الأحد، 9 مارس 2008

الهروب الكبير من كردستان




كردستان - د.جمال حسين علي:


حين يتحول الاضطراب الى زوال و الانطلاق اسم والنظر ظلال والندوب اسوداد والرياح رعب والمطر صاعقة والشفقة بوح والآفاق تمرد، يمكنك تجلي عبور نهر الصاعدين من قلب المدن الأليفة الى غموض الجبال الموحشة. ثمة من نسى دمية تحت السريرِِ وثمار حان زهو قطافها، وعجوز دائمة الشكوى لا يقوى على إسكاتها حتى الكيماوي المعتق منذ زمن العنجهيةِ رحيل كأيام الغيمة الفقيرة التي أبعدت معها الفرح، كتلك الساعات المعذبة النازعة قشرة ما تبقى من رجاء. وما أن ينتهي الليل المتصور، ويحرق النهار وجه المدينة حتى ترى حلمك وقد سحقه الخوف، ذلك الذي يملك كل من داس هذه الأرض، عبأه ليكفيه لكل الحروب الغبية منها والذكية. طل الندى على المدينة الذاوية، النحيفة، الشاحبة، الخالية من صيحات ألفناها ِِ هي نفسها التي كانت ضاجة البارحة، بتنفسها الشيق ورؤوس أهلها وأقدامهم المتعبةِاختفت جوقة الفتيات اللواتي يعبرن خيمتك كضوء سيف، فهل بإمكانك التعود على غربة جديدة بعد المصالحة التي أجبرت الوطن على تقبلها؟ وهل تقبل بعد الآن أن يتبخر الهواء الذي تتنفسه أمامك كاليقين؟وهل ثمة الحد الأدنى من نزاهة الزمن عندما تعود الى الوطن لتتشبث به بأظافرك وأسنانك وراحتيك ، في هذه اللحظة التي ترجع إليه بالكامل، يتركك ويغادر!حتى وأنا على أرضك تغادر أيها الوطن فكن عاقلا .. هذه المرة.. كن عاقلا..عندما فاقت سواعد الثوار عام 1991 وخذلها الحلفاء الحاليون، لم يبق أمام الناس في كردستان سوى التوجه الى جبال الله الواسعة عند تخوم الوطن وما بعده، ليتنازل الآخرون بمنحهم قصعة قهر ورغيف يتطاير مع الأكف.وكان للهروب المليوني (91) ما يبرره، حيث كانت ذكرى حلبجة و70 قرية وبلدة في كردستان ضربت في الكيماوي ورشت عليها طائرات وزارة الزراعة مبيدات البشر. وهو السبب ذاته الذي لا يجرأ أحد هنا على تتبع أقوال المحللين السياسيين لكي يعانق أطفاله في متاحف حقوق الإنسان فيما بعد ضربة انتقامية لا يمكن أن يتكهن أحد ولا يريد أن يضع مصير أطفاله بيد أو ضمير أو نزوة.وهكذا غادر الناس بيوتهم التي انتظروا قرونا لكي تدفئهم وما أن بدا دفئها الأخضر يحزم رحاله إليهم، تكسر الأمل ليصرخ بهم النداء من جديد نحو الجبالِقال كل من تتبعنا هروبه البريء والحتمي وكل من ينتظر: تعودنا!
في الهجرة المليونية السابقة كان مسعود البرزاني مع الناس حاملا بندقية كأي بيشمرغه عاديِ يتجول بين بردهم وجوعهم ويرى بعينيه ويدفن بيديه الطفل تلو الآخر من البرد والجوعِ ومع ذلك عندما قرر من أجلهم الذهاب الى بغداد والتفاوض مع صدام لكي يعود الملايين الى بيوتهم افترشوا الطريق حتى يمنعوا سيارته للتقدم نحو بغدادِ لم يعترضوا على مقابلته لصدام فحسب، بل كانوا يخشون على حياته من غدرهِ ولم يكن أمام البرزاني الابن سوى السير قدما معتمدا على البديهية المقدرة 'لو كانت حياتي ثمنا لعودة الملايين، فلتكن'!يتذكر حتما مسعود البرزاني كل هذه الأسابيع العصيبة وهو يطمئن الناس عبر التلفزيون المحلي ويناشدهم التحلي بالصبر واجتناب القلقِ وعلى الرغم من أن كلماته قد تهدئ روع مليون، إلا أن مليونا آخر لا يثق بالكلمات ولا بنزوات صدام وشروره ِِ لهذا السبب تصبح الهجرة 'المليونية 2' لا مفر منها.
الهجرة الأفضل
غير أن الظروف الحالية تختلف بلا شك، فالناس هدئوا طوال السنوات الاثنتي عشرة الماضية (عدا سنتين مضطربتين لأسباب معروفة)، وهم هذه المرة لا يتوجهون الى المجهول، بل إلى أقارب لهم أو أي معارف، فحسب الجواب عن سؤالنا التقليدي: الى أين؟ فأن لكل عائلة في كردستان قريبا في قرية نائية، وحتى المقطوع سيجد له غرفة ما بطريقة ما أيضاِ كما أن المهاجرين هذه المرة لم يؤخذوا على حين غرة، فقد تابعوا عبر الفضائيات كل الألعاب الدبلوماسية والحرب النفسية والإعلامية للحرب القادمة وتهيأوا منذ فترة ولهم كما للبيت الأبيض ساعة الصفر للرحيلِ ويمكن اعتبار المؤتمر الصحفي للرباعي في قمة آزور موعدا لساعة الهجرة الجديدة.
لماذا؟
لا يعير الهاربون أي اهتمام لأي تصريح أو تحليل سياسيِ فلديهم خوف لا يستطيع أي كان انتزاعه حتى لو أغرقهم بالمحاضراتِ لذلك يحسبونها كونهم يعرفون حتى أدق تفاصيل القدرة الهجومية العراقيةِ يدركون أن للقوات العراقية صواريخ (مهما كانت مسمياتها) ولديه مدافع بعيدة المدى، وأهمها المدفع النمساوي الذي لو ضرب من التون كوبري حيث يتجحفل الجيش العراقي باتجاه كردستان لسقطت قذيفته في شقلاوةِ أي أن مداه يصل الى أربيل ومصيف صلاح الدين حيث القيادة السياسية والميدانية للكردِ وكذا الحال بالنسبة للسليمانية لو ضربتها المدفعية العراقية من جمجمال والحال نفسه بالنسبة لدهوك التي لا تبعد عنها قوات النظام أكثر من 18 كيلومترا، لا سيما أن أربيل تبعد عن شيروه حيث ترابط قوات النظام نحو 12 كيلومترا. باختصار، لو يقرر النظام ضرب كردستان بالمدفعية والصواريخ فهو قادر على إصابة كل المحافظات الرئيسية. وخشية الناس لا تنحصر في القصف التقليدي، بل القصف الشامل بالأسلحة البيولوجية والكيميائيةِ وهي التي لا يستطيع أي شخص هنا تفاديها.
