السبت، 12 يوليو 2008

لا مفاجآت في الجبهة الشيشانية


تصريح قائد القوات الروسية في القوقاز فيكتور كازانتسوف بأن " كل شيء في غروزني يسير حسب الخطة " وقبله تصريح وزير الدفاع الروسي إيغور سيرغييف بأنه " لا يوجد موعد محدد لانتهاء الأعمال العسكرية في الشيشان " ، يقود الى حقيقة هي أن هؤلاء القادة لا يوجد لديهم شيء جديد يقولونه. ومن جهة أخرى لا يعرفون بالضبط ما ستؤول إليه الأوضاع في شمال القوقاز.
فما هي الأوضاع هناك ؟
أن صلابة المقاومة الشيشانية أمر غير مشكوك فيه ، غير أن سقوط غروزني أو توقيت حدوث ذلك يعتمد في درجة كبيرة منه على انصياع المقاتلين في المدينة لأوامر الرئيس أصلان مسخاطوف القاضية بالمقاومة حتى النهاية. وفي حالة عدم اتخاذ القادة الميدانيين الشيشان قرار راديكالي بالانسحاب " فجأة " من العاصمة فأن المقاومة قد تستمر لأسبوعين ، آخذين بنظر الاعتبار المعركة غير المتكافئة التي يخوضونها. فهم يستخدمون الأسلحة الخفيفة التقليدية فقط ؛ أي أن المهاجمين يشعرون بحرية في التنقل والحركة بدون مشاغلة ولو مدفعية الميدان للطرف الآخر. وبذلك فأن مدى مقاومة المقاتل الشيشاني تحدده مدى بندقيته التي لا يتعدى مجال القتل فيها 400 مترا. وهذا يسهل للقوات الروسية التقدم والتخندق والانتشار في أي منطقة تقل المقاومة فيها أو تختفي.
كما أن الأحوال الجوية الجيدة التي شهدتها جبهات القتال أضافت عبئا إضافيا على المقاتلين ، حيث توفر مجال مثالي للطيران الروسي بدك مواقعهم وخاصة في اليومين الأخيرين من القتال. والملاحظ من سير العمليات أنها تسير بشكل بطيء جدا لكي يتجنب الطرف الروسي " مجال القتل " للبندقية الشيشانية. ولابد أيضا من التأكيد على ثلاث معطيات هامة : أولها ، أن غروزني محاصرة من ثلاث جهات فقط وليست مطوقة بالكامل كما أعلنت القيادة العسكرية الروسية. ويبدو أن الجنرالات الروس أوهموا قيادتهم السياسية ( التي يريحها سماع محاصرة العاصمة الشيشانية من الجهات الأربع ) لاعتبارات نفسية وانتخابية والتأكيد على قرب سقوطها أو حتميته. والعسكريون الروس تركوا بعض المعابر الجنوبية دون أن يفرضوا رقابة عليها لكي لا يخوضوا معركة شوارع مع مقاتلين محاصرين بالكامل ، لأن المعركة مع " الانتحاريين " سيكون لها طابعها وظروفها الخاصة. لذلك لم تشأ القيادة الميدانية الروسية وضع المقاتلين ونفسها في مجابهة من هذا النوع قد تكلفها الكثير من الخسائر. بالإضافة الى أن الإعلان عن وجود ممرات مفتوحة لانسحاب المقاتلين الشيشان ينسف مبدأ العملية العسكرية الروسية برمته وهي التي شنت تحت مسمى " القضاء على الإرهابيين ". حيث سيطرح السؤال من قبل الرأي العام الروسي : هل العملية مجرد احتلال أراضي شيشانية أو القضاء على الإرهابيين ؟ ومن الواضح أن الجنرالات اختاروا الأراضي ولا يقلقهم الجزء الثاني من السؤال بالرغم من تبعاته عليهم في وقت لاحق. ثانيا ، أن المعارك الحقيقية لا تدور في غروزني ، بل في الجبال الجنوبية. وبناء على معلومات اعترف بها الجانبين ، فأن الجزء الأكبر والحيوي من القوات الشيشانية قد تم سحبها نحو الجبال الجنوبية وتركت مجموعات متفرقة لم يتفق أحد على عددها لحد الآن للدفاع عن العاصمة. بمعنى أن كل الآلة الحربية والبشرية الشيشانية موجودة في الجنوب لم يمسها الأذى. ولهذا السبب تدور المعارك الأكثر جدية بالقرب من جبال تشيريباخا وخراتشوي. والسيطرة على هذا الجبال يعني الإطلال على فيدينو التي يسمونها عاصمة شامل بساييف. والسيطرة على هذه البلدة له أهمية لا تقل عن السيطرة على غروزني لأن ذلك سيحول بساييف وقواته الى مقاتلين متشردين وتعبويا سيحرج فصائل خطاب المتمركزة الآن في جبال أرغونسكي أوشيلي عند الحدود الشيشالنية - الجورجية لأن ذلك سيعني قطع الاتصال بينهما وفصلهما عن بعض. وحسب معطيات روسية ينتشر في سلسلة الجبال هذه أكثر من 7 آلاف مقاتل. وثالثا ، وهذا يرتبط بالعامل السابق ، أن انتشار هذا العدد من المقاتلين الأكفاء في سلسلة الجبال المذكورة يفشل العملية العسكرية الروسية ، فهي في هذه الحالة لم تقض على " الإرهابيين " ، بل أزاحتهم عن المدن فحسب. ولأن المقاتلين في الجبال يتمتعون بحرية كاملة ولديهم كل مستلزمات تحقيق الانتصار ضد أي هجوم تقوم به قوات تقليدية ، لابد في هذه الحالة من استخدام أساليب حرب " غير تقليدية ". وهنا سيقع المحظور في هذه الحرب وستستخدم روسيا ضدهم " أسلحة محرمة دوليا" .
واستخدام روسيا لأسلحة محرمة دوليا سيحول مجرى الصراع الحالي وسيفتح المجال للضغط الجدي على روسيا من المجتمع والمنظمات الدولية والغرب والبلدان الإسلامية وربما داخل روسيا. وستعتبر سابقة لا يمكن الآن التكهن بعواقبها من النواحي السياسية والدبلوماسية والأخلاقية بالنسبة لروسيا ، علما أن القادة الروس أكدوا في السابق وكرروا الآن بأنهم سيستخدمون كل الأسلحة المتاحة لديهم " للقضاء على الإرهابيين" عدا النووية.
ومن غير الواضح الى أي مدى سيستجيب المدافعون عن غروزني الى أوامر مسخادوف بعد " إعطاء غروزني " لروسيا. فهم يميلون الى الانسحاب وشن حرب عصابات طويلة. ومسخادوف يركز على الدفاع عن غروزني لأن سقوطها لا يعني سقوط شرعيته فحسب ، بل ضياع الدولة الشيشانية. وتحويل الصراع من كونه بين دولة أسمها الشيشان يفترض أن يتم الاستفتاء على تقرير مصيرها في ديسمبر 2000 حسب معاهدة خساف يورت ودولة ثانية هي روسيا ، الى صراع بين قوات تحاول فرض النظام على أراضيها ضد مجموعات من الأنصار تشن بين الوقت والآخر عمليات محدودة النطاق حتى لو كانت مؤذية لروسيا. ومن المشكوك فيه أنها ستؤلم دولة لها احتياطي عسكري وبشري ضخم كروسيا.
ومسخادوف في هذا الحالة يمتلك رؤية رجل الدولة أكثر بالطبع من القادة الميدانيين الشيشان ، حيث الأمر بالنسبة إليهم سيان. والوضع سيستقر لصالحهم عمليا وسيفقد مسخادوف كل شيء. ولا أحد يعرف الآن النهج الذي سيتخذه في المرحلة القادمة لو فقد غروزني. والمقصود النهج السياسي ، لأن كل الأمور العسكرية ستكون بيد زعماء التشكيلات المسلحة. قد ينقل حكومته الى جورجيا أو تركيا أو واحدة من دول البلطيق أو أوربا الشرقية. ولذلك بدأ المسؤولون الروس التحدث عن مصير مسخادوف وإمكانية ترك " ممر " له للخروج بأمان من الشيشان. لأن بقائه في الجبال أو تصفيته جسديا أو حتى وقوعه في الأسر افتراضا ليس من صالح روسيا. لأن موسكو لا زالت رغم كل ما تصرح به تعتبره الثقل الموازن سياسيا مع سليم خان يندربييف ومولادي أودوغوف وعسكريا مع شامل بساييف. والحديث عن الحكومة الشيشانية في المنفى ليس سابق لأوانه. وقد تشهد المرحلة القادمة ثلاث حكومات شيشانية في المنفى يتزعم الأولى مسخادوف وسيشكل أودوغوف حكومة أخرى مجالها الإقليمي يمتد من أفغانستان حتى جورجيا ، علما أن أودوغوف تلقى دعم قادة طالبان في هذا الشأن وحكومة ثالثة سيتعامل بها يندربييف مع البلدان العربية وسيستقر به المقام في إحدى دول الخليج حيث يقع الآن. أما شامل بساييف فسيترأس المقاتلين الشيشان عسكريا لفترة طويلة وسيكون مجال حركته ممتدا من الجبال الجنوبية الشيشانية وشمال جورجيا وأبخازيا وأذربيجان.
