السبت، 18 يونيو 2011

الكرملين وأزمةالكويت (5)

تابعنا في وزارة الخارجية بصورة دقيقة ردود الفعل العالمية على العدوان العراقي ضد الكويتِ واعتمدنا في هذا الصدد على تصريحات المسؤولين الكبار والمعلومات والأخبار الواردة من سفاراتنا ووكالات الأنباء وآراء ممثلي البعثات الدبلوماسية العاملة في موسكو ومصادر أخرىِ وكان من الواضح فورا أن الغرب أجمع على ادانة وعدم قبول الفعل العراقي قطعياِ وفي غضون ذلك لم تعط الحكومات الغربية تقديرها السياسي والحقوقي بذلك الحزم فحسب، بل كانت تتخذ اجراءات عملية موجهة الى حماية مصالح الكويت الاقتصادية والمالية والضغط على العراقِ وفرضت بعض البلدان العقوبات دون أن تنتظر قرارات الأمم المتحدة ومن طرف واحدِ واتخذت بلدان الاتحاد الأوروبي قرارا جماعيا في هذا الشأن وأخبرنا به سفير ايطاليا كونه ممثل البلد الذي يترأس الاتحاد في دورته الحاليةِ
وتطورت الأحداث في الولايات المتحدة على النحو التالي: في صباح 2 أغسطس سافر الرئيس بوش الى ولاية كولورادو لحضور مراسم منح جائزة معهد أسبين لرئيسة وزراء بريطانيا مرغريت تاتشرِ واتفق جميع الباحثين الغربيين على أن لقاءات بوش وتاتشر في أسبين وأحاديثهما الطويلة لعبت دورا كبيرا جدا في تحديد موقف الرئيس الأميركي من أزمة الكويت وطرق التغلب عليهاِ
كان بوسع العربية السعودية وحدها، كونها البلد الوحيد الذي يجاور الكويت وفي الوقت نفسه لها حدود خاصة مع العراق، في أن تكون مجالا طبيعيا وأكثر ملاءمة لتركيز ونشر القواتِ وركز الرئيس الأميركي بعد اعطائه أوامره بمرابطة حاملات الطائرات الأميركية في منطقة الخليج جل اهتمامه على السعودية وغيرها من البلدان العربية الرئيسية التي كانت الكثير من الأمور تتعلق بمواقفهاِ
وكان العالم العربي، أو بعبارة أخرى، مجموعة البلدان التي يجمعها الدين واللغة والتقاليد والثقافة المشتركة في تسعينات القرن العشرين مختلفة عن بعضها بشكل ملموس، ليس بمقدار ما تمتلكه من أراض وسكان فحسب، بل بطراز الدولة والأنظمة السياسية ومستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي وتوجه السياسة الخارجية وبعض المقاييس الأخرى أيضاِ وكانت العلاقات تتشكل بتباين فيما بينها، ونقصد في المقام الأول عواطف النخب الحاكمة وتنافرهاِ وفي خلفية حدث غير عادي كاستيلاء العراق على الكويت، لم تكن ردود أفعالها ذات مدلول واحد وتغيرت بناء على سير الأحداث ونتيجة لتأثير القوى الخارجية العربية وغير العربية على السواءِ
وأصبح الاستيلاء على الكويت بالنسبة للكثيرين، وخاصة الأكثرية في بلدان الخليج، صدمة مروعةِ ولم يعلنوا في بلدان الخليج لا في الصحافة ولا في التلفزيون أو الاذاعة أي شيء عما حصل خلال عدة أيامِ ولكن هذا الصمت عوضته المكالمات الهاتفية بين رؤساء الدول والوزراء في محاولة لاستيضاح ما يحدث والبحث عن وسائل للتصرف لاحقاِ وكانت بغداد بطبيعة الحال، في غضون ذلك، مركزا لجذب الاهتمام العام حيث توقف عليها كل شيءِ
غير أن بغداد اتخذت أسلوب العجرفة والتحدي كأنها تفهم الجميع موقعها في العالم العربيِ
وكما حدثني الأمير السعودي بندر، حاول الملك فهد بلا جدوى في تلك الليلة عندما شن العدوان الاتصال هاتفيا بصدام حسينِ وتسنى له ذلك في اليوم التالي فقطِ طلب الملك منه أن يسحب القوات بلا تأجيل وحاول اقناعه بضرورة حل المشاكل بين الدول العربية بالوسائل السلميةِ غير أن الرئيس العراقي، حسب قول بندر، رد بسخرية وحول مجرى الحديث الى مواضيع أخرىِ
وكما حدثني السفير الجزائري في موسكو عن محاولة أخرى قام بها الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد في اليوم التاليِ وحسب أقوال السفير، طالب بن جديد في مكالمة هاتفية صدام حسين بسحب القوات فورا من الأراضي الكويتيةِ ولم يتلق جوابا مرضياِ وبعدها أجرى اتصالاته كونه رئيس اتحاد المغرب العربي مع رؤساء هذه الدول لغرض تنسيق المواقفِ
وكان حديث الرئيس العراقي مع ملك الأردن في صباح 2 أغسطس مميزا جدا أيضاِ وحسب قول الملك الأردني أنذره صدام بأن الحديث لن يدور حول سحب القوات العراقية من الكويت اذا حاول العرب ادانة بغداد بسبب تدخلها في الكويتِ
وصل الملك حسين الى الاسكندرية، حيث كان فيها الرئيس المصري حسني مبارك في ذلك الوقت ليحيل اليه الانذارِ وكان حسني مبارك غاضبا من الزعيم العراقي لأنه يظن بأنه خدعه عندما وعده بعدم استخدام القوة ضد الكويتِ ومع ذلك رأى الرئيس المصري حل مشكلة الكويت بسرعة، لاسيما ان وزراء الخارجية العرب أخذوا بالتوافد على القاهرةِ وطلب من الملك حسين أن يذهب بلا ابطاء الى بغداد ويتفق على عقد لقاء قمة عربي مصغر بمشاركة صدام حسين ورؤساء دول الخليج العربية ومصر والأردنِ واقترح مبارك أن تتم تسوية الأزمة التي هي هدف لقاء القمة الرئيسي بالشكل التالي: تترك القوات العراقية الكويت ويعود آل الصباح الى هناك وبعد ذلك تجرى المحادثات العراقية الكويتية بتلميح مسبق بأنها سترضي العراقِ
وبينما كان مبارك والملك حسين يتحادثان في الأسكندرية اتصل الرئيس الأميركي جورج بوش هاتفيا بالرئيس مبارك، الأمر الذي مكنه التحدث مع الزعيمين العربيين في آن واحدِ وكتب الرئيس الأميركي فيما بعد حول هذا الحديث ما يلي:
'أخبرني الملك حسين بأنه ينوي زيارة السعودية والعراق فوراِ وقال لي: أبتهل اليكم يا سيدي أن تحافظوا على اطمئنانكمِ نود العمل لحل الأزمة في الاطار العربي وايجاد السبل التي من شأنها وضع الأسس لمستقبل أحسن'ِ
قلت للملك ان العالم لن يقبل الوضع الراهن وأنه غير مقبول للولايات المتحدةِ وقلت له: انني على يقين بأن صدام حسين يعرف هذا ولكن تستطيعون ابلاغه به باسميِ
أجاب الملك قائلا ان العراق مليئة عزما على مغادرة الكويت بأسرع وقت ممكن وربما خلال عدة أيامِ ووعد بالتوصل لتحقيق ذلكِ وأوضح مبارك انهم سيحاولون اتخاذ قرار بسحب القوات ولا يغفل حكومة الكويتِ وطلب مني: جورج أعطنا يومين لأجل بحث هذا القرارِ
تحدثت عن الاجراءات الاقتصادية المتخذة من قبلنا وقلت: قد ينشأ استثناء واحد بالطبع، اذا برز خطر ما بالنسبة للأميركان حيث سيكون كل شيء على نحو آخرِ
أيد حسني مبارك العقوبات ـ وان لم أطرح هذه المسألة خصيصا ـ وقال: سأتكلم مع صدام حسين وسأبقي اتصالاتي مع السعوديينِ قلت: هذا مهم جداِ قولوا من فضلكم لصدام حسين إن الولايات المتحدة مهمومة جدا جراء تصرفاته وكذلك الدول الأخرى ستسعى في هذا الشأنِ وتعرفون يا صديقي ماذا يعني هذاِ قولوا ذلك لصدام اذا شئتمِ وأجاب حسني مبارك بأنه سيقوم بذلكِ
يتضح الآن أن خطة حسني مبارك افترضت حل الأزمة عن طريق ايجاد حلول وسطِ وأخذ الملك حسين وان كان ذلك بلا حماس، على عاتقه نقل الرسالة المقترحة عليهِ لكنه كف عن مناقشة خطة مبارك كما قال ذلك بنفسه فيما بعد واحتار في مسألة طرح فكرة عقد لقاء القمة المصغرِ
بقي أمامنا أن نظن بأن الملك حسين اما كان يعرف نوايا صدام حسين أو توقعها أو انطلق من استحالة التوصل الى اتفاق معه حول اعادة الحكم الشرعي الى الكويتِ
هكذا فشلت المحاولة الأولى الرامية إلى ايجاد 'الحل العربي' لمشكلة تحرير الكويتِ وأكد بيان لمجلس قيادة الثورة العراقي المذاع من راديو بغداد في 3 أغسطس على أن بغداد لا تنوي البحث عن حلول وسطِ واستبعد هذا البيان امكان عودة عائلة الصباح الحاكمة الى وطنها الكويتِ ووعد في البدء بسحب القوات العرقية في 5 أغسطسِ
قوض رفض بغداد النظر في اعادة السلطة الشرعية الى الكويت في جوهر الأمر، فرصة البحث الناجح عن حل وسط في الاطار العربي أو الشامل على السواءِ
وفي هذه الأثناء، اتخذ مجلس جامعة الدول العربية المنعقد في 2 أغسطس بطلب من الكويت بعد جدال طويل قرارا استنكر فيه 'العدوان العراقي' على دولة الكويت و'سفك الدماء وتدمير الممتلكات' ودعا العراق الى 'سحب قواته فورا وبلا قيد أو شرط الى المواقع التي كانت تحتلها في 1 أغسطس'ِ
صوت العراق واليمن وموريتانيا والسودان ضد القرار وامتنعت منظمة التحرير الفلسطينية والأردن عن التصويت وغابت ليبيا عن حضور الجلسةِ وأثرت عوامل كثيرة على توزيع الأصوات: البعد الجغرافي عن مركز الأحداث، طبيعة العلاقات مع العراق (كان العراق يقدم مساعدات مالية وعسكرية لبعض البلدان العربية وخاصة موريتانيا والسودان) وخصائص الموقف من النظام القائم في الكويتِِِالخِ
ومن الهام أن مجلس جامعة الدول العربية اتخذ القرار نفسه الذي اتخذه قبل ساعات مجلس الأمن الدوليِ وبذلك أرسيت البداية لتشكيل موقف موحد بين الأمم المتحدة كمنظمة دولية وجامعة الدول العربية كمنظمة إقليمية لغرض إيجاد الطرق والوسائل لإعادة السلام والأمن اللذين خرقا بالعدوان العراقيِ
وبدأت الدول العربية تعرب عن موقفها السلبي مما حدث على انفراد أيضاِ وكانت سوريا في مقدمة الدول التي استنكرت أفعال بغداد بحزم وطالبت بمغادرتها فورا من الكويتِ وأعربت عن موقفها في نهاية الأمر، علنا باقي الدول العربية، بل عملت ذلك في مختلف المجالاتِ ولكنه من المميز أن أيا من الحكومات العربية، حتى تلك التي تتعاطف مع بغداد لم تؤيد علنا العدوان العراقيِ
وجدت المملكة العربية السعودية نفسها، بطبيعة الحال، في حالة معقدة للغاية والأكثر حساسيةِ فقد كانت تشعر بالأمان النسبي وترى أن الخطر الخارجي الرئيسي ضدها مصدره إيران ويشوب علاقاتها مع اليمن بعض النفور وكانت تخشى الطائرات الإسرائيليةِ وكانت ترى في العراق على الدوام الصديق والحليف تقريبا، لاسيما ان الرياض قدمت للعراق خلال حربها ضد إيران مبالغ بلا مقابل و قروضا تقدر بنحو 16 مليار دولارِ وسمح كل ذلك للملكة العربية السعودية وهي بلد سكانه 11 مليون نسمة وغني جدا أن تكتفي بقوات مسلحة مرصوصة جدا: 40 ألف شخص في القوات البرية و 250 دبابة و140 طائرة و 35 ألف شخص في الحرس الوطني (وهو عبارة عن فصائل بدوية مزودة بالأسلحة الخفيفة أساسا)ِ
لا يمكن حتى الحديث على أن هذه القوات تستطيع مواجهة قوة العراق العسكرية إذا أرادت بغداد مواصلة القفز نحو الجنوب، حيث تناسب القوات البرية السعودية والعراقية 1 الى 17ِ وكانوا في الرياض يدركون ذلك جيداِ
وفي 3 أغسطس تسربت إحدى الوحدات العسكرية العراقية الى الأراضي السعودية بحدود 10 كيلومترات تقريبا، الأمر الذي دفع رئيس هيئة الأركان السعودية الى الاتصال على عجل عبر الخط الساخن مع نظيره العراقيِ واعتذر الجانب العراقي وحتى وجه 'فاكس' أكد فيه بأنه 'إذا أدخل جندي عراقي واحد أصبعه عبر الحدود فسيقطعون يده كلها'ِ
غير أن التدخل تكرر في مكان آخر بعد 6 ساعات ولم يرغب أحد من المسؤولين العراقيين هذه المرة، الإجابة على تلفون الجنرال السعوديِ وبعد 6 ساعات أخرى حصل تدخل آخر وفي هذه المرة قطع الخط الساخن تماماِ
من المفهوم أن مظاهر استعراض القوة هذه (مهما كانت بواعثها) تثير الشك في متانة معاهدة عدم الاعتداء الموقعة بين البلدين عام 1989 وتأكيدات نائب رئيس مجلس قيادة الثورة عزة إبراهيم الذي زار السعودية في 3 أغسطس بعد المكالمة الهاتفية التي أجراها الملك فهد وصدام حسين، حيث دل تصريحه القاطع باسم صدام حسين بأن التغييرات الجارية في الكويت لا رجعة فيها وأن السعودية ستضطر للعيش من الآن فصاعدا تحت سيف ديموقليس التوسع العراقي وبالأخص أن الطريق الى الإمارات العربية المتحدة التي كانت بغداد تتهمها الى جانب الكويت بالمشاركة في المؤامرة المعادية للعراق، يمر عبر السعوديةِ
أجرى الرئيس جورج بوش أول حديث هاتفي (بعد الاستيلاء على الكويت) مع الملك فهد من أسبين في 2 أغسطسِ ويتذكر بوش قائلا: 'كان الملك مستعجلا وكان المترجم يلحقه بصعوبةِ تحدث فهد انه حاول قبل الضربة العراقية حل التناقضات العراقية ـ الكويتية وكان كلا الطرفين يعربان في سير المحادثات عن استعدادهما لذلكِ وحتى أن صدام أكد للسعوديين انه لا توجد لديه اهتمامات بالاعتداء على الكويتِ ونوه الملك بغضب بأن صدام تصرف على العكس من ذلك تماما، لأنه مغرور ولا يدرك عواقب أعماله التي أخلت بالنظام الدولي ويفكر فقط بمصالحه الشخصيةِ وقال الملك: آمل في حل القضية بوسائل سلميةِ وإذا لم يحدث ذلك فيجب تلقينه درسا قاسيا لكي يحفظه مدى الحياة إذا بقي حيا'ِ
اقترح بوش في سير الحديث على الملك بإرسال سرب من طائرات 'أف 15' الى السعودية واستغرب من أن الملك لم يستعجل في قول: نعمِ بل اقترح العودة الى هذه المسألة فيما بعدِ
درس لا ينساه
كان الملك فهد مترددا وليس في الأمر ما يدعو الى الاستغرابِ فقد كانوا في السعودية يفضلون دائما أن تكون القوات الأميركية قريبة بما فيه الكفاية، ولكن أن تكون 'وراء الأفق'ِ وكان حضور القوات الأجنبية ولاسيما غير الإسلامية يحرج الملك السعودي بصفته خادم الحرمين الشريفينِ ولم يتناسب وجود الأجانب مع التقاليد المحافظة ونمط حياة السعوديين أنفسهمِ زد على ذلك، كان من الواضح أن نشر القوات الأميركية في السعودية سيجر وراءه تلقائيا حالة عداء حاد ومواجهة مع بغداد طالما يوجد هناك صدام حسينِ وكانت هناك مخاوف وشكوك أخرى: هل كانت الولايات المتحدة مستعدة لإرسال قوات كبيرة بما فيه الكفاية وإبقائها في الجزيرة العربية حتى حل النزاع؟ ألا يحصل كما جرى في لبنان عندما فجروا الثكنة الأميركية الأمر الذي أدى الى سحب القوات الأميركية بسرعة؟ هل سيغادر الأميركان السعودية بعد حل الأزمة؟ِ
هذه المسائل وقضايا أخرى كانت موضوع بعض المكالمات الهاتفية بين بوش وفهد في فترة 2 ـ 5 أغسطسِ ووافقت السعودية في نهاية الأمر بعد أن شعرت بجدية المعلومات حول تركيز القوات العراقية قرب الحدود معها، على زيارة وزير الدفاع الأميركي ديك تشيني وقائد القوات المسلحة الأميركية الجنرال شفارتزكوف لجدة حيث كان الملك فهدِ
جعلت معطيات الاستطلاع الفضائي عن الوحدات العراقية من الدبابات والأخرى الآلية وصواريخ 'أرض ـ أرض' عند الحدود مقرونة بالإيضاحات والتأكيدات الأميركية، الملك فهد يميل الى صالح الطلب الرسمي الى الولايات المتحدة بإرسال قواتها المسلحة من أجل الدفاع عن أمن السعوديةِ وفي غضون ذلك طلبت القيادة السعودية عدم إعلان إرسال القوات حتى وصول الوحدات الأمامية الى أراضي البلد بالفعلِ ووقعت معاهدة التزمت الولايات المتحدة بموجبها سحب قواتها بطلب من السعوديةِ
هكذا أعطي 'الضوء الأخضر' لما سيسمى فيما بعد بعملية 'عاصفة الصحراء'ِ
جرى كل هذا سرا لمدة ماِ وأطلعوا موسكو عليه قبل يوم واحد من كلمة جورج بوش التي أعلن فيها عن إرسال القوات الى السعوديةِ
أيدت دول الخليج العربية الأخرى دعوة القوات المسلحة الأميركية بالإجماع لشعورها بالتهديد وأصبحت فيما بعد رأس الجسر لنشرهاِ
في المراحل الأولى للأزمة كان يلفت النظر بالأخص الموقف الموالي للعراق لعدد من أعضاء جامعة الدول العربيةِ وإذ لم تكن موريتانيا والسودان في هذه الناحية نشطين سياسيا (صوتا لصالح العراق ربما امتنانا له)، فلا يمكننا قول الأمر نفسه عن الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية واليمنِ
سعى الملك حسين لحل المشكلة بطريقة عائلية وبين الدوائر العربية ورأى الحل العربي بسحب بغداد قواتها من الكويت مع بقاء الحكومة المؤقتة الموالية للعراقِ وكان لزعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات طريقته للحل العربي المتلخصة في انسحاب العراق من الكويت لقاء مبلغ لا بأس به والحصول على جزيرتي وربة وبوبيان وتجري في الكويت انتخابات تحدد شكل نظام الحكم الجديدِ
بالتالي لم تقض الطريقة الأولى ولا الثانية على وجوب عودة النظام السابقِ
كيف كنا نفسر هذا السلوك غير المقاس آخذين في الاعتبار نعومة الرجلين السياسيين المعروفين؟ِ
كان الملك حسين في عام 1990 بعمر 54 سنة يجلس على العرش 38 سنة ويعتبر بحق أكثر رجال السياسة حصافة في الشرق الأوسطِ فلماذا أظهر هذا الميلان الواضح الى جانب بغداد؟ِ
كنا نرى السبب الرئيسي في الارتباط الاقتصادي الكبير للأردن مع العراقِ حيث تحصل على 95 % من النفط الضروري لها من العراق وبسعر منخفض للغاية يصل أحيانا الى دولارين للبرميل الواحدِ بالإضافة الى الإعانة المجانية السنوية من بغداد البالغة 50 مليون دولار وقرابة 800 مليون دولار كانت العمالة الأردنية تحولها سنويا الى عائلاتها (الأردنيين والفلسطينيين) والدخل الناتج من ميناء العقبة الذي كان 45 % من الواردات العراقية تمر منهِ بالتالي إذا ولت بغداد ظهرها لعمان فإن متاعب كبيرة ستلحق بالأردنِ ولم يكن في وسع الملك حسين ألا يأخذ في الاعتبار خاصية بلده الذي يعتبر أكثر من نصف سكانه من الفلسطينيين الذين يكنون عواطف حسنة تجاه بغدادِ وأصل هذه العواطف أملهم في أن العراق القوي عسكريا سيسترجع يوما ما أراضيهم المغتصبة من إسرائيلِ ولعل ثمة شيئا آخر حدد ولاء الملك حسين الى بغداد وهو موقفه الشخصي من صدام حسين وربما كان هناك شيء آخرِ
أما ياسر عرفات فمن المرجح أنه كان يرى في قوة العراق فائدة للقضية الفلسطينية وفي تغيير النظام السياسي في الكويت فائدة لتعديل الوضع الحقوقي والاجتماعي للفلسطينيين فيها وتحويلهم الى قوة سياسية ذات نفوذ (بلغ عدد الفلسطينيين في الكويت حسب مختلف التقديرات 300 ـ 400 ألف نسمة وهم أكبر جالية أجنبية)ِ
وحسب 'واشنطن بوست' وجه ياسر عرفات في 7 أغسطس الى صدام حسين برقية تهنئة بصدد أحداث الكويتِ ويمكننا الاعتقاد بأن ياسر عرفات لم يدرك وقتها أنه ارتكب خطأ كبيرا عندما عانق الرئيس العراقي أمام الكاميرات في اليوم التالي من الاستيلاء على الكويت وكان يدفع فيما بعد بحلوله للأزمة الموالية للعراقِ
أدار أغلبية الزعماء العرب وجوههم عن عرفاتِ وفقدت الجالية الفلسطينية في الكويت العمل بسبب الشلل الكامل في الحياة الاقتصادية الذي أصاب البلاد، وسيظهر إفلاس رهان عرفات على العراق أكثر فأكثر (جراء عزل بغداد من قبل المجتمع الدولي)ِ وستمضي شهور عديدة قبل أن يبدأ عرفات بتغيير نهجه خلسة وبالتدريج آخذا في الاعتبار مواقف الفلسطينيين العاديين الساكنين في العراقِ
وكانت اليمن تتمسك بموقف خاص طوال الأزمةِ زار الرئيس صالح بغداد في 4 أغسطس حيث صور معانقا صدام حسينِ وأعلنت وكالة الأنباء العراقية بأن الرئيس اليمني استحسن أعمال العراقِ ويصعب القول إن كان الأمر على هذا النحوِ وبدأت القيادة اليمنية تصرح لاحقا بأن مواقفها حيادية من النزاع وتسعى للعب دور الوسيطِ غير أن عواطفها الموالية للعراق والمعادية للسعودية لم تكن خافية على أحدِ
غير أن الجو السياسي في العالم العربي في ذلك الوقت حددته بقدر أكبر شخصيات أخرى بالمقام الأول: مبارك والأسد وفهدِ
ومع اتفاق الدوائر الرسمية وغالبية النخب العربية في الرأي على أن العراق خرق بقسوة النظام الدولي وقواعد العلاقات بين الدول العربية، فإن المجتمع العربي نفسه حمل عقليات مختلفة (توجد بشكل جزئي لحد الآن)ِ ومن المرح أن عواطف 'الشارع العربي' في البلدان الفقيرة كانت الى جانب صدام حسين بفضل شعاراته التي كان يوجهها من أجل الحصول على الشعبية وخاصة تلك المتعلقة بإعادة توزيع الثروة النفطيةِ وتقوت هذه العواطف بعدما انتقلت المواجهة بين العراق والولايات المتحدةِ
ومع ذلك، قدر ما كانت الأزمة تطول، ازدادت عزلة العراق الدوليةِ فقد استنكر العدوان العراقي عدا مجلس الأمن وجامعة الدول العربية، الجمعية العامة للأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة الدول الأميركية والاتحاد الأوروبي وبعض المنظمات الدولية والإقليمية الأخرىِ
واتخذت اللجنة الأولمبية الآسيوية بالإجماع في 8 سبتمبر قرارا حظر مشاركة العراق في الألعاب الآسيوية التي كان مقررا إجراؤها في بكين خريف 1990. ولن نبالغ في القول في أن بغداد وقعت في مرحلة الأزمة الكويتية في عزلة دولية شاملة تقريبا لم تستطع التغلب على عواقبها حتى مرور سنوات كثيرةِ

