الخميس، 13 مارس 2008

العبور






عبر نهر الخابور في قارب التهريب
البقاء في كردستان لغاية سقوط التمثال


كمن أغمض توقه ليرى نفسه في الحلم ، بدأت فكرة الوصول الى كردستان العراق ، في لحظة بدأ الثلج يتلاشى عن موسكو التي تمدد بها العمر طويلا حيث كان الطريق الى العراق يمضي ولا يؤوب ، كمنحنى نحو الموت الحتمي ، ولكي لا نتحول الى وليمة من أسقط عنا الجنسية والجواز وحرية المشي على تراب الوطن.
لقد كان الوصول الى كردستان بالغ الأهمية لمن يريد الكتابة عما سيؤول إليه مستقبل البلاد وما يجري في حاضرها وماذا فعلوا بماضيها ، والأهم ان العراق كان العين القريرة لكل فكرة ورؤيا ومقتطف فرح ونور وإنشودة واسترجاع حصتنا من صيف طال غيابه.
وبدأت المخاطبات الساخنة مع أصحاب البيت الكردستاني الذين رتبوا خطة محكمة نستطيع بتنفيذها العبور الى كردستان . وتم العبور بطريقة التهريب عن طريق نهر الخابور في ظهيرة يوليو 2001 وكانت النتيجة أكثر مما تحملها الحلم الأول ، فقد قابلنا الزعيمين الكرديين مسعود البرزاني وجلال الطالباني في وقت قياسي وجلسنا مع الأصدقاء قادة الحزب الشيوعي العراقي في شقلاوة وقادة حزب الدعوة الإسلامية في السليمانية وكافة الأحزاب العراقية تقريبا على الساحة الكردستانية ، علمانيين وإسلاميين ، تركمان وعرب وآشوريين، كلهم تقريبا.
كانت أجمل عملية تهريب صحفي الى نهار استهلّ ولادة هذا المنجز الذي نقدم لكم بعض من أوراقه المتفتحة في تلك الأشهر الكردستانية البالغة البهاء.
وتكررت زيارات التهريب الى كردستان وكان آخرها في فبراير 2003 ، أي قبل أسابيع من الحرب التي أطاحت بالنظام العراقي والتي قمنا بتغطيتها من صاروخها الأول ، لغاية هذه اللحظات والتي كما تشير كل المعطيات ، بأنها ليست وشيكة النهاية.
ممضيا الزمن الكافي بين الجبال والأبواب ، الوديان والنوافذ ، المسلحون بكافة أطيافهم ووزراء البناء وبيشمرغة التغني بمسالك الحرب ، مسيرة انبجست موجات من حكايات مصفحة وأصدقاء جدد ليـّنوا صعوبة المهمة باسترخاء جلسات الحدائق والاختباء في مصيف صلاح الدين تارة أو في شقلاوة تارة اخرى من حملة كاتمي الصوت المسربين من بغداد.
لم تكن نزهة في ربوع "شمال العراق" على الإطلاق، بل كانت حزمة من عمل مضن، خطير للغاية، ومشوق الى حد بعيد ، واصلنا فيه الليل مع النهار للظفر بالمعلومة و الصورة المنتقاة، وكانت المرحلة التي لم يتبق للحرب فيها سوى أيام قليلة، أصعبها، لاسيما بعد هجرة الشعب ومغادرته المدن ولجوئه الى الجبال البعيدة خشية من ضربات كيميائية، كان قد ذاقها من النظام في " أنفالات " ومطاحن سابقة.
محزنا التجول في الشوارع الخالية ، إلا من مقاتلين البيشمرغه وبعض الصحفيين ، كما لو كان الفراغ قد هوى على الأزقة والساحات وابتلع سكون عتبات الدور ونشـّف النوافذ من العيون.
رصدنا في تلك الأيام الدخول الأمريكي الأول للأراضي العراقية قبل نشوب الحرب ، وحرب الجواسيس في كردستان ومهارة اهلها في استنشاق دخان المعارك.
سنحكي لكم قصص النهارات الضائعة والمغدورين والأرامل والإبادة الشاملة ومطرقة الدمار، عن الجمال والفرح ولوعة الزمان والفناء والنبع القديم وقطرات الدماء المحفورة على الصخور والغيوم الشبيهة بالقناديل المطفأة وسراج الوطن إن جفت شرايينه.
لتتقبلوا منا لسعة الكلمات القادمة كطفولة تناشد الغفران من كردستان التي أمعن الدهر كثيرا في إيذائها وشطرها وحرقها، توطئة لم يفت أوانها لفتح غلال الذاكرة.

الاثنين، 10 مارس 2008

المؤتمر عراقي والتفتيش أميركي‏



صلاح الدين - موفد "القبس" إلى مؤتمر المعارضة العراقية – د . جمال حسين علي:

لغاية اللحظات التي انعقد فيها مؤتمر المعارضة العراقية في صلاح الدين، جمعت كل المعلومات الخاصة بالتواجد الأميركي في كردستانِ وعرفت أعدادهم ومهامهم وأماكن إقامتهم وعملهم وأهدافهمِ غير أني لم أرهم بأم عيني، لذا لم تستطع عدستي أيضا الوصول إليهمِ وعلى حين غرة، هبطوا علينا كالقدر المحتوم، ولا نعرف هل جاءوا لحماية المعارضين العراقيين أو لحماية أنفسهم أو لحماية المبعوث الأميركي زلماي خليل زاده أو لتحقيق كل المهام المذكورة.ولأن لدينا خبرة كافية في التعامل مع الأميركان، ولعلها الأكثر مرارة وجسارة كانت في أفغانستان، وفي أكثر الأوقات توترا، فقد كنا مهيئين تماما لإجراءات مماثلة، بل قد تكون أكثر تطورا وأقلها قلقا، كون الإخوة في الحزب الديموقراطي الكردستاني أكثر تنظيما بكثير من جماعة تحالف الشمال الأفغاني، ولديهم كل مقومات الدولة ومؤسساتها، ويمتلكون جهازا أمنيا واستخباريا له باع طويل في العمل السري. لكن ما نستطيع التوقف عنده، هو أن الأميركيين أنفسهم تطوروا كثيرا عما كان وضعهم في أفغانستان، ويبدو أن تجربتهم وتعاملهم العريق في كردستان أظهراهم أكثر هدوءا ولطفا مقارنة بما كانوا يبدون عليه في الصحارى والجبال الأفغانيةِ ولعل مهارة الأكراد في إدارة الوضع، ساعدتهم على إزالة التوتر الذي عرفناه عندهمِ ولا يستطيع أحد التكهن بما ستؤول إليه الأوضاع وإمكان احتفاظ الأميركان بصبرهم هذا أوقات الحرب.احتل رجال الأجهزة الأميركية الخاصة الخط الدفاعي الأول قبل الدخول الى قاعة اجتماع المعارضة، وبعد التصفية التي أجراها المنظمون الأكراد لجموع الصحافيين واختيارهم 'النخبة'، فالقاعة صغيرة و 'القضية كبيرة' على حد تعبير كبير المنظمين الأخ فوزيِ وثمة ميكروباص ينقل 'المختارين' الى مبنى المكتبالسياسي حيث ينتظرهم الأميركان.
أول ما قاله الأميركي الظاهر في الصورة 'ساعدوني أساعدكم'، بداية نحسد عليها، إظهار النوايا الحسنة في مثل هذه المواقف، يزيح بعض القلقِ لكن اللين الذي صاحب العبارة المذكورة أزاحته الإجراءات الصارمة التي تلتها.