وهكذا فأن أهداف العملية العسكرية الروسية المعلنة لن تتحقق في المدى المنظور وحتى في المدى البعيد. وتعيد روسيا نفس أخطائها السابقة في أفغانستان وطاجيكستان والشيشان وهي :
- عدم بناء الحياة الطبيعية في المناطق المحتلة ( 85 % من الأراضي الشيشانية لحد الآن ) كما وعدوا الناس الذين سيخيب ظنهم قريبا بصدق النوايا الروسية.
- لإصرار على تشكيل سلطة موالية لموسكو لا تتمتع بتأييد في الداخل ، الأمر الذي سيزيد من تفاقم الوضع.
- استغلال التناقضات الداخلية بدلا من حلها واتباع الأسلوب الاستعماري " فرق تسد " .
- الفوضى الإدارية والاجتماعية والاقتصادية وتهيئة الظروف للفساد والاقتصاد الخفي والنهب.
- عدم احترام القوانين ( في حالة وجودها ) من الحاميات العسكرية التي ستنتشر في كل منعطف شيشاني. وسيفرض كل ضابط روسي قانونه الخاص ونظامه وأحكامه العرفية كما يفهمها وكما تناسبه. بينما يجيز الدستور الروسي ( حسب فرضية اعتبار الشيشان ضمن القوام الفيدرالي ) ويمنح الصلاحية للرئيس فقط بفرض هذه الأحكام.

دبابة في حقول الموت الشيشانية


قالوا لنا بأن الذهاب الى غوديرميس بواسطة داغستان أفضل من اختراق كل الشيشان من انغوشيا.
إذن ، سمحت للفجر أن يغسل وجهي باختفاء الماء ناهيك عن حلم كوب شاي ساخن وبكل قلق بدأت رحلة المتاعب بحثا عن هليكوبتر توصلنا الى داغستان من موزدوك الغارقة بالضباب. وبعد ساعة كانت أصوات محرك المروحية تهدأ من أعصابنا المعلقة عشرات الأمتار فقط. وفي بلدة أكتيابرسكيا الداغستانية تكرر الشيء نفسه. لكن مروحيتان كانتا على أهبة الاستعداد للطيران الى غوديرميس أجلتا الرجاء الى إشعار آخر ففيهما متسع من الفضاء لاحتواء فضولنا.
وبفعل " غريزة الحرب " وجدت نفسي قافزا في جوف الهليكوبتر قبل سكانها الأصليين الأمر الذي أثار سخرية الرائد الطيار الذي ربما أراد أن يستفزني بقوله : " هكذا يفعل دائما من لا يقدر المخاطر ". وأجبته بعفوية وبلا شغب : " بل المعبأ بخوف يكفيه لكل الحروب ". هكذا بدأ تعارفي مع الطيار العذب سيرغي بافلوفيتش. وعرفت من طبيعة أسئلته وكثرتها أنه يفعل ذلك حتى لا يترك لي الفرصة لتوجيه الأسئلة إليه لأن السؤال والجواب من الممنوعات مع الطيارين لأنهم يعرفون كل تفاصيل توزيع القوات ومستقبل تحركات القطاعات ولهم دراية عميقة بطبيعة المنطقة والطقس وكل شيء في المنطقة. لذلك كان سيرغي يستغرق بالحديث عن عائلته كلما سألته عن مكان ما تحتنا أو أسلوب طيرانه الواطئ والخط الذي اتبعه والقرى التي مررنا بها والمسافة التي تبقت لنا … الخ
في الطيران الى غوديرميس فوق الأراضي الداغستانية استرعى انتباهي فورا مساحة المراعي العريضة وعدد المواشي الذي يفوق عدد السكان ، ذلك الخضار البهيج الذي لم تخربه الحرب وتناثر البيوت والطرق الترابية الممتدة كأفعى خرافية وبحيرات تؤدي الى بحيرات. وفي تلك اللحظات التي كنا نتوغل بها في عمق الأراضي الشيشانية اختفى كل شيء حي ، وكأن الحدود الداغستانية - الشيشانية هي حدود السماء والأرض أو الحياة والموت. فما أن دخلنا الى الشيشان بدأت الأراضي الصخرية الجرداء ولأول مرة أرى صحراء ، نعم صحراء تقليدية على مبعدة كيلومترات قليلة من الخضرة الداغستانية الممتدة حتى بحر قزوين. وكأني مسكت الدليل بأن الشيشان الفقيرة وغير البحرية بحاجة الى داغستان الزراعية والبحرية والأمر لا علاقة له لا من بعيد ولا من قريب بثورة إسلامية أو جمهورية تضم كل شعوب القوقاز. فالجبليون الذين يحكمون الشيشان طوال التسعينات لم يتركوا فرصة لأبناء الشيشان من الحضر لتولي أي منصب داخل بلادهم ولم يسمحوا لرأس من يعارضهم الوقوف على جسده وبينهم صراع دموي على السلطة وبين بينهم صراع أشد وأقسى. فكيف سيوحدون القوقاز ؟ وعندما شاهدت سوادا في الأفق اعتبرت هذه البقعة الصحراوية خطأ ما في الطبيعة ، لكن اقترابنا من هذا السواد وضح أنها مجرد مستنقعات وأحراش لا تسكنها سوى الحيوانات المؤذية. وانتبهت الى شيء وهو أن المقاتلين الشيشان لو التجئوا الى هذه المساحات الهائلة من المستنقعات لا تستطيع أية قوة إخراجهم منها. لكن الجبليون الذين يمثلون غالبية المسلحين الشيشان لا يمتلكون خبرة سكان الأهوار لذلك استبعدت انطلاق صاروخ منها نحو طائرتنا. وكانت الصهاريج الكبيرة جدا الواقعة في ضواحي غوديرميس والمحفورة في الأرض تلفت الانتباه أيضا بالبقع النفطية المنتشرة حولها. في هذه المواقع كانت مصانع تكرير النفط الصغرى حيث كان يكرر النفط المسروق من الآبار الشيشانية وأنبوب قزوين الى بنزين رديء. وكان يعتبر مصدر دخل رئيسي للقادة الميدانيين الشيشان أو " الشيشان الجدد " كما يسمونهم هناك والتي كانت بيوتهم تكاد تشرف على المدينة كلها. لم يشفق أحد منهم على أطفال مدينته بترميم مدرسة أو دفع مرتبات المعلمين أو حتى الممرضات لا نقل الأطباء. فكما رأينا فيما بعد توجد بنية تحتية كافية في غوديرميس باقية منذ الأوقات السوفيتية. وكان هذا فضل النظام السوفيتي الذي لا يمكن أن ينكره أحد. ففي تلك الأوقات كانت تبنى كل المرافق الأساسية الخاصة بالضمان الاجتماعي في المدن والقرى ، كل ما يحتاجه السكان ، كل التفاصيل الصغيرة التي تلبي احتياجات الإنسان. ألم يكن الناس ، ناسهم ؛ أولى ولو بنسبة من خيرات النفط لتشغيل ولو مخبز في المدينة !
في الحرب الشيشانية السابقة حرصت القوات الروسية على عدم المساس بأي شيء يتعلق بقطاع الوقود الشيشاني. لأن المخططين للحرب ظنوا بأنهم في غنى عن تصليحها فيما بعد طالما أن الوضع سيستقر لصالح موسكو. لهذا السبب بقت المصانع الصغرى تعمل بلا انقطاع ، ولم تكن هذه المصانع تزود آلة المقاتلين الحربية بالوقود فحسب ، بل كانت تمول عملية شراء السلاح والمعدات والذخائر. لهذا السبب لم نر مصنع واحد سالم من القذائف الروسية في هذه الحرب ، لقد دفن الطيران الروسي هذه المصانع في حفر ليس لها قرار.