موقف تاتشر الحاسم

كانت تاتشر تترأس الى غاية هذه اللحظة الحكومة البريطانية وحجزت لها بشكل ثابت لقب 'السيدة الحديدية'، ممتلكة سمعة السياسي الصارم والحاسم المستعد لاتخاذ أكثر المواقف حزما والاجراءات من أجل الدفاع عن المصالح البريطانيةِ وأصبحت الحرب في سبيل الدفاع عن جزر الفوكلاند البعيدة التي حاولت الأرجنتين استردادها من بريطانيا رمزا لعقيدة تاتشر السياسيةِ وتجلى وفاؤها لهذه العقيدة الآن أيضا عندما ولد العدوان العراقي على الكويت الخطر بتقويض مواقف انكلترا في منطقة الخليجِ تلك المواقف الآخذة بالضعف بعد الحرب العالمية الثانيةِ وكانت وصفتها قطعية: ينبغي مواجهة القوة بالقوة وحمل العراق على سحب قواته من الكويت، ان اقتضى الأمر، بقوة السلاحِ واقترحت تاتشر بلا تردد على بوش مشاركة القوات الانكليزية في تحالف ضد صدام حسينِ وقالت في خطابها في أسبين ان الاحتلال 'تحد صارخ لمبادئ الأمم المتحدة ولو سمحنا بتحقيقه فلن يشعر بلد صغير بالأمان حيث ستسود شريعة الغاب'ِ
من غير الواضح فيما اذا كان الرئيس بوش قد اتخذ قراره النهائي والمصيري في أسبين أو بعد يومين بادراج مسألة الضغط العسكري المكثف على بغداد اضافة الى الضغط السياسي والاقتصاديِ والمهم أن نهج مواجهة العراق العسكرية قد أقر، غير أن تجسيده عمليا اصطدم حالا بمشكلة رأس الجسرِ

الأحد، 12 يونيو 2011

الكرملين وأزمةالكويت (6)

كان 5 أغسطس يوم راحةِ غير أن أزمة الكويت ساوت بالنسبة لنا أيام الراحة بأيام العملِ
قدم لي سفير العراق في موسكو في هذا اليوم رسالة صدام حسين الجوابية لاحالتها الى ميخائيل غورباتشوفِ وأشار الى أنهم في بغداد يتابعون باهتمام موقفناِ
كنا ننتظر الرد العراقي بأمل معين في أنه سيخفف الأوضاع وسيفتح الطريق الى مخرج غير مؤلم الى حد معين من الأزمة، وسيمكن من تجنب اتخاذ التدابير الاجبارية ضد العراق المقرة من قبل مجلس الأمنِ ولكن للأسف أصابتنا خيبة الأمل الكاملةِ فلم ينحصر جوهر الرسالة، وان كانت مسهبة، في التغلب على الأزمة، بل تركز على انتقاد الموقف السوفيتيِ فقد ابتدأت الرسالة بالجملة: 'استقبلنا باستغراب كبير موقف الحكومة السوفيتية ازاء الأحداث الأخيرة في الكويت'ِ وأن أعمال موسكو كانت تتصف ب 'العجلة' ولم تأخذ في الاعتبار طبيعة العلاقات السوفيتية ـ العراقية القائمةِ
لم تستغن الرسالة من المواعظ المباشرة وحتى التلميحات الصريحة الى عدم درايتنا وخبرتنا في رأيهمِ قيل في رسالة صدام حسين أنه ثمة في البلدان العربية أوضاع خاصة وعلاقات خصوصية جداِ وثمة مشاكل تبدو غير مفهومة للعالم الخارجي آخذا في الحسبان خصائص الحالة والعلاقات في منطقتناِ
وقال صدام لموسكو أيضا بأننا نأمل لهذا السبب ألا تتخذوا الآراء والقرارات المستعجلة ضد أصدقائكم قبل أن تحاولوا ادراك الوقائع وقبل كل شيء، الحوار مع الأصدقاء الأوفياءِ
وذكر صدام موسكو مشيرا الى دخول القوات السورية الى لبنان، ملمحا بأن هناك أمورا في الشرق الأوسط وحالات لا ينبغي بصددها اتباع 'أسلوب الاستعجال'ِ
ولمح بصورة واضحة جدا الى أعمالنا في أفغانستان التي قدرها العراق وحدد موقفه منها بالانطلاق من علاقته مع الاتحاد السوفيتيِ
أما جوهر المشكلة القائمة فأكد في رسالته على ما قام به العراق 'أمر طبيعي'ِ وأن لكل بلد في العالم الحق في ابداء العطف على الذين يتخذون التدابير اللازمة لتغيير الحكومات التي تحيك المؤامرات وتقوم بأعمال عدوانية ضد بلد ماِ
لوح صدام الى موسكو بقوله: كنا ننتظر من حكومة ودية كالحكومة السوفيتية، أن تسعى على الأقل الى معرفة الأسباب التي حفزت العراق على تقديم المساعدة لحكومة الكويت الحرة المؤقتةِ (أريد أن أشير بين القوسين هنا الى أن استعمال هذه الرواية الكاذبة بشأن الحكومة المذكورة مقصودا في رسالة الرئيس وذلك مدعاة للأسف في مراسلة في هذا المستوى)ِ
من المفهوم أن رسالة الرئيس العراقي المستلمة لم تتمكن من تغيير موقف الاتحاد السوفيتي أو التأثير سيكولوجيا على ادراك هذا الحدث بالنسبة للقيادة السوفيتية وفق الروح الملائمة لبغدادِ ولم يكن بالنسبة لنا شيئا جديدا ما جاء فيها بأن القوات العراقية ستبدأ انسحابها في 5 أغسطسِ لأن التصريح الرسمي الذي أدلت به بغداد عن هذا الأمر قبل يومين، صاحبته بعض التحفظاتِ ولم يجب السفير على سؤالي عن المدة التي يفترض أن يختتم فيها الانسحاب، مشيرا الى عدم توفر المعلومات الكافية لديهِ
العقوبات الدولية
في غضون ذلك كنا نعرف حسنا الأوضاع في مجلس الأمن ونرى أن الاستياء العالمي يزداد من تحدي بغداد للمجتمع الدولي والأمم المتحدة ومجلس الأمن برفضها اعادة الوضع الى الكويت قبل العدوانِ وتجسد هذا الاستياء في الرغبة بفرض طابع عقوبات واسعة بما فيه الكفاية وعامة وشاملة من ناحية التطبيقِ وبعبارة أخرى، الزامية لدول العالم كافة وليس عقوبات اقتصادية مفككة تفرضها بلدان حيال المعتدي بمبادرتها الخاصة وبحجم اختياريِ ووفقا لميثاق الأمم المتحدة، يمكن لمجلس الأمن وحده فرض مثل هذه الاجراءاتِ وكان مجلس الأمن قد اتخذ هذا الاجراء مرتين فقط قبل أزمة الكويتِ
قرر في موسكو (وللدقة في وزارة الخارجية السوفيتية) بأن استعداد بغداد لتنفيذ القرار 660 هو السبيل الوحيد الذي سيحول دون اتخاذ هذا القرارِ ولأنه لا يوجد متسع من الوقت، تقرر ارسال رسالة جديدة عاجلة الى صدام حسينِ تم تنسيقها واعدادها بسرعة مع ميخائيل غورباتشوف وأرسلت بعد عدة ساعات من استلام رسالة الرئيس العراقي المذكورةِ
لم يكن في خططنا الدخول في مجادلة مع الرئيس العراقي، بل ومن غير الصحيح ترك اللهجة التي اتسم بها الخطاب العراقي بلا رد فعلِ لذا أشير في الرسالة السوفيتية الثانية الى أن الخطاب العراقي استلم وتمت دراسته باهتمام واننا نقدر حق التقدير الصداقة والتعاون مع العراق اللذين كانا يتشكلان خلال أكثر من عقدِ ولكننا لا نستطيع ألا أن نعطي تقديراتنا المبدئية لما حدثِ وقيل كذلك بأننا لا نعتبر بالمرة من أنصار للقرارات العاجلة، غير أنه لا يجوز أن نرى وتيرة الأحداث تتطور الى هذا الحد الذي بدأ بادخال القوات العراقية المفاجئ الى الكويت دون اتخاذ خطوات مناسبة، بما في ذلك في مجلس الأمن كما يطالبنا ميثاق الأمم المتحدةِ وفندت رسالتنا كل الادعاءات العراقية ضد موسكوِ وكما أعتقد فإننا اكتفينا بالحد الأدنىِ
وأشير فيما بعد في الرسالة، الى أننا لم نرغب بعد اتخاذ مجلس الأمن القرار 660، أن يصل الأمر الى فرض العقوبات الالزامية الشاملة ضد العراقِ ومع ذلك فقد تطرح مسألة العقوبات في جدول الأعمال في الوقت القريبِ ولذا ننصح القيادة العراقية بالحاح، كوننا أصدقاء حقيقيين، تنفيذ قرارها الخاص والفعال في سحب القوات من الكويت لأن هذا الاجراء وحده قادر على تغيير الوضعِ وثبتنا الى أنه في حالة حاجة العراق الى يوم أو يومين فقط لدخول الكويت، فلا شيء يحول دون سحب قواته بالسرعة نفسهاِ وأعربنا عن ترحيبنا للعراق في حالة قيامه بمثل هذه الخطوة التي ستسقط مسألة العقوبات من الأساسِ
وأشير في الختام الى أن الاتحاد السوفيتي برهن أكثر من مرة على اخلاصه للعراق ويؤيدها في الحالات الصعبة والى أننا نحرص على المكتسبات الايجابية في علاقاتنا وسنحافظ عليها ونطورهاِ وأعربنا عن أملنا في أن الموقف العراقي سيكون مماثلا لموقفناِ
للأسف لم تصغ القيادة العراقية لنصائح موسكو قط، ولم تتعب نفسها حتى في الرد على رسالة رئيس الاتحاد السوفيتي الثانية أيضاِ والأسوأ من ذلك ظهرت في اليوم التالي في جريدة 'العراق' مقالة معادية للاتحاد السوفيتيِ وبما أن تعدد وحرية الآراء غير مسموح به في العراق، فقد كان من المستحيل نشر هذه المقالة بدون مصادقة من الجهات العلياِ ولا يمكن تقدير ما حصل على غير هذا النحو الذي كان يثير الضجر والانذار اليناِ وفي الوقت نفسه لا يصح التظاهر بأننا سنقبل هذا الموقف ونغمض أعيننا عنهِ لذا نشرت جريدة 'ازفيستيا' في 7 أغسطس حوارا معي تحدثت فيه عن خطوات الاتحاد السوفيتي حيال الأزمة والاتصالات مع العراق وذكرت الوقائع المضجرة التي لم تجمل بغدادِ
بعد بعض الوقت انتهت أسطورة حكومة الكويت المؤقتة الحرة كما كانوا يسمونها باعلان بغداد قيامهاِ وكما انتظرنا لم تضم رجلا كويتيا معروفا ولو قليلاِ زد على ذلك ثبت في الوعي الاجتماعي (بمبادرة من سلطة الكويت الشرعية) الرواية بأن الحكومة المؤقتة شكلت كليا من ضباط الجيش العراقيِ ولذا أضاف ظهور الحكومة الحرة للعالم من الناحية السياسية والدعائية تعقيدات جديدة لبغدادِ وليس من المستغرب أن هذه الحكومة ستصبح بعد أيام صفحة مطوية من التاريخِ
ولم تحدث مشاهد شحن الدبابات من الكويت على مسطحات الشاحنات لأجل اعادتها الى العراق انطباعا لازماِ فمن المحتمل أن وحدات ما أعيدت بالفعل، بيد أن الوحدات الباقية أقبلت بنشاط على التخندق والتحصين، الأمر الذي دل على انعدام نية بغداد الواقعية على الانصراف من الكويتِ
وأثر قرار بغداد المعلن بارسال المتطوعين العراقيين الى الكويت تأثيرا قويا في العالمِ
وفي 6 أغسطس استقبلت السفير العراقي غافل جاسم حسين وقلت له بأننا أطلعنا أعضاء مجلس الأمن على رسالة الرئيس العراقي الى ميخائيل غورباتشوف، واقترحنا عدم الاستعجال في فرض العقوبات الاقتصادية واعطاء بعض الوقت للتحقق من حقيقة موقف العراق من تنفيذ القرار 660ِ ولكننا نضطر للقول بأن الجانب العراقي لم يساعدنا في هذه الجهودِ ويترك لدى أعضاء مجلس الأمن الانطباع بأن العراق لا يستعجل في سحب قواتهِ وأثار العراق بصدد ارسال المتطوعين العراقيين رد فعل سلبيا للغاية في مجلس الأمنِ وهذا الموقف سيستفز مجلس الأمن من أجل اتخاذ الخطوات التاليةِ
قيل لي ردا على هذا، ان الانسحاب قد بدأ، غير أن القيادة العراقية لم تأخذ على عاتقها الالتزام في اطار سحب مؤقت للقواتِ أما فرض الحصار على العراق فإن الولايات المتحدة واسرائيل واللوبي الصهيوني تدفع مجلس الأمن في هذا الاتجاهِ وسأل السفير قائلا: 'هل من الممكن أن يعتني الأميركيون أكثر منا بأخوتنا الكويتيين؟'ِ وأكد ان الرئيس صدام حسين والشعب العراقي معنيان بمصير الشعب الكويتي أكثر من أي شخص آخرِ وقال السفير ان سبب الضغط القاسي للولايات المتحدة بسيط: كان الأميركان يعاملون العراق على الدوام معاملة سلبية جراء موقفها الثابت والحازم من اسرائيل وكذلك لكونه تحول الى قوة جبارة في البوابة الشرقية للوطن العربيِ
التقيت بالسفير من جديد بعد عدة ساعات وبمبادرته هذه المرةِ أخبرنا بأن الرئيس صدام حسين يطلب أن نستقبل في موسكو ممثله الشخصي سعدون حمادي عضو مجلس قيادة الثورة نائب رئيس الوزراء (سأتحدث في الفصل التالي لماذا جاء حمادي الينا)ِ
وفي اليوم نفسه استقبلت سفير الكويت عبد المحسن الدعيجِ وحسب معطياته لم يحدث تغير مبدئي للوضع في الكويتِ ولم يتحقق انسحاب القوات العراقية، بل العكس، تجري تقوية وجود العراق في الكويت كحالة طبيعيةِ وأن كل المؤشرات تدل على أن العراق لن ينسحب بمبادرته، بل يجب تنسيق أعمال الأسرة الدولية للضغط أكثر على بغدادِ وطالب السفير بإلحاح، في ضوء محاولة بغداد تشكيل حكومة موالية لها، أن ندلي بتصريح نؤيد فيه قيادة الكويت السياسية الشرعيةِ
أوفيت هذا الطلب بنشر خبر في اليوم التالي في جريدة 'إزفيستيا' قيل فيه:
'أكد بيلونوغوف انه حتى لا يدور الحديث في اللحظة الراهنة حول اعتراف موسكو بالحكومة الحرة العميلةِ وسنعترف كالسابق بالأمير جابر الصباح كرئيس شرعي للكويت'ِ
المواجهة تلقي بظلالها الرئيسية
العقوبات الاقتصادية وخطواتنا في ضوء الحالة الجديدة:
في 6 أغسطس اتخذ مجلس الأمن بتأييد 13 عضوا (امتنعت كوبا واليمن عن التصويت) القرار 661 الخاص بفرض العقوبات الاقتصادية على العراقِ قدم 10 أعضاء في مجلس الأمن مشروع القرار، ولم يدخل الاتحاد السوفيتي في عداد مؤلفي القرار لأنه كانت لدينا شكوك معينة في كيفية تصرف الجميع: فرض العقوبات الشاملة في البداية أو السير في طريق زيادتها التدريجية إذا استمرت بغداد في الانحراف عن تنفيذ القرار 660ِ وبدا الطريق الثاني لنا أفضلِ غير أن جميع الأعضاء الآخرين في المجلس تقريبا فضلوا الرأي الأولِ واعتقد لو التفت الى الوراء لرأيت انهم كانوا على حقِ
لم نكن نبالغ في موسكو فحسب، بل كانوا يبالغون في عواصم بلدان أخرى أيضا في تقديراتنا في درجة تأثير العقوبات الاقتصادية على العراق وكنا ننتظر أن بغداد ستضطر بعد 2 ـ 3 أشهر لإعادة النظر في موقفها من القرار 660 والانصراف من الكويتِ
لم يحصل هذاِ ولم يكن حتى ذلك الحجم من العقوبات الذي فرض في 6 أغسطس قادرا على ذلك وإن كان القرار حازما: حظر أية أشكال التصدير والاستيراد مع العراق والكويت وكافة الاتصالات المالية معهما والنقل البحري (باستثناء الإمدادات الطبية والغذائية في إطار المساعدة الإنسانية)ِ
وتأسست لجنة منبثقة عن مجلس الأمن تضم في قوامها جميع أعضائه من أجل مراقبة مراعاة نظام العقوبات من كافة الدول وكلفت بالنظر في التقارير الخاصة عن سير تنفيذ هذا القرار وطلب المعلومات الضرورية لهاِ ودعا القرار جميع الدول الى اتخاذ كافة التدابير من أجل الدفاع عن موجودات حكومة الكويت الشرعية وعدم الاعتراف بنظام ما مقام من قبل دولة محتلةِ
صوت الاتحاد السوفيتي الى جانب القرار لأن سلوك بغداد لم يعطنا بديلا آخرِ وأملت وتيرة تطور الأحداث التي وضع العدوان على الكويت بداية لها اتخاذ خطوات مناسبة وسريعة كما يطالب بها ميثاق الأمم المتحدةِ
وكانت لقضية العقوبات ناحية أخرى كانت بالنسبة لنا حينذاك هامة للغايةِ وكانت ثمة جهتان للقضية: أولا، أثبت قرار العقوبات النظر الى أزمة الكويت في أطار مجلس الأمن كهيئة جماعية حيث كانت لنا مواقف قويةِ ثانيا، حول هذا القرار النزاع في مجرى أسلوب الحل السلمي له بالعقوبات الاقتصادية التي وإن كانت دواء مريرا مفعوله طويلِ
ومع ذلك أشار ممثل الاتحاد السوفيتي في تصريحه في مجلس الأمن الى أن قرارنا بالتصويت الى جانب القرار كان غير يسير بالمرة وحتى صعبا لأنه مس مباشرة مجموعة علاقاتنا المتبادلة مع العراق المتكونة على مدى سنوات طويلةِ وكان الجانب العراقي مذنبا بسيره وحده في طريق المغامرة الحربية واضطرنا لقطع نسيج التعاون 'الحي' كما يقالِ
أخبر الاتحاد السوفيتي في تقريره الأول المقدم الى الأمم المتحدة بصدد تنفيذ القرار 661 بأنه:
أوقف كليا إمداد البضائع في عمليات التصدير والاستيراد بما في ذلك الإمدادات العسكرية وكذلك المعدات والمواد وقطع الغيار والشحنات الأخرى الضرورية لتنفيذ الأعمال في المنشآت الاستثماريةِ
توقف كل النشاط التجاري مع العراق والكويت بما في ذلك تبادل الزيارات ورحلات الوفود الاقتصادية، المحادثات الخاصة بتوقيع العقود الجديدة، إنجاز المدفوعات، تقديم القروض أو تحويل الأموال الأخرى، قبول الاختصاصيين للدراسة في الاتحاد السوفيتيِِ الخِ
لم تخرج منذ إعلان القرار سفينة واحدة للبضائع أو المنتجات الأخرى مخصصة الى العراق والكويت من موانئ الاتحاد السوفيتيِ واتخذت كافة التدابير لكي يتم استرجاع الشحنات المرسلة من قبل الى العراق الى الوراءِ حيث تم استرجاع وعودة سفينة معدات عسكرية مخصصة الى العراق والكويت من منطقة الخليجِ
أوقف استلام المعدات العسكرية لغرض الصيانة والتصليح وإعادة المعدات العسكرية التي تم إصلاحهاِ
ـ أوقف إيفاد الخبراء السوفيت الى المنشآت العراقيةِ
وكان الاتحاد السوفيتي يواصل بمثل هذه الدقة المتناهية مراعاة العقوبات المقررة ويقدم بانتظام المعلومات المناسبة الى الأمين العام للأمم المتحدةِ
سأتوقف باختصار لمناقشة مسألة أخرى تخص العلاقات الثنائية السوفيتية ـ العراقية والتي طرحت أمامنا بعد الاستيلاء على الكويت والمتعلقة بمعاهدة الصداقة والتعاون سارية المفعول بين الاتحاد السوفيتي والعراق وموقفنا منها الآن: اعتبروا في وزارة الخارجية أنه لا ينبغي المس بها بالرغم من أعمال بغداد الملومة تماماِ وانطلقنا من أن علاقاتنا مع العراق لا تنتهي بهذا وأن المعاهدة قد تلعب دورا إيجابيا بعد التغلب على الأزمةِ وحافظنا على هذا النهج وان تعرضنا للانتقاد في بعض الحالاتِ ودعا المجلس الأعلى لروسيا الاتحادية السوفيتية الاشتراكية في 12 سبتمبر مثلا الى إيقاف مفعول المعاهدة (أعلنت روسيا في يوليو 1990 سيادتها وادعت بممارسة سياستها الخارجية الخاصة بدون الارتباط بالمركز)ِ
لم تسر الكرملين هذه المسألة التي ركبت أعضاء البرلمان الروسيِ غير أن قرار النواب الروس عكس العقلية السائدة في المجتمع السوفيتي إزاء العدوان العراقي وكذلك الصراع المحتوم من أجل السلطة على السواءِ
دور العقوبات
كان للعقوبات المفروضة على العراق طابع إلزامي وكان الاتحاد السوفيتي ملزما بمراعاتها الصارمة فيما يخص صلاته مع العراقِ وبما أن هذه الصلات كانت تقوم بواسطة الكثير من الوزارات والمصالح السوفيتية، فقد طرحت تلقائيا مسألة اتخاذ الحكومة السوفيتية قرارا مناسبا عن تقصير هذه الصلاتِ وكان الأمر بحاجة الى مركز حكومي ينسق ذلك ويأخذ على عاتقه هذه المسؤولية وتنفيذ القرار 661ِ
أضيف الى ذلك مشكلة أخرى: ما العمل مع آلاف المواطنين السوفيت القاطنين في الكويت والعراقِ وكان واضحا لنا انه ينبغي إجلاؤهم وان لم يكن جميعهم وخاصة أولئك في الكويت المحتلةِ وفي العراق أيضا، أصبح بقاء الخبراء السوفيت العاملين هناك أمرا معقدا وغير مفيد ولا معنى له بسبب إنهاء العلاقات الاقتصادية مع العراقِ وكانت مهمة إجلاء آلاف الناس غير بسيطة وتتطلب تشغيل الكثير من الهيئات والأجهزة والمؤسسات ونفقات مالية كبيرةِ
دفع كل ذلك وزارة الخارجية السوفيتية الى تقديم اقتراح لرئيس الاتحاد السوفيتي بإنشاء مركز مناسب على المستوى الحكومي لتولي الأمرِ تم تأييد هذا الاقتراح وأنشئ المركز بمرسوم رئاسي بتاريخ 8 أغسطس بتشكيل مجموعة عمل بين الوزارات والمؤسسات برئاسة نائب رئيس الحكومة السوفيتية غِ بيلوسوف، مثلت فيه جميع الوزارات على مستوى الوزراء أو نوابهمِ ودخلت أنا و فِ كولوتوشا رئيس إدارة بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هذه المجموعة ممثلين لوزارة الخارجيةِ
عملت المجموعة شهورا عديدة ريثما انحلت مهامهاِ وكان يحدث الجدل والمضاربات بين المؤسساتِ غير أن كل شيء حل بطريقة صحيحة وفاعلة بما فيه الكفايةِ وحصلت الكثير من حالات عدم التفاهم: لماذا يوجد تهديد بسلامة ناسنا، أليس من الأجدر أن ننتظرِِ الخ وكان من الصعب جدا بالأخص تسوية الأمر مع العسكريينِ كنت أفهم شعور الأشخاص الذين بذلوا الكثير من الجهود في تنظيم الاتصالات مع العراق واضطروا الآن لتجميدهاِ وما العمل مع المنتجات المصنعة في العراق أو مع المعدات العسكرية المرسلة من العراق لغرض تصليحها وإعادة النظر في خطط عمل المنشآت وبالأخص الدفاعية وإيجاد العمل للأفراد الذين سيعودون الى الوطن قريبا؟ِ
ينبغي تقدير الجهد الذي بذله إِ بيلوسوف، فقد عمل بكل ثبات ونشاط (ساعد أنه كان في الحكومة مسؤولا عن المؤسسة الصناعية العسكرية وكان من السهل عليه حل بعض المسائل الحساسة وخاصة العسكريين والمؤسسة الصناعية العسكرية)ِ ولحسن الحظ، أدرك بيلوسوف بسرعة أن الخطر يهدد بالفعل مواطنينا في العراق وعمل كثيرا بغية إجلائهم من هناك في الوقت المناسبِ
وأود أن أتحدث عن فرقة الإجلاء الفرعية التي وقع عليها الكثير من العمل التنظيمي اليومي (إرسال الطائرات، عقد اللقاءات وتوزيع الناس، التأمين الماليِِالخ)ِ ولا أتحدث هنا عن التعقيدات الخطيرة التي صاحبت تأجيل رحيل المواطنين السوفيت والعوائق التي ابتكرتها السلطات العراقية في طريق ترحيلهمِ
كان إعداد أمر مجلس وزراء الاتحاد السوفيتي خطوة هامة أولى في عمل المجموعةِ أصدر الأمر في 16 أغسطس بتوقيع رئيس الحكومة نيكولاي ريجكوف ورسم فيه للوزارات والمؤسسات التي لها علاقة بالصلات التجارية والاقتصادية والمالية مع العراق والكويت اتخاذ كافة التدابير المطلوبة من أجل تنفيذ القرار 661 الصادر عن مجلس الأمن واتخاذ الإجراءات الملموسة في تخفيف خسائر البلد الى حدها الأدنى نتيجة انتهاء العلاقات الاقتصادية والتجارية والمالية مع العراق والكويتِ وأنشأ هذا القرار أساس القواعد الضروري وسهل في درجة كبيرة عمل المجموعةِ
أردت أن أضيف أن وزارة الخارجية السوفيتية قد أرسلت قبل تشكيل المجموعة وفور اتخاذ مجلس الأمن قراره 661 الى كل حكومات جمهوريات الاتحاد السوفيتي والى جميع الوزارات والمؤسسات التي لها علاقة مع العراق والكويت نص هذا القرار وأبلغتها بضرورة تغيير العلاقات المتبادلة مع هذين البلدين بشكل ينسجم مع قرار مجلس الأمنِ وبالتالي تم تجميد كافة أشكال التعاون مع العراق والكويت بلا تأخيرِ