الكاميرات والأجهزة والحماية

كنت الثالث في الترتيب، ولدي من الجيوب والكاميرات والهواتف ما عقد المهمة أكثر : عليك أن تصور تصويرا حيا في كاميرتك ليشهد عليها المدافع عن المؤتمر، وعليك أن تتصل من هواتفك، لكي تثبت له بأنها غير ملغومة، وكذا الحال بالنسبة للمسجل وغيره من الأجهزة ( هذه الإجراءات دخلت في علوم الحماية بعد اغتيال القائد الأفغاني أحمد شاه مسعود بكاميرا تلفزيونية ملغومة من قبل صحافيين وهميين ). ولسبب ما، تكلم مع أحدهم ونسي إجراءات التفتيش معي، وعندما عاد، أعادها من جديد، ولسوء الحظ تساقط ثلج كثيف في هذه اللحظة التي كان يتفحص فيها كاميرتي الرقمية، الأمر الذي جعلني أتمسك بها، وهو يسحب وأنا أسحب، لأني كنت أخشى من إصابتها بالحالوب المتدفق وإصابتها بعطل لا يمكن تصليحه في هذه اللحظات. وكنت أتذكر الجهود الكبيرة التي أثمرت حصولي على هذه الكاميرا الثمينة.أثار خوفي على الكاميرا شكوكه، ونظر الي ثم تفحص بطاقة اعتمادي ليتأكد في القائمة التي لديه، ولسوء الحظ الثاني كان اسمي مكتوبا بالعربية، هو الوحيد المكتوب كذلك، ربما لأني العربي الوحيد في هذه المعمعة، ولأنه احتار، قلت له: 'تأكد من الرقم والصورة، أعتقد هذا يكفي'.وبالفعل عمل ذلك، واجتزنا معا هذا الموقف الصعب، لا سيما أن الناطق الرسمي باسم المعارضة العراقية هوشيار زيباري ومساعده فوزي الحريري تدخلا بشكل حاسم أفادني الى حد كبير بقولهما له إن هؤلاء مراسلون وصحافيون محترمون دعه يمرِ ولا أملك في هذه المناسبة سوى تقديم عرفاني لهما.
الهواتف تصدح لوحدها
في المرحلة الثانية، جمعوا الهواتف في ظروف خاصة وألقوا بها في زاوية ما قبل الشروع بالدخول، والطريف أن عشرات الهواتف النقالة والفضائية كانت تصدح بموسيقاها بين الحين والآخر مع صرخات ضابط أمن جهاز الدخول والتدافع غير الحميمي بين الزملاء.لاحظنا عند الخروج وزوال الغمة، تجمع مجموعة من الصحافيين أمام الأميركي، وكل يطالبه بشيء أخذه منه، وكانت هذه الأشياء بمجملها سكاكين أو ما يشبهها، وكان المسكين محاصرا منهم، ويخرج من جيوبه السكاكين ويوزعها عليهم، وتساءلت: ما الداعي لجلب هذا العدد من السكاكين في مثل هذا الموقف؟ وبعد مغادرة المهمين، عاد الأميركيون الى وضعهم الطبيعي، وأخذت راحتي معهم في الكلام والمزاح وحتى تبادل لكمات ودية، ووافق أحدهم على أن أقوم بتفتيشه بعد أن طلبت منه بفضول الاطلاع على أجهزته ورؤية بدلته المضادة للرصاص، وربما كانت لدي رغبة في إعادة صاع تفتيشه لي صاعين!

عدستنا ترصد وصول اولى قوافل الإمداد البرية للقوات الأميركية في كردستان




أول صور تخرج من العراق لطلائع القوات الأمريكية التي دخلت قبل شن الغزو بأسابيع


كردستان - د.جمال حسين علي:

أنها عبقرية، هي نتاج مباحثات عسيرة وشاقة في أحرج موقف تمر به واشنطن وهي تخوض حربا شرسة، ولا يمكن للتاريخ الأميركي المعاصر، إلا التوقف كثيرا عند صاحب هذه الفكرة التي توجز وتختصر كل الإشكاليات الحقوقية التي وضعت الحكومتين الأميركية والتركية في عنق زجاجة أغلقت بقوة.
إغاثة فحسب
تستحق الفكرة التي لم تخطر في بال حتى أمكر الماكرين هذه المقدمة، فبعد أن أطال البرلمان التركي ومطط وسحب وجذب، دون أن يعلن عن نيته بالموافقة على تسهيل دخول القوات الأميركية بكل معداتها الى شمال العراق، أرسل الأميركان نحو 7000 من القوات خفيفة الحركة وبنوا منذ لحظة وصولهم قواعد وترتيباتومنافذ وأبواب وكل ما يحتاجه المرء الذي ينوي الإقامة الطويلة في مكان ماِوكانت الخطوة الثانية هي الحاسمة بإعلان باول وغول عن موافقة تركيا على تسهيل إمداد هذه القوات (أي السبعة آلاف) بالمؤن وإمدادات الأغذية والوقود كنوع من أنواع 'الإغاثة' لقوات مهمتها 'البحث والإنقاذ' وكافة المسائل الإنسانية المتعلقة ببلد يخوض حرباِ والمهم أن هذه الديباجة تعد من الناحية الحقوقية ملائمة ومن 'صلاحيات الحكومة' التركية ولا تحتاج حسب صلاحياتها ل 'إغاثة' حليف الى موافقة البرلمان، فالأمر لا يمثل تسهيلات حربية أو دخول مباشر في الحرب، كما ينص عليه الدستور التركي بضرورة مراجعة البرلمان.
دهاة ولكنِ!
غير أن هذه الإمدادات و'الإغاثة' لا بد أن تصل الى كردستان في شاحناتِ وهذه الشاحنات لا بد أن تسير على الطريق ويراها الملايين، لذلك ينبغي أن تكون شاحنات مدنية وسائقوها مدنيين عاديينِ ولكن الفكرة الداهية تكمن في ما تحتويه هذه الشاحنات. فلير العالم الشاحنات العملاقة تعبر 'إبراهيم الخليل'، شيء أكثر من طبيعي تعود عليه السكان وكل أقمار التجسسِ ويمكن لشاحنات طولها 60 قدما أن تعبأ بكل ما يحتاجه الجيش الأميركي: فهل ينبغي انتظار موافقة البرلمان لكي تسير الدبابات على الأرضِ فالذي لا يمكن لطائرات النقل حمله وإنزاله في كردستان، يمكن'تخبئته' في هذه الشاحنات العملاقة المدنية في كل شيء ويمكنها السير وحتى التجول دون أن يعلم أحد ما الذي تحتويه، حتى النقطة النهائية في كردستان حيث تكون بحوزة أصحاب البيت ويعملون بها ما يشاءونِ لكننا كنا هناك، وهذا لم يخطر ببال مبتكر الفكرة.
دعم لوجستي
هو إذن دعم لوجستي وتسهيل دخول القوات العسكرية الأميركية الى شمال العراق بدون موافقة البرلمان، وما حصل أن الدخول ليس عاريا ومكشوفا بل مطليا بغطاء الشاحنات المدنيةِ وبالمناسبة فان من صلاحيات الحكومة التركية تقديم الدعم اللوجستي الى دولة حليفة دون الرجوع الى البرلمانِ لكنهم أضافوا الى 'الدعم اللوجستي' شرطا تركيا، أظهروه كأنه 'طلبا' أميركيا والقاضي بإرسال 'ضباط أتراك مع الشاحنات التركية لأنهم يعرفون شمال العراق جيدا ويساعدون الأميركان في المهمات الإنسانية'!
حياكة القواعد
وكأن الضباط الأميركيون لا يعرفون شمال العراق جيدا وكانوا بحاجة ماسة الى أتراك يدلونهم،، الأميركان الذين سكنوا في كردستان منذ عام 1992 وأحصوا رحلات المدارس وكل طابوق البلاد وعدد أعمدة النور ومصابيحها المطفأة وكم كمبيوترا دخل إليها وكم طن حبوب يستهلكه الشعب، وعدد اللترات التي تهدرهامحركات الإقليم، وأحصوا عدد قطرات المطر التي تنزل في المنطقة، بحاجة الى ضباط أتراك يدلونهم على كردستان،، هل ينبغي تصديق هذا الكلام؟هي قواعد اللعبة التي ينبغي أن تبدأ ما أن تحاك أطرافها بكل الأصابع المعنية : تدخل معداتك العسكرية بغطاء مدني،، سأدخل ضباطي معك تحت نفس الغطاء OK تريد أن تطير وتضرب جارنا بطائراتك، قم بتصليح كل شيء، طرقنا وقواعدنا ومطاراتك وصحح أجواءنا وعدل طقسنا ولا تدع هؤلاء يقضوا مضاجع أمننا في الجنوب بفدرالية أو دولة أو حكم ذاتي، لا تجعلهم يذوقوا قطرة نفط لا من كركوك ولا من البصرة ولا من العزير أو من مجنون أو عاقل!
اختراق
ما قمنا به اختراق حقيقي للخطة الأميركية - التركية بكل ما تعنيه هذه الكلمةِ وكما هم يؤدون عملهم، نقوم أيضا بشغلنا ولو لم نقم نحن بذلك، فسيقوم به غيرنا آجلا، فلماذا لا نفعلها عاجلا ؟كنا إذن نتتبع رحلة الشاحنات بواسطة سيارة أجرة عادية، كي لا تثير القافلة، إلى أن حطت رحالها في مدخل أربيل وعند مطعم هولير الأكبر والأشهر في عاصمة كردستان (حاليا)! طبعا هذه المواضيع لابد أن تكون مدعومة بالصور وإلا فلا جدوى منها وتعد إشاعة كالكثيرات التي سلطنا الضوء عليها ويمارسها الصحافيون في كردستانِ فما العمل؟ وكيف نصور إنزال المعدات؟يجدر القول أن الجنود الأميركيين كانوا منشغلين في مسألة أهم من الاحتياطات الأمنية وهذا شيء غريب لم نعهده بهمِ كانوا منشغلين فيزيائيا فقط بإنزال الشحنات أو تفريغ الشاحنات وتركوا ثلاثة أو خمسة يراقبون ويحمون ظهورهم فقطِ هذا عدد غير كاف قياسا إلى المكان المفتوح الذي كانوا يعملون به، غير أن قوات من البيشمركه كانت تطوق المكان وتحرسهم أيضا، ولعل إحاطتهم بالبيشمركه وإحساسهم أنهم على 'أرض صديقة' أعطتهم اطمئنانا كافيا.
تسلل
لم تكن صورنا بفضل الزوم ومن بعيد، بل تسلقنا الشاحنات ودخلنا فيها ووصل الأمر الى أننا شاركنا عمليا في الحرب ضد النظام العراقي بمساعدتنا الجسدية لهم في إنزال أغراضهم في حالات كان لابد من تقديم المساعدة لارتباك بسيط أو تعثر أو انزلاقِ مبادرتنا ساعدت في إضفاء جو من المودة، بل أكثر من ذلك تبادلنا الهواتف واتفقت معهم على أن نلتقي في أقرب وقت.
الكاميرا المنقذة
ولعبت كاميرتنا الرقمية دورها، فما أن استوقفني العريف الأسمر الظاهر في الصورة وطلب كأي عسكري منا مغادرة المكان حالا، وكانت استجابتنا طرش وبكم كالعادة، طلب أوراقنا الثبوتية، قدمت له هوية الجريدة ومعها بطاقة بأننا مشاركون في المعارضة العراقية عملناها في وقت سابقِ كل هذا لم يقنعه، لكنه نظر الى الكاميرا وقال:- تشبه كاميرتي التي اشتريتها قبل مجيئي الى هنا.- آهِِ موديلها حديث.- كيف تعمل؟ لم أجربها حتى الآن.- ممتازةِ سأريك بعض اللقطاتِ.. لكنك لا تسمح لي بالتصوير.كانت فرصة لئيمة لالتقاط بعض الصور حتى يتأكد بأن الكاميرا التي تشبه كاميرته تعمل جيدا، وبالتدريج تراخى وأسدل الستار على رفضه القاطع لوجوديِ وبعد لحظات كنت أساعدهم كما ذكرت. مر الوقت واقترب مني الأسمر وقال إنه يحتاج الى بطاريات لأنه نسي أن يجلب معه (بطارياتها خاصة ونادرة) ِ قلت له إني سأرسل سائقي الآن وسيجلب لك ما تريد. قال: اترك رقم هاتفك وسأتصل بك غدا لأني أحتاج أن تعلمني عليها وتعطيني برنامجها مع الكمبيوتر لأني لم أجلب معي الكاتلوك والسي دي الخاص بها. هكذا اتفقنا على اللقاء بعد أن أعطاني عنوان ثكنته وتبين أنهم قريبون من مكان إقامتي أيضا. ولكي أصور الحدث المهم قلت له، طالما أننا سنلتقي دعني التقط بعض الصور لك ولزملائك وسأجلبها لك. هو من ناحيته وافق وأنا من جانبي أكملت مهمتي على أحسن وجه!