ذكر لي بعض النسوة في المدينة فيما بعد بأنهم عندما شاهدوا طائرتنا أمعنوا النظر إليها وكذلك الأطفال الذين اعتبروها لعبة بدلا من مدينة الألعاب المبنية في الأوقات السوفيتية والتي لم يكلف أي نظام حل في الشيشان طوال التسعينات فتحها أمام الأطفال رغم أن الكهرباء كانت تصل إليهم بالمجان من روسيا. لم يفكر الجبليون بضرورة هذه الأشياء للأطفال. كان يهمهم فقط تدريب الأطفال على حمل السلاح منذ سن السابعة ؛ هذه متعتهم الوحيدة وربما هذا الشيء الوحيد الذي يدركونه في الحياة ويريدون بناء دولة عصرية ! ينظر الأطفال بغرابة الى الدولاب الطائر ولا يعرفون ماهية وجوده ، فهذا الدولاب لم يتحرك منذ عشرة سنوات ، يعدونه حيوان خرافي كالذي يسمعون عنه في الحكايات الشعبية. أحسب أن وقوف هذا الدولاب هو وقوف الزمن في الشيشان منذ انقلاب دوداييف في عام 1991 وحتى الآن. لقد توقف الزمن في الشيشان بشكل كامل.
وهكذا نظر النساء والأطفال الى طائرتنا ، كما أخبروني فيما بعد ، بهدوء ، على العكس مما كان ينتابهم من هلع في الأسابيع الماضية عندما يهرعون الى أقبية دورهم خوفا من القصف الجوي. كان أزيز محركات الهليكوبتر كافيا لطرد الحياة من المدينة.
دمرت غوديرميس في الحرب السابقة ولم تتم إعادة بنائها بالطبع. لكنها احتفظت بهيكل المدينة الأساسي ، ما تحتاجه فقط الأموال والنزاهة والإخلاص لكي يتم ترتيب فوضاها.
وعندما تحررنا من ضجيج الهليكوبتر وهبطنا في حقل كبير يطل على المدينة استخدم كمطار ، اقترح سيرغي أن أصل الى المدينة بواحدة من السيارات العسكرية. وبعد مشي نصف كيلومتر وسط الحشائش ( كانت فكرة انفجار لغم أرضي تلازمني ) رأيت حافلة مخصصة لنقل الجنود. وبعد صعودي إليها اكتشفت أن زجاج نوافذها المغلقة من القذارة بحيث يجعل التصوير أمرا مستحيلا خاصة وأن الزجاج قد ينكسر ولا تفتح النوافذ. وأظن بأن أحدا لم يتجرأ ونظف هذه النوافذ أو فتحها منذ تم تصنيعها قبل نصف قرن.
عدت أدراجي الى الشارع بعد أن شممت رائحة دبابة قادمة باتجاهنا. ورغم كل المحاذير والممنوعات وعبارات القنص تسلقت إليها واستقبلني الجنود على متنها بفرح من باب تغيير الجو الرتيب الذي تعودوا عليه.
إذن انتزعت فرصة هائلة لرؤية المدينة على دبابة مكشوفة ، وفي جوهر الأمر فرصة التقاط الصور التي لم يرها أحد قبلي . كنت أعلق كاميرتي " الغالية " في عنقي وأخفيت في الجيوب العليا من قمصلة الحرب كاميرتان صغيرتان . ومع ارتجاف أصابعي ( طبعا من وعورة الطريق وليس من الخوف لأني نسيته تماما كما قلت للطيار ) بدأت خطواتي الجديدة في حقول الموت الشيشانية.

ماذا بعد غروزني ؟


بدأت إذن ، معركة السيطرة على غروزني بين القوات الروسية والمقاتلين الشيشان. وتبعا لمقاييس الحروب ، فأن المعركة كانت غير متكافئة لاعتبارات عسكرية عديدة. والكفة ستميل الى القوات الروسية بغض النظر عن الوقت والخسائر التي ستتكبدها.
وأعيدت نفس أحداث نهاية عام 1994 ، وأدت الى نفس نتيجة الحرب السابقة : تفرض القوات الروسية سيطرتها على العاصمة الشيشانية وتفرض الحكومة التي تناسبها وتسن القوانين حسبما تشاء ، يسير الناس في النهار ويمارسون أعمالهم بسلام ووئام مع القوات المحتلة ، وما أن يحل الليل ، يمتشقون السلاح وتبدأ عمليات حصد الرؤوس الروسية بالتدريج. وهكذا فأن روسيا تسير من نصر الى نصر نحو الهزيمة الثانية وفقا لهذه النظرية الأكثر ثباتا في الواقع العملي.
ومن الواضح أن الجيش الروسي استخدم في هذه الحرب تكتيك الجنرال يرمولوف في القرن التاسع عشر. وهو التقدم التدريجي في أراضي الخصم مع " فرض " الصلح على المناطق المأهولة بالسكان ومنح الزعماء المحليين الامتيازات التي يطلبونها.
غير أن المقارنة لا يمكن أن تكون متوائمة تماما. فالحالة العسكرية الاستراتيجية الراهنة في القوقاز تختلف أصلا عن الحالة الماضية. فلا تحاصر اليوم جورجيا الموالية بالكامل للحاكم العسكري الروسي المقاتلين من الجنوب. بل يرى العكس ، حيث تتعامل جورجيا مع روسيا بشكل غير ودي لم يسبق له مثيل.
عند ذلك ، تطرح تصريحات القادة الروس بأنهم طوقوا " الانفصاليين " أو حاصروهم الكثير من الشكوك. ويبقى الموقف مرهون بتبليسي. ورغم أن المسؤولين الجورجيين يعرفون أن فصائل شامل بساييف كانت القوة الضاربة للانفصاليين الأبخاز الذين سلبوا من جمهوريتهم الفتية مقاطعة أبخازيا بفضل تفوقهم على قواتهم غير المدربة جيدا. الا أن تبليسي الرسمية تفضل مجابهة موسكو عن التورط مع الشيشان.
لذلك لم تسمح جورجيا ذات السيادة للقوات الروسية بالقيام بعمليات عسكرية انطلاقا من أراضيها ضد الشيشان. وروسيا لم تترك هذا الموقف بلا جواب ، وسارعت في اتهام جورجيا بتزويد المقاتلين الشيشان بالأسلحة أو السماح بمرورها عبر أراضيها. وإذا تم تسمية الأشياء فأن موسكو تتهم تبليسي بدعم الإرهاب الدولي …الخ.
ويثير ذلك امتعاض جورجيا التي كانت تدعو الصحفيين دائما لزيارة المعابر الجبلية وتسمح لهم بالتحدث مع سكان شاتيلي وبانديسكويه.
ويتساءل الجنرال فاليري تشيدزيه قائد حرس الحدود الجورجي لماذا لم يستخدم رفاقه السابقون في الحرب الأفغانية الأساليب المجربة في إنزال الوحدات في البر وتنظيم مراكز الحراسة في جميع الشعاب وعلى المرتفعات المنتشرة في القطاع الشيشاني للحدود الروسية - الجورجية.
ويعتبر أن التفاف القوات الروسية عبر الحدود الجورجية لتطويق الشيشان مسألة يحلها الساسة وليس العسكر. وقال أن نقل وحدات عسكرية كبيرة مع معداتها الثقيلة عبر الحدود الجورجية أمر ممكن وأيسر للروس.
ولا يطرحون في تبليسي اعتذارات سياسية ، بل يتكلمون عن صعوبة السير في المعابر الجبلية وحالات الانهيار الثلجي في الجبال وعدم تمكن تبليسي من مواجهة المقاتلين الشيشان في حالة تفرقهم الى مجموعات صغيرة الأمر الذي سيؤدي الى فقدان الاستقرار في مناطقها الشمالية التي يسكنها الكيستينيين الذين يشكلون مع الأكينيين شعب واحد مع الشيشان والأنغوش.
والكيستينيين سيستقبلون الشيشان في كل الأحوال بحرارة تختلف عن الصورة التي استقبل فيها البوتيلخيون والأنديون في داغستان جماعة شامل بساييف وخطاب. وفي النتيجة تخشى جورجيا من نشوء منتجع شيشاني شتوي يضم مقاتلين محترفين لا تستطيع تبليسي التصدي لهم بدون مساعدة خارجية.