الكرملين وأزمةالكويت (7)

في 7 أغسطس طلب مني السفير الأميركي في موسكو جورج ميتلوك لقاء عاجلا وقدم لي رسالة شفهية عاجلة لأدوارد شيفرنادزه من وزير الخارجية الأميركي، أخبر نظيره فيها بأن الولايات المتحدة ستنشر بطلب من الحكومة السعودية في هذا البلد قواتها الجوية والبريةِ ثم تلا هذا الخبر توضيح الأسباب التي أملت القرارِ وأعطيت التأكيدات المهمة كما جاءت في الرسالة: لا ننوي استخدام هذه القوات لأجل أهداف معينة سوى صد العدوان العراقيِ ويمكنكم أن تكونوا على يقين بأن قواتنا المسلحة ستستخدم للدفاع عن المملكة العربية السعودية وأننا لن نبادر في شن أية عملية عسكريةِ ومازلنا نؤمن بأن أفضل طريقة لوضع حد للعدوان العراقي هي توظيف الوسائل غير الحربيةِ
تحول ومفاجأة
هكذا عرفوا في موسكو ان تحولا جديدا قد رسم في تطور أزمة الكويتِ وكان هذا بالنسبة لي مفاجأةِ فقبل ذلك بقليل أجبت عن سؤال الصحافيين عن كيفية تطور الأحداث فيما بعد على النحو التالي (أستشهد بالجريدة): 'قال بيلونوغوف أنه لا يجوز للأسف استبعاد تصاعد وتيرة النزاع وعلى سبيل المثال دخول الولايات المتحدة في عملية عسكريةِ ويرى بأن ذلك قد يحدث في حالتين: أولا، اذا حصل للمواطنين الأميركيين في الكويت أي مكروهِ وثانيا، اذا هاجم العراق السعوديةِِِ سوف لا تسلم واشنطن بالعدوان على حليفها الأكثر متانة في الشرق الأوسطِ وسيفضل الأميركان ألا يصل الأمر الى التصادم المكشوف مع العراق، لسبب أنهم غير مستعدين له بعدِ فالقوة الأميركية الموجودة في المنطقة غير كافية لكي تقارع جيشا من مليون شخص مزودين بالأسلحة الحديثة ومجربين بحرب الثماني سنوات القاسية ضد ايران'ِ
استنتجنا من خبر بيكر أن الأميركان قرروا الآن تقوية هذه الحلقة الضعيفةِ ولم يكن ثمة وضوح كاف فيما يخص مقدار هذه التقوية وأهدافهاِ وطلب ميتلوك مني ابلاغ شيفرنادزه بالرسالة بأسرع وقت ممكن لكي يعرف مقدما عن هذا الموضوع الذي ينوي بيكر التكلم عنه بالهاتف معهِ
حديث مزعج
وبالفعل، تكلم بيكر في المساء نفسه مع وزيرنا وحتى مرتينِ كان الحديث الأول صعبا وأظنه مزعجا لكلا المتحدثينِ فقد أعرب وزير الخارجية السوفيتي عن عتابه العادل على أن تصرف الولايات المتحدة مخالفا لما اتفقا عليه في موسكو وبادرت من طرف واحد في خرق مبدأ المشاورات المتبادلةِ زد على ذلك تتصرف على عجل دون أن تنتظر كيف سترد بغداد على قرار فرض العقوبات الاقتصادية الصادر حديثاِ وكان بيكر ينجو من هذا العتاب المتدفق بالاشارة الى أن أعمال الولايات المتحدة لا تتعارض مع قواعد القانون الدولي، وزعم أن العملية دفاعية هدفها مساعدة بلد صديق مقرب للولايات المتحدة لا يستطيع رد ضربات العراق في حالة انزالها به، وأن الولايات المتحدة نفسها لا تنوي مهاجمة العراق ولن تلجأ لاستخدام القوة اذا لم يمل ذلك مصلحة الدفاع عن حياة مواطنيها في الكويتِ
وأشار شيفرنادزه الى أن الوضع سيسخن الآن بلا شك وأنه سيكون من الصعب حل المشكلة بالوسائل السياسية، وقال انه مع ذلك يبقى موقفنا بلا تغيير: عدم المراهنة على أساليب القوةِ وأضاف لبيكر، انه من المهم الآن عدم تصعيد المواجهة والتمسك بحزم بالأعمال الجماعية والمنسقة في اطار الأمم المتحدةِ
قال بيكر في المكالمة الهاتفية الثانية انه أبلغ الرئيس جورج بوش بالحديث الذي جرى بينهماِ وطلب الرئيس أن ينقل الى القيادة السوفيتية انه سيدلي بتصريح يشير فيه من كل بد، الى أن نشر القوات الأميركية في المملكة العربية السعودية هو اجراء مؤقت له طابع استثنائي، وأنه ليست للولايات المتحدة نوايا ما للهجوم على العراقِ وركز بيكر في حديثه على واقعة تصريح صدام حسين في 6 أغسطس للقائم بالأعمال الأميركي في بغداد جيمس ويلسون بأنه لا يمكن أن تحدث في الكويت عودة الى الماضي وأن النظام الحالي سيبقى هناك ماسكا زمام الحكمِ ونوه بيكر بأن هذا دفع الى اتخاذ القرار النهائي في صدد نشر القوات في السعوديةِ
الحارس الرئيسي
ويترك مما سيكتب فيما بعد عن مضمون حديث صدام حسين مع الدبلوماسي الأميركي بأن بغداد كانت تنطلق في تلك اللحظة من امكانية اقناع الأميركان بالموافقة على اقامة نظام موال للعراق في الكويت وحثهم على المراهنة على عراق صدام حسين بصفته الحارس الرئيسي للمصالح الأميركية في المنطقةِ
وأسبغ صدام حسين في حديثه مع جيمس ويلسون طابع الرسالة الشفهية الى الرئيس الأميركيِ وكان يتكلم عن قصة العلاقات الأميركية ـ العراقية المتشكلة بصورة غير متساوية، مركزا الاهتمام على سعي بغداد لأن تكون لها علاقات ليست عادية مع الولايات المتحدة، بل وثيقة متأسسة على الاحترام المتبادل لمصالح بعضهما البعضِ وقال صدام حسين: 'العراق مليء بالرغبة في احترام المصالح الدولية الشرعية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط'ِ وصرح الرئيس العراقي أثناء حديثه بأن اهتمام الولايات المتحدة في الاقليم هو النفط، وذكر بأن ثلث النفط العراقي كان يوجه الى أميركاِ وشدد على أن المصالح النفطية الأميركية ستؤمن على أفضل وجه من قبل 'النظام الوطني والقوي واقعيا'ِ
تجدر الاشارة الى أنه قد قيل شيء مشابه في عام 1983 لوزير الخارجية الأميركي في ذلك الوقت شولتس راغبا (أي صدام) في اقناع الأميركان بأن العراق الأفضل من السعودية بالنسبة للولايات المتحدة لأنه أقوى منهاِ
وذكر الزعيم العراقي الكويت تحت ظل حكم آل الصباح بتهكم وأفهم بوضوح أن التغييرات الجارية هناك لا رجعة فيهاِ ونفى في الوقت نفسه تعليقا على اجراءات العراق ضد الكويت أنه كان قد أعطى وعدا لأحد ما من الزعماء العرب بعدم الاعتداء على الكويتِ بل شدد بالأخص على معاهدة عدم الاعتداء المبرمة مع السعودية وأنه سيراعي مبادئها بشكل مقدسِ وعلق صدام حسين على أنباء مرابطة القوات العراقية على خط الحدود مع السعودية بالمختلقة بهدف 'اعطاء الحجة للتدخل في شؤون المنطقة وتبرير العدوان على العراق'ِ
وفي غضون ذلك أنذر الولايات المتحدة من التدخل في شؤون دول الخليج وفي 'العلاقات الأخوية' بين العراق والسعودية قائلا: 'أن العلاقات الطيبة بين العراق والسعودية لا تعود بضرر ما على الولايات المتحدة، بل هي أحد عوامل الاستقرار في المنطقةِ لذا سيخل التدخل في العلاقات بين العراق والسعودية باستقرار المنطقة وسيلحق أضرارا بمصالح الولايات المتحدة'ِ
ولم ينته الأمر بدون توجيه التهديداتِ فقد لوح صدام حسين الى أنه في حالة عقد الصلح بين العراق وايران ستجد الولايات المتحدة نفسها في 'حالة صعبة' واذا بدأت الحرب فستهزم فيهاِ
وأورد مقتطفا مما حصل مع جيمس ويلسن كما جاء في كتاب بوش وسكوكروفت يستشهد فيه ويلسون بأقوال صدام حسين:
'اذا رغب الرئيس بوش في المحافظة على المصالح الأميركية كما وصفها نفسه فإن تصعيد التوتر والخيار العسكري يناقضان هذه المصالحِ سأقول لكم كيف ستنهزمون: انكم القوى العظمى وأعرف أنه في وسعكم الحاق الخسارة بناِ ولكنكم أنفسكم ستفقدون المنطقة كلهاِ ولن يتسنى لكم اخضاعنا أبداِ ستتمكنون من تدمير جزء من قاعدتنا الاقتصادية والصناعية، ولكنه بقدر ما تكبر الخسارة التي ستلقونها بنا، بقدر ما تورطون أنفسكم في حالة أصعبِ لن نجلس في مثل هذه الحالة في المنطقة دون عمل 'ونكش الذباب'ِِ انقلوا للرئيس بوش أن عليه أن ينظر الى أمير الكويت وولي عهده كأنهما تاريخِ لن نعيد الكويت الى أحد ما أبدا ولن نجعلها غنيمة باردة حتى لو اجتمع العالم بأسره ضدناِ سنقاتل ونقاتلِِِ نعرف أنكم دولة عظمى قادرة على الحاق الضرر الكبير بنا، بيد أننا لن نستسلم أبدا'ِ
سعى صدام بنقله الرسالة الى بوش بواسطة ويلسون للحيلولة دون ظهور القوات الأميركية في السعوديةِ وبلا شك كان هذا الهدف الرئيسي لدعوة القائم بالأعمال الأميركي من قبل الرئيس العراقيِ غير أن هذه الخطوة لم تأت بالنتيجة المرغوبة: لقد جنحت واشنطن تجاه المواجهة العسكريةِ ولم تتمكن ثقة صدام بنفسه من تثبيت عزيمة واشنطن فحسب، بل لتلقين بغداد درسا قاسياِ ومن أجل ذلك حشدت قواتها المناسبة في منطقة الخليجِ
ضم الكويت
كان العدوان العراقي على الكويت خطأ بلا شكِ ومن المرجح أن أصوله كانت تعود الى التقدير غير الصحيح لطابع ونطاق ردود الفعل الذي أثاره في العالمِ
لم تزل بعد الحرب العالمية الثانية أية دولة ذات سيادة عن الخريطة السياسية نتيجة الاستيلاء أو الاحتلالِ ولا يسمح القانون العالمي المتجسد في ميثاق الأمم المتحدة بذلكِ ولم تتمكن كيفية وتدابير الضم في تضليل أحدِ
كانت وسائل الاعلام العراقية تعلن بغطرسة ان 'حكومة الكويت المؤقتة توجهت الى اخوانها العراقيين أبطال القادسية وحراس البوابة الشرقية للوطن العربي الذين يقودهم فارس الأمة العربية وزعيم مسيرتها البطولية المهيب صدام حسين بنداء طالبته فيه بالموافقة على عودة الأبناء الى عائلاتهم وعودة الكويت الى حضن الأم العراق العظيم'ِ واتخذ مجلس قيادة الثورة العراقي في اليوم نفسه قراره ب 'الموافقة'ِ وبدا كأن الكويت زالت من الوجود، والصحافة العراقية استمرت بحماس تستشهد بأقوال صدام حسين: 'عاد الفرع الى الأصل' و'عاد الغصن الى جذعه'، 'نحن الآن شعب واحد ودولة واحدة ستصبح فخرا للعرب'ِ
وكان رد فعل المجتمع الدولي سريعا وذا مدلول واحدِ ومن جانبنا أعددنا بتكليف القيادة بفاعلية نص تصريح وزارة الخارجية السوفيتية (المؤرخ في 9 أغسطس والمنشور في اليوم نفسه) الذي ثبت فيه أسفنا في أن الأمل في حل سريع للأزمة لم يحدثِ فلم يسحب العراق قواته من الكويت فحسب، بل وأعلن عمليا ضم هذا البلدِ وجاء في التصريح: 'يصعب علينا ويوجع صدورنا عندما نصف على هذا النحو أعمال العراق، البلد الذي تربطنا به علاقات ودية قديمةِ فقد أردنا الحفاظ على هذه الصداقة، غير أننا لا نستطيع في هذه الحالة أن نقف ساكتين ونتصرف خلافا لضميرناِ ويبقى موقفنا حيال هذه المسألة مبدئيا وثابتا: يجب أن تعود بالكامل سيادة دولة الكويت واستقلالها ووحدتها الاقليمية'ِ
انحصرت خصوصية هذا التصريح في أنه كان مرسلا علاوة لبغداد، الى واشنطن أيضاِ لأن الحديث يدور فيها عن نشر قواتها المسلحة في السعوديةِ حيث جاء في التصريح ان 'الاتجاه الى تصعيد الأزمة يتزايد بسرعة للأسف، ويثير تطور الوضع قلق موسكو'ِ وذكر أيضا انه من المهم جدا في مثل هذه الظروف ابداء الرشد واستخدام البصيرة من أجل الحيلولة دون وقوع أعمال تحرج القضيةِ وقيل ان 'الاتحاد السوفيتي يعارض المراهنة على استخدام القوة واتخاذ القرارات من جانب واحدِ وتثبت تجارب السنوات العديدة ان أفضل طريقة لحل النزاعات هي اتحاد الجهود الجماعية وفق آلية الأمم المتحدة بالكامل'ِ
ليس من الصعب ادراك ما أثارته هذه السطورِ فقد اتخذ مجلس الأمن الذي اجتمع بطلب من الكويت والبحرين وقطر والامارات العربية وعمان والسعودية بالاجماع القرار 662 الذي أعرب فيه عن القلق العميق جراء اعلان العراق 'التوحد كليا والى الأبد' مع الكويتِ وقرر ان 'ضم الكويت الى العراق، مهما كان شكله وحججه غير شرعي وباطل'ِ ودعا مجلس الأمن جميع الدول والمنظمات الدولية الى 'عدم الاعتراف بهذا الضم والامتناع عن أية أعمال أو اتصالات يمكن تفسيرها كاعتراف غير معلن بالضم'ِ وطالب مجلس الأمن بأن 'يتخلى العراق عن كل الخطوات الموجهة نحو ضم الكويت'ِ وسمع أعضاء مجلس الأمن ردا على ذلك من ممثل العراق في الأمم المتحدة ما يلي:
'تصرح حكومتي من جديد بأن وحدة العراق والكويت لا تتزعزع'ِ وأعلن صدام حسين في 10 أغسطس في خطابه الدوري الضاج 'الجهاد' ضد كافة القوات الأجنبية في الخليجِ ودعا جميع المسلمين للانضمام اليه من أجل 'الدفاع عن المقدسات الاسلامية في مكة من التطاولات الأميركية والصهيونية'ِ
القمة العربية ومبادرة صدام
وضع ضم الكويت المعلن من بغداد حكومات الدول العربية في موقف لا يمكنها الا أن تستنكر هذا الفعلِ وبطبيعة الحال، حصل بكل ما يحمل من خصائص تتعلق بموقفي الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينيةِ وكان موقف العالم العربي موحدا بما فيه الكفايةِ غير أن هذا لا يعني ان تصرفات بعض الزعماء العرب الموالية للعراق انتهت بذلكِ كانوا يستمرون باستنكار الضم قولا وعمليا يبحثون عن صيغة قرار يرضي بغدادِ ومزجت أكثرية البلدان العربية التي لم تدخل في تحالف ضد صدام حسين موقف 'لا' المزدوج: لا لضم الكويت، لا للحضور الأجنبي في منطقة الخليج (الغربي والعربي على السواء)ِ
انشقاق سياسي
أضعف الانشقاق السياسي الناشئ في العالم العربي بحدة امكانية التأثير على الوضع في الاقليمِ فلو قام جميع رؤساء الدول العربية بالضغط المتفق عليه على بغداد، لكان بامكان ذلك تحويل مجرى الأحداث نحو الحل السلميِ
ومع ذلك، كانت موسكو تعلن عن أسفها للانشقاق الحاصل والذي أصبح واقعاِ واستمرت بعملها النشيط معللة نفسها بآمال باهتة لكي لا تسقط دور العامل العربي من الحسبانِ وانطلاقا من هذا، أعدت وزارة الخارجية السوفيتية عندما علمت عن عقد لقاء القمة العربية الاستثنائي في القاهرة خطابا (أقره ميخائيل غورباتشوف) موجها للرئيس المصري حسني مبارك جاء فيه ان الاتحاد السوفيتي اتخذ منذ البداية موقفا واضحا وثابتاِ وأشير في الخطاب الى أن موقفنا ليس فيه أي شيء معاد للعراقِ بل العكس، كنا نسعى لمساعدة العراق للخروج بأدنى خسارة من الوضع الذي أوقع نفسه فيهِ ومن وجهة نظرنا، سمح تنفيذ قرار مجلس الأمن 660 بالتوصل الى هذا بلا اهانة لهيبة العراقِ وأعرب الرئيس السوفيتي عن ترحيبه بعقد لقاء رؤساء الدول العربية العاجل وتمنى له النجاح في البحث المشترك عن امكانية اخماد الحريق في الخليج واعادة السلام والاستقرارِ ولكنه وانطلاقا من عدم تعديل بغداد لتصريحاتها، لم تقبل القيادة العراقية كما كان ينبغي لقاء القمة العربية ودروسهِ وبدلا من ذلك، بدأ نضالها من أجل تعبئة الرأي العام العربية واثارة عواطف 'الشارع العربي' بنشاطِ
وأعتقد ان علينا أن ننظر الى مبادرة صدام حسين المعلنة في 12 أغسطس من هذا الجانب، والتي حددت هدفين: 'المساعدة على اقامة السلام الحقيقي في المنطقة واعادة الاستقرار اليها وكشف خداع الولايات المتحدة وحليفتها الحقيرة اسرائيل وكشف النقاب عن خدمتها للجرائم التي ترتكبها'ِ وبسط مضمون المبادرة في ثلاث نقاط: الأولى، اقترح بسبب تقادم الأحداث، انسحاب القوات الاسرائيلية من الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية ومن ثم انسحاب القوات السورية من لبنان وأخيرا انسحاب القوات العراقية والايرانية من الأراضي التي تحتفظ كل منها بهاِ وبعد كل ذلك يمكن مناقشة مسألة الكويت، ولكن 'مع الأخذ بنظر الاعتبار حقوق العراق التاريخية في الكويت وخيار شعب الكويت'ِ الثانية، انسحاب القوات الأميركية والقوات الأخرى من السعودية واستبدالها بقوات عربية حسب خيار مشترك للعراق والسعودية وبعدم مشاركة مصرِ وطالبت النقطة الثالثة بتجميد كافة تدابير المقاطعة والحصار ضد العراق بلا تأجيلِ
محاولة للمماطلة
رفضوا في الغرب فورا مبادرة العراق وقدروها كمحاولة رامية للمماطلة في مسألة تخص الكويت بتقديم مشاكل التسوية العربية ـ الاسرائيلية التي يصعب حلهاِ وبالفعل لم تلق المبادرة بشكلها وبمضمونها قبولا آخرِ فقد توجهت الى المستمعين العرب وفي العراق نفسه، آخذة في الاعتبار استثمار العواطف العربية تجاه القضية الفلسطينية والكراهية المنتشرة بصورة واسعة ضد الولايات المتحدة في العالم الثالث على السواءِ وقرروا في بغداد بعد أن اقتنعوا بأن واشنطن انتقلت بحدة وحزم من سياسة مداعبتها الى معارضتها بأنه لم يبق لها شيء سوى رفع علم معاداة الولايات المتحدةِ وحصلت بغداد على مردود سياسي معين من ذلك بلا شك، بل أكثر منهِ
فمن المفهوم أن منظمة التحرير الفلسطينية رحبت بحماس بالمبادرة العراقية، بيد أن صوت هذه المنظمة فقد سمعته لوقت ما عندما شهرت بها مساندتها الاستيلاء على الكويتِ
وطرح أمام موسكو السؤال: كيف ينبغي الرد بالفعل على هذه الحالة؟ لم نرد التزام الصمت ولا ينبغي أن يحصل هذاِ فقد كانت تطرح مختلف الأسئلة من الصحافيين واهتم العراقيون أيضا بموقفنا من مبادرة رئيسهم 'التاريخية'ِ وفي رأيي أن صدام حسين دخل في ورطة لعدم واقعية مبادرته والتهديدات التي حملتهاِ وكان فيها شيء مفيد واحد: الاشارة الى عدم تسوية النزاع العربي ـ الاسرائيليِ وبما أن الاتحاد السوفيتي كان يقدم خلال سنوات عديدة أفكاره الخاصة بعقد مؤتمر دولي لمناقشة التسوية الشاملة في الشرق الأوسط، فإن ذلك ذكر بمقترحاتناِ ولأن مشكلة الكويت خرجت الى الواجهة السياسية وتتفاقم أكثر فأكثر، فقد كانت تغلف في جوهر الأمر، فرصة الانتقال للنظر الى المشكلة العربية ـ الاسرائيلية العتيقة والمؤلمةِ
لم تستنكر موسكو المبادرة ولم تمدحها علانيةِ وكان أدوارد شيفرنادزه يجيب عن أسئلة الصحافيين على النحو التالي تقريبا: 'أظن ان ثمة عناصر تستحق الاهتمامِِِ ندرس تفاصيل خطاب الرئيس العراقي كافةِِ غير أننا كنا نعطي في أحاديثنا مع العراقيين تقديراتنا الصريحة تماما على هذه المبادرةِ وأشرنا الى خطر نهج بغداد في المماطلة لحل النزاعِ وكانت المبادرة موضوع حديثي مع السفير العراقي في 16 أغسطس حيث أشرت الى نقاط الضعف فيها وقبل كل شيء المطالبة بسحب القوات المتضمنة في المبادرة باحتلال أراضي الغيرِ وكذلك استشهدت من جديد ب 'حقوق العراق التاريخية' في الكويت واضطررت للادلاء بوجهة نظرنا في خطورة هذه الاشارةِ وأكدت للسفير اننا لا نستطيع الموافقة على ضم الكويت ونرى على وجه العموم ان استناد السياسة المعاصرة على حجج قديمة من أجل تخطيط الحدود أمر خطير للغايةِ وضربت له مثلا من التاريخ الروسي، فقد كانت فنلندا وبولندا قبل الحرب العالمية الأولى تدخلان في قوام الامبراطورية الروسيةِ بينما لا يشك أحد الآن، بما في ذلك الاتحاد السوفيتي في استقلالهماِ وثمة الكثير من الأمثلة من هذا القبيلِ فقد نشأت العشرات من الدول المعاصرة على أنقاض الامبراطوريات السابقةِ ويكون من غير الشرعي الغاؤها من الخريطة السياسية أو وضع متانة الحدود المتكونة تحت الشكِ واعتبرنا هذا مبدأنا الأساسي وكنا ندافع عنه وسندافع عنه في المستقبل أيضاِ واذا خرق أصدقاؤنا هذا المبدأ فسنقول لهم بصراحة اننا لا نسلم بذلك'ِ وسأعود لاحقا الى مبادرة العراق المؤرخة في 12 أغسطسِ
وما أن أعلن صدام حسين مبادرته 'للتسوية الشاملة'، زار الملك حسين واشنطنِ وكان قد زار بغداد قبلهاِ حاول العاهل الأردني امالة الرئيس بوش الى تأييد المبادرة العراقية ولم ينجح في ذلك بطبيعة الحالِ وعرف بوش في النتيجة ان الملك حسين يلعب دور شفيع بغداد، وأدى ذلك الى تبريد العلاقات الحارة جدا بين البيت الأبيض والملك الأردنيِ

نتائج القمة العربية

استمر لقاء القمة يومين (9 و10 أغسطس) بشكل عاصف ومتوتر وساعد على ذلك سلوك الوفد العراقيِ لم يصل صدام حسين الى اللقاء وان كان مدعواِ وقوض غياب الرئيس العراقي في لقاء القمة فرصة البحث العملي عن القرار المقبول ودلت طريقة ظهور الوفد العراقي نفسها في القاهرة على الكثيرِ فقد وصل الوفد العراقي الى القاهرة بصحبة مائة جندي مزودين بالبنادق الرشاشةِ
وبالرغم من سلوك ممثلي العراق القاسي وعملهم النشيط في أروقة اللقاء، لم يتسن لهم تحقيق مهمتهم الرئيسية وهي الحيلولة دون اتخاذ قرار رسمي للقمة حول جوهر المسألة الخاصة بالكويتِ زد على ذلك، ساعد عدم الرغبة العنيفة للمصالحة التي أبداها العراقيون في لقاء القمة في تكتل أكثرية رؤساء الدول العربية ضد العراق وخاصة فيما يخص مستقبل الكويت كدولة مستقلةِ
وأكد لقاء القمة على قرار مجلس جامعة الدول العربية المتخذ في 3 أغسطس وعلى بيان منظمة المؤتمر الاسلامي المؤرخ في 4 أغسطس وأشار الى طابع القرار 660 الالزامي لمجلس الأمن واستنكر العدوان على الكويت وأقر عدم الاعتراف بضمها مؤكدا على سيادة الكويت واستقلالها وأيد عودة حكومتها الشرعيةِ وأصبح قرار القمة العربية الخاص 'بالرد ايجابيا على طلب السعودية وبلدان الخليج العربية الأخرى بارسال القوات المسلحة العربية لأجل مناصرة قواتها الخاصة من أجل الدفاع عن أراضيها وأمنها الاقليمي من أي تدخل خارجي'، ظرفا جديدا ومبدئياِ وبارك لقاء القمة بذلك انضمام القوات المسلحة العربية الى القوات متعددة الجنسياتِ ومنذ الآن فلن تواجه القوات العراقية القوات المسلحة الأميركية فحسب، بل ستواجهها أيضا القوات العربية التي لا تقع في الخليجِ وأضفي الى تلك القوات المتشكلة 'ايميج' التحالف الدولي الذي تمتع بتأييد سياسي من قبل المنظمة العربية الرئيسيةِ
صوت مع هذا القرار 12 بلدا عربيا وعارضته ليبيا والعراق وامتنع عن التصويت الأردن واليمن والجزائر وأعلن عن تحفظات مختلفة كل من السودان وموريتانيا ومنظمة التحرير الفلسطينيةِ ولم تشترك تونس في لقاء القمةِ
وكان توزيع الأصوات في لقاء القمة دليلا بالطبع، على انعدام الوحدة في العالم العربيِ غير أن انعقاد القمة بحد ذاته وطبيعة قراراته دل على أن العالم العربي لا ينوي التسليم بما فعلته بغداد متخذا نهج الضغط عليها بغية دفعها للانصراف من الكويت اختيارياِ
أردنا أن تقبل بغداد بقرار قمة القاهرةِ وأعلنا تقديراتنا لنتائج القمة في بيان وزارة الخارجية السوفيتية المؤرخ في 11 أغسطس والذي جاء فيه: 'نرحب بادراك العرب لدورهم ومسؤوليتهم بمصير السلام والاستقرار في الشرق الأوسط وعن ضرورة حل الأزمة الناشئة في الخليج بأسرع وقت ومنع تحويلها الى حريق كبير سيلحق خسائر باهظة بمصالح الشعوب العربية والأمن والسلام الدوليين'ِ
وشددت جامعة الدول العربية موقفها من العراق في 31 أغسطسِ حيث لم تطالب بخروجه من الكويت فحسب، بل بدفع التعويضات لها مقابل الخسائر التي ألحقتها بهاِ وكان ذلك ردا على أولئك العرب الذين اقترحوا ان يحصل العراق على مبلغ ما لقاء انصرافه من الكويتِ

الكرملين وأزمةالكويت (8)

