا عنهِ لذا نشرت جريدة 'ازفيستيا' في 7 أغسطس حوارا معي تحدثت فيه عن خطوات الاتحاد السوفيتي حيال الأزمة والاتصالات مع العراق وذكرت الوقائع المضجرة التي لم تجمل بغدادِ
بعد بعض الوقت انتهت أسطورة حكومة الكويت المؤقتة الحرة كما كانوا يسمونها باعلان بغداد قيامهاِ وكما انتظرنا لم تضم رجلا كويتيا معروفا ولو قليلاِ زد على ذلك ثبت في الوعي الاجتماعي (بمبادرة من سلطة الكويت الشرعية) الرواية بأن الحكومة المؤقتة شكلت كليا من ضباط الجيش العراقيِ ولذا أضاف ظهور الحكومة الحرة للعالم من الناحية السياسية والدعائية تعقيدات جديدة لبغدادِ وليس من المستغرب أن هذه الحكومة ستصبح بعد أيام صفحة مطوية من التاريخِ
ولم تحدث مشاهد شحن الدبابات من الكويت على مسطحات الشاحنات لأجل اعادتها الى العراق انطباعا لازماِ فمن المحتمل أن وحدات ما أعيدت بالفعل، بيد أن الوحدات الباقية أقبلت بنشاط على التخندق والتحصين، الأمر الذي دل على انعدام نية بغداد الواقعية على الانصراف من الكويتِ
وأثر قرار بغداد المعلن بارسال المتطوعين العراقيين الى الكويت تأثيرا قويا في العالمِ
وفي 6 أغسطس استقبلت السفير العراقي غافل جاسم حسين وقلت له بأننا أطلعنا أعضاء مجلس الأمن على رسالة الرئيس العراقي الى ميخائيل غورباتشوف، واقترحنا عدم الاستعجال في فرض العقوبات الاقتصادية واعطاء بعض الوقت للتحقق من حقيقة موقف العراق من تنفيذ القرار 660ِ ولكننا نضطر للقول بأن الجانب العراقي لم يساعدنا في هذه الجهودِ ويترك لدى أعضاء مجلس الأمن الانطباع بأن العراق لا يستعجل في سحب قواتهِ وأثار العراق بصدد ارسال المتطوعين العراقيين رد فعل سلبيا للغاية في مجلس الأمنِ وهذا الموقف سيستفز مجلس الأمن من أجل اتخاذ الخطوات التاليةِ
قيل لي ردا على هذا، ان الانسحاب قد بدأ، غير أن القيادة العراقية لم تأخذ على عاتقها الالتزام في اطار سحب مؤقت للقواتِ أما فرض الحصار على العراق فإن الولايات المتحدة واسرائيل واللوبي الصهيوني تدفع مجلس الأمن في هذا الاتجاهِ وسأل السفير قائلا: 'هل من الممكن أن يعتني الأميركيون أكثر منا بأخوتنا الكويتيين؟'ِ وأكد ان الرئيس صدام حسين والشعب العراقي معنيان بمصير الشعب الكويتي أكثر من أي شخص آخرِ وقال السفير ان سبب الضغط القاسي للولايات المتحدة بسيط: كان الأميركان يعاملون العراق على الدوام معاملة سلبية جراء موقفها الثابت والحازم من اسرائيل وكذلك لكونه تحول الى قوة جبارة في البوابة الشرقية للوطن العربيِ
التقيت بالسفير من جديد بعد عدة ساعات وبمبادرته هذه المرةِ أخبرنا بأن الرئيس صدام حسين يطلب أن نستقبل في موسكو ممثله الشخصي سعدون حمادي عضو مجلس قيادة الثورة نائب رئيس الوزراء (سأتحدث في الفصل التالي لماذا جاء حمادي الينا)ِ
وفي اليوم نفسه استقبلت سفير الكويت عبد المحسن الدعيجِ وحسب معطياته لم يحدث تغير مبدئي للوضع في الكويتِ ولم يتحقق انسحاب القوات العراقية، بل العكس، تجري تقوية وجود العراق في الكويت كحالة طبيعيةِ وأن كل المؤشرات تدل على أن العراق لن ينسحب بمبادرته، بل يجب تنسيق أعمال الأسرة الدولية للضغط أكثر على بغدادِ وطالب السفير بإلحاح، في ضوء محاولة بغداد تشكيل حكومة موالية لها، أن ندلي بتصريح نؤيد فيه قيادة الكويت السياسية الشرعيةِ