وفي الوقت الذي تتقدم فيه القوات الروسية في عمق غروزني وصلت طلائع القوات الأمريكية التي تتهيأ للقيام بالمناورة العسكرية الأمريكية - الجورجية التي أطلق عليها " ميد كيب - 2000 ". وأرست في ميناء بوتي سفينة الحراسة الفرنسية " كارتيه ميتر أنكيتيل " التي حضرت تعبيرا عن الصداقة بين البلدين. ومن المؤكد أنه عندما تنتهي فترة بقائها في بوتي ( حددت 3 أسابيع كفترة قصوى لبقاء سفن الناتو في البحر الأسود ) ستستبدلها سفينة أخرى وحتى أسطول كامل من الأطلسي للتعبير عن مشاعر الصداقة.
وقد تأتي المساعدات العسكرية لجورجيا من القواعد العسكرية الروسية المرابطة على الأراضي الجورجية ( هناك 4 قواعد في فازياني قرب تبليسي وفي أخالكلعك عند الحدود مع أرمينيا وفي باتومي في الحدود مع تركيا وفي أبخازيا ).
ومهما كان الأمر ، فأن إطلاق الرصاصة الأولى في الأراضي الجورجية يعني الموت السياسي الفوري لحزب " اتحاد مواطني جورجيا" الحاكم والرئيس ( السابق ) أدورد شيفرنادزه. والخروج من المصيدة التي ستقع بها تبليسي صعب جدا وخاصة هي على أبواب الانتخابات الرئاسية التي ستجري في الربيع القادم. وربما تتناثر في الرياح شعارات الحزب الحاكم وشيفرنادزه عن الاستقرار والأمن عندما تتحول جورجيا الى ساحة صراع بين روسيا والأطلسي في خضم الفوضى في الحدود مع الشيشان وحرب العصابات التي يتوقع لها أن تستمر طال الاحتلال الروسي للشيشان أو قصر.
في غضون ذلك سترتفع أسهم حزب البعث الجورجي ورئيسه أصلان أباشيدزه الذي يلمحون منذ الآن بتمتعه بتأييد جدي من " أوساط روسية معينة " ناهيك عن إمكانياته المالية الهائلة.
والأوساط الروسية " المعنية " لا ينقصها سوى إعادة سيناريو الشيشان في تبليسي أو سوخومي. المهم حادثة صغيرة كالتي جرت في داغستان لكي يدرك الشعب الجورجي حقيقة الوعود بالمستقبل النير المفروش بطريق الحرير العظيم الجديد المزين بقطعة من أنبوب النفط.
يكمن هنا بالذات السبب الرئيسي للتفاقم " الشيشاني " الأخير من حيث التوقيت في العلاقات الروسية - الجورجية. كما أن النزعة الانفصالية الأبخازية التي تدعمها روسيا تمثل المعرقل الدائم لإقامة علاقات رسمية ذات قيمة بين الدولتين. وفي الحقيقة فأن الممر الأبخازي لنقل النفط ليست له أية أهمية لجورجيا كما تعتقد قيادة تبليسي الحالية. ومن اليسير رؤية هذه الآفاق بالعين المجردة في خريطة الخط الغليظ لخط أنابيب النفط باكو - سوبسا والخطوط المنتشرة من سوبسا الى الجنوب في اتجاه ميناء جيهان التركي والى الشمال الغربي الى أوديسا الأوكرانية. وتستمر الخطوط أبعد الى الطرفين : من باكو الى آسيا الوسطى وتنغيز الكازاخية ومكامن الغاز التركمانية. ومن أوكرانيا الى البلقان وأوربا الغربية.
هكذا شاهد الاستراتيجيون الروس الأمر على الخرائط وأدركوا أن موسكو ستبقى بعيدة في الشمال ولا تحرم من الفوائد الاقتصادية فحسب ، بل وحتى من أذرع التأثير السياسي على كييف وتبليسي وباكو وكل دول آسيا الوسطى. وكان لابد لحرب في القوقاز من أجل السيطرة على صنبور الوقود ، حتى لو تطلب الأمر قتل المدنيين في موسكو ، في بيوتهم ، الكثير منهم قدر الإمكان.
يمكن القول أشياء كثيرة عن شيفرنادزه ، غير أنه قاد جورجيا وفقا لنهج بناء " بيت قوقازي مشترك ". وكان الرئيس الجورجي السابق زفياد غمزاكورد والرئيس الشيشاني السابق جوهر دوداييف في وقتهما المفكرين الرئيسيين لهذا المشروع.
ولا يمكن بناء " بيت قوقازي " مستقل عن موسكو الا بأسلوب واحد وهو إنشاء كونفدرالية تضم ثلاث جمهوريات ما وراء القوقاز تكون فيه أذربيجان قاعدة المواد الخام الرئيسية ونقطة إعادة نقل الطاقة من آسيا الوسطى وسيل السلع من الشرق وتتمتع جورجيا بدور منظم الترانزيت بالإضافة الى منتجاتها الخاصة من الخمور والشاي وغيرها من المحاصيل الزراعية وأرمينيا الى حد ما رغم وقوعها في منطقة مغلقة وشراكتها الاستراتيجية مع روسيا وهي الوحيدة فيما وراء القوقاز. ولكن إذا فكت عقدة قره باغ ستدخل أرمينيا عضويا في الكونفدرالية وستنحصر مهمتها في التأمين المالي والمنتجات التكنولوجية العالية. علما أن يريفان الرسمية صرحت خلال السنتين الأخيرتين بأنها ترى آفاق دولتها في هذه المجالات.
وسيضمن الأطلسي أمن هذه الكونفدرالية من الجنوب. وسيغطي " البيت القوقازي" من الشمال الجار الجبار الذي لا يمكن لأحد التنبؤ بتصرفاته.
هذه الخطة التي تريد روسيا نسفها بشنها الحرب ضد الشيشان. ويوجد لدى الجميع ما يخشونه في حالة نجاحها.
أليس واضحا الآن من قام بتفجير البيوت السكنية في المدن الروسية ومن دفع بساييف للقيام بعملية داغستان ؟

ماذا بقى في الشيشان للشيشانيين ؟


أعلن قائد القوات الموحدة الروسية في شمال القوقاز الجنرال فيكتور كازانتسوف بأن قواته تطوق العاصمة الشيشانية بالكامل. وحسب أقواله فأن تم فتح " ممر آمن " يوم الاثنين لمغادرة المدنيين ومن يستسلم من المقاتلين الشيشان في غروزني حيث سيتم إسكانهم في معسكرات جهزت خصيصا لهم في منطقة نادتيرشني.
وقال الجنرال بأن القوات الروسية " حررت " منذ بداية الأعمال الحربية ولغاية الاثنين 100 مدينة وقرية من مجموع 119 في الشيشان.
وبالرغم من سوء الأحوال الجوية تستمر طائرات " سو - 24 " و " سو - 25 " ومروحيات " مي - 24 " إنزال ضرباتها الجوية على غروزني وعروس مرتان والأحياء السكنية في إيتوم كالي وشاروي وبورزوي وبيرفامايسكيا وأريخوفا وغيرها من المدن والقرى الشيشانية التي بحساب بسيط تتعدى التسعة بكثير والتي لم " تحررها " القوات الروسية على حد قول قائد القوات الروسية في شمال القوقاز.
وتفرض القوات الروسية كامل سيطرتها على الطرق الحيوية راستوف - باكو و غروزني - أتاغي. وتعد هذه الطرق الرئيسية التي تربط العاصمة الشيشانية بالعالم الخارجي من جهة الجنوب. وكان الاستيلاء على بلدة ألخان يورت قد أعطى إمكانية السيطرة على هذين الطريقين. الأمر الذي أدى الى لجوء المقاتلين الى الطريق الذي يربطهم بعروس مرتان. ومن جهة الشرق لم تتوقف المعارك من أجل السيطرة على الطريق المؤدي الى بلدة بريماكانيا والذي تقترب القوات الروسية من فرعه الرئيسي: غروزني - خان كالا - أرغون.
عمليا القوات الروسية لا تسيطر بالكامل على هذه الطرق كما أدعى الجنرال كازانتسوف ، بل تسيطر فقط على نقطها وتقاطعاتها الرئيسية بفضل الطيران الذي بغيابه يمكن للمقاتلين الشيشان التنقل عبرها بشكل ما. وتجد القوات الروسية صعوبة للسيطرة على هذه الطرق لطولها وتفرعاتها الكثيرة بين مرتفعات وأدغال ومستنقعات. لكن هذا لا يعني أن القوات الروسية لن تفرض سيطرتها على التقاطعات الرئيسية لهذه الطرق خلال الأيام القليلة القادمة.
ويعتبر طريق أتاغي السريع المشهور من الحرب السابقة المنفذ الوحيد المتبقي تحت سيطرة المقاتلين الشيشان بالكامل وحتى نهايته في تشيرنوريش. والمهم في هذا الطريق للطرفين المتحاربين هو فصله للقوات الروسية واختراقه مناطق وقرى رئيسية مثل كاتري يورت وباشلام وألخان يورت.