حرب الجواسيس بين الولايات المتحدة وتركيا والعراق والأكراد





صور نادرة التقطها المدوّن لأول مرة كشفت التواجد الأمريكي الاستخباري في كردستان أوقات النظام


كردستان – د.جمال حسين علي:

لأن كردستان لم تكن يوما غريبة عن الأجهزة الخاصة في الولايات المتحدة وتركيا والعراق، فان 'ساحة العمل' فيها جلية لمن يرغب ولمن يرى أن ذلك ضروري له في المكان والزمان اللذين يحددهما، أما الأكراد، فيراقبون اللعبة وتطورها، ليس لأنهم بلا حول ولا قوة 'الأخوة الأعداء' فحسب، بل لأنهمأيضا يخيطون لعبتهم بالطريقة التي يرونها تلبي مصالحهمِ وبعد رسم المنطقة الآمنة شمال خط 36، تحولت كردستان الى منطقة حيوية للاهتمامات الاميركية والتركية على السواء، لا سيما وأن الطرفين اتفقا رسميا على التعاون في هذا الشأن.
الرعيل الأول: إنساني
وكانت موافقة العراق على تنفيذ القرار 986، مجالا رحبا لافتتاح نحو 500 منظمة دولية مهمتها تنفيذ برنامج 'النفط مقابل الغذاء' في كردستان، الأمر الذي أدى الى أن يفتح الإقليم مصراعيه لهم، وكانوا فعلا يتحكمون في مصير الشعب ووضعه الغذائي والصحي وغير ذلك من مجالات الحياة. ولا يشك أي مسؤول من الذين تحدثنا معهم في الإقليم، في وجود عناصر استخبارية للدول المعنية في كلالمنظمات المذكورة التي لا يخلو شارع منها في مراكز المدن وضواحيها. وفي الوقت نفسه، لا يوجد لدى الأكراد ما يخفونه عنهم، طالما أن الجميع متمسك بقواعد اللعبة ولا يوجد من يتجرأ ويضرب تحت الحزام أو يتمادى في جمع المعلومات، التي كان الأكراد بدورهم يتحكمون بها، أي يعطونهم المعلومات التي يريدون أن تصل إليهم.
مرحلة جديدة
استمر الوضع هكذا والجميع راضون بما أنعم الله عليهم من قاعدة متوازنة للتعاون المتبادل، لغاية اليوم الذي قررت فيه الإدارة الاميركية الاستعداد لتغيير النظام العراقيِ عندها تغيرت 'القاعدة المتوازنة' لأنها لا تتواءم مع الظروف الموضوعية لبلد يستعد لشن حرب واسعة النطاق، وكان على الاميركان أن يزيدوا ليس من تواجدهم فحسب، بل في تنويعه ايضا، اعتمادا على تنوع المهام وتعقيدها. والمهام بدورها كانت تتطور يوميا، وتحتاج الى خبراء وأجهزة، والمزيد منهمِ وكانت كل حلقة تكتمل، تعطي المجال للحلقة الأخرى، بمعنى أن الخبراء أنفسهم كانوا يتبدلون باستمرار، وفقا لطبيعة المهام. واننا إذ نجد أنفسنا أمام رقعة متداخلة ومتشابكة وفائقة التعقيد وتتطلب أساليب أخرى للعمل الصحفي، تقتصر على الدراية والحكم المسبق وتطور التكنولوجيا الإعلامية والحصول على المعلومة من هنا أو هناك، وفي ظل توسع رقعة الشطرنج الكبرى، فقد أجبرنا الموضوع بحد ذاته، على ترسيخ كافة الإمكاناتوالوسائل وقراءة حتى الأنفاس و'بحلقة' العيون لكي نتوصل إلى ما توصلنا إليه بالأعداد والأماكن وطبيعة المهام، لافتين الانتباه الى أنه في أي عمل محترف، لابد من اختيار القاعدة الذهبية التي اخترعناها والمنحصرة في عدم ذكر كل شيء دفعة واحدةِ والثانية هي أن ليس كل ما تعرفه يمكن كتابته، فلكل شيء أوانه.
الرعيل الثاني: صحافيون - 1
وصلت بعثة 'تلفزيونية' اميركية كبيرة الى كردستانِ في البداية كانت محطتهم في السليمانية ومن ثم قرروا الاستقرار في أربيلِ وكانوا في الإقليم يسمونهم جماعة السي إن إن، بالرغم من اعتقاد البعض بأن الشبكة التلفزيونية الاميركية المعروفة لا يمكنها أن ترسل هذا العدد الكبير من الصحافيين في منطقة كانت هادئة وغير مثمرة أو مفيدة من وجهة النظر الإعلامية. وحتى عندما قيل لجلال الطالباني أمين عام الاتحاد الوطني الكردستاني إن هؤلاء جواسيس، لم ينف، وقال ان لكل دولة اهتمامات مماثلة، وأشار الى أنه لا يستبعد وجود عدد من الجواسيس بينهمِ وفي رأيه أن هذه المسألة طبيعية وتستخدمها كل الدول. استقرت البعثة الاميركية في فندق هورمانِ كنا قد نزلنا في هذا الفندق ونعتقد بأنه الأفضل في أربيل: هادئ ومرتب وفيه كل ما يحتاجه المرء وتحيطه حماية جيدةِتحاورت مع أحد أصحاب 'هورمان' في هذا الأمر، وتبين بأنهم حجزوا الفندق برمته لغاية 15 أبريل (2003) ، مقابل 10 آلاف دولار شهرياِ وحسب قول محاورنا، يعد هذا المبلغ زهيدا قياسا لوضع الفندق وكما قال: كنت أربح يوميا ألف دولار من المطعم فقطِ وعندما سألته: ما الذي دعاك إذن لمنحه ل السي إن إن؟ كانت إجابته تشير الى أن القرار لم يكن يتوقف عليه. وعلاوة على ذلك، حاول الأكراد دس عناصرهم مع البعثة الاميركية التي وافقت في البداية، وكان هؤلاء أما مترجمين أو سواقا أو مرافقين، كما جرت أعراف مراقبة المضيف للضيف في المناطق الساخنةِ ومع مرور وقت قصير، سرحت البعثة الاميركية هؤلاء تدريجيا، لتتفرغ على الأرجح لمهمتها.ولابد من الإشارة الى أن موعد 15 أبريل لم يأت بالصدفة هو الآخر، فحسب الرؤية السريعة لهذا الموعد، سيكون 'هورمان' فندقا عاديا من الدرجة الثالثة واقع في العراق، بالنسبة لاميركان لا ينوون البقاء طويلا في كردستان.
الرعيل الثالث: تركي
وغير بعيد عن 'هورمان' هناك القلعة العسكرية التي تمركز فيها الأتراك بعد الاقتتال بين الحزبين الكرديين المعروفين، والاتفاق الذي تم في أنقرة بين الولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا ونتج عنه تشكيل قوات مراقبة وقف إطلاق النار 'بي أم أف ' التي ضمت 90 % من قوامها من التركمان التابعين للجبهة التركمانية.ولكن الاقتتال توقف، بل أن الحزبين شكلا قيادة سياسية مشتركة وزعيماهما (البرازاني والطالباني) عضوان رئيسيان في قيادة المعارضة الرئيسية المنتخبة مؤخراِ فهل يوجد داع لوجود القلعة التركية وسط أربيل؟ طلبت حكومة الإقليم من العسكريين الأتراك (ومنهم جنرالات) إغلاق هذا المعسكر ومغادرة كردستان، غير أن مطالب الكرد لم تجد آذانا صاغية من الأتراك ولا تزال نشاطاتهم علنية ولا يخشون أحدا.