الى أين؟
لا متسع للناس سوى طمأنة نفسهم بنفسهم ومغادرة المدن الرئيسية والتوجه الى المدن البعيدة مثل سوران وراوندوز ومرغه سور وغيرهاِ علما بأن لكل من هذه المدن مئات القرى الجبلية الصغيرة المتناثرة. وبالنسبة للغذاء فقد أرث الجبليون تراث التعايش لمدة طويلة في المغاور والكهوف ولشتاء كامل من الحصاد الى الحصاد باحتفاظهم بالأرزاق لمدة طويلة، بالإضافة الى تأمين أنفسهم بأرزاق جافة يمكن بواسطتها تحضير الوجبات الرئيسية، فمن الحنطة يمكنهم تأمين الخبز ومنها يستخرجون البرغل ويجمعون الطماطم لتحويله الى معجونِ ولديهم طريقة شعبية يحفظون بواسطتها اللحم أسمها 'القاورمة' بأخذ قارورة أو 'بستوك' ويغطون جوانبه بالدهن الحر ومن ثم يكبسون داخله اللحم المقلي كبساِ ويمكن لهذه القارورة الاحتفاظ باللحم بدون أن يصيبه شيء طوال فصلين.
بلاغ حزبي
تحدثت مع حزبيين مختلفين، والجميع أكدوا أنه صدر قرار من الحزب والدولة يمنع فيه أي مسؤول مغادرة المدينةِ وكنت مع أحد الوزراء وقال لي إن وزارته ستستمر بالعمل لأنها مسؤولة عن الجهد الهندسي وبناء المواقع والملاجئ وغيرهاِ كما أن الوزارة نفسها تنشئ حاليا معسكرا للاجئين الذين قد ينزحون من المناطق التي تسيطر عليها القوات العراقية الآن وتنتشر على مساحتين في وديان سوران وتتسع لمليون شخصِ وسيكون المعسكر مجهزا بربع مليون خيمة وكافة الأغطية التي يحتاجها هذا العدد، بالإضافة الى المواد الغذائية اللازمة والمرافق الصحية وغيرها.
زحام طبيعي
ولا يعتبر المسؤولون هنا الهجرة الحالية كارثية، بل العكس، يرون بأن الناس خبروا الانتقال وقت الضرورةِ فمثلا يقطن في أربيل وحدها 800 ألف شخصِ ولو تبقى منهم 80 ألفا، فهذا سيساعد في تقليل الخسائر الى حدها الأدنى في حالة حصول ضربة بأسلحة دمار شامل، وكذلك تسهيل الأمر على من يبقى لخدمةالمدينة حيث يكون العبء عليه أقل بكثير مما لو بقي العدد الأصلي من السكانِفمثلا، بدأت تتلاشى سلع ضرورية كانت قبل أيام في متناول اليد مثل الماء والبنزين والغاز والخبز.والغريب أن الدينار اختفى بدوره من السوق، كون 'بورصة كردستان' أغلقت دكانها ورحلتِ وكل الناس حولوا أموالهم دنانير لسبب غير معروف واحتفظوا بها.
شبح المدينة
كما لو كنت طافيا في شوارع عاصمة كردستان، يتلقفني الهواء الممسود بالغبار والمطر، تضاد لكنه حصل. ومفارقة أخرى هي أنني تعرفت على أسماء المدينة عندما خلت من المارةِ لعل مراقبتي الناس ألهتني عن تتبع أسماء الشوارع والساحاتِ وبغيابهم، لا يوجد شيء يكسر الوحدة سوى مراقبة اليافطات والصور والتنزه مع الحروف.
شوارع العصف
لا أحد يستطيع الجزم بالسبب الذي جعلهم يسمونه الشارع الستيني وآخر أكثر رونقا يطلقون عليه الثلاثيني، حتما ان الأمر لا يتعلق بالأعمارِ ومفهوم تسمية شارع الأطباء كونه لا يكاد يحمل إعلاناتهمِ ولأن شركة باتا افتتحت لها فرعا في العهد البائد في ذلك الشارع المتقاطع معه، فقد أصبح شارع باتا والغريب أن النظام غار من اسم باتا الذي يعتز به المواطنون العراقيون حتى الآن لكونه أفضلحذاء دخل العراق حتى الآن، لذلك لم يتوان الغيورون من تبديل اسمه ليصبح 7 نيسان ( يوم تأسيس حزب البعث) ومع ذلك لم يتنازل الناس عن تسمية شارعهم على الحذاء المحبب لهم ولم يجرؤ أحد على ذكر يوم تأسيس البعث. وهناك شارع سيروان المنزلق نحو طريق كركوك حيث ملعب كرة القدم السيطرة، بينما يسير شارع آزادي ( الحرية ) ليذكر الناس بأوائل المثقفين الكرد، حيث وزعت الأراضي المحيطة به للمعلمين في الستينات، وهو في شكله ثري وفي مضمونه فقير، لأن من يسكنه الآن أفقر البشر.
أحياء بوتينية وأخرى رحبة
وينتصب تمثال للشيخ محمد أقدم مناضل كردي بناه الطالبانيون عندما سيطروا على المدينة ممتطيا حصانا أشبه بحمار مسلولِ وأبقى الكرد تسميات مثل العدالة وشورش (الثورة) وعرب: وهذه محلة كان يقطنها العرب منذ القدم. أحياء فقيرة للغاية كتيراوه التي لا يعرف أحد ماذا تعني ولماذا سميت بهذا الاسم وكوران وبوتيناوه، التي أخذت هذا اللقب من 'البوتين' لأن الأمطار عندما تهطل في هذا الحي، تفجر البحيرات ولا يستطيع أحد الدخول الى هذا الحي بدون ارتداء البوتين!أما الأحياء الغنية، فجد 'نيو أربيل' و'دولاراوه' والتي يسكنها الأثرياء الجدد والمسؤولون وظهرت بعد الانتفاضة طبعا.
ملامسة تقريبية
مهما تجاهلك العدم في الشوارع والأحياء لا تشعر بعقوبة أن تكون وحيدا، فالعربات تتداخل في شكك لتعلمه الكد الجهيد كي لا يبتعد عن زينة المدينة المضببة.هولير يا أيتها المدينة الساكنة يا لزجاجتك المنتقاة وعشبك الذابل كضفاف ليللأجل وحشتك سهرت لأحرسك وأفاوض نداك المتأصل.