وحتى مساء الاثنين لم تسيطر القوات الروسية على مدينة أرغون بالكامل كما أعلنت القيادة العسكرية الروسية. حيث تواجه القوات التي تجري عمليات " تطهير " المدينة مقاومة ما في مركزها وسمع حتى نهاية اليوم تبادل إطلاق النار والقصف المدفعي قصير المدى فيها. وهذا يدلل على وجود جيوب للمقاومة لم تنسحب بعد من المدينة وهدفها على الأرجح تكبيد القوات الروسية أكبر عدد من الخسائر والهدف التكتيكي ينحصر في مشاغلتها لكسب الوقت وإعطاء فرصة للمدافعين عن غروزني لعمل شيء مضاد بحرية أكبر.
ولوحظ أنه كلما تقدمت القوات الروسية في العمق الجنوبي من الشيشان ، كلما زادت خسائرها وزادت مقاومة الأهالي لها. ويفسر ذلك الكره الذي يكنه الجنوبيين وأغلبهم من الجبليين للقوات الروسية على العكس من القبول النسبي الذي أبداه سكان المناطق الشمالية السهلية من الشيشان إزاء القوات الروسية. ويمكن الإشارة الى أن " احتياطي " التأييد الشعبي الروسي بدأ ينفد كلما توغلت في عمق الشيشان.
ومن الواضح أن خطط القيادة العسكرية الروسية تبتعد قدر الإمكان من خوض المعارك في الجبال الجنوبية وعدم الوقوع بعملية الاستدراج التي يقوم بها المقاتلون الشيشان كما حصل في الحرب السابقة. وتفضل الاستراتيجية الروسية القيام بما يسمى بـ " المعارك السريعة ". وهذا ما تطمح إليه الخطط الروسية حتى بالنسبة لغروزني. غير أن وجهة نظر أغلب المراقبين العسكريين الروس تستبعد " معركة سريعة " في غروزني. وفي نفس الوقت يؤكد نفس المراقبون على أن الطريق الى غروزني ليس بالضرورة عن طريق أرغون.
ويبدو أن المقاومة التي يبديها المقاتلون في عروس مرتان ستؤدي الى تغيير الخطط الروسية أو تأجيل تنفيذها لأسبوعين على الأقل وخاصة بعد غياب الجنرال شامانوف بسبب أزمة قلبية ألمت به وإشراف الجنرال كازانتسوف على الجبهة الغربية بدلا عنه.
ومن غير الواضح كيف تكون غروزني محاصرة بالكامل كما قال قائد القوات الروسية الموحدة والمعارك مازالت تدور في عروس مرتان وخلو بلدة غويتي وضواحيها من القوات الروسية !
ومع ذلك فأن الأيام القادمة ستوضح النتائج الرئيسية للحملة الروسية في الشيشان. وهذا لن يحدث بدون مواجهة مباشرة والتحام القوات الروسية مع المقاتلين الشيشان في غروزني وكيروف وبيرفومايسكيا وتشيرنوريشي. في الوقت نفسه فرض السيطرة الكاملة على عروس مرتان. والمرحلة هذه ستشهد حرب أخرى غير التي جرت بكل المقاييس.

بماذا اختلفت الحرب الشيشانية الأولى عن الثانية؟


قال قائد القوات الشيشانية موسى مونايف بأن القوات الروسية ستقتحم العاصمة غروزني نهاية أكتوبر 1998 ، ويبدو توقع القائد العسكري الشيشاني معقولا عند أخذ التغييرات في الأحوال الجوية التي سيشهدها القوقاز بنظر الاعتبار.
واعتبر مونايف عبور القوات الروسية للضفة اليمنى من نهر تيريك والامدادات العسكرية الروسية التي وصلت في القطاعين الشمالي والغربي علامات التحضير لاقتحام غروزني.
ويأتي تصريح فاليري مالينوف نائب رئيس هيئة الأركان الروسية بأن قواته لن تدخل غروزني بالدبابات والمدرعات التقليدية ، إشارة الى وجود مخطط اقتحام العاصمة الشيشانية في حسابات هيئة الأركان الروسية. وعلى الأرجح أن الخطة الروسية ستكون جديدة ولا تشبه ما حصل في عام 1995 عندما تحولت غروزني الى مقبرة للدبابات الروسية.
وما مكشوف في الخطة الجديدة هو استمرار القوات الروسية التي تحاول فرض طوق صارم على غروزني في استنزاف المدافعين عنها الى أقصى حد ممكن ، يساعدها في ذلك انقطاع التيار الكهربائي والغاز وعدم وصول الإمدادات العسكرية الكافية والتموينية الكافية. وبطبيعة الحال فأن المخزون الشيشاني سينفد بمرور الأيام والأسابيع.
ومن جهتهم يحرص كل الرجال في غروزني على بذل ما بوسعهم للتصدي للهجوم الروسي المحتمل. ويحاول القادة الشيشان كما قال مونايف استغلال العناصر المتطوعة التي تمتلك خبرة القتال في تشكيل وحدات جديدة ، بينما أرسل الرجال الذين لا يجيدون القتال لأداء مهمات كحفر المتاريس وخدمة المقاتلين.
وأكد قائد القوات الشيشانية بأنهم في غروزني يمتلكون قدرة على الدفاع أكثر بأسا مما كانوا عليه في عام 1995 ووعد القوات الروسية بمجزرة حقيقية.
وبعيدا عن حرب التصريحات فأن القوات الروسية أيضا استفادت كثيرا من دروس الحرب الفاشلة الماضية ، كما أن غياب قائد يمتلك الجاذبية كجوهر دوداييف سيجعل توحيد فصائل المقاومة الشيشانية أمرا صعبا ، بالرغم من ان الشيشان كانوا في وقت دوداييف أيضا منقسمون على أنفسهم كثيرا كما هو حالهم الآن ، الا أن الخطر الروسي الموجه للجميع بلا استثناء جعلهم يقتربون من حالة وعي المصير المشترك. وهذه الخلفية السيكولوجية موجودة في العنصر الشيشاني ومتوارثة. وفي هذا المعنى يمكن إدراك عمق الخطأ الروسي المزمن بعدم فهم الطبيعة الشيشانية للآن والمتمثلة في الاتحاد عند مواجهة الخطر المشترك.
وكما ستقاتل روسيا الشيشان بشكل آخر ، فأن المقاتلين الشيشان سيقاومون على نحو مختلف كما قال موسى مونايف. وأفضل خطوة قام بها المقاومون هي إبعاد النساء والأطفال والرجال غير القادرين على فعل شيء خارج العاصمة الشيشانية مما يسهل من مجال المناورة وحركة المقاومة الشيشانية ويبعد عن المقاتلين الضغوط النفسية المعروفة.
وتم تقسيم غروزني الى قطاعات مستقلة يشرف عليها قادة مخضرمون وتعمل لصالح الشيشان عوامل أخرى الى جانب معرفة خصائص وأسرار المدينة مثل الاستعداد للدفاع عن المدينة قبل وقت مناسب وليس كما حصل في نهاية عام 1994 ومطلع عام 1995 عندما أخذ الشيشان على حين غرة ولم يتوقع خبرائهم قيام القوات الروسية بعملية اقتحام مباشر بكل أنواع الأسلحة. وثانيا ، يتميز المدافعون عن المدينة الآن عن المدافعين في الأعوام المذكورة بخبرة القتال التي اكتسبوها في الحرب الماضية. وزحف القوات الروسية البطيء باتجاه غروزني أعطى متسعا للوقت للقادة الشيشان لعمل خطة دفاعية ، الأمر الذي لم يكن موجودا في الحرب الماضية ، حيث كان الارتجال السمة التي ميزت المقاومة الشيشانية في الأشهر الأولى من الحرب رغم ما أبدته من صمود واضح. وأخيرا ، تمتلك الشيشان الآن أسلحة أفضل وأكثر مما كانت تمتلكه في الحرب السابقة.