من المرجح انه لم يثر في المجتمع الدولي الرفض بلا قيد أو شرط كما أثار اجراء العراق بضم الكويتِ ولم يساعد أي شيء آخر على الاسراع بتكوين التحالف السياسي والعسكري كما فعله هذا التصرفِ وفي الحقيقة، كانت بغداد تضرب بيدها وبسلاحها نفسها وشعبهاِ
وهكذا، أصبح تشكيل القوات متعددة الجنسية من الناحية القانونية الرد على دعوة الكويت لمساعدتها وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة بسبب تعرضها لعدوان ارتكب ضدهاِ وبما أن أراضي الكويت نفسها قد احتلت، فمن الممكن تمركز القوات في البلدان المجاورة أو الواقعة على مقربة منهاِ وكانت هذه البلدان في المقام الأول السعودية والبحرين والاماراتِ والسعودية دعت القوات الأجنبية بعد أن وجدت نفسها بتماس مباشر مع التشكيلات العراقية الضخمة في الكويت وكان ذلك أساسا قانونيا اضافيا أيضاِ
وانحصر أحد أخطاء بغداد الخطيرة في أنها اعتدت على الكويت بقوات تتجاوز كثيرا تلك التي كانت بحاجة اليها للاستيلاء على البلدِ حيث اشترك في التدخل جيش قوامه 120 ألف شخص لا يحتاج سوى 48 ساعة للقفز على آبار السعودية النفطية الرئيسية لو طرحت هذه المهمة أمامهِ
أقلق هذا الأمر السعودية بالطبع وكذلك البلدان المستهلكة للنفطِ وكان العامل النفطي، أحد أقوى حوافز تكوين قوات التحالفِ وامتزجت مهام تحرير الكويت والدفاع عن السعودية وتأمين المصالح النفطية حالا وعمليا مع بعضهاِ
المشاركة السوفيتية
ولعبت الولايات المتحدة دور الزعيم في تشكيل قوات التحالفِ لهذا حصلت على المناصب الرئيسية في هذه القوات (كانت السعودية مشاركة في قيادة العمليات)ِ وشاركت الدول الأخرى بشكل طوعي ولم تغفل واشنطن وسائل التشجيع (اطفاء الديون، المساعدة المالية الجديدة، امدادات الأسلحةِِالخ)ِ غير أن دبلوماسية بوش الشخصية ورحلات بيكر الكثيرة والمتعددة الى الخارج كانت الأدوات الرئيسية لتشكيل هذا التحالفِ فقد أجرى الرئيس بوش في أغسطس ـ سبتمبر 231 مكالمة هاتفية مع رؤساء الدول الأخرى بشأن قضية الكويتِ ولم تلبث نتائجها أن تظهر بوضوح بتشكيل قوات التحالف بسرعة نسبيا وعلى أساس دولي واسع ومركب عربي واسلاميِ وكان هذا الأمر مهما للغاية من الناحية السياسيةِ غير أن القوات المسلحة الأميركية كانت في جميع المراحل باستثناء المرحلة الأولى، العمود الفقري للقوات وهيكلها الرئيسيِ
أفهم جيمس بيكر في مكالمة هاتفية مع أدوارد شيفرنادزه عن قرار ارسال القوات الأميركية الى العربية السعودية بوضوح وأضاف بأنه لا يعارض بالمرة ظهور تشكيلات عسكرية سوفيتية أيضا في هذا البلدِ وكان الأميركان يعودون الى هذه المسألة أكثر من مرة على مختلف المستويات بما في ذلك الرئاسيةِ وعلى سبيل المثال طلبوا منا المشاركة في قوات التحالف لأجل مراقبة الملاحة في الخليج والبحر الأحمرِ وتوجهت الكويت الينا بطلب مماثل (كانت تريد أن يشارك في القوات الدولية البحرية جميع أعضاء مجلس الأمن الدائمين)ِ
أرسل الاتحاد السوفيتي الى الخليج سفينة متوسطة مضادة للسفن ومدمرةِ ليس للمشاركة في قوات التحالف، بل كما أعلن رسميا، من أجل مساندة السفن التجارية السوفيتية اذا اقتضى الأمرِ فالاتحاد السوفيتي قد اعتذر قبلا عن المشاركة في تأمين الحصار البحري ضد العراق، في وقت كانوا يرغبون بنشاط في مشاركتنا في الاجتماعات التنسيقيةِ
وتوجهت لنا المملكة العربية السعودية بطلب المشاركة في قوات التحالف البريةِ وكانت المسألة جدية بالطبعِ ولحسن الحظ، تكون في موسكو اتفاق كامل للآراء حول ضرورة امتناع الاتحاد السوفيتي عن قبول هذه الدعواتِ لم يكن موقفنا معاديا للكويت أو السعوديةِ وكانت التعليلات قبل كل شيء منصبة على خصائص الحقبة الصعبة الداخلية التي تمر بها بلادنا في ذلك الوقتِ ولم يدر الحديث عن ارسال قوات الى الخارجِ بالاضافة الى ذلك، كانت موسكو كما قد أشير، تميل الى تذليل أزمة الكويت بواسطة الحلول السلمية بالحوار مع بغداد والضغط السياسي والاقتصادي عليها وتقوية هذا الضغط اذا اقتضى الأمر وكانت تعارض التدابير العسكريةِ
تملص الاتحاد السوفيتي مسترشدا بهذا النهج وحتى من تلك الطلبات كالمشاركة في نقل القوات وأسلحة البلدان المشاركة في التحالف بواسطة السفن التجارية السوفيتية الى منطقة الخليج (طلب الأميركان والسوريون منا هذا بشكل خاص)ِ
وكانت موسكو في الوقت نفسه، تعتبر أن النواحي العسكرية ينبغي أن تبقى ضمن اختصاص مجلس الأمن كما تقضي بذلك المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تؤكد على الترابط المتبادل بين حق الدول في الدفاع الذاتي والجماعي وبين صلاحيات مجلس الأمنِ وكان من المهم تأمين ذلك النظام الذي يستبعد امكانية تشغيل آلية القوات المتعددة الجنسية بدون موافقة مجلس الأمنِ وكانت الدبلوماسية السوفيتية تمارس هذا النهج وتذود عنه بلا تغييرِ
وقدم الاتحاد السوفيتي بنشاط فكرة اجراء هذا العمل في اطار هيئة الأركان العسكرية التي تشير اليها المادة 47 من ميثاق الأمم المتحدة بهدف تقوية آلية الأمم المتحدة بشكل أوثق من أجل مراقبة الوضع العسكري والسياسي في منطقة الخليج واعداد التوصيات اللازمة لمجلس الأمنِ وعلى هذه اللجنة التي تتكون من رؤساء هيئة الأركان العامة للأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن أو ممثليهم أن تعطي وفقا لميثاق الأمم المتحدة 'النصائح وتبدي المساعدة لمجلس الأمن في كافة المسائل العسكرية التي تساعد المجلس على احلال الأمن والسلام الدوليين'ِ
غير أن 'الحرب الباردة' قضت على هذه الهيئة بالكسل ووجودها أصبح شكليا و'عملها' انحصر في لقاءات دورية للممثلين العسكريين للدول الخمس وكان يجري انتخاب واحد منهم كرئيسِ واستمر حالها على هذا النحو أكثر من 40 سنةِ
وخلال الحرب العراقية ـ الايرانية وعندما نشأت مشاكل حرية الملاحة في الخليج، اقترحت موسكو تفعيل لجنة الأركان العسكرية بغية تحديد الخطوات الجماعية الممكنة، غير أنها لم تحصل على تأييد حينذاكِ
وطرح الاتحاد السوفيتي الآن، عندما بدأ تشكيل قوات التحالف هذه المسألة من جديد أمام الولايات المتحدة وأعضاء مجلس الأمن الدائمينِ ومن المفهوم أن سبب الطرح لم ينبع من الرغبة في المحاربة، بل في توطيد امكانيات مجلس الأمن لكي يقوم بهيبة وتوازن بدوره ليس بمناسبة الحالة الكويتية فحسبِ
وعندما حاولنا بعث هيئة الأمم المتحدة انسجاما مع الظروف الدولية المعاصرة، وضعنا في حسابنا المستقبلِ وكيفية تطوير قدراتها لكي تستطيع التغلب على حالات تتخذ لها طابعا عسكرياِ وكنا نعتقد أن الأزمة العراقية ـ الكويتية لن تكون الأخيرةِ ولذا كان من الواجب التفكير في كيفية تعامل الأمم المتحدة مع مثل هذا النوع من المشاكل في المستقبلِ
فتح شيفرنادزه الموضوع عن لجنة هيئة الأركان العسكرية مع بيكرِ وكنت التقي مع سفراء البلدان الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن لغرض توضيح موقفناِ ونبهتهم الى انه من الممكن ضم أعضاء مجلس الأمن غير الدائمين ودول أخرى على أساس اختياري الى لجنة هيئة الأركان، فذلك لا يخالف الميثاقِ ورأينا بأن ذلك يضمن الحفاظ على الموقف الديموقراطي من استخدام اللجنة عند المحافظة على دور الدول الخمس المتصدر للآخرينِ تسنى لنا هذه المرة تحريك الصخرة من مكانها بعض الشيءِ فقد تمت المشاورات في بداية الأمر مع الولايات المتحدة ومن ثم مع أعضاء مجلس الأمن الآخرينِ وعقدت جلسة غير رسمية للجنة هيئة الأركان العسكرية في نيويورك واشترك فيها نائب رئيس هيئة الأركان العامة السوفيتيةِ ولكن الأمر جمد فيما بعد (وليس بذنبنا بطبيعة الحال)ِ غير أنه وضعت بداية ما ولو متواضعة لبعث نشاط لجنة الأركانِ
نهب الكويت
ليس ثمة حاجة للكلام عن متابعتنا المحيرة والضجرة والقلقة من سلوك بغداد وأخطاء القيادة العراقية الفاحشة التي كانت ترتكب الواحد تلو الآخرِ وكان نمط سلوك العراقيين في الكويت أحد هذه الأخطاءِ
كنا نستلم من سفارتنا أخبارا تبعث القلق أكثر فأكثر في هذا الصددِ وكانت صورة الكرب الواقع ترسم بايجاز بواسطة البرقيات المشفرةِ وعندما عاد مواطنونا من الكويت تمكنوا من التحدث بالتفصيل عما عانوه ورأوهِ وبدا وضع البلد المحتل قبيحا جداِ
ونشرت جريدة 'ايزفيستيا' في عدة أعداد نبذة عن مراسلها في الكويت بوريس ايفانوف كشاهد عيان للأحداثِ ويتفق حديثه مع ما سمعته من أعضاء بعثتنا الدبلوماسية الذين عادوا الى موسكو في آن واحد معهِ وأردت ايراد بعض المقاطع من هذه الشهادة التي أثرت تأثيرا على تشكيل موقف المجتمع (الروسي ـ ج) من الأحداث في منطقة الخليجِ
كتب الصحافي: 'يقبض صدري عندما أرى كيف ينهبون العاصمة ويدمرونهاِ صحيح أنه لم تحدث في بداية الأمر حالات السلب والنهبِ لكنه بدأ التكلم عنها بعد عدة أيام من الغزوِ وبحكم كل شيء وبعد أن أدركت بغداد بأنه لم يتسن لها تشكيل 'الحكومة الثورية الجديدة' المذعنة لها من الكويتيين، تخلت عن هذه النية وسلمت المدينة للمنتصرين ليستبيحوها كما كان يحدث في أوقات الحروب في القرون الوسطىِ وعندما أعلن العراق ضم الكويت بلغت حالات النهب والسلب حدا ساحقاِ
اليكم بعض المشاهد التي رأيتها في شوارع عاصمة الكويت في تلك الأيامِ يقف جندي عراقي وسط المدينة في أحد الشوارع التجارية الرئيسية وأمام واجهة أحد محال المجوهراتِ يمعن النظر باهتمام في المصوغات الموضوعةِ يختارِ ثم يرفع عن كتفه البندقية الرشاشة ويهوي بمؤخرتها على الزجاجِ بعدها يأخذ كل ما هو موجود ويدسه في جيوبهِ
يناقش قرب هذا المكان عدة جنود بهمة على ما يبدو نتائج 'حرفتهم'ِ ويعرض أحدهم يده مطوقة بعشر ساعات تقريباِ ثم يخرج من حقيبته صندوقا من الكرتون يحوي جهاز استقبال ومن ثم الصندوق الثاني والثالثِِ
أصبحت الحقائب والكراتين لوازم العراقيين العادية كالسلاحِ وكانت المحال الصغيرة والدكاكين الضحايا الأولى للنهبِ ثم انتقل العراقيون الى المحلات الفاخرةِ ووصلت تكنولوجيا النهب بمرور الوقت الى الكمالِ كان الضابط يقترب مع جنوده بالسيارة من المحل التجاري المختار من قبلِ يحطم الجنود البوابة ويشحنون بانتظام البضائع في السيارةِ ولم يكونوا ينهبون بالمفرد، بل بالجملةِِ
وجاء أسبوع الاحتلال الثاني ببدعة أخرىِ بدأت تصل من العراق الى الكويت قوافل 'قطاع الطرق' تحملهم الباصاتِ وعلى أثرهم كان النهابون يندفعون بسياراتهم الشخصية وحتى بالتاكسيِِ
كانت المدينة تندفع في نهاية الأسبوع الثالث من الاحتلال نحو الظلامِ وأصبح مركز المدينة الذي كان يتميز في الماضي القريب بالنقاء الفائق الى مقلب للزبالةِ وغطت الشوارع بقايا الزجاج المكسر وحطام الخرسانات والأمتعة الملقاة بفوضىِ فبعد بداية العمليات الحربية أنهت مرافق الخدمات أعمالها في المدينةِ وتراكمت في الأحياء السكنية تلال النفايات وكان خطر تعرض المدينة لأوبئة شديدا خاصة ان الحرارة بلغت 45 درجة مئويةِ
كان الغزو العراقي بالنسبة لغالبية سكان الكويت مفاجأة وصدمة كبرىِ ولم تصل القوات العراقية الى الكويت بحرية كما كانت بغداد تؤكد ذلك علنا، بل صاحبتها المشاكل والتهديد والجوع والتخريب والخوف حتى على حياة أفراد القوات أنفسهم'ِ
وكان سكان الكويت الذين تسنى لهم ترك بلادهم يتحدثون عن صور مشابهة وأكثر مأساةِ ومن بينهم المواطنون الأجانب العاملين هناك: الهنود، الباكستانيون وعشرات الجنسيات الأخرىِ وامتلأت الصحافة العالمية وقتذاك بهذه الأحاديثِ
تقسيم الكويت
وبدا لبغداد أن الاعلان عن مزج الكويت بالعراق غير كافِ وقرروا هناك تقسيم الكويت نفسهاِ ففي نهاية أغسطس نقل القسم الشمالي من الكويت الى احدى محافظات العراق، بينما أعلن القسم المتبقي بالمحافظة العراقية ال 19. وأعيدت تسمية عاصمة الكويت الى مدينة كاظمة، لكي لا يذكر شيء عن الكويت كدولةِ
وبعد ضم الكويت انتابني شعور بأن الحالة لو تطورت على هذا النحو فمن المشكوك فيه اجتناب الحربِ وكان هذا الشعور يقوى بما تظهره بغداد بمختلف الطرق عن عزمها عدم مغادرة الكويتِ لم أخف أسوأ شكوكي في حتمية انهزام العراق لو وصل الأمر الى الحرب عن زملائي في وزارة الخارجية وخارجها ولا عن العراقيينِ وتكون لي من مناقشاتي مع أدوارد شيفرنادزه انطباع بأنه كان ينظر خلال شهور الأزمة الأولى الى الحالة ليس بهذا القدر من العتمة، ظانا بأن صدام حسين كانسان يفكر بشكل واقعي لابد أن يتوقف لحظة ما من أن يمني نفسه بالأوهام ويكف عن البلفِ ومع ذلك لم تكن هذه الثقة بالنتيجة الأفضل تحول الوزير من النضال من أجل حل الأزمة سلميا ووضع هذه المهمة بالمقام الأولِ
عموما، دار الحديث عن اخلاء آلاف الأشخاص والوقت الذي سيستغرقه ذلك والذي كان يبدو غير كافِ ولهذا السبب استعجلت موسكوِ وقامت سفارتنا في بغداد والقنصلية العامة في البصرة بعمل كبير في توضيح حقيقة الأمر وأتت جهودهما بالنتائجِ بدأ الخبراء يصلون ببطء في المراحل الأولى ثم أسرع فأسرع بعد أن أدركوا بأن مزاج الطرب السائد لدى العراقيين بعد ضمهم للكويت تضليل يهدد بالتحول الى مأساة لكل من يقف على أراضي العراقِ
وبرزت صعوبة أخرى التغلب عليها عقد من المسألةِ وهي عدم سماح السلطات العراقية لمواطنينا بالرحيلِ وفي هذا الصدد لابد من التوقف عند موقف بغداد الحازم تجاه المواطنين الأجانب الذين كانوا في الكويت والعراقِ
لا يجوز استبعاد فكرة استخدام الأجانب كأداة للضغط على حكومات تلك البلدان التي ينتسبون اليها في عداد عناصر بغداد السياسية في تحييد العمل المضاد للاستيلاء على الكويتِ ففي 4 أغسطس أعلن عن ترحيل مجموعة الأجانب الأولى باعتبارهم غير مرغوب فيهم (35 مستشارا عسكريا انكليزيا عملوا مع القوات الكويتية و10 بحارة عملوا في ناقلة النفط الأميركية الراسية في ميناء الكويت)ِ وسمع في 5 أغسطس من اذاعة بغداد الانذار التالي: يجب أن تتذكر تلك البلدان التي تلجأ الى معاقبة حكومة الكويت الحرة المؤقتة أو العراق الشقيق بأن لها في الكويت مصالحها ومواطنيهاِ
بدأت حملات الاعتقال في 6 أغسطس في الكويتِ ونقلت مجموعات الأجانب وبالأخص الأميركيين الى العراقِ وفي النتيجة تم نقل مئات الأجانب بمن فيهم النساء والأطفال من بلدان: الولايات المتحدة، انكلترا، فرنسا، ألمانيا، ايطاليا، بلجيكا، هولندا، البلدان الاسكندنافية، استراليا، اليابان وبعض البلدان الأخرى قسرا من الكويت الى العراق حيث تم احتجازهمِ وأخبرت بغداد في 9 أغسطس بأنه لن يسمح لآلاف الأجانب الموجودين في الكويت والعراق بتركهماِ واتخذت حملة حجز مواطني البلدان الغربية (وليس وحدهم) طابعا شاملا تقريباِ
بناء على ذلك، أعرب مجلس الأمن في 17 أغسطس عن قلقه على مصير الأجانب في العراق والكويت وتوجه الى الأمين العام للأمم المتحدة بطلب اتخاذ كافة الاجراءات الضرورية لأجل حل هذه المشكلةِ ولكن لم تمر عدة ساعات حتى أحرجت شفتا رئيس البرلمان العراقي الوضع أكثرِ عبرت كلماته عن أن جميع مواطني بلدان التحالف سيحجزون في العراق طالما خطر العمليات العسكرية لم يزل قائما ضدهِ وأنهم سيوزعون على المنشآت العسكرية والحساسة العراقية أو على مقربة منها بغية استبعاد امكانية انزال ضربة عسكرية على هذه الأهدافِ بعبارة أخرى، حولوا الناس الآمنين الى 'دروع حية' من أجل المحافظة على الكويت كغنيمة حربِ
لم يتمكن مجلس الأمن من السكوت ورد بالفعل على الخرق الجديد للقانون الدولي باتخاذه القرار 664 في 18 أغسطس الذي طالب فيه بأن 'يسمح العراق بترحيل مواطني البلدان الثالثة من الكويت والعراق فوراِ والسماح لممثلي القنصليات من الاتصالات الدائمة معهم وأن يتخذ كافة الاجراءات التي تضمن سلامتهم وصحتهم'ِ وطالب مجلس الأمن في الوقت نفسه بأن تلغي الحكومة العراقية أوامرها باغلاق البعثات الدبلوماسية والقنصلية في الكويت ونزعها الحصانة من العاملين فيهاِ
أعقب القرار رد قيادة العراق الفوريِ ففي 19 أغسطس تلت اذاعة بغداد رسالة صدام حسين المفتوحة الى أقرباء الأجانب المحتجزينِ وجاء فيها بأنهم سيبقون في الكويت والعراق الى الوقت الذي يسحب فيه الغرب قواته من منطقة الخليج واعطاء تعهد بعدم الاعتداء على العراقِ وحتى ذلك الوقت سيغطي المحتجزون، وكما اسماهم صدام حسين بالضيوف الأجانب، المنشآت العسكرية والحساسة في العراق والكويتِ
واقترحت بغداد بسخرية على مجلس الأمن بأن يقر جدول سحب القوات الأجنبية من منطقة الخليج وأشارت الى أن انسحاب القوات يجب أن يتم في المواعيد التي لا تتجاوز تلك التي تطلبت ادخالهاِ ولم يذكر في متن الرسالة أي شيء عن مصير الكويت، بل حذر المذنبين (بغض النظر عن جنسيتهم) الذين سيخفون الأجانب والذين حظر خروجهم من العراق والكويت بأنهم سيتعرضون للاعدامِ
وسمح في الوقت ذاته برحيل مواطني بعض الدول الغربية التي لم 'تتخذ اجراءات غير ودية ضد العراق': النمساويين، السويديين، السويسريين والفنلنديينِ ولم تسع بغداد في هذا التصرف لاثارة الانفعالات الانسانية فحسب، بل لاثارة الفتنة بين بلدان الغرب بعضها مع البعض الآخرِ
ودفعت موجة الاستياء التي عمت الكثير من بلدان العالم بغداد لأن تصحح بعض الشيء نهجها ازاء الرهائن بسماحها للنساء والأطفال بالرحيلِ
لم يعتقلوا الخبراء السوفيت في العراق ولم يعرضوهم للاضطهادِ الا أنهم لم يعطوهم تأشيرات خروج لمختلف الحججِ ولهذا السبب كان السيل الضعيف لرحيل الخبراء السوفيت من العراق يثير قلق موسكو وضجرها الكبيرِ لم يمتلك أحد الحق في حجز مواطنينا خلافا عن ارادتهم لأنهم لم يخرقوا القوانين المحليةِ أما انهاء أعمالهم في العراق قبل المواعيد المثبتة فجاء بسبب أعمال بغداد غير الشرعية والخطر الناشئ على حياتهم وسلامتهمِ واذا كان للعراق ادعاءات ما، فمن الواجب تقديمها ليس للأشخاص العاديين، بل ضد المؤسسات السوفيتية التي وقعت العقود معهاِ وكان يقلقنا أكثر أن الجزء الأكبر من الخبراء كانوا يعملون في جنوب العراق والكثير منهم قرب الكويت مباشرةِ
وكانت مشكلة رحيل خبرائنا تحل بألم بذنب الجانب العراقي وحدثت أعمال عصبية من قبل الناس في أغلب الأحيان أحرجت العلاقات السوفيتية ـ العراقيةِ وباعتقادي فإن بغداد فقدت بحجزها الخبراء السوفيت أكثر مما كسبت، لا سيما أنه لا معنى لوجودهم بفقدانهم العمل في سير العمليات العسكريةِ