أوفيت هذا الطلب بنشر خبر في اليوم التالي في جريدة 'إزفيستيا' قيل فيه:
'أكد بيلونوغوف انه حتى لا يدور الحديث في اللحظة الراهنة حول اعتراف موسكو بالحكومة الحرة العميلةِ وسنعترف كالسابق بالأمير جابر الصباح كرئيس شرعي للكويت'ِ
المواجهة تلقي بظلالها الرئيسية
العقوبات الاقتصادية وخطواتنا في ضوء الحالة الجديدة:
في 6 أغسطس اتخذ مجلس الأمن بتأييد 13 عضوا (امتنعت كوبا واليمن عن التصويت) القرار 661 الخاص بفرض العقوبات الاقتصادية على العراقِ قدم 10 أعضاء في مجلس الأمن مشروع القرار، ولم يدخل الاتحاد السوفيتي في عداد مؤلفي القرار لأنه كانت لدينا شكوك معينة في كيفية تصرف الجميع: فرض العقوبات الشاملة في البداية أو السير في طريق زيادتها التدريجية إذا استمرت بغداد في الانحراف عن تنفيذ القرار 660ِ وبدا الطريق الثاني لنا أفضلِ غير أن جميع الأعضاء الآخرين في المجلس تقريبا فضلوا الرأي الأولِ واعتقد لو التفت الى الوراء لرأيت انهم كانوا على حقِ
لم نكن نبالغ في موسكو فحسب، بل كانوا يبالغون في عواصم بلدان أخرى أيضا في تقديراتنا في درجة تأثير العقوبات الاقتصادية على العراق وكنا ننتظر أن بغداد ستضطر بعد 2 ـ 3 أشهر لإعادة النظر في موقفها من القرار 660 والانصراف من الكويتِ
لم يحصل هذاِ ولم يكن حتى ذلك الحجم من العقوبات الذي فرض في 6 أغسطس قادرا على ذلك وإن كان القرار حازما: حظر أية أشكال التصدير والاستيراد مع العراق والكويت وكافة الاتصالات المالية معهما والنقل البحري (باستثناء الإمدادات الطبية والغذائية في إطار المساعدة الإنسانية)ِ
وتأسست لجنة منبثقة عن مجلس الأمن تضم في قوامها جميع أعضائه من أجل مراقبة مراعاة نظام العقوبات من كافة الدول وكلفت بالنظر في التقارير الخاصة عن سير تنفيذ هذا القرار وطلب المعلومات الضرورية لهاِ ودعا القرار جميع الدول الى اتخاذ كافة التدابير من أجل الدفاع عن موجودات حكومة الكويت الشرعية وعدم الاعتراف بنظام ما مقام من قبل دولة محتلةِ
صوت الاتحاد السوفيتي الى جانب القرار لأن سلوك بغداد لم يعطنا بديلا آخرِ وأملت وتيرة تطور الأحداث التي وضع العدوان على الكويت بداية لها اتخاذ خطوات مناسبة وسريعة كما يطالب بها ميثاق الأمم المتحدةِ
وكانت لقضية العقوبات ناحية أخرى كانت بالنسبة لنا حينذاك هامة للغايةِ وكانت ثمة جهتان للقضية: أولا، أثبت قرار العقوبات النظر الى أزمة الكويت في أطار مجلس الأمن كهيئة جماعية حيث كانت لنا مواقف قويةِ ثانيا، حول هذا القرار النزاع في مجرى أسلوب الحل السلمي له بالعقوبات الاقتصادية التي وإن كانت دواء مريرا مفعوله طويلِ
ومع ذلك أشار ممثل الاتحاد السوفيتي في تصريحه في مجلس الأمن الى أن قرارنا بالتصويت الى جانب القرار كان غير يسير بالمرة وحتى صعبا لأنه مس مباشرة مجموعة علاقاتنا المتبادلة مع العراق المتكونة على مدى سنوات طويلةِ وكان الجانب العراقي مذنبا بسيره وحده في طريق المغامرة الحربية واضطرنا لقطع نسيج التعاون 'الحي' كما يقالِ