ويؤكد ممثلو وزارة الدفاع الروسية بأنهم أكملوا بناء " الطوق الأمني ". ومن الواضح أن المقصود هنا أمن روسيا. أما " العصابات " داخل الطوق فتأمل القوات الروسية في إبادتها. وتكون الطوق الروسي من ثلاثة خطوط " دفاعية ". احتلت وحدات وزارة الداخلية ( 30 ألف شخص ) والقوات الخاصة الخط الأول المسؤول عن مراقبة الحدود في الاتجاهين وجهز تكنيكيا ليكون مركزا للحصار والنقاط الخفية والمخافر لمنع توغل المقاتلين الشيشان عبر الأراضي الجورجية الى داغستان وانغوشيا وأوسيتيا الشمالية. وأعطي الخط الثاني والثالث لقوات وزارة الدفاع.وستعمل قوات الخط الثاني على مشاغلة التشكيلات الشيشانية في حالة اجتيازها الخط الثالث تساعدها قوات الداخلية في تكثيف الحزام الناري. وتمتلك وحدات الخط الثاني كل الأسلحة الثقيلة تقريبا من مدفعية ومدرعات وراجمات صواريخ. وتقع في الخط الثالث تشكيلات من قوات التدخل السريع التي يمكن نقلها الى أي خط أو أي قطاع يواجه المتاعب. وتغطي الخطوط الثلاثة القوة الجوية بشكل دائم.
ويصل هذا الطوق الأمني لمسافة 15 كيلومترا عن غروزني. علما أن القوات الروسية لم تدخل الى بعض القرى الشيشانية بالاتفاق مع شيوخها الذين تعهدوا بإخراج المقاتلين بالحسنى كما حصل في مناطق ناورسكي وشيلكوفسكي.
وتتابع القيادة العسكرية الروسية تحركات التشكيلات الشيشانية المسلحة بمنظومات الاستطلاع وطائرات التجسس بدون طيار " ستروي - ب " القادرة على ممارسة عملية الاستطلاع الجوي بلا انقطاع وإعطاء الإحداثيات الدقيقة الى قوات المدفعية والصواريخ وكذلك للطيران. وكانت روسيا قد استخدمت هذا الأسلوب على نطاق محدود جدا في الحرب السابقة.
ومن الواضح أن كل ما ذكر هو مجرد خطط هيئة الأركان الروسية الموضوعة على الخرائط والورق. فليست لموسكو الأموال الكافية ولا الوقت ( يكلف تجهيز الكيلومتر الواحد للحدود في أدنى تقدير للاحتياجات نحو 400 ألف دولار ). ولهذا السبب تعد التحصينات الروسية بسيطة ومتواضعة في المفهوم العسكري وهي عبارة عن خنادق عمقها مترين وارتفاعها ثلاثة أمتار. أما القطاعات التي سيطرت على الجبال فلا يحميها سوى الطيران.
وبهذا الصدد صرح الجنرال أناتولي كورنوكوف قائد القوة الجوية الروسية بأن روسيا تسيطر بشكل تام على الجو " فوق الأراضي المتمردة ". ولم يأت الجنرال بشيء جديد طالما القوات الشيشانية لا تمتلك سوى طائرة شخصية لشامل بساييف دمرت في أيام العملية العسكرية الأولى.
وتدل كل تصريحات العسكريين الروس بأن الأمور تسير نحو اقتحام غروزني. قال الجنرال فاليري مالينوف بأنه : " ليس لدينا الحق في استبعاد أي شكل وأسلوب للأعمال العسكرية يحل المهمة الرئيسية لقواتنا في تدمير التشكيلات الإرهابية في الأراضي الروسية بما في ذلك قواعدها ومصادر وجودها ". وقال الجنرال غينادي تروشيف قائد التشكيلات الروسية الموحدة في داغستان بأن العمليات العسكرية
" ستشمل كل بقعة أرض يوجد فيها الإرهابيون ".
ومع ذلك ، يدرك العسكريون الروس صعوبة إغلاق الحدود تماما مع الشيشان. وما زالت مسألة الممر الجورجي تعقد حالة " الطوق الأمني ". وحسب تقدير هيئة الأركان الروسية ثمة في الشيشان 6 آلاف مقاتل محترف . ويعتقد الجنرال مالينوف بأن عددهم سيزيد الى 10 آلاف قريبا. وصرح شامل بساييف مؤخرا عن تشكيل فصيلة من الانتحاريين يبلغ عددهم 400 شخصا.
ويرد الجنرال تروشيف على هذا المعطيات بقوله : " من الحماقة أن نجلس لنكش الذباب ونحن نرى العدو يقوي نفسه ". ويقترح للتغلب على عامل الوقت إنشاء نوع من " الدفاع الديناميكي " عن الأراضي التي تم الاستيلاء عليها. لأنه من الصعب فرض الحصار لمدة طويلة على محاربين أشداء. وبالتالي يطالب تروشيف بزيادة رغبة العسكريين في قطع " العقدة الشيشانية بعمل حاسم ". ولا يشك بأنه يقصد اقتحام غروزني.

جذور الأزمة الشيشانية

في الحديث الإذاعي الذي بثه الراديو الشيشاني في 15 يوليو 1998 بدأ الرئيس أصلان مسخادوف مواجهة الجميع ضد الجميع والتي كان مقدراً له ان تقع منذ أحداث عامي 1990 و 1991 . حمّل مسخادوف المسؤولية على " الأجانب " الذين جلبوا معهم أيدلوجيا غريبة على الشعب ؛ والمسلحون الذين ما انفكوا عن مواصلة الحرب وخطف الناس بغية الاتجار بهم ؛ الوزراء الذين يقفون ورائهم ؛ السماسرة وتجار الحروب وغير ذلك .. وأعلن الحرب على هؤلاء ، مبتدأ بمدينة غوديرمس التي اعتبرها معقل حَمَلة " الأيدلوجيا الغريبة " .. غوديرمس التي لم يستطع حتى الجيش الروسي من اقتحامها وقت المحنة والحرب .
في هذه المدينة يسكن الرئيس السابق والأمام الحالي سليم خان يندرباييف ووزير الخارجية الحالي مولدي أودوغوف الذي سيعفيه الرئيس من منصبه قريباً ، سكنها عندما كان صحفياً في جريدة محلية . ليس هؤلاء فقط يسكنون هذه المدينة ؛ ثمة 300 ألف شخص ساوى القصف الروسي منازلهم مع الأرض أيام النضال الجماعي من أجل الحرية . هناك القائد الميداني عربي بارييف الذي يشرف على المجاميع المسلحة في المدينة والمقرب الى أودوغوف والبعيد عن خطّاب الذي يكفي ذكر اسمه لبث الذعر في فرقة روسية كاملة ؛ هذا العربي ـ الشيشاني أو العكس ؛ رغم انه لا يحب هذه التسمية ويكتفي بالمسلم ؛ يسكن عروس مرتان وفي هذه المدينة يدرب الشباب الشيشاني على استخدام السلاح .أسمه الحقيقي أحمد ؛ دربه المصريون في بيشاور الباكستانية على أعمال التخريب ؛ تقول المصادر الروسية بأنه أردني وثمة من يقول بأنه سعودي . وبالمناسبة يعود الفضل الأول للصمود الشيشاني ومن ثم الانتصار الى مجموعة العرب الذين وصلوا من أفغانستان أو الأفغان العرب كما اعتادت صحافتنا تسميتهم . لم يكن هؤلاء يجيدون القتال وخاصة مع القوات الروسية فحسب ، بل علّموا الشيشانيين القتال بكل ما تحمله هذه العبارة من تفاصيل . أدخلوا الى جانب الأفكار الغريبة على الشعب الشيشاني كما قال مسخادوف كل ما أنتجته الحرب الأفغانية .. كل شيء ..
هناك إلى جانب ما ذكرناهم عبد الملك مجاهد والشيشاني الفاتح والسوري وحمزة غلاييف الذي كان يدعى روسلان وغيرها من الأسماء الحركية ، ومجاميع مسلحة مختلفة مثل كتيبة الخلفاء الراشدين وجنود القفقاس وجيش دوداييف وغيرها . وكما قال الكاتب الروسي تشيخوف : طالما يرقد السلاح قربك ، لا بد وان تستخدمه يوماً ما .