3 وزراء يجيبون : كيف يبنون كردستان؟






كردستان - د.جمال حسين علي:


عاشت كردستان!ليس بالهتاف المراودِِ بل ما يعبأ القول، إن كردستان عاشت طوال الدهور مزهوة قوية الجسد والأعصاب بسعادة طبيعية، فطرية لا تبدل لونها حزم الصيف ولا قسوة الشتاءِ عاشت قبلا وبعدا بلا قرارات دولية ومعونات إنسانية وتدخلات إقليمية وتحويلات الشباب المهاجرِ سرت الحياة فيها داخل أوراق الشجر وفيريعان منابعها وجداولهاِ لم تعبأ بمحفظة نقود المركز ولم تنتظر قطار الهبات منه والذي لم يصل إليها ولم يوقظ صفيره التلاميذ والبلابل.عاشت كردستان!على تباينها وتوفيقها الغريزي، مكتئبة، مغبرة، مضناة بالثلج أو القيظِ قطعوا عنها النفط، دفأتها الأشجار والحفر ومرائي الكرومِِ سدوا نقطة خليلها تساقطت عليها نافورة الخير من قمم الجبال وغطت أوديتها الخضراء بالقطوف الدانية.عاشت، باختلاف مشاربها وتنوع تجربتها وماهية ادعاءاتها، بالظلام المكتنف أجنحة الطيور، بالفراغ الذي لا يملأه حلم، بإطلالة طريق المواشي الذي حفرته مناكب الجيوش، بالدجاجات التي غاب ثعلبها، بثديها المرضع المغالي ويديها الورديتين، بجبينها وفؤادها وذراها وبريقها، خفاقة لا تقاسي، جياشة تضمدالجراح، يهبط عليها دعاؤنا الأوحد الذي يخبره الرجال للرجال ومن حولهم تلم النسوة سلال الحصاد، بالدعاء الذي تبقى لنا ولهم، لكرم مراوح العيون والسواعد القابضة، في اللحظة الملهمة والمغطاة بعيون الحساد، دعاء يتلاءم مع رحمتها: بالرفاه والبناء!هي ذاتها المدن الكردستانية التي وعينا عليها قبل ربع قرنِ حيلتنا كانت على حالنا، لم نرغب في التجول في حقائب الإنترنت وما تطل به نوافذه، لم نحمل الخلويات وكانت أصواتنا تصل الى أبعد القارات، لم نفرق بين كؤوس الكريستال والطاسة المعدنية عند العطش، لم نضغط على أزرار الريموت كونترول للتجول في عيون العالم أو نغير به درجة حرارة الغرفة التي ما أن قلت عن 40 درجة مئوية نشعر بالبرد.
لكنها الدنيا دائمة التغرير، وكل ما يستطيب فيها من حلو العيش، لابد أن ترفع لشأنه وزارة وينقش على خططها حسن التدبير، ألم يكن وزير واحد يسير كل شؤون الدولة التي لم تستطع غيمة الهرب من خراجها!وكردستان ليست استثناء من صحوة الدنيا ومباهجها وليس كثير عليها ما هي فيه الآن،، فما زالت تحتاج الى الكثير لتخرج من خوفها وحفرتها التي ساهمت كل مساحي الجيران في طمرها فيها.
كطموح المسطرة
للإنصاف، الكثير من الخدمات التي ننتظر فيها في العاصمة الاشتراكية الأولى في العالم (سابقا ولاحقا) أسابيع حتى نفرغ منها، يمكن حلها في كردستان بأقل من ساعةِ فقد تآلف شعبها الحي والنابض بالمعرفة ونجح في تعلم الجديد بسرعة كافيةِ فيها قنوات تلفزيونية وإذاعية أكثر من كل دول الخليج مجتمعة بإضافة العراق واليمنِ وتصدر فيها الكتب والصحف والمجلات يوميا وأسبوعيا ما يتخطى ما تطبعه دولة إقليمية كبرىِ ولو ترمي بك الأقدار في أبعد كوخ لا يمكن أن يعثر عليه أي قمر صناعي للتجسس، تجد الدش عند بوابته!شوارعها وجسورها كربطة عنق ملائمةِ كافية وتستوفي عدد السيارات والناس، على الرغم من طبيعتها الجسورة والصعبةِ ومع ذلك يتواصل العمل في هذا المجال بلا انقطاع ويحاولون اختصار المسافات أكثر فأكثر ببناء شوارع سريعةِويستمر بناء الدور ومباني مؤسسات الدولة والأكاديميات والمدارس والفنادق وما استطاعوا إليه سبيلاِ يغرزون الشتلات ويوسعون الغابات والمتنزهات ويعطرون الجو بالخضار المسيج بالأزهار.معاناتهم مع الكهرباء والماء أقل من مدن العراق الأخرى بكثيرِ ففي قيظ الصيف لم تنقطع الكهرباء سوى دقائق، أما الماء فيمكن أن تراه بدون جهد بالماءِ أما مشاكل الصرف الصحي فهي ليست بشعة مقارنة بجنوبنا المغبون ويوشكون على الانتهاء من حلها نهائيا. ويطور الناس والمال المحلي وجهد القطاع الخاص جميع المشاريع التجارية الخدمية بما في ذلك المقاهي والبوتيكات والمطاعم والفنادق ووسائط النقل والاتصالات وكل متطلبات الفرد تقريبا.هذه ليست انطباعات زائر لم تتسن له فرصة الإطلاع الحسن على ما يقوله، فهذه الأمور تشم رائحتها من بعد، ناهيك عن معرفتنا الكافية بأمور بلدنا المنحدر جنوباِ وللتوسع الدقيق في بحث هذه المسائل التقينا بثلاثة وزراء يرتبط عملهم المباشر بشؤون البنية التحتية وحاجات الناس المباشرة، ولعل حوارنا معهم يكمل ما تبقى من الصورة.
في القرية الصغرى
حدثنا وزير النقل والمواصلات حيدر شيخ علي عما توصلوا إليه لإدخال كردستان في القرية الصغيرة للعالم في مجال الاتصالات 'قلنا للوزير لماذا اسم الوزارة مواصلات بينما تهتم بالاتصالات؟ أجاب بأن عندهم المواصلات تعني اتصالات وهذه التسمية سائدة لدى الحكومة المركزية أيضا ولا يعتبر ثمة مشكلة في التسمية، وأشار الى أنه وعلى الرغم من إمكانات الإقليم المتواضعة، إلا أنه من غير الممكن التخلف عن الثورة التكنولوجية التي يشهدها العالم وعدم استثمارها لدعم التنمية في كردستانِ لذلك فأن مهمة الوزارة تكمن في مواكبة التطورات السريعة في مجال الاتصالات. وفي هذا الشأن يقول الوزير: 'بدأنا في العام الماضي بمشروع الإنترنت واكتمل المشروع منذ ستة أشهر. واليوم كل مؤسسة أو مواطن لديه هاتف بإمكانه الارتباط بالإنترنت واعتقد حسب إمكاناتنا يعتبر هذا إنجازا كبيراِ نحن شعب عراقي واحد نتألم عندما يحرم المواطن العراقي في بلد الثروات والخيرات من استخدام الإنترنتِ بينما يعمل عندنا بلا قيود ولا مراقبة وبكامل الحرية، وحتى نستطيع منافسة دول الجوار في هذا المجالِ والشركة التي أشرفت على المشروع أسمها كردستان نيتِ وبالإضافة الى هذا المشروع هناك مقاهي الإنترنتِ وأي مواطن يقدم طلبا لفتح مقهى للإنترنت نوافق عليه مباشرة، وبسبب سياسة الحكومة والوزارة انتشرت مقاهي الإنترنت ليس في مركز كردستان فحسب، بل في كل الأقضية والنواحي وصارت مقاهي الإنترنت ظاهرة في كردستان مستحيل التراجع عنهاِ وهذا بالنسبة للنظام العراقي شيء غير مفرح ونتمنى أن تسود التجربة في البصرة والناصرية وكل مدن العراقِ عبر الأثير. وعن مشاريع الهواتف الجوالة قال حيدر شيخ علي: 'منذ عام افتتح مشروع الموبايلِ واعتمدنا بالأساس على إمكاناتنا الفنية والمادية والخاصة والمشروع يعمل بنجاحِ أي مواطن يستطيع الحصول على هاتف جوال يمكنه الاتصال بكل العالم وكل العالم يستطيع الاتصال بهِ لدينا جالية كبيرة في الخارج واستفادوا كثيرا منأجهزة الاتصالات المتوفرة لدينا'. وأضاف الوزير إنه بالإضافة الى الهواتف المحمولة الخاصة، هناك مكاتب الاتصال الدولي المنتشرة في كل كردستان ويستطيع الناس من خلال هذه المكاتب الاتصال بأي منطقة بالعالم وبالعكس ويمكن تحويل النداء عن طريق هذه المكاتب من أي منطقة في العالم الى رقم البيت المطلوب.