الخروج عن قواعد اللعبة
لم يعجب الأتراك، التواجد الاميركي المباشر في مركز أربيلِ وعلى طريقة الموساد التقليدية، فضلت دق أسفين بين الأكراد والاميركان وضرب أكثر من عصفور بحجر واحد وبواسطة الأسلوب التقليدي نفسه: بيد الرتل الخامس!توضح ذلك بعد أن ألقت الاستخبارات الكردية القبض على مجموعة من الأشخاص أطلقت عليهم 'شبكة إرهابية'، كانت تنوي القيام بعدد من التفجيرات في أربيل.. والأهم في الموضوع كله، أن زعيم 'الشبكة' كان عبد الأمير عزت المسؤول العسكري للجبهة التركمانية!هل جرى الأمر كله بالصدفة وبدون علم الأتراك؟لا يوجد عاقل واحد يمكنه استبعاد التدخل التركي في العملية!ومما يعقد الأمر، أن عبد الأمير عزت، حسب مصادر كردية خاصة، ضابط في المخابرات العراقية !!يبدو أن أمام المحققين الاكراد قضية متشابكة جداِ ولم يكن أمامهم من خيار سوى اعتراف عزت بما جاء أعلاه أمام شهود اميركيين (طالما يجري الحديث عن نوايا تعرض البعثة الاميركية لهجوم مسلح)ِ ورحب الأكراد بأي موفد من تركيا لسماع اعتراف أعضاء 'الشبكة'، بل وأهدوا المخابرات التركية نسخة من شريط فيديو سجلت فيه الاعترافات كاملة. ومع كل هذه الإجراءات، تطالب تركيا القيادة الكردية بالإفراج الفوري عن عزت وجماعته، ومن المرجح أن يبقى الأمر معلقا ومتروكا للظروف.
الرعيل الرابع: الفنيون
في صباح شتوي، قطع الطريق المؤدي الى مطار حرير نحو ست ساعات، وأخليت جوانب الطريق المتعرج والملتوي من أي متطفل، ليمر عبره عدد من الشاحنات الاميركية الكبيرة. كان مطار حرير مهبطا بنته القوات العراقية أبان حربها مع إيران لاستقبال مختلف الطائرات الحربية. ولكن الاميركان لم يستقروا في المطار الذي سنتحدث عنه في مناسبة أخرى، بل 'احتلوا' قمة جبل كورك المطل على مطار حرير.لدى استطلاعنا لقمة الجبل وسؤالنا عن طبيعتها، تبين أنها قمة الجبل الوحيدة في كردستان الفسيحة وغير المدببة وغير الوعرة، وهي مسطحة بحيث يمكنها استقبال أي نوع من المروحيات.هكذا يعرف الاميركان كردستان وطبيعتها جيدا، واختيارهم قمة كورك، لا يترك مجالا للشك، في أنهم دائما يختارون الأفضل والأكثر جدوى لهم، وغير مستعدين لهدر الوقت بسماع نصائح وعروض أهل البيت.ويطرح السؤال: ما الذي يفعله الاميركان في كورك؟لا أحد يعرف غيرهم ما الذي يفعلونه هناك، ويبقى الجواب منحصرا في التكهنات التي تنحصر في إعداده كمهبط للمروحيات وبناء مركز للإنذار المبكر يغطي المنطقة كلها حتى أذربيجانِ ويقودنا للاستنتاج الأخير، طبيعة الأجهزة التي حملها الاميركان الى قمة الجبل، بالإضافة الى عدم سماحهم لأي شخص بالوصولالى المنطقة مهما كانت منزلته وأهميته، ناهيك عن التكتم الشديد الذي أحاطوا به تنفيذ عملياتهم هناك.
الرعيل الخامس: مدنيون
بعد الجدل الذي أثار وصول بعثتهم واستقرارها في مركز أربيل ومحاولة التفجير الفاشلة التي كاد يتعرض لها فندق 'هورمان'، فضل الاميركان تغيير تكتيكهم بالابتعاد عن المناطق العامة، لا سيما أربيل الغاصة بكل أنواع الجواسيس والصحافيين والمعارضين والسياسيينِِ عيون تلاحقك من كل الجهات ولا تترك لك فرصة التقاط نفس واحد دون أن يحسبوه عليك! لذلك انحدرت حافلات اميركية كبيرة هذه المرة بعد هبوط الظلام نحو مصيف شقلاوة الذي يبعد عن أربيل. وهكذا استقر نحو 150 اميركيا مدنيا 'سيماهم في وجوههم' في فندق 'هاورغا سفين'، وأعادوا أسلوب 'هورمان' بتأجيرهم كل ما في الفندق وتسريح من لا يحتاجون إليه من العاملين.اختيارهم شقلاوة كان موفقا هذه المرة، ليس لأنها بعيدة عن الأعين التي ذكرناها فحسب، بل لأنها هادئة وكل غريب يسير فيها يعرف حالا، زد على ذلك فهي مصيف جميل يشجع المزاج على تناول العمل المعقد بفعالية. أما طبيعة مهامهم، فلا يمكن لأحد التجرؤ وذكرها بالتفصيل، غير أن وجودهم هناك، طبيعته وطبيعتهم، لا يترك الفرصة لاحتسابهم على أصحاب المهام الخاصة، وكذا الأمر بالنسبة للاميركان الموجودين في مصيف صلاح الدين، فأغلبهم قادة في المخابرات والجيش مع ثلة من فريقهم وحمايتهم.هذا هو التواجد الاميركي في كردستان من ألفه الى يائه، حتى الساعة وغير صحيح ما تتناقله الأنباء عن وجود قوات نظاميةِ لكن ذلك لا يعني أبدا ان يتغير الأمر في أية لحظة.
الرعيل السادس: صحافيون - 2
لم تستسلم تركيا بعد فشل عملية 'هورمان' خاصة بعد وصول حافلات الاميركان وانتشارهم في شقلاوة، فقد نسجت المخابرات التركية سيناريو واثقا ومحكما بما فيه الكفاية بدفع 5 باصات كبيرة نحو كردستان صاحبتها معركة دبلوماسية - إعلامية بينها وبين الكرد، حيث ادعت تركيا أن الحزب الديمقراطي الكردستانييمنع دخول الصحافيين، فيما أجاب الحزب المذكور فورا في بيان عام بأنه لا يمانع من استقبالهم، وبعد اعتصام الباصات الخمس عند الحدود، ظهرت في ليل صلاح الدين وأربيل دون أن يستطيع أحد منعها وغزا ركابها 'الصحافيون' كل فنادق أربيل.غير أن أطرف ما في هذه اللعبة التي تصلح للسينما، أن باصين استقر بهما المقام في شقلاوة، في شقلاوة وليس غيرها، أي أن الأتراك دفعوا الى شقلاوة العدد نفسه من الباصات التي دفع بها الاميركانِِ نرى أن الأمر لا يحتاج الى تعليق هذه المرة
!