والمسلحون في غودرمس وعروس مرتان و ستاري أتاغي يتّبعون إرشادات يندرباييف، ويتبادل هذا المعسكر الاتهامات مع المعسكر المقابل في جروزني الذي يسيطر عليه مسخادوف وشامل بساييف الذي عُيّن قبل أيام بمنصب نائب القائد العام للقوات المسلحة الشيشانية . ولكن أي قوات هذه؟
فمسخادوف طلب عشيّة المصادمات في " ستاري أتاغي " حشد خمسة آلاف شخص من خريجي حرب التحرير الخاضعين لقادة مختلفي المواقف والمصالح والطباع ، ليكوّن منهم قوات مسلحة ، ولكنه استطاع بالكاد جمع 1500 شخص لا يجمعهم أي رابط عدا الارتزاق من مهنة الحرب . وهناك في المعسكر المقابل يسرقون النفط من الأنبوب المار بالشيشان الذاهب الى نوفيروسيسك عبر إستراخان ، طوال مسيرة الأنبوب تشاهد الثقوب التي تسرب النفط الذي يتحول الى سلاح حديث يوجه الى صدور رفاق الحرية . ولا يعرف أحد بالضبط ماذا يجري للنفط الشيشاني او النفط الذي يعبر الأراضي الشيشانية من أذربيجان والوضع الداخلي في الجمهورية مرهون بالنفط والسيطرة على خطوط إمداداته . ويستخرج من حقول النفط الشيشانية حوالي مليوني طن في السنة وتصل الكمية نفسها من إقليم ستافروبل وداغستان وانغوشيا الى مصفاة جروزني . وهذا لا يعني ان كل كميات النفط هذه تصل الى المصفاة ، لأن تكرير النفط يحتاج نفقات لا تتحملها خزينة الشيشان الخالية ، لذلك يقوم المسيطرون على النفط بعمليات أخرى مربحة . وعملياً يسيطر القادة الميدانيين على آبار النفط ويسرقون النفط كما ذكرنا . لذلك أعلن مسخادوف قبل حدوث المواجهة الحرب ضد وحدات تكرير النفط غير المرخص بها . وغير معروف هل تشمل هذه الحرب أصحاب الأنابيب المتفرعة من الخط المار بالشيشان وكيف سيكون الأمر مع أصحاب البيت ! لا يصل النفط الى المصفاة لأن المسلحون يبيعونه الى من يدفع نقداً . وثمة أسعار ليس لها علاقة بالأسعار العالمية ولا المحلية ( الروسية ) فسعر الطن قرب حدود الشيشان 40 دولارا وفي داخل الشيشان يمكن شراء طن من النفط مقابل 8 دولارات فقط . لذلك وجدت مافيا النفط الروسية لغة مشتركة مع المجاهدين الشيشان فالعملية مربحة حتى لو تدفع الضرائب والرسوم التي تفرضها السلطات الروسية ؛ ويمكن تخيل الربح إذا علمنا بانهم لم يدفعوا شيء مما ذكرنا . وللمسلحين الذين يحاربهم مسخادوف الآن مصدر آخر للرزق وهو تجارة المخطوفين الذين يمثلون الشركات الغربية والصحفيين والعاملين بمنظمات حقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية ، فمثلاً دفعت القناة الروسية المستقلة 4 ملايين دولار لتحرير بعثتها التلفزيونية العاملة في الشيشان وطلب الخاطفون 7 ملايين دولار للإفراج عن فالنتين فلاسوف ممثل الرئيس الروسي في الشيشان ، كل هذه الأفعال لا بد وأن تؤثر على سلطة الرئيس الشيشاني .
وحلّ يندرباييف ثالثاً بعد مسخادوف وبساييف في الانتخابات الرئاسية ، ولا يريد الاعتراف بالهزيمة حتى اليوم ، وصفق الباب بقوة ورائه عندما اضطر على الخروج من المضمار السياسي في الجمهورية التي تعبت من السياسة أكثر مما تعبت من الحرب . حاول يندرباييف بعد مصرع جوهر دوداييف الدخول في لعبة سياسية كبيرة في الوقت الذي كانت فيه موسكو تجري مباحثات صعبة مع الناتو . وحين اقتحم يندرباييف مع مجموعة من الشيشان في 23 أغسطس وبعد ساعات من فشل الانقلاب الذي أراد الإطاحة بغورباتشوف مقر الكي جي بي في جروزني ، حاول الحصول على الملف الخاص به حتى لا يقع في يد من لا يحب ان يعرف ان نشاطه لم يكن يقتصر على العمل الأدبي وحده . ولكن رجال الكي جي بي استطاعوا إرسال بعض الوثائق الى موسكو وفق ما قاله الجنرال إيغور كوتشيبه رئيس لجنة أمن الدولة بجمهورية الشيشان ـ الأنغوش وقتئذ . كان يندرباييف قائداً للنضال من أجل استقلال الشيشان منذ عام 1988 وهو الذي اختار دوداييف لأنه الشيشاني الوحيد الذي أصبح جنرالاّ في الجيش السوفيتي . وكان دوداييف يعيش بهدوء مع زوجته الشاعرة الروسية آلا في بيت متوسط المستوى في المدينة البلطيقية فيلنوس ، وأراد يندرباييف ان يكون الجنرال الطيار قائداً صورياً فحسب ؛ ولكن دوداييف برهن له وللعالم بعد أشهر بأنه ليس من المصادفة أن يكون الجنرال الشيشاني الوحيد . وكان ياندرباييف وأنصاره هم الذين وضعوا تكتيك واستراتيجية النضال من أجل التحرر بالتنسيق مع الجبهات الشعبية في جمهوريات البلطيق . لهذه الأسباب رفض يندرباييف فكرة الانتخابات واعتبر نفسه الوريث الشرعي الوحيد لرفع لواء النضال بعد رحيل دوداييف . ويتهم اليوم مسخادوف العقيد البارز في الجيش السوفيتي ومن العقداء القلائل الذين أوكلت إليهم قيادة فرقة الصواريخ الاستراتيجية السوفيتية والذي ترأس الأركان الشيشانية قبل وطوال أيام الحرب المريرة وبعدها بأنه يعمل لصالح المخابرات الروسية ، بعد ان أراد مسخادوف نزع سلاح الفصائل الباحثة عن حرب والقضاء على الجريمة وبناء الحد الأدنى لبنية مجتمع حضاري .وتعرض بسبب ذلك الى محاولة اغتيال في 23 يوليو أكد للاستخدام المحلي بانها من تدبير المخابرات الروسية مساهمة منه في المزايدات ضد العدو المشترك ؛ رغم ان المتتبع العادي يدرك بان من مصلحة روسيا وجود مسخادوف قوي وعلى حد تعبيره في الخطاب الإذاعي الذي بثه الراديو الشيشاني بعد فشل المحاولة " لا يجوز لي ان أموت اليوم فأمامي عمل كثير " .
ففي الشيشان اليوم أكثر من 120 ألف قطعة من الأسلحة وأكثر من 3ملايين قطعة من الذخائر على اختلاف أنواعها بما فيها الخراطيش والقنابل اليدوية والعبوات الناسفة والألغام ؛ وعشرات الدبابات والمدرعات وأيضاً عشرات المدافع من مختلف الأعيرة وما لا يقل عن ألف قذيفة لكل مدفع ، ويمكن الحصول على مختلف أنواع الأسلحة وقت الضرورة . هذه الأسلحة تدل على ضعف السلطة وبكلمة أدق غيابها ، وسبق أن أبدى الرئيس دوداييف قلقه من ضعف السيطرة على الفصائل المسلحة وحاول ترويض هذه الكتائب التي لم تتبع لأمرته ، ولكنه لم يمض في المعركة ضدهم الى النهاية وارتكب أخطاء كثيرة فقد سمح لكل من يرغب امتلاك السلاح ، ثم حظر حيازة السلاح بعد فوات الأوان.
ومع حلول عام 1995 كانت كل أسرة شيشانية تقريباً تمتلك قطعة واحدة على الأقل من الأسلحة ( لا يزيد ثمن الرشاشة في سوق غروزني اليوم عن 200 دولار ) . ويبدو ان مسخادوف أراد ترتيب البيت الشيشاني من قسمه العسكري في الوقت الذي لا تتوفر فيه الظروف المواتية لتطبيع الوضع الاجتماعي والاقتصادي . ولكن كيف سيتسنى له ذلك وثمة أكثر من خمسين مجموعة مسلحة تتسابق اليوم لوضع الطرق البرية والسكك الحديد وخطوط الأنابيب تحت سيطرتها ؟
فالشيشان تبتعد أكثر عن الحد الأدنى من الحياة الطبيعية ، المدارس مغلقة منذ عام 1993 ، لا توجد مستشفيات الاّ واحدة في جروزني ، الخدمات الاجتماعية اقل من الصفر ؛ لم تكن الشيشان قريبة من الحرب الأهلية كما هي عليه الآن.

ماذا جرى في الشيشان ؟


راقب المجتمع الدولي الوضع في الشيشان بشكل غريب لم يسبق له مثيل. حيث قاس المبعوثين الأوربيين وغيرهم الحالة في هذه القطعة المنسية من الأرض من خلال زياراتهم الى معسكرات اللاجئين في انغوشيا. وهكذا قرروا في زياراتهم ، بأن وضع حقوق الإنسان قد تحسن في القوقاز.