سياسة التمييز
ولفت وزير النقل والمواصلات النظر الى أنه منذ مدة طويلة لم يكن ثمة اهتمام جدي بمسألة الاتصالات من قبل الحكومة المركزية في إقليم كردستان، واعتبر أن النظام كان يتعمد ما أسماه 'التمييز' الذي أدى الى أن شعب كردستان لم يستفد من أي تطور حصل في هذا المجال نتيجة المواقف المسبقة التي اتخذها النظام ضدالإقليمِ ولهذا يشدد الوزير على أنهم بدأوا من الصفر ويوضح: 'عندما استلمنا الوزارة كانت لدينا بدالة واحدة عمرها أربعون سنة انتهت خدمتها الافتراضية قبل عشرين سنةِ يربط فيها 14 ألف خط هاتفي في كل كردستانِ غير أن المواطن يكل ويمل من الاتصال ولا يأتي الخط ولو يذهب للبيت ويقضي حاجته أسرع منالاتصال المعدوم'.
مشروع تلو الآخر
يقول الوزير: 'أول عمل قمنا به غيرنا هذه البدالة بجديدة في المرحلة الأولى 12 ألف خط في أربيل و 7 آلاف خط في دهوك والمرحلة الثانية ربطنا البدالتين مع بعض وأصبح الاتصال بين المدينتين طبيعيا الآنِ في المرحلة الثالثة أوصلنا خدمات الاتصال الى الأقضية والنواحي ووصل الأمر إلى أنه لا يوجد قضاء أوناحية في كردستان لا توجد بها بدالة مربوطة بالشبكة الرئيسية ويتصل المواطنون بشكل طبيعي مع بعضهمِ ولغاية اليوم هناك 68 ألف خط هاتفي تعمل بشكل جيد في الإقليم والتطور مستمر بانتظار الانتهاء من أكبر مشروع في أربيل هو مشروع نوروز لإيصال 5 آلاف خط للمناطق الفقيرةِ أنهينا 90 % من العمل به وسننتهي منه بعد شهر بتقديري لنمنحه للمناطق الفقيرة التي كانت محرومة من استخدام الهواتفِ ولدينا مشروع آخر هو برايتي لتوزيع 4 آلاف خط للمواطنين سننتهي منه خلال شهرين'.
وعلمنا من الوزير حيدر شيخ علي بأن معظم التكنولوجيا التي استخدموها في هذا الحقل تم جلبها من إيران بالاتفاق مع شركات إيرانية.
بانتظار الخط
وحول قرار 986 أكد الوزير أنه بالرغم من 'أننا مشمولون بالقرار 986، إلا أن كل ما قدمناه من مشاريع كلفتها 200 مليون دولار ما زالت تنتظر موافقة لجنة العقوبات بتعقيد من الحكومة العراقيةِ لا نريد أي دعم منهم بمشاريع الإنترنت لكننا بحاجة الى بدالات وتغيير الكيبلات التي مر عليها ثلاثين عاما دون صيانة وتبديل كما يسمح بذلك قرار مجلس الأمن المذكورِ نضغط في هذا الاتجاه ووعدونا بحل المسألة وليس أمامنا غير الانتظار'ِ وأضاف بأن علاقة وزارته مع منظمة الاتصال الدوليةITU التي لم تقدم أي شيء لكردستان بحجة أن أجهزة الاتصالات ذات استخدام مزدوجِ لكنه قال إن المنظمة المذكورة بدأت ببعض الأعمال المدنية المرتبطة بالبدالات.
لا تحتية ولا فوقية
وبدأ وزير البلديات والسياحة مأمون البريفكاني حديثه بالتأكيد على انعدام أي مستلزمات للبنية التحتية في الإقليم سابقاِ ولهذا السبب فان مباشرة حكومة الإقليم بالعديد من المشاريع البلدية كانت ضرورية جدا وبدأت بالظهور بعد فترةِ
تهتم هذه الوزارة بمسائل المجاري وتنظيف المدن والخدمات الأساسية والسياحية بالرغم من أن السياحة الآن في كردستان محلية بسبب الظروف السياسية، بالرغم من أن الإقليم مهيأ عمليا للسياحة الدولية، حيث ازدادت المرافق السياحية بالشكل الذي يستطيع الإقليم استيعاب السائحين حسب الوزير الذي قال إن الحكومة المركزية أنجزت في السابق بعض المشاريع، لكنها برأيه، لم تكن بالمناطق السياحية تماما، حيث توجد مناطق أكثر جمالا وفائدة لم تستغل في السابقِوحاليا، يقول مأمون البريفكاني إن هذه المناطق بحاجة الى دعم واستقرار وأمان، وبدون هذه العوامل لا يمكن أن يجري الحديث عن السياحة الدوليةِ وأوضح أن القطاع الخاص يمكنه لعب دور كبير في مجال السياحة لأنه الأنشط حسب التجارب العالميةِ وبالنسبة للشركات العالمية المهتمة بالسياحة فتنتظر تحسن الظروف لبدء العمل في كردستانِ أما بالنسبة للمشاريع البلدية فان الأمم المتحدة تعلن المشاريع الضخمة والشركات الأجنبية تقدم العروض ويتم اختيارها بالتنسيق بين حكومة الإقليم والمنظمة المعنية التابعة للأمم المتحدة والحكومة العراقية التي تكمن مهمتها بعرقلة المشاريع في كردستان حسب تأكيد الوزيرِ وأضاف: إن 'طلباتنا قانونية وضمن القرار 986 وليست تعجيزية ومع ذلك لم تلب الأمم المتحدة طلباتنا'. وقال مأمون البريفكاني ان أي دولة لم تقدم مساعدة لكردستان في مجال اختصاص وزارته، عدا مساهمات قليلة من منظمات غير حكومية قدمت عونا ذا طابع إنساني للأهاليِ وأضاف ان الجمعيات الخيرية الإسلامية تركز على بناء المساجد فقط في الإقليم ولا تهتم بأي مشروع آخر.