أمتار تفصل بين الحرب


من يدق حديد الجسر أولا؟‏


كردستان – د.جمال حسين علي:

قد تمضي بك الحياة سنوات طوالا عند الأرض التي يشقها نهر الزاب الأعلى، دون أن تشعر بالملل أو الضجر، فعبق الطبيعة فواح، لا سيما عند ملامسة ذبذبة مطر لا يريد أن ينقطع. غير أن ما لا يقبل الجدل، أن جمال هذه البقعة تهينه ربايا الجنود وتكرار أكياس الرمل التي لا تحمي حتى من المطر ،فمسيل الزاب، تطواف احتفالي يأخذ بأثواب الريح، من بين جبال ووديان وأشرطة سهول، ينساب بلا مبالاة، دون أن يعلم، بأنه أصبح بلا مجد، الخط الفاصل بين الأخوة المنقسمين.
أزهرت لغة الحديد
هو الشريط الحدودي الذي حددته الطبيعة للمناطق الآمنةِ وحتى الجسر الحديدي الذي لم يتوقع من أنشأه، ظهوره في هذا الربيع الخجول ومسحوق الفتنة، في كل الشاشات والصحف. يمتد الجسر بتواضع أعلى الزاب الأعلى، فاصلا كنقطة هلامية، بين القوات الكردية والحكومية. وللجسر حكايات ستروى في مذكرات الحرب، وأهمها، تلك اللغة التي اكتشفها المنتشران بين طرفيه، فتأتي لهم لحظات، ربما بسبب لوعة الوحدة حينا، ومرارة المواجهة غير المحببة لهم، لجوعها للتبرير، الى طرق حديد الجسر، كل في طرفه ِِ فماذا كانوا يتحدثون؟أهو مزاح من يريد العبور؟أيكن رسائل مشفرة تعبر عن شجون الجسر الفاصل؟هل يسبون بعضهم ام ثمرة تحد لمعركة مفروضة عليهم؟ لكن مهما قيل عن جسر خابات، فهو قد دخل موسوعة الحرب، وقد يكون الجسر المؤدي الى الحياة بالنسبة للجنود العراقيين وللحرية بالنسبة للكرد.
بين القرى النازحة
في الجانب 'العراقي' من الزاب وقبل أن تولد الجبال المطلة على النهر، في تلك الفسحة الساحرة، التي لو امتلكها ثري سويسري لحولها الى جنة الله على الأرض، تمتد قرية خابات، هي حتى ليست بالقرية، بل أكواخ فقيرة جدا، فهل يعيش فيها الناس في زرائب، أم الحيوانات في البيوت، لا فرق، فمثل هذا السؤال، غيرشعبي إطلاقا. ولأن الجبل المطل على القرية المسكينة مزروع بربايا الجيش العراقي، والشيء نفسه في الجانب المقابل للنهر، حيث ربايا البيشمرغه، فقد قررت القرية الرحيل من هذا المكان الذي قد يتحول في أية لحظة الى الخط الأول لمعركة عالمية. يجدر التوقف عند لوحة إنسانية الى حد بعيدِ فقد تعود أهل القرية الكردية العطف على الجنود العراقيين، إطعامهم، منحهم بعض الخبز الحار، أو خضار وفواكه مما يزرعون،، رشفة حليب أو لبن وغيرها من أساليب تعايش معها الأضداد. وروى لنا أحد البيشمرغه، بأنه رأى بعينيه، كيف توسل الجنود العراقيون بأهل القرية طالبين منهم عدم النزوح وتركهم وحيدين في الرباياِ ليس من أجل الخبز أو اللبن، بل لأن الجنود كانوا يخططون للهرب واللجوء الى القرية ما أن تشتعل الجبهة الشمالية. وعندما لم يثمر رجاؤهم بإبقاء السكان، عادوا ليستأنفوا لغة الحديد مع غرمائهم.
فتق الوحش
أما المعبر الثاني الذي يتواجه به الكرد والجيش العراقي فهو معبر كلك، المولود بفعل فتق جبلي وسعته البلدوزرات ليصبح مخيما ببعض الغرف المبنية من البلوك الاسمنتي وعارضة حديدية تنتصب وسطها العبارة الأكثر شؤما لأي سائق: قف!وعلى خلاف، معبر خابات، لا توجد مودة أو لغة مشتركة بين الخندقينِ ليس بسبب خلاف عقائدي أو مبدئي، بل لأن قائد القوة العراقية المواجهة، هو واحد من أشرس وأقبح الضباط الذين حملوا هذه الرتبة في الجيش العراقي والمعروف أكثر من صدام في هذه المنطقة باسم عبد الله الوحش.وهذا واحد من المصائب الكثيرة التي حملها الدهر على الشعب العراقي، فهو مقدم مسؤول عن القوات والسيطرات المشرفة على المنطقة ويمتلك من القسوة التي يحسدها عليه علي الكيماويِ ولطالما عذب الناس في الجزء الذي يسيطر عليه ويروون حكايات عن بشاعته لا مجال هنا للتوقف عندها. وبسبب الوحش على الأرجح، انقطع حبل الصلات بين الجانبين، أو على الأقل، كتلك الصلات العلنية التي يشعر بها من يزور معبر خابات ولو على السريع. ويتوقع البيشمرغه في المنطقة المقابلة لجبهة الوحش، أن يقوم الجنود العراقيون بأنفسهم الاقتصاص منه،وإذا لم يفعلوا فللبيشمرغه ثارات ليست قليلة معه.
كل شيء هادئ
تاليا، فمعايشة يوم في الجبهة الشمالية، تدل على أن كل شيء هادئ فيها حتى الآنِولعل هذا الهدوء، هو الذي يخيف أكثر وهو سبب خلو المنطقة من أي كائن حي، عدا المبتلين بالواجب

في مطارات كردستان


لماذا لا تنزل القوات الأميركية. في كردستان مباشرة دون المرور في تركيا؟
المطارات يمكنها استقبال أكبر الطائرات الحربية الأميركية وبلا مقابل


كردستان - د. جمال حسين علي:


عندما تجد أربيل خلف ظهرك وتكون بمقابلة عين كاوة، انحرف يسارا نحو الحقول الشاسعة، ليس لتذكر الخضرة الممتدة نحو انحدار الشمس، بل لرسم صورة المدرج الممتد حسب المواصفات العالمية، في ضواحي المدينة التي يسكنها الدوليون أكثر من المحليينِ تنحدر الأرض بسخاء السهول ممسكة في مذبح الإقليم المحروم من البحر وأي اتصال خارجيِ هي ذي السماء إذن تفتح ذراعيها للذي يأتي ولا يأتيِلم يكن النظام العراقي الذي شق هذا المدرج الطويل في مطار عين كاوة العسكري الذي كان يستقبل يومياربع القوة الجوية العراقية، يتوقع أنه في يوم ما، لربيع متدفق بالأعاجيب والمفاجئات، أن تسرح فيهطائرات غريبة التصنيف، لتوقظ آخر النائمين في البلدة المنسية، والأكثر سلاما، والمتحدة الآذانوالأجراس.
جولة ليست حرة
الطريق مقطوع، ما ان تخالف قدماك خطوات الجميع انحدارا نحو تخوم السهول المريبةِ ثمة حراسات تواصل الليل بالنهار، وأعين تغلف الأعينِ لكن الوضع سيختلف بالمرة، عندما يكون تجوالك في المطارات التي يمكن أن يقدر لها تغيير التكتيك المرسوم، برفقة نائب محافظ أربيل. رحلة سلسة بدأت بتحديق نسوة يشرعن بالبكاء، أو أخريات خرجن من الصلاة توا ويحملن حمرة خجل عروس نضرة.مرتاعا، بين تلك النظرات، والتعطش لرؤية آخر المطارات المحترمة، تلقفك المدرج الذي مده حظه العاثر لرسم الصورة الأخيرة للطاووسِ بين هذا الرقم وذاك، وخلال تفحص الذاكرة وعصرها، لم نستقر مع رفيقي على رقم محدد لطول المطارِ اقترحت أن نقيسه بنفسناِ وهكذا انطلقنا من المتر الأول حتى الأخير لنترك عداد السيارة يؤشر لنا بالرقم المطلوب حتى تأكدنا من أن طوله 2800 مترا وعرضه نحو 50 مترا، فهو يمتلك المواصفات المطلوبة لهبوط أكبر الطائرات الحربية الأميركية وغيرها ويصلح لاستقبال طائرات النقل الضخمة، وثمة مدارج فرعية لاستقرار طائرات أخرى. ما يحتاجه، عدد من بروجكترات الإضاءة، وتنظيف على السريع وبعض الكابينات المنقولة وعدد من سياراتالجيب العجيبة التي تحتوي على آخر صيحات الاتصالات.
استطلاع تركي
في غضون فحصنا وقياسنا للمطار، اخترقت السهول ثلاث سيارات جيب تابعة لقوات 'حفظ السلام' التركية. استطعنا تصويرها بالقدر الذي سمحت به العدسةِ لكن الأهم مما رأته العين وسجلته العدسة، السؤال المقبول: ما الذي يفعله الأتراك في مطار عين كاوة ؟هي عملية استطلاع ضرورية لدراسة وضع المطارات في كردستان ومعرفة صلاحيتها والظروف المحيطة بها، وهل أن الأكراد جهزوها لاستقبال الطائرات الأميركية، وما الذي تحتاجه هذه المطارات لاستقبال الطائرات الأميركية وهل يمكن استغلالها لاستقبال طائرات تركية، فيما لو قررت تركيا الدخول في كردستان، وكم من الوقت يحتاجه الأكراد لصيانتها وإعدادها، وهل توجد مؤشرات على أن الولايات المتحدة تبحث عن البديل وليس في نيتها انتظار موافقة البرلمان التركي للسماح بدخول قواتها الأراضي العراقية عن طريق تركيا، وما هي فرص نجاح هذه المطارات في التعويض عن القواعد الأميركية في تركيا الآن وفي الوقت الذي ستصبح فيه أميركا صاحبة البيت في العراق ِِ؟هذه الأسئلة وغيرها، كان يحملها الذين تقلهم سيارات الجيب الموضحة في الصورة، وكان لابد من الإجابة عليها فوراِ وبغير ذلك، ما الذي يمكن أن تفعله قوات لحفظ السلام في مطار منطقة ذات سيادة تريد حفظ السلام فيها؟
بعيدا في حرير
ومع تعاظم أكداس متماثلة من الجبال تحتفظ بالقدر نفسه من الصفاء والغموض، يختصر نزوتها وتعاليها سهل حرير، ذلك المكان الذي اختاره العراقيون ليكون مطارا قريبا من الجبهة مع إيران في مناطق بنجوين وحاج عمران وعمقا نحو ديزفول. تطل على مطار حرير أغرب قمة جبل في العالم هي قمة كورك المسطحة والتي تحولت الى مهبط للمروحيات. في هذه اللحظات يسكن الأميركان هناك، ثلوج كليمنجارو أخرى يخطها أميركي تجاوز الخمسين، ليصنع من الاكتساح غير الودي للرياح الباردة، ملاجئ ومراكز إنذار، قد تلعب الآن وليس غدا، دورها في تنظيف البلاد من الطغاة. من قمة كورك سيطلون على بغداد ليجعل عدد من الغرباء والزائرين الوقتيين الموت أهون بكثير من الحياة للذي تصور أنه ملك الطقس والرياح والقمرِيمتد مدرج مطار حرير بطول قدره 2600 مترا وعرض لا يتجاوز 40 مترا، وهو كاف بدوره لهبوط أو تحليق عتاة الطائرات الحديثة والثقيلة. وعمل الأميركان به أكثر مما فعلوا بمطار عين كاوة، ربما لأنه بعيد عن الأحياء السكنية، ولأن المطار الأخير لا يحتاج الى أكثر من يومين للعمل المتواصل ليخرج بهيا.
مطار بامرني
أسسه العراقيون ليشرف على السن الذي يربط العراق بتركيا وإيرانِ وكان المهندسون العراقيون على حق تماما، فمكانه استراتيجي، وشكله محلي. لم يشأ العراقيون منحه أكثر مما تستحق الضرورة، ولأن الجبهة الإيرانية كانت الأكثر كسلا في تلك المنطقة وتركيا صديقة ولعلها حليفة في تلك الحرب، فقد صممه العراقيون ك 'مطار جيب' لتأدية مهام طوارئ ليست مهام عسكرية - استراتيجيةِولأنه قريب على الأتراك ويفيدهم لتعقب مقاتلي حزب العمال الكردستاني، فقد أحاطوه منذ تلك الليلة الموحشة الأولى التي جربوا حظهم للمرة الأولى باجتياح أراضي الجيران المشاكسين، وبقوا فيه بشكل نسبيِ وهو من الناحية العسكرية ساقط بيدهم، ولكن الأكراد ما زالوا يسيطرون عليه، ولا يعتقد عسكري
ضليع بأهميته للقوات الأميركية ، وينطبق الأمر نفسه على مطار السلام في السليمانية.
لماذا لا يأتون؟
بعد هذا الاستعراض الموجز، لابد من التساؤل عن دوافع الضجة القائمة الآن والخاصة بدخول القوات الأميركية عن طريق تركيا، وتحفظها عن الدخول مباشرة في كردستان التي تفتح أراضيها لهم وبكامل الحرية والتسهيلات وبسعر أقل بكثير جدا من التعريفة التركية. ولكي نتجاوز المسائل الخاصة بالعلاقات التركية - الكردية لتعقديها الشديد بالرغم من أنها تلعب دورا قد يكون حاسما في رسم الموقف الأميركي من السؤال المطروح أعلاه، لابد من التوقف كما فعلنا في المسائل الفنية، وطرح الجانب السياسي - الاستراتيجي في الموقف الأميركيِ باختصار، وحسب خبراء في هذا المجال، تحتاج الولايات المتحدة الى تركيا ليس كونها مهبطا لطائراتها فقط، بل تحتاج لكل عمقها السياسي والاستراتيجي في التحالف الدولي الذي تطمح في تشكيله لمواجهة النظام العراقي وربما أنظمة لاحقة. وتحتاج دورها في رسم صورة 'عراق المستقبل' كما يسمونه وتحتاج تحالفها كدولة مسلمة وحليفة في الناتووشريكة استراتيجية لإسرائيلِ والولايات المتحدة 'أم التوازنات الاستراتيجية' كما علمتنا الدروس الماضية وتدرك أن شنها حربا فيها بعض الغموض الكريه بدون تركيا، ستصاحبه مشاكل جيوبوليتيكية وتعبوية لا حصر لها، نتركها لمحللين أقدر منا لتعقبها.

الأحد، 9 مارس 2008

‏هل تستطيع كردستان الدفاع عن نفسها؟





كردستان – د.جمال حسين علي:

في منطقة انسابت فيها الدماء والدموع أكثر من الجداول وتساقطت عليها شتى أنواع القذائف أكثر من حبات المطر، لابد أن يكون تقويمها مرتبطا بصحائف من خطوا أحداثها وأن يفتتح تلمسها بالسؤال المصيري المحدد بكلمة ليست وجدانية بالمرة وذات استخدام مزدوج هي: الدفاع! وهل في المستطاع تفقد طلاسمها دون تقدم مصطلح هو الأكثر قدرة على تمثيل من قاموا بحماية هذه الأرض: البشمرغه؟منذ أن سلم القاضي محمد رئيس أو لجمهورية كردستانية، لم تعمر في مهاباد أكثر من سنة عام 1946، علم كردستان الى الفدائي الأول لأكراد العراق الملا مصطفى البرزاني وانسحابه الأسطوري مع رفاقه الى العراق ومنه الى تركيا وعبوره الملحمي نهر آراس واستقراره في الاتحاد السوفيتي، ظهرت النواة الأولى للفدائيين الرواد في حركة التحرر الكردية الذين عرفوا للعالم أجمع مع اندلاع ثورة سبتمبر الكردية في العراق عام 1961 بالتسمية الأكثر شعبية هنا: البشمرغه. يتذكر حميد أفندي رفيق البرزاني ووزير البشمرغه حاليا تلك السنوات مرورا بمعارك ديانا وزوزك وبارزان وباكورد والسليمانيةِ وتوقف ليقول: كثيرة جدا المعارك التي خضناها لا يمكن حتى عدها ولكني ذكرت لك القوية منها. وعن التشكيلات المسلحة التي تسميها السلطات العراقية 'الفرسان' فيما يطلق عليهم غرماؤهم البشمرغه تسمية 'الجحوش' قال إن تأسيسهم ترافق مع ظهور البشمرغه وأشرفت عليهم الحكومات العراقية المتعاقبة، وأشار إلى انهم لا يحملون أي مبادئ، وساعد 'الأغوات' في تشكيلهم لحماية مصالحهم التجارية والمادية. علما أن 'الأغوات' من الأكراد الأصليينِ وكانت القوات العراقية النظامية تدفع بهم في المقدمة خلال كل المعارك تقريبا مع تشكيلات البشمرغه. غير أن حميد أفندي يؤكد أن الثوار كانوا أقوى دائما وسجلوا الانتصار تلو الانتصار عليهم، فثمة فرق، برأي وزير البشمرغه، بين من يقاتل من أجل المال ومن يقاتل حاملا عقيدة وإيمانا.
جيش الفدائيين
بعد فرض دولة الأمر الواقع في كردستان وانتخاب برلمان وحكومة للإقليم، لم يكن من المناسب الاستمرار في تشكيلات البشمرغه كما كانت عليه الحال أوقات حرب العصاباتِ وتم تحويلها الى وحدات عسكرية نظامية شكلا ومضموناِ كان الأمر صعبا في البداية (تحويل مقاتلي الجبال الى جنود في جيش نظامي،ِ لذلك تمتقسيم البشمرغه الى قسمين: المحاربين القدماء أو 'بشمرغة سبتمبر' وهؤلاء الذين بدأوا القتال منذ عام 1961 حتى الانتفاضة عام 1991 وأصبحت لديهم مؤسساتهم واستمروا بأسلوبهم القديم المعتاد وينتشرون في كل مكان في كردستان أيضا ولديهم قيادتهم الخاصة التابعة لوزارة البشمرغه كما قال الوزير.
وتجدر الإشارة الى أن هذه التسمية، أي بشمرغة سبتمبر، لا تعني أن جميع المنخرطين فيها من الذين بدأوا القتال عام 1961، بل يوجد فيها حسب إحصاءات حميد أفندي ما يقارب 30 ألف مقاتل من الأعمار التي تسمح بالقتال. هذا العدد يخص التشكيلات التي يشرف عليها الحزب الديموقراطي الكردستاني في أربيل ودهوك ويمكن إضافة أكثر من هذا العدد إلى تشكيلات الاتحاد الوطني الكردستاني ليصبح مجموع المقاتلين غير النظاميين في كردستان نحو 70 ألف شخص ، أما القسم الثاني، فهم العسكريون النظاميونِ ويؤكد وزير البشمرغه على أن عددهم يتجاوز 30 ألف عسكري نظامي مدرب بشكل ممتاز لا يقل مهارة عن أي جندي محترف في الجيش العراقيِ ويمكن إضافة مثل هذا الرقم الى القوات النظامية للاتحاد الوطني ليصبح تعداد جيش كردستان النظامي بنحو 60 ألف شخصِتجدر الإشارة الى أنه لم يشرع حتى الآن قانون للتجنيد الإجباري في كردستان، لذلك فان كل القوات النظامية التي ذكرت قوامها من المتطوعين.
أكاديميات وكليات عسكرية
حرصت قيادة كردستان السياسية والعسكرية على إنشاء معاهد متخصصة لإعداد الضباط وضباط الصف والمعلمين المتخصصين في الشؤون العسكرية بالإضافة الى الكوادر العسكرية المتقدمة الموجودة أصلا في الإقليم والمتكونة من الضباط ذوي الرتب العليا والمتوسطة، والذين كانوا يخدمون في الجيش العراقي وأغلبهم من الأكراد الذين تركوا الخدمة العسكرية في الجيش العراقي والتحقوا بصفوف المنتفضين عام 1991، وبقوا في كردستان بعد تمتعها بالإدارة الذاتيةِ وكذلك الضباط الذين هربوا من الجيش العراقي النظامي والتحقوا بما يمكن أن نسميه جيش كردستان. استطاع هؤلاء تأسيس نواة لأكاديميات عسكرية متخصصة بدراسة صنوف محددة في الجيش (المدفعية، المشاة، مقاومة الطائرات، الهندسة العسكرية ِِِالخ) بالإضافة الى مراكز تدريب المتطوعين الجدد، وتوجت هذه الجهود بتأسيس الكلية العسكرية التي يتخرج فيها الضباط المحترفونِ وتجدر الإشارة الى أن هذه الكلية أكملت تخريج الدفعة الأولى للضباط وكانت هذه هي المرة الأولى في تاريخ كردستان.
دورات خاصة
وتفتح مراكز التدريب الكثيرة المنتشرة في الإقليم دورات مركزة تستوعب أحيانا نحو 1200 متطوع للمركز الواحد، يشرف على تدريبهم 20 ضابطا وأكثر منهم من ضباط الصف. والدورات المركزة هذه تتخصص في تعليم الشباب على استخدام الأسلحة الخفيفة والبنادق الرشاشة والدوشكات ومدافع الهاون واستخدام قذائف 'أر بي جي' والرمانات اليدوية والألغام, ويتلقون منهاجا كاملا خاصابالحروب الجبلية. ويقول العقيد دلير ميرا نائب رئيس العمليات لقوات البشمرغه النظامية بأن هذه الدورات المكثفة تستمر 45 يوما تبدأ بعدها الفرضيات، أو التطبيق العملي بقضاء أسبوع في الجبال وتمثيل معارك حقيقية.
تطوير القادة
ويخضع الضباط أيضا لدورات تدريبية تصل الى 3 أشهر كل سنة تقريبا تعرف بدورات تطوير القادة تستوعب من 60 الى 120 ضابطا يساهم فيها محاضرون من مختلف الأماكن وأكاديميون أغلبهم يحملون شهادة الأركان.
العقيدة العسكرية الكردية
وتعتمد القوات النظامية في كردستان على النظام الإنكليزي ومناهج الجيش العراقي مع بعض التغييرات التي تأخذ بعين الاعتبار ظروف المنطقة لكي تعمل لصالحها حسب العقيد ميرا الذي عرف العقيدة العسكرية الكردية على هذا النحوِولأن أغلب القائمين على إعداد الجيش في كردستان من ضباط الجيش العراقي، لذلك فان المنهاج العراقي أخذ نسبة 90 % من التعليم، فيما كانت النسبة المتبقية تعتمد على الخبرات المتراكمة أوقات المقاومة.
التسليح
هذا العدد غير القليل للجيش النظامي يتطلب تزويده بسلاح حسب الصنوف التي تدرب عليهاِ ولأن كردستان منطقة مسلحة بالكامل تاريخيا، إلا أن هذا التسليح كان مخصصا للقوات غير النظامية وبالأسلحة الخفيفة التي تسهل عليهم المناورة وخفة الحركة كما تقضي بذلك ظروف حرب الأنصار والعصاباتِ على أي شيء يعتمدإذن تسليح القوات النظامية؟يقول وزير البشمرغه بأن لديهم المزيد من الأسلحة الخفيفة التقليدية المعروفة ويمتلكون عددا لا يستهان به من المدفعية المختلفة معظمها قصير المدىِ وتبين بأن لديهم دبابات ومدرعات أيضاِ وهذه الدبابات غنموها أوقات الانتفاضة حيث أعادوا قسما منها الى الجيش العراقي، فيما احتفظوا بالخفاء على الأرجح بالقسم الآخرِ ولا توجد لديهم مروحيات ولا طائراتِ لأن ذلك غير مسموح لهم لا من الاميركان ولا من مكعب الدول المحيطة بكردستان.
الدفاع عن كردستان
لدى كردستان العدة والعتاد كما يقال، لكن السؤال المطروح ما هي مهمات هذا الجيش غير الصغير؟تتبع مهماته للظروف السياسية المختلفة وتطور الأحداثِ ويمكن أن تسمع عبارة شفافة للغاية، كما رددها رئيس الحزب الديموقراطي الكردستاني مسعود البرزاني، بأنهم يدافعون عن أربيل والموصل والبصرة على حد سواء وكررها وزير البشمرغه: نحن ندافع عن العراق وعن كردستان. وللتوضيح قال: ندافع عن كردستان لو تعرضت للهجوم وندافع عن العراق لو تعرض للهجومِ لكن هذا الهجوم غير المقصود به الهجوم الاميركي المحتملِ فالأحاديث الخاصة مع قادة الإقليم أوضحت بأنهم يقصدون هجوما ما قد تقوم به الدول الإقليمية المجاورةِ وهذا الأمر لم يصبح سرا بعد المناوشات الإعلامية بين الديموقراطي وتركيا مثلا، وبين هذا الحزب وتلك الدولة المجاورة التي يحمل كل يوم فيها الجديد.
المنتظر والمؤجل