أخبر الاتحاد السوفيتي في تقريره الأول المقدم الى الأمم المتحدة بصدد تنفيذ القرار 661 بأنه:
أوقف كليا إمداد البضائع في عمليات التصدير والاستيراد بما في ذلك الإمدادات العسكرية وكذلك المعدات والمواد وقطع الغيار والشحنات الأخرى الضرورية لتنفيذ الأعمال في المنشآت الاستثماريةِ
توقف كل النشاط التجاري مع العراق والكويت بما في ذلك تبادل الزيارات ورحلات الوفود الاقتصادية، المحادثات الخاصة بتوقيع العقود الجديدة، إنجاز المدفوعات، تقديم القروض أو تحويل الأموال الأخرى، قبول الاختصاصيين للدراسة في الاتحاد السوفيتيِِ الخِ
لم تخرج منذ إعلان القرار سفينة واحدة للبضائع أو المنتجات الأخرى مخصصة الى العراق والكويت من موانئ الاتحاد السوفيتيِ واتخذت كافة التدابير لكي يتم استرجاع الشحنات المرسلة من قبل الى العراق الى الوراءِ حيث تم استرجاع وعودة سفينة معدات عسكرية مخصصة الى العراق والكويت من منطقة الخليجِ
أوقف استلام المعدات العسكرية لغرض الصيانة والتصليح وإعادة المعدات العسكرية التي تم إصلاحهاِ
ـ أوقف إيفاد الخبراء السوفيت الى المنشآت العراقيةِ
وكان الاتحاد السوفيتي يواصل بمثل هذه الدقة المتناهية مراعاة العقوبات المقررة ويقدم بانتظام المعلومات المناسبة الى الأمين العام للأمم المتحدةِ
سأتوقف باختصار لمناقشة مسألة أخرى تخص العلاقات الثنائية السوفيتية ـ العراقية والتي طرحت أمامنا بعد الاستيلاء على الكويت والمتعلقة بمعاهدة الصداقة والتعاون سارية المفعول بين الاتحاد السوفيتي والعراق وموقفنا منها الآن: اعتبروا في وزارة الخارجية أنه لا ينبغي المس بها بالرغم من أعمال بغداد الملومة تماماِ وانطلقنا من أن علاقاتنا مع العراق لا تنتهي بهذا وأن المعاهدة قد تلعب دورا إيجابيا بعد التغلب على الأزمةِ وحافظنا على هذا النهج وان تعرضنا للانتقاد في بعض الحالاتِ ودعا المجلس الأعلى لروسيا الاتحادية السوفيتية الاشتراكية في 12 سبتمبر مثلا الى إيقاف مفعول المعاهدة (أعلنت روسيا في يوليو 1990 سيادتها وادعت بممارسة سياستها الخارجية الخاصة بدون الارتباط بالمركز)ِ
لم تسر الكرملين هذه المسألة التي ركبت أعضاء البرلمان الروسيِ غير أن قرار النواب الروس عكس العقلية السائدة في المجتمع السوفيتي إزاء العدوان العراقي وكذلك الصراع المحتوم من أجل السلطة على السواءِ
دور العقوبات
كان للعقوبات المفروضة على العراق طابع إلزامي وكان الاتحاد السوفيتي ملزما بمراعاتها الصارمة فيما يخص صلاته مع العراقِ وبما أن هذه الصلات كانت تقوم بواسطة الكثير من الوزارات والمصالح السوفيتية، فقد طرحت تلقائيا مسألة اتخاذ الحكومة السوفيتية قرارا مناسبا عن تقصير هذه الصلاتِ وكان الأمر بحاجة الى مركز حكومي ينسق ذلك ويأخذ على عاتقه هذه المسؤولية وتنفيذ القرار 661ِ
أضيف الى ذلك مشكلة أخرى: ما العمل مع آلاف المواطنين السوفيت القاطنين في الكويت والعراقِ وكان واضحا لنا انه ينبغي إجلاؤهم وان لم يكن جميعهم وخاصة أولئك في الكويت المحتلةِ وفي العراق أيضا، أصبح بقاء الخبراء السوفيت العاملين هناك أمرا معقدا وغير مفيد ولا معنى له بسبب إنهاء العلاقات الاقتصادية مع العراقِ وكانت مهمة إجلاء آلاف الناس غير بسيطة وتتطلب تشغيل الكثير من الهيئات والأجهزة والمؤسسات ونفقات مالية كبيرةِ