إعمار وبناء
وسلطت وزيرة الأشغال والإسكان نازنين محمد وسو الضوء على مسيرة الاعمار التي يشهدها إقليم كردستان العراقِ ويتركز عمل هذه الوزارة على البناء والاعمار والطرق والجسور ومشاريع إسكان المواطنين وتشييد المباني العامة التي تستخدم لأغراض متعددة. وأشارت الوزيرة الى أن الخراب والدمار الذي عم الإقليم كان كبيرا جدا، لهذا كانت المهمة صعبة جدا. وتتذكر الأيام الأولى من تشكيل الحكومة حيث كانت تعمل وزيرة للأعمار قبل انتقالها الى الوزارة الحالية قبل ثلاث سنواتِ وقالت ان سياسة الحكومة انحصرت في البدء بعمل أعمار القرى المدمرة وكانت العملية بطيئة لأن الإمكانات محدودةِ واعتمدوا على بعض الجمعيات الخيرية الدولية والإقليمية والإمكانات الذاتية التي سخرت كلها لإعادة اعمار القرىِ وأشارت الى أن القرويين ساهموا بأنفسهم فياعمار قراهم بالرغم من تواضع إمكاناتهمِ وذكرت أنه لا يوجد معمل إسمنت واحد في أربيل ودهوك وثمة معمل قديم فقط في السليمانية جرى تصليحه وبدأيعملِ لذلك يصل الإسمنت الى كردستان من تركيا وإيران و(العراق) ، وأكدت نازنين وسو أن القرار 986 ساعد الإقليم كثيرا وعجل في عملية الأعمار ولأول مرة وظفت إيرادات النفط للاعمار وخدمة المواطنين، بينما كانت هذه الأموال في السابق تستخدم لتخريب المنطقةِ وأوضحت أن نسبة الاعمار في القرى تجاوزت 70%.
إعاقة بغداد
وأوردت وزيرة الأشغال والإسكان أمثلة كثيرة على إعاقة الحكومة العراقية للمشاريع في كردستان بحيث ان وزارتها استفادت من قرار 986 في عام 2000 فقطِ ولأن الوزارة تخدم البنية التحتية للإقليم، حسب الوزيرة، فان كل المقترحات وأي مشاريع يدرجونها تعيقها الحكومة العراقيةِ وقالت: الطريق الذي سلكتهمن الحدود حتى أربيل لم يكن سالكا كما رأيته الآن، فقد عملنا فيه 10 سنوات، كانت الطرق في كردستان أغلبها عسكرية أوقات الحكومة المركزيةِ ولأسباب شتى ربطوا دهوك بأربيل سابقا بالطريق الذي يمر بالموصل وليس هذا الطريق القصير الذي سلكته والمشيد بمواصفات فنية عاليةِ نحن لا نستطيع الوصول الىدهوك عبر الموصلِ نحتاج الى جسور لأن مسارات طرقنا تغيرتِ ولغاية الآن ومنذ ثلاث سنوات ندرج هذه المشاريع بخطط 986 ونرصد لها ميزانية ومنظمات الأمم المتحدة بعد جهد كبير توافق عليها ولكن حتى الآن لم نحصل على موافقة لتشييد أي جسر لأنه حسب مذكرة التفاهم ينبغي موافقة الحكومة العراقية التي لاتوافق بدورها.
منجزات رغم الصعوبات
تعتبر وزيرة الأشغال والإسكان بأن الطرق هي شرايين الحياة في أي مكان وليس في كردستان فحسب، لذلك أولت الحكومة اهتماما بالغا بالطرق والجسورِ وبالرغم من الإمكانات المتواضعة للحكومة فقد قطعوا، والحديث للوزيرة، أشواطا كبيرة في هذا المجالِ وأردفت أنه لم ينفذ طريق أو جسر بفضل قرار 986 وبتمويل من الحكومة شيدنا معظم الجسور ولأول مرة في الإقليم تم تشييد جسور بممرينِ قلنا للوزيرة بأنهم سابقا لا يحتاجون الى تشييد جسور بممررين لأن الدبابات يكفيها السير باتجاه واحد. وتحدثت عن الطرق الدولية باتجاهين التي يجري تشييدها والتي تربط الإقليم بتركيا وإيران وسوريا بمواصفات عالية. وشرحت نازنين وسو خطة وزارتها الخاصة لإسكان المواطنين بأن الأهمية التي يولونها هي بناء مجمعات سكنية في القرى أو إعادة ما دمر فيها وهذا بحد ذاته يخدم مسيرة الإسكان في المدن لأنه سيخفف من ضغط الهجرة من الريف الى المدينة المكتظة بالسكانِ لذلك تفتتح من وقت لآخر مجمعات سكنية جديدة ومريحةللمزارعين وعائلات الشهداء والمهجرين واللاجئين العائدين من إيران والذين يقدرهم بمئات الآلاف من العائلات وغيرهم من الذين يتم ترحيلهم يوميا من كركوك والمناطق الخاضعة للسلطة العراقية والتي تمارس ضدهم سياسة التعريب والتهجير القسريِ وتساءلت: كيف يمكن إسكان كل هذا العدد ولا توجد إيرادات ثابتة ومعروفة ومستقرة للحكومة؟ وباستطراد قالت: الحكومة المركزية كانت تسمي أربيل عاصمة العراق الصيفية ولن تعمل لها أي شيء وكانت تشبه القرية الكبيرة ومن الصعب تسميتها مدينةِ محرومة من كل مستلزمات الحياة، لذلك فأن الحاجة أكبر من إمكانياتنا المتوفرةِ ومع ذلك الفرق كبير بين ما هي عليه الآن والسابق.
وعن دور المنظمات الدولية كالفرنسية والبريطانية والألمانية قالت بأن دورها محدود بالرغم من إشادتها بدور الألمانية في أعمار كردستانِ حيث تبقى المنظمة الفلانية سنة أو أكثر لتبني مدرسة أو مركزا صحيا، أو تساهم في مد طرق ريفية غير مبلطة أو بعض البيوتِ وتلاشى نشاط هذه المنظمات ما أن بدأ العمل بقرار986 .

مع السكرتير العام للـحزب الشيوعي العراقي




شقلاوة - د.جمال حسين علي:


التقينا حميد مجيد موسى (أبو داود) سكرتير عام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في مقر المكتب السياسي للحزب في مدينة شقلاوة في كردستان العراق. وأجاب فيه عن جملة من الأسئلة والتساؤلات حول رؤية الحزب الشيوعي العراقي لمستقبل العراق بعد صدام والتغيرات التي طرأت على الحزب بعد انهيار المنظومة الاشتراكية ومستقبل عمله السياسي، وما طرأ عليه من تغييرات فكرية وسياسية. كما جرى النقاش حول موقف الحزب من عملية التغيير والدور الذي تلعبه المعارضة العراقية وموقف الحزب من الدعم الدولي والخارجي للإطاحة بالنظام العراقي. ويسلط هذا اللقاء الضوء على موقف الحزب الشيوعي من قضية الفدرالية والعلاقات المستقبلية في هذا الشأن. ووضح حميد موسى موقف الحزب من الكويت منذ عهد عبد الكريم قاسم وأثناء الغزو العراقي للكويت وما بعده، مشيرا الى رؤيته حول مستقبل العلاقات العراقية - الكويتية، ومعبرا عن أسفه لضعف العلاقة الحالية بين الكويت والمعارضة العراقية. وفيما يلي النص الكامل لهذا الحوار:
> للقارئ غير المطلع على أوضاع الحزب الشيوعي العراقي. هل توضحون لنا حالة الحزب من الناحية التنظيمية، لا سيما بعد ظهور الحزب الشيوعي الكردستاني من رحم حزبكم والتغيرات التي حصلت في هياكل قيادة الحزب الشيوعي العراقي في السنتين الأخيرتين؟
ـ الحزب الشيوعي العراقي أقدم حزب سياسي عراقي، تأسس عام 1934، وعمله متواصل منذ ذلك اليوم حتى الآن رغم كل التطورات والتغييرات التي عاشها البلد، لم يختف الحزب الشيوعي العراقي، بل بقي عنصرا أساسيا في الحركة السياسية العراقية والنضال ضد الحكومات الدكتاتورية والرجعية. وكان دائما وأبدا رافع لواء الوطنية والاستقلال والتحرر وعرف بأنه حزب الديموقراطية.