مشكلة الرهائن

كانت أمامنا في ذلك الوقت القضية الأهم: المواطنون السوفيت في الكويتِ وكان لدينا هناك في 2 أغسطس 883 موفدا عن مختلف الوزارات والمؤسسات بينهم 94 امرأة و67 طفلاِ وأصبح بقاؤهم في الكويت المحتلة خطراِ زد على ذلك بدأت أزمة المواد الغذائية وحتى ماء الشرب لأن نظام التموين كله أصيب بالخلل حالاِ
وفي 9 أغسطس اتخذ بناء على اقتراح وزارة الخارجية السوفيتية قرارا بتوقيف عمل جميع المؤسسات السوفيتية في الكويت بشكل مؤقت واجلاء كافة مواطنينا من هناكِ وأخبرنا الجانب العراقي بأن مغادرة بعثتنا الدبلوماسية وعودتها الى الاتحاد السوفيتي لا يعني موافقتنا على قرار بغداد باغلاق كافة البعثات الدبلوماسية في الكويتِ ويعني هذا أن الاتحاد السوفيتي سيبقى يحافظ على العلاقات الدبلوماسية مع دولة الكويتِ وفسرت هذا الأمر لسفير الكويت في موسكوِ
افترضت طريقة أكثر ملاءمة لاخلاء الناس من الكويت بواسطة البحر أو الجو بتنظيم وصول احدى سفننا اليها أو رحلات خاصة ل 'ايروفلوت' (شركة الطيران السوفيتية الوحيدة التي كانت موجودة في ذلك الوقت ـ ج)ِ غير أن العراقيين رفضوا طلباتنا الكثيرة معللين ذلك بأن مطار الكويت وميناءها مغلقانِ وبقي الطريق الوحيد للاجلاء هو سيارات النقل عبر العراقِ وبما أن السلطات العراقية أغلقت المجال الجوي للعراق نفسه بوجه الطائرات الأجنبية بما فيها طائرات 'ايروفلوت'، فكانت العاصمة الأردنية عمان أقرب نقطة كان من الممكن تنظيم اقلاع الطائرات لمواطنينا الى الوطنِ والطريق الى هناك ليس بقريب: 725 كيلومترا من الكويت الى بغداد و1285 كيلومترا من بغداد الى عمانِ والاجمالي أكثر من 2000 كيلومتر في ظروف حرارة شديدةِ ولم يكن ثمة خيار آخر ووجب الاستعداد للرحيلِ
حصل أن سفيرنا زفيريف كان أثناء الاستيلاء على الكويت في موسكوِ وقرر العودة الى الكويت على عجل بسبب تعقيد مسؤولية اغلاق مؤسساتنا في الكويت وتأمين رحيل منظم لمواطنيناِ سافر فورا الى عمانِ غير أن بغداد لم تسمح له بدخول الكويت بالرغم من تفسيرنا لهم بالمهام المكلف بهاِ بقي أسبوعين في عمان ينتظر سماح السلطات العراقية وبعد أن تعذر الحصول على الاذن عاد الى موسكوِ وكان هذا الموقف مميزا في تلك الأيام وانعكاسا لموقف بلدنا في تلك المرحلة من الأزمةِ
تم اخلاء المواطنين السوفيت من الكويت بأربع مجموعات في الفترة من 15 حتى 24 أغسطسِ واستخدموا لأجل ذلك كافة السيارات الموجودةِ ووصلت المجموعة الأخيرة الى موسكو مباشرة من بغداد بعد أن فتحت السلطات العراقية مجالها الجوي أخيرا بعد أن توجهنا اليهم بطلبات كثيرةِ
واثر اخلاء الجالية السوفيتية من الكويت، جاء دور مواطنينا في العراقِ كان تعدادهم 7791 شخص منهم 639 امرأة و274 طفلاِ وكانوا موزعون في العراق (في بغداد 910 اشخاص وفي ضواحي العاصمة وشمال العراق وجنوبه 5800)ِ وعانينا من صعوبة الاتصال بهم وتنظيم اجلائهم بشكل عامِ ومع ذلك نجحنا في اتمام المرحلة الأولى: اخلاء النساء والأطفال في مواعيد موجزة بدأت في 27 أغسطس وانتهت في 31 منه (وصل الى موسكو في هذه الفترة قرابة 900 شخص برحلات خاصة ل 'ايروفلوت')ِ
غير أن الأمر مع رجال الجالية كان أعقد بكثير لأسباب ينحصر أهمها في الأمل العشوائي الذي كان يتملكهم في تسوية المشكلة بطريقة ما عندها تنتفي الحاجة للرحيلِ وكان من السهل ادراك عقلية السوفيت المبعوثين بمأمورية الى الخارج، فقد طوق سفر الناس للعمل في الخارج بالكثير من العراقيل واذا وقعت بأيديهم الفرصة السعيدة فلا يريدون العودة قبل الموعد بطبيعة الحالِ

الكرملين وأزمةالكويت (9)

يعود بنا سير الأحداث الى موضوع العقوبات الاقتصادية التي انحصرت مهمتها في اغلاق قنوات تصدير النفط لغرض منع بغداد من التمتع بالمصدر الرئيسي لايرادات العملةِ وكان النفط يصدر قبلا، بثلاثة خطوط أنابيب: العراقي ـ التركي، حيث تتم اعادة شحنه بواسطة ناقلات النفطِ والخطان الآخران يؤديان الى السعوديةِ
أغلقت أنقرة الخط فورا بعد فرض العقوبات الاقتصادية من مجلس الأمن، بينما تأخرت السعودية قليلا في اتخاذ اجراء مماثل، خشية اعطاء العراق حجة لدخول أراضيهاِ ولكن بعد أن وصلت القوات الأميركية اليها أوقف العمل في خطي الأنابيبِ
وفي النتيجة بقي للعراق طريقة واحدة لنقل النفط بواسطة ناقلات النفط عبر الخليجِ وقرر الاستفادة منها حتى لو خرق نظام العقوباتِ فقد خرجت خمس ناقلات عراقية في أواسط أغسطس محملة بشحنات النفط الى الخليجِ لم يعرف اتجاهها ولكنه افترض أن يكون ميناء عدن اليمني موقع توقفها الأولِ ومهما كان الأمر، فقد برزت تلقائيا ماهية رد الفعل العراقي، حيث أهمل القرار 661 الذي فرض العقوبات الالزامية والاجراءات والتدابير الواجبة لتنفيذهِ ولم يكن تقصيرا من جانب مجلس الأمن، لأنه لم يرغب في القفز على الأحداث والتهديد باستخدام القوة مفترضا أن بغداد لم تخرق العقوبات عن عمدِ غير أن الأحداث أخذت بالتطور حسب سيناريو آخرِ أقلق الأمر مجلس الأمن بما في ذلك الاتحاد السوفيتيِ لذا احتلت مسألة مراعاة العقوبات المكان المناسب في المحادثات التي جرت في موسكو مع عضو مجلس قيادة الثورة ونائب رئيس وزراء العراق سعدون حمادي الذي وصل توا الى العاصمة الروسيةِ
كان حمادي أحد مؤسسي حزب البعث في العراقِ ودافع عن أطروحة الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي من جامعة فيسكونس الأميركية ودخل مبكرا في المحيط المقرب لصدام حسين شاغلا مختلف المناصب في الحكومةِ وكان لوقت ما وزيرا للخارجيةِ وكانوا يكلفونه دائما بتمثيل مصالح البلد في الندوات والمحادثات المختلفة، آخذين في الاعتبار خبرته الكبيرة كدبلوماسي واقتصاديِ وصل الى موسكو بعد أن زار عددا من العواصم محاولا اقناع محدثيه في شرعية ضم الكويت وعدم عدالة العقوبات المفروضة على العراقِ
قبلوا في موسكو زيارة حمادي بجد يحدوهم الأمل في أنها ستساعد في توضيح واعطاء أفكار أدق عما يدور في عقلية بغداد والأهم البحث عن حل للأزمة والحيلولة دون تفاقمهاِ أجرى شيفرنادزه الحديث مع حمادي خلال ثلاث ساعات وحضرته كاملا، الأمر الذي يمكنني من التحدث عن بعض الانطباعات عما جرى به وكيفية ادارته وما حمل من نتائجِ
الانسحاب دون خسارة
تحدث شيفرنادزه طوال الوقت بلهجة محترمة وخاصة وأشار منذ البداية الى اننا كنا نقدر على الدوام العلاقات مع العراق حق التقدير ونعمل كثيرا من أجل تطويرها (أورد الأرقام والوقائع) وأردنا مواصلة هذا النهج فيما اذا تلغى العقبة في طريق ذلك وهي ضم الكويتِ لم يخف الوزير أي شيء وقال بصراحة ان السبب الرئيسي لتفاقم الحالة هو العدوان المسلح على الكويت الذي أعطى كل الأسس لتوسيع الحضور العسكري الأجنبي المكثف في منطقة الخليج، الأمر الذي يعارض المصالح السوفيتيةِ وأشار الى أن النزاع العربي ـ الاسرائيلي تأثر هو الآخر بعد انسحابه الى الظل بعد الاعتداء على الكويتِ وقال الوزير انه ينبغي الاستعجال لحل المشكلة حيث الوضع يتفاقم باستمرار وأن ما يمكن التوصل اليه اليوم، سيكون أصعب بكثير غداِ وأعرب عن ثقته بأنه من الممكن الآن الخروج من الأزمة بدون أن يخسر العراق وقيادته سمعتهماِ فاذا أظهر العراق استعداده للانصراف من الكويت فسيسقط الأساس لوجود تلك القوات التي لم تكن في منطقة الخليج من قبلِ وأعرب الوزير عن ثقته بأن انسحاب القوات سيكون الحل الأكثر معقوليةِ
كان رد حمادي مخيباِ واستبعد كليا امكانية أي حل يمس بوحدة الكويت والعراقِ وكان يسهب في موضوع العلاقات بين العراق والكويت، مؤكدا انه لا يمكن مقارنتها بالعلاقات بين الدول الأخرى، لأن الكويت، كما زعم، كانت على الدوام جزءا من العراق الذي لم ولن يعترف باستقلالها أبدا ولذا لا ينبغي التحدث عن العدوان لأن العراق لم يتعد على حدود دولة أجنبيةِ وكانت هذه الأقوال تتناوب مع الاتهامات 'بأن الكويت كانت تحيك منذ بداية الحرب العراقية ـ الايرانية المؤامرات' وبأن 'المملكة العربية السعودية والامارات والكويت كانت تعد الخطط لاسقاط النظام في العراق' وأن 'السعودية كانت الحلقة الرئيسية للمؤامرة' (ومع ذلك لم يمنع الاتهام الأخير حمادي من التأكيد بأنه لا توجد للعراق نوايا عدوانية ضد السعودية وأن بغداد مستعدة لضمان أمنها)ِ
وحاول حمادي كذلك تركيز الاهتمام على التباين بين مصاعب العراق الاقتصادية وازدهار الكويتِ ورد شيفرنادزه على ذلك مستشهدا بالأرقام قائلا ان مستوى معيشة السوفيت أدنى من مستوى معيشة الألمان واليابانيين الذين حاربهم الاتحاد السوفيتي وأن هذا لا يمكن أن يكون سببا لاعتدائنا على هذين البلدين الأغنى مناِ
وأعرب حمادي أكثر من مرة وفي مختلف المناسبات عن عدم موافقة بلاده على نهج الاتحاد السوفيتي في مجلس الأمنِ واضطر وزيرنا لأن يشرح له في كل مرة بأن أفعال العراق لم تبق للاتحاد السوفيتي خيارا آخرِ ومهما حاول حمادي أثناء اللقاء تغيير موقف الاتحاد السوفيتي من جوهر الأزمة الكويتية فإنه لم يستطع بلوغ الغاية المبتغاة ولم يبلغهاِ
أظن ان هدف الزيارة الرئيسي انحصر في دفع الاتحاد السوفيتي الى السير في طريق تخطي العقوبات الاقتصاديةِ فبعد أن ذكر لنا عن الديون العراقية للاتحاد السوفيتي، أبدى الاستعداد لتغطيتها خلال سنة ونصف السنة بامدادات النفط العراقي الفورية المكثفة والبدء بعلاقات اقتصادية واسعة النطاق ووثيقة بما في ذلك في مجال السياسة النفطيةِ وأكد حمادي في غضون ذلك، ان عددا كبيرا من الدول، كما زعم، قد دخل في اتصالات مع بغداد لمناقشة مسائل شراء النفط العراقي وكان الصف الأول من طابور الراغبين قد اصطف وقد يتأخر الاتحاد السوفيتي اذا أبطأِ وردا على سؤال شيفرنادزه: أين سيقع عرض الجانب العراقي الخاص بالنفط من نظام العقوبات المفروضة من قبل مجلس الأمنِ أجاب حمادي بشكل مميز: 'ان هذه مشكلتكم'ِ ورد عليه شيفرنادزه بثبات ان الاتحاد السوفيتي صوت الى جانب القرار الخاص بالعقوبات وسيراعيه بلا اعوجاجِ
وعاد شيفرنادزه عدة مرات خلال حديثه الى مسألة الرهائن الأجانب في العراق والكويتِ وحاول الوزير اقناع حمادي بأنهم 'فقدوا الكثير لدى الرأي العام العالمي من الناحية السياسية والمعنوية'ِ وأنه لن يأتي توزيع الرهائن على المنشآت العسكرية والمواقع الأخرى بنتائج عملية، لأن الأمر لو وصل الى الحرب فإنهم سيفعلونها بلا احتراسِ ونصح شيفرنادزه بتغيير النظرة الى الرهائن بشكل جوهري ورفع المشكلة سيكسب العراق المنفعة بدون شكِ وقيل ردا على هذا بأن أحدا ما لم يضطهد الأجانب وأن الرئيس صدام حسين أمر بانزالهم بأحسن البيوت وأنه تقدم اليهم أفضل الخدمات التي لا تقدم الى العراقيينِِِ الخِ
كان حمادي يتصرف ويتحدث بثقة ودلت بعض آرائه على المزاج الرائق في بغداد ومبالغتها الواضحة في تقدير امكاناتها الخاصةِ
اقوال سخيفة
وبدا لي أن ادوارد شيفرنادزه أجرى الحديث حتى بلطف مفرط وكأنه لا يلاحظ بعض الأقوال غير اللبقة وحتى السخيفة للضيفِ وأشار الوزير في ختام الحديث الى أن الحالة معقدة ونتائجها قد تنذر بعواقب وخيمة وغير متكهن بها والى ضرورة البحث عن حل سلميِ وأبدى استعداده لتفعيل الاتصالاتِ وقال اننا سنبعث الى بغداد والعواصم العربية سفير المهمات الخاصة ميخائيل سيتينكو ونحن على استعداد لارسال أشخاص على مستوى آخر وقبول الممثلين العراقيين في موسكو أيضاِ
أجرى حمادي مباحثات مع نائب رئيس الوزراء بيلوسوف حيث دار الحديث بشكل رئيسي حول المسائل الاقتصاديةِ فقد جمد فرض العقوبات الكثير من أشكال التعاون ومن المهم لكلا الجانبين التفاهم المتبادل بصدد ما حدث ومناقشة مراحل تنفيذ بعض العقود وما ينتج عن ذلك لكلا الطرفينِ
واحتلت مسألة اجلاء خبرائنا من العراق نظرا لتفاقم الوضع فيه حيزا هاما في الحديثِ
وكللت اقامة حمادي في موسكو باستقبال رئيس الوزراء السوفيتي نيكولاي ريجكوف لهِ عرض رئيس الحكومة السوفيتية من جديد موقف بلادنا المبدئي من مسألة ضم الكويت وأكد نية الاتحاد السوفيتي على مراعاة نظام العقوبات بصرامة وأعرب عن أمله في أن ينفذ العراق قرارات مجلس الأمنِ
وبمبادرة من الجانب العراقي، تم في 21 أغسطس لقاء آخر بين حمادي وشيفرنادزهِ لم يكن طويلاِ بدأ حمادي الحديث بقوله ان العراق سيتخذ موقفا مرنا من مسألة تحرير الأجانب المحتجزين، لكنه اشترط أن تترابط هذه المرونة بمرونة أخرى ستظهر حيال العراق (بعبارة أخرى أكد حمادي الموقف من الرهائن ومواصلة النية في استخدامهم كأداة ضغط)ِ
وردا على السؤال في ماهية هذه المرونة قال حمادي ان عليه أن يعود الى بغداد ويناقش ذلك مع قيادتهِ رد شيفرنادزه على ذلك بقوله ان جميع الشعوب شديدة الحساسية تجاه مشكلة الرهائن ودعا الى التفكير بدقة في مسألة تحرير جميع المحتجزين ونصح العراق بأن لا يضع نفسه بمواجهة مجلس الأمنِ
والمسألة الأخيرة التي تناولها حمادي هي القرار المعد في مجلس الأمن الهادف لتوطيد نظام العقوبات الذي يعطي الحق في ايقاف وتفتيش أية سفينة تتوجه من والى العراقِ وكان حمادي يصر على أن الاتحاد السوفيتي لا ينبغي له أن يسمح باتخاذه قائلا ان هذه التدابير لا سابق لها و 'ستؤدي للحرب لأن ذلك سيتسبب حتما بالمصادمات العسكرية'ِ وشرح قائلا: 'نحن لسنا من تلك الفئة التي تسمح بخنقها وسنعمل كل ما بوسعنا من أجل احباط قرار العقوباتِ وسيفشل هذا القرار لأن أكثرية الدول أقامت اتصالات مع العراق وصرحت بأنها ستشتري نفطنا'ِ رد شيفرنادزه فعلا على هذا الخليط من الطلبات والتهديدات على النحو التالي: بغض النظر عما اذا اتخذ مجلس الأمن القرار المذكور أو لم يتخذه فان ناقلات النفط العراقية ستوقف في كل الأحوال من قبل قوى التحالفِ وعلى العراق أن يحدد على عجل موقفه من الشيء الأهم وهو عدم تنفيذه لحد الآن موضوعا واحدا من القرار 660 ولم يقم بخطوة واحدة للمقابلةِ وزد على ذلك انه يتحدى من جديد مجلس الأمن بارسال ناقلات النفطِ
وأشار الوزير الى أن الاتحاد السوفيتي غير معني بتسريع اتخاذ القرارِ غير أن موقف العراق لا يعطي خيارا آخرِ يمكن تأجيل القرار يوما أو يومين، لكنه بدون أن يحدد العراق موقفه على عجل في المسألة الأهم فإن المصادقة على القرار لابد منهاِ
وقال حمادي في ختام الحديث: 'وضعنا القرار في الزاوية وسيضطرنا للدفاع الذاتي عن أنفسنا ولا نريد أن يفرض شيء علينا'ِ
في 23 أغسطس أخبر سفير العراق نائب رئيس الوزراء بيلوسوف ردا على توجهنا بصدد الأجانب بأن الرئيس صدام حسين وافق على رحيل جميع الأجانب من البلد باستثناء مواطني الولايات المتحدة وألمانيا الاتحاديةِ
للأسف كل ما قاله السفير كان تضليلا، ليس بالنسبة للمواطنين السوفيت فحسب، بل لمواطني البلدان الأخرى أيضاِ سيبقى مواطنونا وباقي الرهائن ثلاثة أشهر أخرى أداة للتخويف الصفيق والسمسرة السياسيةِ
في قلب الخارجية السوفيتية
انحصرت المهمة الرئيسية في الاتجاه الأميركي في استبعاد الحل العسكري (توقف كل شيء هنا على بغداد) أو تأجيله على الأقل الى أقصى حد، على أمل أن تثوب بغداد الى رشدهاِ وكسب الوقت حتى اجلاء مواطنينا من العراقِ
وبما أن بغداد كانت تضع مجلس الأمن أمام ضرورة الرد الفعلي واتخاذ القرارات الجيدة والجديدة، فإن الاتصالات الوثيقة والتعاون بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة لم يكونا حاجة ماسة فحسب، بل كانا يستجيبان لمصالح كلا البلدين أيضاِ
وكنا نبذل الجهود الكبيرة لكي يجري حل كافة المسائل المبدئية المتعلقة بالأزمة في اطار مجلس الأمن ولن يعطى التزام ما لواشنطن أو التحالف المناوئ للعراقِ وكانت الاتصالات مع الأميركان تتم دائما بواسطة البعثات الدبلوماسية في موسكو وواشنطن ونيويورك وكذلك بين وزيري خارجية البلدين بالهاتف وعن طريق الرسائل المتبادلة واللقاءات الشخصيةِ
وجرى العمل مع جميع البلدان العربية بغض النظر عن موقفها من الأزمةِ والهدف الرئيسي هو تحفيز العرب على أن يبحثوا بنشاط بأنفسهم عن مخرج سلمي للأزمة وأن يضغطوا بشكل جماعي على بغدادِ وأيدت موسكو فكرة حل المشكلة في الاطار العربي وإن لم تثق جدا بهذه الامكانيةِ ووجه الاهتمام بالدرجة الأولى إلى العمل مع مصر وسوريا والسعودية ومنظمة التحرير الفلسطينية واليمنِ وكانت موسكو تستقبل بهمة الزوار العرب الكثيرين الذين استجابوا واهتموا بموقف الاتحاد السوفيتي والتعاون معه وخاصة في الخط الذي اتخذه الاتحاد السوفيتي لتقوية نفوذه في العالم العربي وبالأخص في قسمه الذي كان لوقت طويل مغلقا علينا: في الجزيرة العربيةِ وكانت الكويت كضحية للعدوان تلقى منا تأييدا سياسيا كاملاِ
وتمثل التفاهم مع بكين بالنسبة لموسكو بطابع خاص وجديد، حيث كفت الصين مثل الاتحاد السوفيتي عن تزويد العراق بالأسلحةِ وسهل اتفاق مواقف بلدينا أو قربهما، وضعهما في مجلس الأمن ومجموعة 'الخمس' الكبرىِ وكانت موسكو وبكين تتصرفان بشكل متشابه على امتداد أوقات الأزمةِ
كلام تافه
قرأت في مذكرات جيمس بيكر باستغراب أن شيفيرنادزه كان 'يتعارك خلال شهور عديدة مع مستعربي وزارته وحتى وقع تحت ضغطهم الهائل'ِ لا يمكن وصف هذا الكلام الا بالتافهِ أولا، لم يكن يتم هذا بموجب صلاحيات الوزير التي لا تقبل الجدل (وان كان وقت اعادة البناءِ لكن وزارة الخارجية تميزت دائما بالانضباط، زد على ذلك طبيعة شيفرنادزه التي لا تتقبل الضغط من أية جهة)ِ ثانيا، كان شيفرنادزه يحظى كسياسي ووزير باحترام كبير من موظفي الخارجية ولم يكن مستعربونا استثناء منهمِ وثالثا، لم تكن بين الوزير وبيني كنائبه المسؤول عن الاتجاه العربي وموظفي دائرة بلدان الشرق الأوسط حيث كان المستعربون يعملون، اختلافات في الآراء حول موقف الاتحاد السوفيتي حيال الأزمة الكويتية وبغداد بصفتها المذنب فيهاِ
وفي غضون ذلك، لم يكن بوسع الخارجية السوفيتية الا الذود عن مصالح بلدها القومية في الشرق الأوسطِ وبما أن هذه المصالح لم تكن أبدا متطابقة مع المصالح الأميركية في الاقليم، فإن الاختلاف في مواقف الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة من هذه الناحية أو تلك للأزمة الكويتية يخص طرق تجاوزهاِ وكانت موسكو تسير على نهجها الذي لم يرض واشنطن في ذلك القدر الذي أرادتهِ وأن استقلالية موسكو في شؤون الشرق الأوسط وضرورة البحث عن القرارات المقبولة لكلا الجانبين، كانت تثير صداع وزير الخارجية الأميركيِ وأعتقد ان انزعاج بيكر من مستعربي الخارجية السوفيتية نابع من هذه الأسبابِ
ونسب بيكر الى عدادهم يفغيني بريماكوف في مذكراته وأطلق عليه 'مستعرب وزارة الخارجية الرئيسي' (بلا أي أساس)ِ فلوزير الخارجية الأميركي حسابه الخاص مع يفغيني بريماكوف يريد أن يصفيه في كتابه ولكن هذه قصة أخرى بالمرةِ فقبل استقالة شيفرنادزه من منصب الوزير لم تكن لبريماكوف أية علاقة بوزارة الخارجية وان كان يؤثر على سياسة الكرملين في الأزمة الكويتية (وتم هذا بالفعل)ِ كان ذلك بفضل علاقته مع ميخائيل غورباتشوف فقط وليس بوزارة الخارجيةِ
وبرأيي، لم تظهر لدى شيفرنادزه في مراحل الأزمة الكويتية الأولى مشاكل مع غورباتشوف بصدد الممارساتِ ولمساعد غورباتشوف أِ تشيرنيايف في مذكراته اليومية في 21 أغسطس السطور التالية: 'كانت لدي مخاوف من أن ميخائيل غورباتشوف لن يوافق على شجب صدام حسين بشدة ولكني أخطأت لحسن الحظِوكان شيفرنادزه في غضون ذلك يتصرف بحزم انطلاقا من روح التفكير الجديدِ وكان ينسق كل شيء بالهاتف مع غورباتشوف، ابتداء من الموافقة على لقاء بيكر في موسكو وعلى البيان المشترك معه'ِ
لقد صمت غورباتشوف نفسه مدة طويلة خلافا لغالبية زعماء العالمِ وأدلى برأيه علنا لأول مرة بعد أسبوعين فقط من بداية العدوانِ واليكم نبذة من كلمته في المنطقة العسكرية 'أوديسكي' في 17 أغسطس: 'لم يكن لدينا خيار آخرِ فإن استخدام القوة لاعادة تخطيط حدود الدولة وزد على ذلك ان هدف ضم بلد ذي سيادة له عواقب وخيمة وخطيرة على المجتمع الدولي برمتهِ ولا نستطيع الرد بغير ذلك لأن العدوان ارتكب بمساعدة أسلحتنا أيضا التي وافقنا على بيعها للعراق لأجل دعم قدرته للدفاع فقط وليس للاستيلاء على أراضي الغير ودول بأكملهاِ هذا غدر وخرق فظ للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة'ِ
وظهرت البوادر الأولى للاتفاق غير الكامل لمواقف الرئيس والوزير من كيفية تجاوز الأزمة في سبتمبرِ سنتحدث عنها فيما بعدِ