دفع كل ذلك وزارة الخارجية السوفيتية الى تقديم اقتراح لرئيس الاتحاد السوفيتي بإنشاء مركز مناسب على المستوى الحكومي لتولي الأمرِ تم تأييد هذا الاقتراح وأنشئ المركز بمرسوم رئاسي بتاريخ 8 أغسطس بتشكيل مجموعة عمل بين الوزارات والمؤسسات برئاسة نائب رئيس الحكومة السوفيتية غِ بيلوسوف، مثلت فيه جميع الوزارات على مستوى الوزراء أو نوابهمِ ودخلت أنا و فِ كولوتوشا رئيس إدارة بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هذه المجموعة ممثلين لوزارة الخارجيةِ
عملت المجموعة شهورا عديدة ريثما انحلت مهامهاِ وكان يحدث الجدل والمضاربات بين المؤسساتِ غير أن كل شيء حل بطريقة صحيحة وفاعلة بما فيه الكفايةِ وحصلت الكثير من حالات عدم التفاهم: لماذا يوجد تهديد بسلامة ناسنا، أليس من الأجدر أن ننتظرِِ الخ وكان من الصعب جدا بالأخص تسوية الأمر مع العسكريينِ كنت أفهم شعور الأشخاص الذين بذلوا الكثير من الجهود في تنظيم الاتصالات مع العراق واضطروا الآن لتجميدهاِ وما العمل مع المنتجات المصنعة في العراق أو مع المعدات العسكرية المرسلة من العراق لغرض تصليحها وإعادة النظر في خطط عمل المنشآت وبالأخص الدفاعية وإيجاد العمل للأفراد الذين سيعودون الى الوطن قريبا؟ِ
ينبغي تقدير الجهد الذي بذله إِ بيلوسوف، فقد عمل بكل ثبات ونشاط (ساعد أنه كان في الحكومة مسؤولا عن المؤسسة الصناعية العسكرية وكان من السهل عليه حل بعض المسائل الحساسة وخاصة العسكريين والمؤسسة الصناعية العسكرية)ِ ولحسن الحظ، أدرك بيلوسوف بسرعة أن الخطر يهدد بالفعل مواطنينا في العراق وعمل كثيرا بغية إجلائهم من هناك في الوقت المناسبِ
وأود أن أتحدث عن فرقة الإجلاء الفرعية التي وقع عليها الكثير من العمل التنظيمي اليومي (إرسال الطائرات، عقد اللقاءات وتوزيع الناس، التأمين الماليِِالخ)ِ ولا أتحدث هنا عن التعقيدات الخطيرة التي صاحبت تأجيل رحيل المواطنين السوفيت والعوائق التي ابتكرتها السلطات العراقية في طريق ترحيلهمِ
كان إعداد أمر مجلس وزراء الاتحاد السوفيتي خطوة هامة أولى في عمل المجموعةِ أصدر الأمر في 16 أغسطس بتوقيع رئيس الحكومة نيكولاي ريجكوف ورسم فيه للوزارات والمؤسسات التي لها علاقة بالصلات التجارية والاقتصادية والمالية مع العراق والكويت اتخاذ كافة التدابير المطلوبة من أجل تنفيذ القرار 661 الصادر عن مجلس الأمن واتخاذ الإجراءات الملموسة في تخفيف خسائر البلد الى حدها الأدنى نتيجة انتهاء العلاقات الاقتصادية والتجارية والمالية مع العراق والكويتِ وأنشأ هذا القرار أساس القواعد الضروري وسهل في درجة كبيرة عمل المجموعةِ
أردت أن أضيف أن وزارة الخارجية السوفيتية قد أرسلت قبل تشكيل المجموعة وفور اتخاذ مجلس الأمن قراره 661 الى كل حكومات جمهوريات الاتحاد السوفيتي والى جميع الوزارات والمؤسسات التي لها علاقة مع العراق والكويت نص هذا القرار وأبلغتها بضرورة تغيير العلاقات المتبادلة مع هذين البلدين بشكل ينسجم مع قرار مجلس الأمنِ وبالتالي تم تجميد كافة أشكال التعاون مع العراق والكويت بلا تأخيرِ