> هل تعتمدون على أنصاركم في كردستان وتنظيمات الخارج أم أن لديكم تنظيمات نشيطة داخل العراق؟
ـ هذا بيت القصيد، فالحزب الشيوعي العراقي يمثل في كل مدينة من مدن العراق، وهذه الحقيقة معروفة للأعداء قبل الأصدقاء.. لذلك النظام الدكتاتوري ناصب الحزب الشيوعي أشد العداء، هذا الحزب هو الحقيقة التي لن تغيب عن أذهان رجالات الأمن والاستخبارات للنظام فهو عدوهم المباشر والأساسي وهكذا يتعاملون ويتصرفون مع الحزب الشيوعي العراقي. وارتباطا بما سألت عن الحزب الشيوعي الكردستاني في العراق، فهذا الحزب لا يعتبر كما يشم من السؤال بأنه انفصال عن الحزب الشيوعي العراقي، فنحن في آخر المطاف يجمعنا كيان واحد شيوعي، وتوجد آلية تنظم العلاقات بين الحزب الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي الكردستاني. الحزب الشيوعي الكردستاني ظهر بإرادة الشيوعيين العراقيين عموما كردا وعربا وقوميات أخرى.
ما بعد الانهيار
> باختصار شديد، هل يمكن أن توضحوا لنا ما الذي حدث لكم بعد الهزة العنيفة التي تعرضت لها الأحزاب الشيوعية العالمية نهاية الثمانينات وبداية التسعينات؟
ـ اعتمدنا ما أسميناه بـ «الديموقراطية والتجديد» وعلى أساس هذا التوجه عقدنا المؤتمر الوطني الخامس وأجرينا تطبيقات في ضوء التجربة في كل ميادين عمل الحزب الفكرية والسياسية والتنظيمية والجماهيرية وفي خطابه السياسي، والكثير من الممارسات الخاطئة والأفكار البالية تم تجاوزها باعتماد جديد يجعل من الحزب قوة أكثر انفتاحا تنظيميا وسياسيا، وأكثر شفافية في علاقاته السياسية، وأكثر ديموقراطية في حياته الداخلية وفي علاقاته بما تسمح به الظروف بالنضال ضد الفاشية.
> لو حدث التغيير غدا في العراق وجرت انتخابات برلمانية حرة، هل تتوقعون حصولكم على أصوات تتناسب مع تاريخ الحزب ؟
ـ وهل يمكن النظر الى حزب بدون تاريخه وأمجاده؟ الآن بالنسبة إلينا ليست المهمة محصورة بالحصول على نسبة من الأصوات، المهم أن يتحقق العراق الديموقراطي الذي يتيح الفرصة للشيوعيين أن يمارسوا حريتهم وأهلا وسهلا بالنتائج.
> كيف تقيمون محاولات النظام باستدراج بعض كوادركم لغرض تشكيل حزب شيوعي عراقي صنيع؟
ـ هذه محاولات بائسة واجهت الفشل في كل تقليعاتها ومراحلها، لأن الشيوعيين العراقيين يعرفون كيف يتعاملون بمسؤولية عالية مع قضيتهم، ويمكنهم الصمود أمام هذه الأعمال والمحاولات المشبوهة والتخريبية التي لا تنطلي على الشيوعيين العراقيين وإرادتهم. لم ينجح النظام حتى الآن، وأنا أعرف لغاية قبل أيام كانت هناك مثل هذه المحاولات لكن مصيرها الفشل كسابقتها.
> كيف تشرحون وتحثون الأحزاب الشيوعية في العالم حول الوضع في العراق؟
ـ ثمة تعاطف جيد وتضامن على الرغم من محاولات التشويه وضعف الصلات، والوجود الفاسد للنظام العراقي ودوره في تشويه الحقائق، إلا أن أغلبية الذين نتصل بهم ونحضر فعاليتهم يعرفون حقيقة ما يجري في العراق ويميزون بأن النوايا الأميركية لشن حرب ضد صدام، لا تعني أبدا أن صدام معاد للإمبريالية. عموما، يبدون تعاطفا حقيقيا مع نضال الشعب العراقي من أجل الديموقراطية وضد الدكتاتورية ومن أجل رفع الحصار عن الشعب العراقي.
> لابد لي أن أقاطعك الآن. عملت طويلا في الساحة السوفيتية ولغاية هذه اللحظة فأنا قادم إليكم من موسكو وكمراقب متخصص أعرف بشكل كاف مواقف الأحزاب الشيوعية في روسيا والجمهوريات المستقلة وعلاقات العسل بينهم وبين النظام العراقي. وأعرف أكثر من 20 حزبا شيوعيا شرقيا يدعمون النظام العراقي للغاية وبينهم علاقات ودية، فهل يتضامنون معكم أمامكم ويعانقون صدام ومخابراته خلفكم؟
ـ لو ترجع الى حديثي، أنا قلت لك أحزابا. ولم أذكر لك من ضمنها هذه الأحزاب التي ذكرتها. والأحزاب التي ذكرتها هي القوى الأبرز في ساحة الحركة الشيوعية.
الحزب الشيوعي الروسي لدينا موقف إزاء سلوكه. وموقفنا معلن وليس سريا. واعتقد أدبيات وصحافة الحزب نشرت فيها مذكرات الانتقاد التي وجهها حزبنا لقيادة الحزب الشيوعي الروسي. الحزب الشيوعي في روسيا، الفدرالية لديه سياسة رسمية عامة كما يمثلها الرفيق زيوغانوف وأصدقاء النظام العراقي ويقومون بفعاليات بحجة أنهم ضد الأميركان واعتداء أميركا. لكننا نعتقد أن هذا يجافي الحقيقة. وفي الوقت نفسه لا يعني ذلك إطلاقا بأن الشيوعيين الروس أو القيادة الشيوعية الروسية توافق على نهج الرفيق زيوغانوف. لديهم أيضا تيار مؤثر ولدينا اتصال به ونعقد لقاءات مع ممثليهم في المؤتمرات والاجتماعات.