انشغال الخارجية بالقضية الكويتية

كان العمل الخاص بالأزمة يجري في دائرة واسعة جدا ومن قبل جميع المنظمات الدولية القادرة على التأثير على سيرها: حركة عدم الانحياز، منظمة المؤتمر الاسلامي، جامعة الدول العربية وغيرهاِ وكان الأمين العام للأمم المتحدة بيريس دي كويلار يستلم من موسكو دوريا معلومات عن الكثير من محادثاتنا مع العراقيين وتقديراتنا في اللحظة الجاريةِ وحاولنا توضيح موقفنا ووجهة نظر شركائنا بواسطة بعثاتنا الدبلوماسية وكذلك في موسكوِ وافترض ذلك تغذية سفاراتنا والمؤسسات الأخرى بتحليلات وتعميمات منتظمةِ ووقع النصيب الأكبر لهذا العمل على عاتق موظفينا في ادارة بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي كانت بمثابة الوحدة الرئيسية داخل وزارة الخارجية الملمة بكل متعلقات الأزمة الكويتيةِ وكانت الكثير من المسائل تعد سوية مع ادارة المنظمات الدولية وادارة الاعلام وادارة الولايات المتحدة وكندا وادارة بلدان الشرق الأدنى وغيرها من ادارات وزارة الخارجية الاقليميةِ وكان جهاز الوزارة يعمل بتنسيق ودقةِ وكان الوزير نفسه ومدير السكرتارية ايغور ايفانوف (وزير خارجية روسيا حاليا) يتابعان كل هذاِ
وكنت التقي في موسكو كل يوم تقريبا بممثلي السلك الدبلوماسي وفي الدور الأول بسفراء العراق، الكويت، الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، الصين، ايران وتركياِ والتقيت كثيرا كذلك بسفراء ألمانيا، ايطاليا، الهند ويوغسلافيا (كانت تترأس في هذا الوقت حركة عدم الانحياز) وجميع الدول العربيةِ وكانت طلبات الاستقبال تنهال علي لدرجة أنه لم يكن بوسعي الاستجابة لجميع الطلباتِ وفي هذه الحالة وبالأخص عندما كان الأمر مستعجلا كان نواب وزير الخارجية الآخرون يستقبلون السفراءِ وكانت الكثير من الاتصالات تجري مع رؤساء دائرة بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (مع مدير الادارة فاسيلي كولوتوشا دائما)ِ وكان العمل كافيا للجميعِ
واضطر الوزير ادوارد شيفرنادزه بنفسه الانشغال كثيرا بالأزمة الكويتيةِ وكنا نساعده في ذلك قدر الامكانِ وكان الوزير يأخذ على عاتقه اتخاذ هذا القرار أو ذاك أو يسهل أو يسرع الأمورِ ومع ذلك كان يرسل المقترحات وآراء الوزارة في المسائل المبدئية الكبرى الى رئيس الاتحاد السوفيتي أو يناقشها معه بالهاتفِ
وساعد التفاعل العملي الحسن مع جهاز الرئيس السوفيتي (مع الذين يعملون بالوثائق الخاصة بالأزمة الكويتية وبالأخص مع أِ تشيرنيايف و فِ غوسينكوف) على حل الكثير من المسائل بسرعةِ
وورد موضوع الأزمة الكويتية مرارا في 'اجتماعات الاثنين' التي كان الوزير يعقدها مرة في الأسبوع ويبحث فيها مختلف المسائل الجارية والمستقبلية وسير اعداد الزيارات والمحادثاتِ وكان الوضع في هذه الاجتماعات ديموقراطيا وبوسع أي شخص طرح القضايا المقلقة أمام النقاش الجماعيِ

الكرملين وأزمةالكويت (10)