ورد الكرملين على هذا التجاوب فورا بتعيين فلاديمير يلاغين وزيرا يتولى مسؤولية تطور الشيشان الاقتصادي والاجتماعي. أي وزيرا لشؤون الشيشان. وكان في وقت سابق محافظا لمقاطعة إيرنبورغ.
وهذا الإجراء ليس جديد تماما ، فكان الكرملين يعين دائما شخص ما لإدارة الشيشان. وفي بداية الحرب جلبوا الجنرال نيكولاي كوشمان ليتولى هذه المسؤولية بمنصب نائب رئيس الوزراء. وفي الحرب الأولى توالى المسؤولين على هذا المنصب الشفاف للغاية.
وتوقع البعض أن يكون يلاغين رئيسا للشيشان فهو " وزير حر " ولا يرتبط بهذه القوى أو تلك. وأحمد قاديروف فقد غروزني بضغط من موسكو لحساب بيسلان غنتميروف الذي هدم المقاتلين الشيشان بيته قبل أيام وسلم من محاولة الاغتيال الأخيرة والدورية. وفقد قاديروف شركة غروزنفط بعد أن ابتلعت الشركة الروسية " روسنفط " كل أسهمها. وتنتشر الإشاعات على طرد قاديروف كونه " ليس ذلك الشخص الذي يمكنه توحيد الشيشان ".
غير أنهم في الكرملين لا يرون بديلا لقاديروف حتى الآن وإذا عينوا غير شيشاني في هذا المنصب فستصبح روسيا نظام محتل. وتلائم المفتي السابق الأدوار المرسومة له ولحيته وغطاء رأسه والفرو الاستراخاني وربطة العنق التي لا يفارقها في المؤتمرات الدولية.
وتذكر بعض المصادر أن أهم أسباب فشل الجنرال كوشمان في منصبه هو ارتباطه بقرابة مع إحدى العشائر المحلية. ويعتقدون أن فلاديمير يلاغين سيأتي الى الشيشان وهو متحرر من أية صلة بالعشائر.
أموال وأعمار
وتوصلت هيئة الرقابة الفيدرالية التي يترأسها رئيس الوزراء الأسبق سيرغي ستيباشين الى أن الأموال تصل الى الشيشان بشكل سيئ كالسابق. زد على ذلك لم يصل روبلا واحدا الى الشيشان منذ يوليو 2000.
ووصل 3 , 1 بليون روبل الى الشيشان من يناير الى يوليو 2000 فقط وشكل هذا المبلغ نسبة 54 % من الأموال التي خصصتها الحكومة الروسية والبالغة 2 , 4 بليون روبل. وكان ينبغي أن تصل هذه الأموال الى ما وصفوها بـ " إجراءات الدرجة الأولى " والمفسرة حسب القرار الحكومي بعبارة شفافة أيضا وهي " تأمين العمل الطبيعي لاقتصاد الشيشان ودعم المجال الاجتماعي لعام 2000 ".
وقدر أكثر الخبراء تواضعا حاجة الشيشان لهذا العام الى ما لا يقل عن 7 بلايين روبل لكي يسير اقتصادها بشكل طبيعي.
وفي غضون ذلك يمعن الموظفون في المركز الفيدرالي في التفكير بطريقة ينفذون بها التزامات الحكومة تجاه الشيشان. وإذا كان الرئيس فلاديمير بوتين قد عين وزيرا للشيشان فعلى الموظفون تنفس الصعداء حيث انتقل كل شيء الى هيئة المراقبة الفيدرالية التي يشرف عليها بوتين بشكل مباشر.
ومع ذلك أعلن رئيس هيئة المراقبة سيرغي ستيباشين بأن 65 مليون روبل من الـ 3 , 1 بليون التي وصلت الى الشيشان " لم تستخدم بشكل هادف " وتسنى للمفتشين وضع أسماء عدد من الموظفين المقصرين والذين لهم ضلع في المكائد والتلاعب بالأموال العامة وبعض العاملين في إدارة الشيشان لرفعها الى النيابة العامة.
وشكا رئيس إدارة الشيشان أحمد قاديروف بعد اجتماع غرفة المراقبة للصحافيين بقوله أن " حجم التمويل لا يرضيني ولا توجد لدي أية صلاحيات ومسؤولية ". بينما قال ستيباشين أن " الأعمال ستتوقف في الشيشان لغاية معرفة الأهداف التي ستصل إليها الأموال ".
وتستمر الغرابة مع تسلم فلاديمير يلاغين " وزارة الشيشان " ذات الاقتصاد والبنية التحتية والفوقية المدمرة ورعاية سكان لا أحد يعرف عددهم حتى الآن ، فحسب معطيات وزارة المالية يبلغون 574 ألف إنسان وحسب قوائم وزارة الداخلية فسكان الشيشان 995 ألف نسمة.
اللاجئون
إلى ذلك ، يبقى عدد اللاجئين الشيشان وحالتهم في معسكرات انغوشيا بالنسبة للغرب دليل على التزام موسكو بحقوق الإنسان ونجاحها في تحقيق التسوية السلمية وفي إعادة بناء اقتصادها المدمر.
منذ معارك اقتحام غروزني وتدفق 200 ألف لاجئ الى انغوشيا ووفود الأمم المتحدة ومنظمات كالمؤتمر الإسلامي والأمن والتعاون الأوربية والمجلس الأوربي وغيرها قبل وبعد انتخاب فلاديمير بوتين رئيسا لروسيا الذي اعتبر المال هو حجر العثرة في المشكلة الشيشانية ، فيما اعتبر الغرب التسوية السياسية لب المشكلة.
وعقد الدوما جلسة خاصة بمناسبة تفقد وفد من مجلس أوربا أحوال اللاجئين الشيشان. وأقر النواب الروس في جلسة مستعجلة مسألة " تأمين حياة سكان الشيشان والأشخاص المنقولين مؤقتا في ظروف الشتاء ". ودعوا الى هذه الجلسة ، التي يعود الفضل الى انعقادها للوفد الأوربي ، كافة ممثلي الهياكل الفيدرالية المعنية لغرض " وضع اليد " على المشكلة الشيشانية. وفي نفس الوقت عقد فلاديمير بوتين جلسة عاجلة في روستوف ( جنوب روسيا ) لغرض " فتح الأبواب المغلقة " للمشكلة الشيشانية وتوصلوا لأهم شيء حسب تعبير بوتين الذي قال بأنه " حتى لو وجدت مساكن في الشيشان ، فلا يوجد فيها عمل ولا أمن ". ومع ذلك لا يوجد للكثير من السكان منازل خاصة بعد أن دمرتها الحربين.
واعترف مجلس الدوما بأنه لم يحدث انتقال للاجئين الشيشان من انغوشيا الى وطنهم ويساوي عددهم الآن كالسابق نحو 175 ألفا. ونوه النائب الأول للمثل الرئيس المفوض في المنطقة الجنوبية فاسيلي كوروبنيكوف في غضون ذلك الى أن " معسكرات اللاجئين تحولت الى بؤر للجريمة وتعاطي المخدرات ".
وبعبارة أخرى ، فأن الموفدين الغربيين لا يمكنهم تجاهل حقيقة تعد الأهم في جولتهم وهي أن التسوية السياسية وإعادة بناء الاقتصاد الشيشاني لا تزالان في نقطة الجمود.
وماذا بعد ؟
فما السياسة التي تنتهجها القيادة الروسية في القوقاز ؟
على هذا السؤال قال فلاديمير بوتين بأن " القيادة الروسية طالما افتقرت الى سياسة واضحة في شمال القوقاز " ، مشيرا الى أن شمال القوقاز " منطقة نزاعات أصلا ". ويبدو أن المسؤولين عن الملف القوقازي تركوا كل شيء في ميزان النزاع. ويضيف مساعد الرئيس الروسي سيرغي يسترجيمبيسكي الى أن هناك مؤثرات خارجية تواصل فعلها ، في إشارة الى ما يسمى المنظمات الخيرية. وهكذا فستبقى الورقة الشيشانية حاضرة طالما أن هياكل القوة الروسية كسبت الحرب وخسرت السلام في الشيشان. فمثلا لا تحرس القوات الروسية في الشيشان النظام والدولة هناك ، بل تحرس أنفسها فقط. وليس من المصادفة طلب فلاديمير بوتين بعد حوادث التفجير التي تعرضت لها ثكنات الجيش الروسي علنا من وزير الداخلية فلاديمير روشايلو الى " الانتقال بشكل حاسم الى تشكيل هيئات الدولة من المواطنين المحليين ".