العامل الخارجي
> ما موقفكم من تطور الوضع العراقي الآن. انتم تعارضون أي دعم خارجي ولا توافقون على انقلاب ولا الاغتيال ولا استبدال شخص بآخر لا أريد القول دكتاتور كبير بصغير، إذن تريدون إحداث تغيير جذري داخل العراق. هذا لا يمكن أن يتحقق في ظروف سيطرة المؤسسة الفظيعة بكامل هياكلها وفي الوقت نفسه تعارضون الدعم الخارجي. يمكن أن يكون لديكم تفسير آخر ولكن هذا ما قرأته من تصريحاتكم الأخيرة؟
ـ هذا ليس موقف حزبنا.
> جئت بهذا الكلام من كراسات حزبكم التي أصدرتموها مؤخرا.
ـ لا، للأسف يبدو أن ثمة خطأ في العنوان. أولا، لا يرفض الحزب الشيوعي العراقي الدعم والإسناد والتضامن الدولي. ولكن يرفض التدخل الفج الذي يتجاهل مصالح الشعب العراقي. نعرف أن العامل الدولي الآن ضروري ولا يمكن تجاهله أو التعالي عليه، بل ان دور العامل الدولي في الآونة الأخيرة ازداد خصوصا فيما يتعلق بالقضية العراقية فهي قد دوّلت منذ احتلال الكويت بشكل لا يقبل التأويل والجدل.
> القرار 688 لم ينفذه أحد !
ـ من ينفذه؟ الأمم المتحدة.
> تعرف جيدا أن الأمم المتحدة ..
ـ وأنت تعرف أننا نرفع لواء تطبيق القرار 688 منذ ظهوره وبإلحاح فكيف تتصور أننا نرفض التدخل الدولي في حين نطالب بقرار 688؟
> فلنتحدث بصراحة، التدخل الدولي هو تدخل أميركي وأنتم ترفضون التدخل الأميركي ..
ـ وأنا أتحدث عن التدخل الأميركي ضمن التدخل الدولي. ويخطئ من يظن أن العالم هو فقط أميركا وهذه خطيئة سياسية والوقوع فيما تريده أميركا. الآن العامل الدولي أكبر من أميركا، صحيح أن أميركا القطب الأوحد والدولة الأكبر، غير أن ذلك لا يعني تهميش كل هذه الدول وكل هذه القوى في العالم في أوروبا واليابان والصين وروسيا ..نحن نعتبر من يريد تدخلا خارج هذا الإطار هو الخطأ. هنالك طريقتان للتعامل مع العامل الدولي: أن تتعامل معه وفق توافق المصالح، أي أن تحترم حقوق شعبك وأن تضمن مصالحه وبين أن تتعامل كالتابع اللاهث وراء العامل الخارجي، ثمة فرق كبير. بالتالي، ليس مقبولة التهمة بأن الحزب الشيوعي العراقي يرفض الإسناد والدعم الخارجي.
> هو سؤال صحفي وليس تهمة.
-كان سؤالك محترما. أنا أتحدث عن الآخرين، كون هذا الحديث يطرق في جرائد وحوارات ومقولات تركز على أن الحزب الشيوعي العراقي لا يريد الدعم الخارجي. الحزب الشيوعي يفهم ما يعنيه العامل الخارجي ولا يمكن أن يتجاهل العامل الدولي وبحاجة الى الإسناد والتضامن الدولي وفق القوانين والمواثيق ..
> لا يوجد ولا يمكن للأمم المتحدة إصدار قرار الإطاحة بالنظام ..
ـ ولماذا تنقل مهمة الإطاحة بالنظام من القوى العراقية الى الأمم المتحدة؟ سأنتقل الى الشق الثاني من السؤال لأؤكد على أن العامل الخارجي يجب أن يحترم إرادة الشعب العراقي ومصالحه. وسأعود لأجيب عن لماذا ضعف العامل الداخلي ولماذا المعارضة ضعيفة ولم تستطع التوحد، وما السبب، وهل يستطيع عراقي واحد الاقتناع بأسباب عدم تمكن المعارضة العراقية من التوحد وهل أن السبب داخلي فقط؟ ألم يكن ذلك جراء ضغط القوى الدولية وبعرقلة من الدول الإقليمية لوحدة المعارضة العراقية؟
> هل ستنفع النظام العراقي دبلوماسية الصفقات وتوظيفه احترام الأوروبيين للقانون الدولي واستخدامه عواطف الشارع العربي. والكثير هناك لا يميزون بين ضرب النظام وضرب العراق؟
ـ النظام بارع في مقايضة السياسة بالاقتصاد ورشوة الدول ولكن حتى لا ننقطع عن السابق، هذا لا يعني أن للنظام القدرة باللعب على مشاعر العالم وموقف الدول. مثلا، القرار 688 يدين النظام العراقي..
> ولكن هذا القرار لم يوظفه أحد ضد النظام؟
ـ لأنهم لا يريدون ..
> حتى الولايات المتحدة تذكرته مؤخرا ..
ـ بالضبط. أميركا لا تريد لأنها تريد أن تنفرد في تحقيق ما ترغب فيه من مصالح في العراق. تريد أن تحتكر العراق. الأمم المتحدة يمكن أن تقدم دعما جديا لإسقاط النظام عبر الشرعية الدولية. القرار 688 يتيح لك الفرصة لمواجهة النظام لعدم تطبيقه له. القرار يتحدث عن القمع وعن طرفين : المعارضة والنظام. يركضون وراء الأسلحة، لماذا لا يركضون وراء هذا القرار؟
> لماذا؟ هذا هو السؤال؟
ـ حتى تتأكد أن القضية ليست رفض الحزب الشيوعي للدعم الدولي. الحزب الشيوعي يرفض التفرد الأميركي في فرض هيمنته حتى على المعارضة العراقية.
> الولايات المتحدة هي التي طالبت بعقد المؤتمر الخاص بأفغانستان على خلفية أحداث 11 سبتمبر وحملتها العسكرية المعروفة .. ـ لا أعتقد أن أميركا خارج المجتمع الدولي ولكن في الحالة العراقية تريد أن تهرب من الشرعية الدولية.
> الولايات المتحدة حتى أثناء حربها مع صدام دعمته ولم تتخل عنه.
ـ عاش فمك.
> إذن لماذا الآن بعد 12 سنة تصاعدت الدعوات لإزاحته؟ ما الذي حدث؟
ـ يا عزيزي السياسة الأميركية تمر بأطوار ومراحل وليست حقيقة ثابتة. هناك ثوابت في السياسة الأميركية، لكن ثمة متغيرات تملي نفسها على الثوابت. العالم بعد 11 سبتمبر وكنا نشهد قبلها العولمة والصراع في إطارها بين أطرافها المختلفة ومكوناتها. فالعولمة تشترك بها كل الاحتكارات في العالم المتعددة الجنسية وهناك صراع في داخلها لأمركتها، أي بفرض الهيمنة الأميركية عليها. جاء 11 سبتمبر «الأكشر» وخلق ما خلق من انعطافة في السياسة الدولية وبالعلاقات الدولية وانفلتت أميركا مع ما عليها من انفلات الآن باسم الحرب ضد الإرهاب. وهي تريد أن تحقق ما سبق لها أن تبنته ولكن بأساليب أخرى: أمركة العالم. وهناك عملية لعسكرة العولمة واعتماد العسكرة كأداة لفرض الهيمنة الأميركية. الأوسط. لم يعد صدام كما كان أيام حرب الكويت بعبعا تفرض به مكاسب جراء بقائه واصبح عبئا عليها.