كل القادة السياسيين في كردستان، جميع قادة الأحزاب على هذه الأرض أجمعوا على ضرورة التغييرِ وكلهم تقريبا يؤيدون المساعدة الخارجيةِ ولعل زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني جلال الطالباني هو الأكثر صراحة وجرأة بينهم جميعا، حين وضع النقاط على حروف 'المساعدة الخارجية' وأسماها الاميركية بدون لف أو دوران. أي أن كل الأحزاب والتشكيلات والحركات والاتحادات والمنظمات التي يصل عددها الى 40 نوعا وطرازا مع فروع الأحزاب المشكلة في الخارج والداخل تتفق على ضرورة الإطاحة بنظام الحكم الحالي في بغدادِ وتراهن علنا أو سرا على التدخل الاميركي لا الغزو الاميركي للعراقِ ويمكن تفسير ذلك: تطالب القوى الوطنية المعروفة والمؤثرة والرئيسية بضرورة المساعدة الخارجية (أو الدولية) لقوى المعارضة التي تصل تشكيلاتها المسلحة على حد إحصاء جلال الطالباني الى 150 ألف شخص وهذا العدد لا تمتلكه معارضة في العالم، لتقوم هذه القوى بالتغيير.
ما بعد الهجوم
تستطيع التشكيلات العسكرية النظامية منها وغير النظامية التي أشرنا إليها والموجودة في كردستان صد أي هجوم يقوم به النظام العراقي ضد الإقليمِ ليس هذا فحسب، بل تحاول الولايات المتحدة استغلالها للتحرش بالقوات العراقية لكي تستخدم واشنطن ذلك للتدخلِ لكن هذا الأمر رفضه جلال الطالباني علنا في تصريح لـ 'القبس' بقوله انهم لا يريدون أن يصبحوا حصان طروادة لأحدِ ويرفض هذا الأسلوب الزعيم مسعود البرزاني أيضا بناء على كل تصريحاته معناِإذن، ما الذي يمكن أن يفعله جيش كردستان لإحداث التغيير في العراق؟يمكن حصر مهماته في التالي:1- الدفاع عن الحدود الحالية لكردستان من أي هجوم يقوم به الجيش العراقي.
2- مجابهة أي تدخل عسكري من قبل دول الجوار بدون تنسيق مسبق.3- استقبال وحدات الجيش العراقي التي ترفض القتال بعد توجيه الضربة الجوية.4-ضم الوحدات التي ترغب في الإطاحة بالنظام الى قوات كردستان للمشاركة في العملية واسعة النطاق ضد النظام.5-القيام بمحاولة للسيطرة على كركوك والتركيز على حماية حقول النفط فيها من تدمير محتمل يقوم به النظام.6- فرض السيطرة والمساهمة في استتباب النظام في الإقليم الذي سيكون في حالة طوارئ أو أحكام عرفية مثل منع التجول أو غيره.
خطوات أولية
لغرض تنفيذ المهمات أعلاه، كان لابد من توحيد الإقليم الذي يشهد حالة التقسيم في البداية، لذلك حرص جلال الطالباني على التوقف في صلاح الدين لمقابلة مسعود البرزاني وجها لوجه بعد عودته من واشنطن وتركيا ليضعا النهاية في اتفاقية صلاح الدين التي ستنهي الوضع الحالي. هذه الخطوة لو يكتب لها النجاح ستكون حاسمة وغاية في الأهمية لتوحيد الجهد السياسي والعسكري والاقتصادي في الإقليم، الذي يعتبر الطاقة الكامنة والحركية لأي عملية تغيير يمكن للعراق أن يشهدها، لا سيما أن النظام حرص على بقاء التقسيم والتفكك وزرع الخلافات وتجنيد التنظيمات وغيرها من الأساليب. لأن ضعف كردستان يصب في كل الأحوال لصالح النظام.
الأخوة العربية - الكردية
وعرفنا من مصادر غير رسمية بأن السلطات في كردستان مهيأة لاستقبال أي وحدات من الجيش العراقي مهما كان حجمها في الإقليمِ وحسبت حسابهم في كل شيء (لا تحتاج القوات العسكرية النظامية الى مساكن، فهي معدة للتواجد والعيش في أي مكان وتحت أي ظروف)ِ لذلك لم تكن من المصادفة رؤيتنا شعارات يشرع الخطاطون في إنجازها، تشيد بالأخوة العربية - الكردية والتسامح والضيافة والكرم، سيتم مناداة واستقبال القوات العراقية بها.
طرد الأنصار
يعتقد القائمون على مسائل الدفاع في كردستان أنه من الضروري القضاء أو طرد تشكيلات أنصار الإسلام من الشريط الحدودي الذي تسيطر عليه قبل العملية العسكرية ضد النظامِ قال جلال الطالباني لنا إنهم أجلوا العملية ولم يلغوها وأكد أن هذه الجماعات مشكلة من قبل النظام العراقيِ أي أن مسألة مواجهتها حتميةقبل الضربة، لكي يتفرغ الاتحاد الوطني والديموقراطي للمساهمة في العملية الشاملة ضد النظام. ويعتقدون في السليمانية أنه من الضروري أيضا عدم منح جماعة أنصار الإسلام أي شبر إضافي أكثر مما حصلوا عليهِ لذلك ينتشر نحو 1500 من بشمرغة الاتحاد بشكل دائم في مدينة حلبجة بالإضافة الى الربايا ومراكز السيطرة والقوات المتمركزة في الجبال المحيطة لمنع أي تسلل من شأنه تعطيل القوات الرئيسيةللاتحاد من خوض عمليات ضد النظام.
الجميع مسلحون
الى جانب كون كردستان مسلحة تاريخيا، أضافت إليها الأجواء الجديدة من حرية التعبير وممارسات الديموقراطية مشكلة ليست بالهينة، وهي ظهور عدد كبير من التشكيلات المسلحة لا تتبع للحزبين الرئيسيين ولا لمجموعات أنصار الأحزاب العراقية المعروفة.
مثلا، في أربيل وحدها هناك 33 حزبا عاملا حتى تحرير هذا التقرير عدا الأحزاب في السليمانية وفروعها وفروع الأحزاب التي تظهر يوميا في الخارج، فالأحزاب تفرخ غيرها: الشيوعيون تقسموا لعدد من الأحزاب ومثلهم الإسلاميون وهناك 26 حزبا تركمانيا فقط لم ندخله في الحسبة المذكورة لأنهم اتفقوا على تشكيل جبهة تركمانية وهناك جبهة تعارض هذه الجبهة وللآشوريين أحزابهم وحركاتهمِ وما يهمنا في هذا التقرير أن كل هذه الأحزاب تمتلك تشكيلات مسلحة أغلبها غير مرخص كما صرح لنا مصدر مسؤولِ وعندما نطرح على قادتهم السؤال عن أهمية هذه التشكيلات المسلحة، كانوا يتفقون على إجابة واحدة: هذه مجرد قوة لحماية المقرات.
كيف يمكن اعتبارها قوة لحماية المقرات بدون ترخيص من الجهات المعنية؟ والغريب أن أصغر قوة حماية وجدناها عند حركة آشورية لا نريد ذكر اسمها ومع ذلك يبلغ عدد المسلحين فيها 500 شخصِ أي أن أقل تشكيلات مسلحة داخل المدن الرئيسية في كردستان يفوق عدد أنصار الإسلام الذين شغلوا الدنيا. وحتى الناس العاديين يحوزون على سلاح غير مرخصِ وبإمكان زائر طارئ مثلي شراء مسدس ماركة معروفة مقابل 200 - 300 دولار والشيء نفسه ينطبق على البنادق الآلية. تمر في شارع ما، تجده مغلقا من قبل مسلحين: من تكونون؟ يقولون ممنوع المرور لوجود مقر لحزب لم يسمع به أحد، وفوق ذلك يطلبون منك هويتك، هم أنفسهم المسلحون بشكل غير شرعيِ هذا التداخل العجيب هو الذي تسبب مرة في تصادم عسكري بين قوات الديموقراطي وقوات الجبهة التركمانية، وكما قيل صل بعد أن أطلق المسلحون التركمان النار على شرطي رسمي كان يحاول فك شجار بين سكارى وربما كانت أسباب أخرىِِ والله أعلم.هذه الحوادث نادرة ولا ينبغي تعميمها للإنصاف، فالوضع الأمني في كردستان من هذه الناحية مستقر للغايةِ ولكن حامل السلاح سيستخدمه عاجلا أم آجلا حسب تشيخوف، فماذا سيكون لو حمل السلاح كل من طبع بيان حزبه على كمبيوتره الشخصي؟زد على ذلك، ان بعض الأحزاب المسلحة في كردستان مشكلة وممولة من قبل جهات خارجية معروفة وحتى هذه الأحزاب لا تخفي الأمرِ أي أن كثرة السلاح في المدن الكردستانية سيعمل وقت الضرورة على هوى الممولين وخدمة لمصالحهم، كما أثبتت التجارب السابقة في الإقليم وفي مناطق وحالات مشابهة أخرى في العالم.
قوى الأمن
للمنطقتين في كردستان أجهزة خاصة تعرف ب'الإيساج' وهي أمن ومخابرات أيضاِ ولديهم كل مقومات الأجهزة الخاصة الأساسيةِ وتحافظ هذه المؤسسات أو نجحت حتى الوقت الحاضر في التصدي للكثير من محاولات التخريبوالاغتيال وزرع العملاء وتزوير العملة وغسل الأموال وإحداث القلاقل وغيرها من أعمال المخابرات المضادة ومكافحتها في مهدها في الكثير من الأحيانِ وفي سجونها الكثير من أبطال هذه العمليات الفاشلة كما عرفنا من جلال الطالباني شخصيا.وبفضل قوة 'الإيساج' لم يشهد الإقليم أي اعتداء أو خطف أو اغتيال لأي أجنبي سواء كان صحافيا أو من العاملين في منظمات الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية المختلفة والكثيرة، بالرغم من أن النظام العراقي وضع مكافأة بلغت 30 ألف دولار مقابل رأس أي صحافي يعمل في كردستانِ لكن النظام استطاع اغتيال أحد العاملين الأجانب في الأمم المتحدة بعد أن خرج الضحية عن التعليمات، كما قال لنا مصدر مسؤول، ونزل عند رغبته في قضاء الويك إند مع صديقته في إحدى غابات كردستان.