قدروا في واشنطن والعواصم الأخرى، ظهور ناقلات النفط العراقية المحملة بالنفط كمحاولة لخرق الحظر التجاري التي يجب وضع حد لها فورا في كل الأحوالِ ويذكر جيمس بيكر في مذكراته ان زملاءه وزير الدفاع تشيني ورئيس المجموعة الموحدة لرؤساء هيئات الأركان الجنرال باول ومستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي سكووكروفت تقدموا باقتراح في أن تأخذ الولايات المتحدة على عاتقها وبشكل مستقل هذه المهمة وتوقف بالقوة ناقلات النفطِ واذا تجاهلت طلقات النار للانذار، فعلى الولايات المتحدة أن تقوم بحزم باغراق الناقلاتِ
عارض بيكر هذه المبادرة على أساس أن هذه الاجراءات قد تؤثر بشكل سيئ على الوضع في مجلس الأمن وبالأخص العلاقات مع الاتحاد السوفيتيِ ولهذا السبب على الولايات المتحدة تأمين نفسها بتفويض من مجلس الأمنِ واعتبر بيكر أن هفوة ناقلتين أو ثلاث تعد خسارتها أقل من الاخلال بمبدأ التعاون في مجلس الأمنِ
وفي نهاية الأمر تغلبت في واشنطن وجهة النظر هذه وساعد ذلك الانتقادات الشديدة التي وجهها أعضاء مجلس الأمن للولايات المتحدة بما في ذلك حليفتها كندا التي كانت تصر على مراعاة صلاحيات المجلسِ ووجدت الولايات المتحدة نفسها في عزلة ولأول مرة في مجلس الأمن منذ بداية الأزمة وتحول سير الأحداث الى مجراه الصحيح هذه المرةِ
غير أن الوقت لم ينتظر أحداِ ففي 18 أغسطس أطلقت الفرقاطة الأميركية ست طلقات انذار في خليج عمان على ناقلة النفط 'خانقين' ولكنها لم تقفِ ولم تكن لقائد الفرقاطة صلاحيات باتخاذ تدابير أشدِ وحدث الشيء ذاته في الخليج العربي بين السفينة الحربية الأميركية 'بريدلي' وناقلة النفط 'بابا غرغور'ِ
وابتداء من 13 أغسطس كان علي أن التقي مرارا بسفير الولايات المتحدة ميتلوكِ وكان يسلم لي رسائل بيكر لاحالتها لشفيرنادزهِ وكنت أسلمه الرسائل الجوابية من وزيرناِ وجرت مثل هذه المبادلات أحيانا عن طريق سفارتنا في واشنطنِ زد على ذلك أجريت عدد من المكالمات الهاتفية بين الوزيرين مباشرة، استغرق بعضها وقتا طويلاِ وتركزت الاتصالات على مسألة اتخاذ مجلس الأمن لقرار يصادق على تفتيش السفنِ وكان الأميركان يستعجلون في ذلك وكنا نوقف اتخاذ مثل هذا الاجراء، مصرين على أن لجنة الأركان العسكرية ولجنة العقوبات انضمت الى اعداد مشروع قرار مما يسمح بالتوصل الى بعض الآراء الهامة من أجل تدعيم آلية مفعول القرار المقترحِ وأعطى بيكر شخصيا بعض التأكيدات وبالأخص فيما يتعلق باظهار التحفظ من جانب الولايات المتحدةِ
وبلغ أوج الاتصالات في 21 - 24 أغسطسِ ولعبت زيارة سعدون حمادي الى موسكو دورا معينا في ذلكِ وشرحت لميتلوك في 21 أغسطس أسباب محاولاتنا لتأجيل النظر في مجلس الأمن لمشروع القرار لعدة أيام وأشرنا إلى اننا أخبرنا أمس في رسالة شخصية الى وزير الخارجية الأميركي ما دار من حديث مع حماديِ وتم اليوم حديث ثان معه وسنخبر الوزير به أيضاِ
آمال ضعيفة
واعتقدنا بأنه من الأصح النظر الى رد فعل العراقيين لما قاله لهم الجانب السوفيتيِ واذا أقر مجلس الأمن القرار اليوم فإنه سيشجع الطرف العراقي على اهمال ما قيل له في موسكوِ وأشرنا الى أن القرار الجديد قد يغير الصورةِ
وأنبه إلى انه كانت لدينا آمال ولو كانت ضعيفة في رد ايجابي لبغدادِ ولكن لم تصل إلينا من هناك أية اشاراتِ وقررنا في هذه الحالة التوجه الى أعلى مستوى: الى صدام حسين مباشرةِ
نقلت اليه في 24 أغسطس رسالة ميخائيل غورباتشوف الشخصية مع طلب أن يرد عليها في غضون 24 ساعةِ
كانت موسكو تريد استخدام هذه الفرصة لكي تميل برئيس العراق الى الموافقة على القرار 660 والتخلي عن لغة المواجهةِ وتضمنت رسالة غورباتشوف اشارة واضحة الى أنه لن نجد أمامنا مخرجا آخر بخلاف ذلك سوى مساندة قرار مجلس الأمن الجديدِ
وكما قيل في التصريح الرسمي، وصف رئيس الدولة السوفيتية الحالة الناشئة في منطقة الخليج بالاستثنائية والخطيرة الى أقصى حدِ وأكد في رسالته موقف الاتحاد السوفيتي المبدئي بصدد ضم الكويت غير الشرعي وأشير الى ضرورة سير الحكومة العراقية في طريق تنفيذ مطالب قرارات مجلس الأمن بلا تأجيلِ ومن شأن اهمال العراق لهذه المطالب، أن يدفع مجلس الأمن لاتخاذ تدابير اضافية مناسبةِ وأن على الجانب العراقي بالذات تتوقف خطوات مجلس الأمن وكيف سيتصرفِ
لم نضطر هذه المرة لتوقع الجوابِ فقد سلمت السفير ميتلوك بتكليف من شيفرنادزه رسالة الوزير (أوردها بالنص الكامل):
'جيمس،
وعدت بمكالمتك هاتفيا في الساعة الحادية عشرة بتوقيت موسكوِ وبما أنني كنت مشغولا في الكرملين ألجأ الى مساعدة السيد ميتلوك لاحالة رسالتيِ
وردنا جواب العراقيين وأظن انه لا يوجد معنى للتعليق عليهِ لذا قررنا ابلاغ ممثلنا في مجلس الأمن لكي يتصل مع السفير بيكيرينغ وممثلي 'الخمسة' الدائمين الآخرينِ
لقد قلت لك بأننا سنقترح بعض التعديلات لمشروع القرار، لكنها لن تغير من جوهره، بل ستوسع نطاق الوسائل التي ستستخدم للمراقبةِ وأظن ان ممثلينا يستطيعان الآن البدء في المشاورات بعضهما مع البعض الآخر ومع أعضاء مجلس الأمن الآخرين من أجل ايصال الأمر الى اتخاذ القرارِ
واذا برزت لديك أسئلة ما فأنا مستعد للحوار هاتفيا معك غدا إذا اقتضى الأمرِ
عرض موسع
تركز التعديل الذي جاء في رسالة الوزير في استخدام عبارة 'التدابير التي تفرضها الظروف الملموسة' بدلا من مصطلح 'القوة' التي كان الأميركان يريدونها في نص القرارِ ووسعت هذه الصيغة مجموعة الوسائل السلمية بما فيها احتجاز السفن وتفتيشها ولم تركز الاهتمام على أساليب القوة، بل استبعدتهاِ
أيد القرار المرقم 665 أعضاء مجلس الأمن الآخرين وأقر في 25 أغسطس بمجموع 13 صوتا (امتنعت عن التصويت اليمن وكوبا)ِ وأشير فيه الى أن مجلس الأمن قلق من استمرار العراق في رفض القرارات المتخذة من قبل وخاصة استخدامه السفن التي ترفع العلم العراقي لأجل تصدير النفطِ ودعا المجلس في هذا الصدد 'تلك الدول الأعضاء المتعاونة مع حكومة الكويت والتي ترسل الى المنطقة القوى البحرية في استخدام التدابير التي تفرضها الظروف الملموسة والتي تراها ضرورية تحت رقابة مجلس الأمن بهدف ايقاف كافة السفن في كلا الاتجاهين بغية تفتيش شحناتها والتحقق من وظيفتها وتأمين التحقيق الصارم حيال هذه السفن وفق المبادئ المنصوص عليها في القرار 661'ِ واحتوى القرار على طلب من الدول المعنية بتنسيق أعمالها لتحقيق هذه الأهداف باستخدام آلية لجنة الأركان العسكرية بقدر الضرورةِ
في اليوم التالي وبعد اتخاذ القرار نشر شيفرنادزه في الصحف تعليقا عليه بعد مؤتمر صحفي عقده في مطار 'فنوكوفو - 2'ِ وكان أول عرض موسع من قبل الوزير للعمل الذي مارسته قيادة البلد السياسية والدبلوماسية بخصوص العدوان العراقي على الكويت، مشيرا فيه الى الظروف المتعلقة بالقرار 665ِ
ونوه شيفرنادزه بأن تصويت الاتحاد السوفيتي الى جانب القرار تعبيرا عن قلقنا الى الحد الأقصى من الوضع المتشكل في منطقة الخليج ورغبتنا في السعي للتوصل بأسرع وقت لانهاء التهديد الخطير للغاية للأمن والسلام الدوليينِ وقال اننا نواصل التصرف وفقا لمتطلبات ميثاق الأمم المتحدة وندافع عن مبدأ الجهود الجماعية في اطار مجلس الأمن لحل الأزمة بالوسائل السياسيةِ واعتقد الوزير بأنه يمكن التوصل الى ذلك بمساعدة الاجراءات التي تؤمن فعالية نظام العقوبات المقرة من مجلس الأمنِ وكان يقصد قرار مجلس الأمن الجديد بالذات، مشيرا الى دور لجنة الأركان العسكريةِ وأعرب عن أمله في أن القيادة العراقية ستستخرج النتائج المرجوة باتخاذ خطوات لحل الأزمة وتتصرف وفق قرارات مجلس الأمن المتخذةِ قائلا 'هذه نصيحتنا للقيادة العراقية وننتظر أن تأخذها بنظر الاعتبار' و 'أردنا أن يعرفوا في العراق أن الاتحاد السوفيتي يتمنى فقط الخير للشعب العراقي ومستعد باطراد في تسوية الأزمة سلميا وأن القرار الذي صادق عليه مجلس الأمن هو فعل موجه لمنع تطور الأحداث الى مرحلة أكثر خطورة'ِ
تجدر الاشارة الى أنه بالرغم من أن صدام حسين شجب هذا القرار بشدة وما جاء في تصريحه بأنه 'يضمن للولايات المتحدة طوابير الجثث بلا نهاية' في حالة نشوب الحرب، الا أن بغداد لم تكن في الواقع قد اتخذت محاولات لخرق الحظر النفطي بمساعدة ناقلات النفطِ غير أنه كانت ثمة محاولات للقيام بذلك بأيدي الغيرِ فقد أعلن صدام حسين في 1 سبتمبر بأن العراق على استعداد لمنح النفط مجانا للبلدان النامية اذا أرسلت ناقلاتها الى الخليجِ ولم تلق هذه الدعوة الاستجابةِ وبشكل عام ظهرت بعض المحاولات الضعيفة لايصال البضائع المحظورة بحرا أو الاخلال بالحظر بطريقة أو بأخرىِ فقد كان الحصار متينا وفعالا بما فيه الكفاية واشتركت فيه سفن حربية لأكثر من عشرين دولةِ ولم تسجل حوادث خطيرة في البحر تتعلق بمراقبة الشحنات الى هذا الجزء من العالمِ وتقلص بالتدريج التهريب الى العراق عبر حدوده البرية بفضل التدابير التي اتخذها جيرانه: ايران وتركيا وسورياِ وأعلنت الأردن أيضا انها ستراعي العقوبات، غير أن حدودها مع العراق بقيت مع ذلك قابلة للتسربِ وللأسف لم تتمكن العقوبات الاقتصادية من دفع القيادة العراقية لاتخاذ الحل الصحيح الوحيد: الانصراف من الكويت طوعاِ ولكن لعبت دورها في أمر واحد: أجلت الحل العسكري لعدة شهورِ
وكان وزير الخارجية المصري عصمت عبد المجيد ضيف موسكو المهم أيضاِ فقد تعرفت عليه جيدا خلال عملي في القاهرة سفيرا للاتحاد السوفيتي في مصر، ومن ثم كنا نلتقي كل سنة في نيويورك في جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدةِ وترك لدي انطباعا لطيفا: فهو عاقل ومثقف وضابط النفس ويدرك بصورة ممتازة تعقد العلاقات بين الدول العربية (سرعان ما عين الأمين العام لجامعة الدول العربية)ِ
كرس حديثه مع شيفرنادزه والذي شاركت فيه كليا على الشأن العراقي ـ الكويتيِ وبما أن هذا أول لقاء بيننا بعد الاستيلاء على الكويت فقد بدأ باستعراض عام للأوضاعِ
يعرف القارئ الكثير عن تصريحات وأحاديث عبد المجيد عن الأزمة والأحداث التي رافقتها ولذلك سأتحدث عن بعض الخصوصيات لغرض اكمال الصورةِ اعتبر عبد المجيد أن الاحتلال لم ينتج عفويا، بل كان يعد من قبل ولم يستغن الأمر عن التضليل المتعمد (التأكيد المعطى لحسني مبارك في عدم وجود نوايا لبغداد للاعتداء على الكويت)ِ وقال عبد المجيد انهم اتفقوا في ذلك الوقت في بغداد حتى على ثلاث مراحل للمحادثات العراقية ـ الكويتية في جدة وبغداد والكويتِ وكان اللقاء في جدة الأول والأخير وتم تسريعه باصرار عراقيِ وبالرغم من العدوان حاول الأردن واليمن في 2 أغسطس تأجيل جلسة جامعة الدول العربيةِ وتم في تلك الأيام لقاء عبد المجيد بحمادي واتضح منه أن بغداد لا تريد اتخاذ حلول وسطِ وحدد هذا الموقف طبيعة قرار مجلس الجامعة العربية واجتماع وزراء المؤتمر الاسلاميِ وعمل الرئيس مبارك لكونه رئيس القمة العربية كل ما في وسعه لتأمين مشاركة صدام حسين فيه وتوجه اليه برسالة شخصية، غير أن الرئيس العراقي رفض هذاِ وقدر عبد المجيد عاليا موقف الاتحاد السوفيتي من الأزمة منوها بترحيب من حيث تطابق مواقفنا حيالهاِ
وتكلم شيفرنادزه من جانبه عن الصعوبات التي واجهتنا للتوصل الى هذا الموقف آخذين بالاعتبار طبيعة العلاقات السوفيتية ـ العراقية وحجم مصالح الاتحاد السوفيتي الاقتصادية المرتبطة بالعراقِ وتحدث عما قام به الاتحاد السوفيتي بهدف دفع بغداد للسير في طريق تنفيذ قرارات مجلس الأمنِ وأبدى الوزير أسفه على أن العراق يعقد بتصرفاته الوضع أكثر فأكثر وكأنه يريد أن يثور العالم بأجمعه عليهِ
دور مصر
وأخذ شيفرنادزه بالاعتبار دور مصر النشيط في القوات متعددة الجنسية ودورها في جامعة الدول العربية وتطور الحديث مع عبد المجيد بشكل متتابع وفق خطتين: الأولى، امكانية العمل السياسي والدبلوماسي مع العراق ليست مستنفدة بعدِ وأن العقوبات الاقتصادية لم تؤثر عليه بصورة كافيةِ ولذا لا ينبغي الاستعجال في استخدام القوةِ ويجب أن يقوم بكل شيء بانتداب الأمم المتحدةِ واذا نشأت في وقت ما الحاجة الى عمليات عسكرية فينبغي أن تتحقق على أساس قرارات مجلس الأمن فقطِ وثمة لحد الآن للمجلس احتياطات سياسية واقتصاديةِ ومن الممكن عقد جلسة المجلس على مستوى الوزراء أو تنظيم دورة خارج مقر المجلس في المنطقةِ
والخطة الثانية للوزير السوفيتي انحصرت في ضرورة العمل الأنشط للعرب أنفسهم مع بغداد بما في ذلك استعمال امكانات الجامعة العربية وعدم اهمال فرصة الحل العربيِ وسيحافظ الاتحاد السوفيتي على الاتصالات العميقة والمكثفة مع البلدان العربية وسيقويهاِ
تجدر الاشارة الى أن شيفرنادزه كان قلقا جدا لزيادة الاستعدادات العسكرية الجارية وتصاعد التصريحات الحربيةِ وكان الوزير يفكر في كيفية تكييف مبادرة صدام حسين المذكورة سابقا بعكسها، أي بدفع قضية الكويت في الواجهة وليست المؤخرة كما وضعها صدام حسين دون الحاق الأذى بتسوية الشرق الأوسطِ ولذا أخطر عبد المجيد بأن آراءه يجب ادراكها فقط ولا ينبغي اعتبارها نصائح أو مقترحاتِ قال شيفرنادزه ما يلي:
'ثمة قرارات لمجلس الأمن تتعلق بالعقوبات والحصار، وهناك طرق لمتابعة تنفيذ القرارات ويجب أن تعمل بكل قوة لجنة الأركان العسكرية، ومن جهة أخرى ألا ينبغي التقدم ببرنامج جدي لتسوية مشكلة الشرق الأوسط برمتها ؟ إذ ان لصدام حسين فكرة مشابهةِ وكان من الأفضل لو تقدمت البلدان العربية بمثل هذا البرنامج الذي لقي التأييد من جانبنا ومن الأوروبيينِ الحديث لا يدور حول اضعاف الضغط على العراق ومن الممكن حتى تقويته، بل يجب النظر الى الأحداث بشكل أوسعِ تكلم مؤخرا وزير خارجية فرنسا دوما عن انعاش فكرة عقد مؤتمر دوليِ وربما حان الوقت للبدء بالمشاورات الخاصة بالتسوية الشاملة بدون التأخير في حل مشكلة الكويتِ قد يساعد مثل هذا الحل صدام حسين 'لانقاذ ماء وجهه'، فكروا في ذلك'ِ
عارض عبد المجيد هذه المقترحات حالا وبحسم قال: 'لا نوافق مع الفلسطينيين ربط المسألة مع العراقِ المشكلة الفلسطينية تبقى محل عنايتناِ ولكنه لا ينبغي ربط المشكلة الفلسطينية بالكويتيةِ هذا ما يريده صدم حسين، التمهل في تنفيذ القرارات المتعلقة بالكويت، وبنى مبادرته على ذلك'ِ
شعر شيفرنادزه بعقلانية طرح عبد المجيد ولم يستمر في تطوير الموضوع الفلسطينيِ وأشار كمحاولة لتجميل الحديث الى أن اعادة الوضع كما كان عليه في الكويت تتخذ الصدارة في الأهميةِ وأوضح ان صدام حسين يحاول التلاعب بمشاعر الناس البسطاء بوضعه المشكلة الفلسطينية في المقام الأول من الأهميةِ ويستغل الحضور العسكري الأجنبي المكثف في تشكيل رأي عام عربيِ
انقطع حديث الوزيرين لأنه حان موعد توجههما الى ميخائيل غورباتشوفِ قال الوزير فيما بعد انه لم تظهر اختلافات مبدئية عما كان في وزارة الخارجيةِ ولكن غورباتشوف أدار الحديث بنشاط ساعيا الى انضمام العرب أنفسهم بصورة أنشط في البحث عن حل سلمي للأزمةِ
وتجدر الاشارة في هذا الصدد الى التصريح الرسمي المنشور في وسائل الاعلام السوفيتية وكان القصد منه ارسال الاشارة الى جميع العواصم العربية، وقبل كل شيء الى بغدادِ جاء في التصريح: 'تناول تبادل الآراء موضوعين: ضرورة تفعيل العامل العربي بشكل أقوى حيث يتوقف عليه قدر كبير لتفادي الانفجار المسلح في المنطقة والعواقب التي لا تحصى بالنسبة للعالم أيضاِ وآفاق تسوية قضية الشرق الأوسط بالكاملِ فقد أخرت الأزمة الكويتية التي أوجدت هذه المرة بذنب دولة عربية حل هذه المشكلة ودفعتها الى الوراءِ وقال ميخائيل غورباتشوف أن الظروف تطالب بأن على العرب أن يظهروا قدرتهم على التوحد السريع واتخاذ القرارات المشتركة خدمة لمصالحهم وصالح العالم أجمعِ فالوقت يتسارع ويحتاج الأمر الى ديناميكية عالية في استخدام كافة القنوات والاتصالات من أجل ايجاد حل عادل وسلمي للأزمةِ ولا نرى ان الوسائل استنفدت، بل يجب بذل قصارى الجهود بهدف تحقيق هذه الامكانية ومنع الانفجار المسلحِ وستنفذ قرارات مجلس الأمن بحزم وعلى العراق أن يتخذ المواقف الصحيحة بناء على التضامن الذي عبر عنه المجتمع الدولي باصداره هذه القرارات، وأن لا يحرج الوضع أكثر ويبحث من جانبه عن مخرج للأزمة'ِ
واستقبلت موسكو في أغسطس ضيفا مهما آخر هو وزير الخارجية اليمني عبد الكريم الاريانيِ
كان اليمن عضوا في مجلس الأمن ممثلا للعرب بشخص واحدِ وكان هذا سببا كافيا لأن يلبي الاتحاد السوفيتي رغبة الارياني في زيارته باهتمام كبيرِ زد على ذلك كان الارياني يمثل دولة جديدة هي جمهورية اليمن التي توحدت قبل أشهر باسم شطري اليمن الشمالي والجنوبيِ
تشكلت للاتحاد السوفيتي مع كلا البلدين في السنوات السابقة علاقات واسعة جدا شملت التعاون الاقتصادي والعسكريِ وكان من الواجب الآن تحديد كيفية عمل الاتفاقات المبرمةِ

المحادثات مع الأمير بندر

جرت في موسكو عدا المباحثات مع حمادي، العديد من الاتصالات الهامة مع ممثلي الدول العربيةِ تم أولها مع المبعوث السعودي الخاص الأمير بندر بن سلطانِ في بداية الأمر تحدثت معه ومن ثم ذهبنا مع بعض الى شيفيرنادزهِ تناولنا سابقا بعض لحظات الحديث ولذا سأسقطها هناِ أذكر فقط أن بندر عرض قصة الأزمة الكويتية ورد الفعل الأول للملك فهد ومحاولاته للاتصال بالرئيس العراق من أجل توضيح الحالةِ وفي اليوم الثاني من التدخل تمت المكالمة الهاتفية مع صدام حسين التي منحت القليل لادراك النوايا العراقية واتفقا على ايفاد نائب رئيس مجلس قيادة الثورة العراقي عزة ابراهيم الى الرياضِ حمل ابراهيم الى الرياض رواية الأحداث العراقية لما جرى ولم يحمل معه أي التزام ازاء الكويتِ وتحدث بندر عن ان صدام حسين 'وعد بمرور بعض الوقت بسحب القوات من هناك ولم يقم بذلك'ِ وأكد بأنه وعد بعدم نقل قواته الى حدودنا، غير أنه ركز أربع فرق عسكرية عليهاِ وأضاف: 'أخافتنا هذه الواقعةِ ورأينا انه يعد في جانب الحدود الآخر للعراق والكويت مليون جندي وخمسة آلاف دبابة وألف طائرة تقريباِ وانحصر تناقض التاريخ في أننا مولنا بأنفسنا خلق هذه الآلة العسكرية الهائلةِ وشعرنا بأننا نوجد في أوروبا الثلاثينات ونقف وجها لوجه أمام ألمانياِ وكان علينا التعلم من التاريخ ولا نسمح بتكرارهِ بعدها اضطر الملك فهد لاختيار الطريقة الأولى وطلب المساعدة لأننا شعرنا بخطر البقاء على قيد الحياةِ ونشرت في الأراضي السعودية عدا القوات الأميركية، القوات المصرية، السورية، المغربية، الباكستانية، البنغالية وكان الانكليز يقتربون من حدودناِ ونعتقد بأنه يمكن ويجب حل المشكلة بالوسائل السلمية وينبغي لأجل ذلك تأمين مراعاة العقوبات الاقتصادية بفعاليةِ ويجب أن يظهر العالم لصدام حسين انه وقع في عزلة كاملة ولا يستطيع الأمل في استدرار عطف أحد ماِ وللاتحاد السوفيتي في هذه الحالة دور خاص'ِ
شعرت بأن الأمير بندر دبلوماسي مجرب يبني حديثه بمهارة لكي يصل الى الهدف الرئيسي لمجيئه الى موسكوِ وبالفعل تابعت كلماته بعد أن توجه بتكليف حكومته بطلب الى الحكومة السوفيتية بارسال وحدات عسكرية الى المملكة العربية السعوديةِ وفسر الأمر بقوله: 'من الممكن أن تكون تشكيلة رمزية، لكن واقعة المشاركة بحد ذاتها هامة جداِ ستعتبر اشارة لصدام حسين بأنه لا يستطيع املاء شروطه على العالمِ ستمكث قواتكم على الأراضي السعودية بدعوة حكومتنا ويمكن أن تسحب فورا بعد انتهاء مهمتها'ِ
ذكر بندر بأنه تحدث قبل عدة أيام مع جورج بوش وأمس مع مرغريت تاتشر وأجمعا كلاهما على الرأي بأن الاتحاد السوفيتي قد يلعب دورا يليق به (لم يستطع الأمير اكمال حديثه لأنهم أخبروني بأن الوزير ينتظرنا)ِ
أشاد الأمير بندر في حديثه مع شيفرنادزه بميخائيل غورباتشوف والتفكير السياسي الجديد ودور الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى وعرض بايجاز موقف السعودية من الحالة الناشئةِ وانتقل بسرعة الى الموضوع الرئيسي قائلا انه من الهام جدا أن يعطي الاتحاد السوفيتي بالذات الاشارة الصحيحة الى بغداد لكي تنصرف من الكويتِ وقال الأمير ان الملك يحيل طلب المملكة الرسمي الى الرئيس السوفيتي بأنه يرحب في حضور القوات السوفيتية الى المملكة العربية السعوديةِ ويكفي أن تكون كتيبة واحدة، لأنه من المهم أن تفهم القيادة العراقية عدم اجازة اللعب بالنارِ
لم يجب شيفرنادزه فورا على السؤال المطروحِ واكتفى بعرض صورة كاملة لموقفنا وأكد على عدم شرعية الاستيلاء على الكويت وركز على الدور المركزي لمجلس الأمن في تصحيح الوضع وعلى أهمية العمل في المستقبل أيضا بواسطة مؤسسات الأمم المتحدة وفي اطار ميثاقها بحزم، لا سيما ان للميثاق امكانيات واسعة لتحقيق الأهداف المرجوةِ وتنحصر في الدرجة الأولى من هذه المرحلة مسألة تأمين تنفيذ نظام العقوبات بصرامةِ
وقال الوزير منتقلا الى الناحية العسكرية ان مكوث القوات الأميركية في السعودية لا يسرنا ومع ذلك نعتبره اجراء شرعياِ وواصل قوله: 'لا أظن ان اتخاذ قرار نشر قواتنا في بلدكم صحيحِ فلا توجد ثمة حاجة من الناحية العملية: هناك قوات مسلحة للسعودية نفسها وقوات أميركية ولدول عربية وغربية أخرىِ هناك عدد من القوات أكثر من الحاجة لرد العدوان ولن تضيف مشاركتنا كثيرا لأمن السعوديةِ ومن جهة أخرى لدينا صعوبات خاصة: أخذنا على عاتقنا الالتزام بعدم ارسال قواتنا الى خارج حدود الاتحاد السوفيتي وصرحنا بذلك أمام العالم أجمعِ ولنا تجارب مريرة في المجر وتشيكوسلوفاكيا وأفغانستانِ وحتى اذا اقترحت القيادة السوفيتية بارسال القوات الى الخارج من جديد فلا أظن بأن هذا الفعل سيحظى بتأييد الشعب السوفيتيِ وقلنا للعراقيين بوضوح اننا سنتصرف وفق روح قرارات مجلس الأمنِ ويعرفون موقفنا من ضم الكويتِ وزد على ذلك علينا المحافظة على قنوات الاتصال مع بغداد وقد يجدي ذلك فيما بعد'ِ
قال بندر بصدد توجه القوات السوفيتية: 'ان المساعدة في اللحظات التي يكون فيها البلد مهددا بالبقاء حيا لا تقدر بثمن'ِ وصرح بأن 'علاقاتنا الثنائية يمكن أن تتطور بسرعة كبيرة وحتى تتجاوز علاقات الاتحاد السوفيتي مع العراق'ِ
أكد شيفرنادزه ان مصير الكويت يقلقنا ولن ندافع عن المعتدي واذا اقتضى الأمر فسنوافق على قرارات مجلس الأمن الأخرىِ وينبغي العمل بشكل متتال وبحزم في اطار الأمم المتحدةِ أما العلاقات السوفيتية ـ السعودية فتعكرها مسألة واحدة وهي موقفكم من المسألة الأفغانيةِ ولكن نؤيد من حيث المبدأ تطبيع العلاقاتِ
قال بندر انه لدى الاتحاد السوفيتي والمملكة العربية السعودية على السواء 'حلفاء صعاب' وأعرب عن ثقته بأنه يمكن ايجاد حل مناسب للجميع فيما يخص المشكلة الأفغانية أيضا، ودعا الى بذل جهود اضافية في هذا المجالِ
وفي الختام وبعد أن أشار الأمير الى تكليف الملك طلب اخبار ميخائيل غورباتشوف باستعداد السعودية اقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع الاتحاد السوفيتي ولا تتلخص المسألة الا في شيء واحد: متى؟ِ
قيل للأمير ردا على ذلك اننا نبقي حل المسألة وفقا لظروف الجانب السعوديِ وأشير هنا الى أن مسألة تبادل السفارتين حلت في غضون زيارة وزير الخارجية السعودي الى موسكو في 17 سبتمبرِ بمعنى أن المباحثات مع الأمير بندر كانت مفيدة في كل الأحوال وان اعتذرت موسكو عن تنفيذ طلب مشاركة الاتحاد السوفيتي في القوات متعددة الجنسيةِ