> الأمركة التي تحدثتم عنها ستفرض وجود قوات أميركية ولفترة طويلة في العراق، الأمر الذي لم يتعود عليه ولم يقبله الشعب العراقي. أنتم كحركة وطنية وتقدمية واشتراكية كيف ستتحملون وجود قوات أميركية لفترة طويلة في العراق؟
ـ هو احتلال وأنت تريد كما نقول بالعراقية وصفه «بنزاكة» بالقول البقاء لفترة طويلة للقوات الأميركية.
> استخدمت مصطلحات القرن الواحد والعشرين!
ـ (يضحك ) لا .. هو احتلال . سنتين .. خمسة، أمر مرفوض. إذا تابعت وثائقنا فلدينا استنتاجات. فالأسلوب الذي ستتم به عملية التغيير سيقرر طبيعة البديل. عندما يسقط صدام على يد الشعب العراقي وجبهة موحدة وبأيدي القوى الوطنية المسنودة دوليا بطريقة شرعية ستكون هناك ديموقراطية وتعددية وتنوع. وحينما يسقط بالقوة المسلحة المباشرة عبر الحرب الحديثة فلن تكون هناك ديموقراطية بل احتلال وإدارة عسكرية وهناك ما تراه اليوم في أفغانستان. وقرضاي اليوم يطلب قوات أميركية لحماية قصره وسيارته سرقوها من باب بيته. نحن كحزب سياسي دائما وأبدا ناضلنا ضد الاحتلال. بعض القوى العراقية تخطئ عندما تغلب العامل الدولي في التحرير على العامل الداخلي في إقامة البديل الديموقراطي. الكثير من القوى التي تعطي للأميركان الدور في إسقاط صدام لتسلم الدور فيما بعد للمعارضة سترى أن الحقيقة ليست هكذا وستناضل من أجل مغادرة القوات الأجنبية من العراق وفتح الفرصة للعراقيين. الحزب الشيوعي ليس بالضرورة أن يكون مساندا، وقد يكون معارضا ومعارضته حق مشروع وفق القانون الدولي ووفق كل المفاهيم، إلا إذا كانت ثمة قناعة بأن الأميركان سيذبحون الشيوعيين أيضا بعد صدام فهذا شيء آخر.
تهميش دور المعارضة
> ثمة رأي يقول بأن ليس للولايات المتحدة نية في إعطاء دور ما للمعارضة العراقية في عملية الإطاحة بصدام ما تعليقكم؟
ـ نعتقد أن الإدارة الأميركية منذ البداية لم تضع للمعارضة العراقية دورا في عملية تغيير صدام حسين بموجب قانونها ومشروعها الخاص. ومنذ سنوات أبلغت وفود تعول على العامل الخارجي بأن دور المعارضة العراقية هو فقط لما بعد إسقاط صدام. وأبلغوهم بأن دوركم لن يتعدى حدود الإعلام والدعاية والعمل السياسي الخارجي. هذه حقيقة ثابتة تنحصر في رغبتها في احتكار مكاسب التغيير في العراق. لا يفيد الأميركان مجيء المعارضة كشريك أساسي فاعل. فليس جوهر الموضوع التقاء وفد المعارضة الأخير بوجوه معروفة من الإدارة الأميركية ولن يغير منه. لأنهم في آخر المطاف كما جاء في إحدى الصحف فان الأميركان أبلغوا المعارضة بأنهم لن يسمحوا لها بالعمل المستقل خارج الخطة الأميركية. محرم على المعارضة العراقية القيام بانتفاضة أو ثورة ..الخ مسموح لها بالتحرك ضمن الخطة الأميركية من حيث الكيفية والتوقيت .. هل تلاحظ؟ أضف الى ذلك فان دوغلاس فال نائب وزير الدفاع الأميركي الذي ترأس مجموعة استقبال أطراف المعارضة العراقية قال اننا أجرينا أحاديث جيدة وأن أطراف المعارضة ستكون جزءا من قيادة المستقبل. هذا الأميركي نفسه يقول انه جزء من قيادة المستقبل .. فمن هو الكل حتى يكونوا الجزء؟ وهذا الجزء متى؟ فالمشروع الأميركي إذن، لا يضع للمعارضة الحقيقية أي دور إلا دورا هامشيا. زد على ذلك، عملوا طوال الوقت على إضعاف المعارضة ومنع تشكيل وحدتها على أساس مشروع وطني ديموقراطي يعتمد على استقلالية القرار العراقي. بالتالي، لا يريدون لهذه المعارضة أن تكون كيانا معززا يأتي ببرنامجه وأهدافه. هم الذين دعوا المعارضة وهم الذين حددوا الأطراف التي تحضر ولهذا معنى كبير في السياسة.
شكل نظام الحكم
> ثمة مصطلحات بدأت بالظهور في الآونة الأخيرة مثل شكل نظام الحكم: الفدرالية، الملكية، البرلمانية، الرئاسية. فلنأخذها بالتسلسل ما موقفكم من الفدرالية؟
ـ منذ عام 1992 أثناء الانتخابات البرلمانية في كردستان نافسنا ونزلنا قبل العديد من الأحزاب بشعار: «الديموقراطية للعراق والفدرالية لكردستان». وشعارنا هو: «عراق ديموقراطي فدرالي موحد». ونميز الفدرالية لتحقيق المصالح القومية للشعب الكردي كقومية كبيرة والفدراليات التي تطرح أحيانا بمسميات مختلفة كالجغرافية الإدارية أو تقسيم العراق الى ولايات ومحافظات تتمتع فيما بينها بعلاقات فدرالية. هذه عبارة عن التفاف على قضية تعد واحدة من مشاكل العراق الأساسية. لماذا هذا الالتفاف؟ ثمة مشكلة ظهرت منذ تأسيس الدولة العراقية اسمها حقوق الشعب الكردي. وفق الاتفاقات الدولية ينبغي تأمين حقوقه الخصوصية، فكل حقوقه ألغيت وتم تجاهلها بالحديد والنار. ولكن الشعب الكردي فرض نفسه بنضاله والآن تبلورت الحركة السياسية مع مطالب الشعب الكردي الذي لديه الحق في أن يعلن حرية خياره بالفدرالية. لماذا هذا اللف والدوران حول فدراليات. أولا، يجب أن نحسم القضية المتأزمة وهي الحقوق القومية في اللحظة الراهنة. عدا ذلك، ما الشكل اللامركزي الأمثل للعراق الديموقراطي والإدارة السياسية للعراق .. هذا موضوع آخر .. نحن الآن نتحدث عن مشكلة مستفحلة هزت الكيان العراقي وكانت سببا في الكثير من المآسي. ينبغي أن نتفق على المبدأ ونترك التفاصيل الفنية الأخرى سيحلها الحوار في عراق ديموقراطي.
> وإذا جاء متعصبون وسيطروا على البرلمان العراقي؟
ـ أنا أتحدث عن المبدأ. هذا المتعصب يؤمن بالفدرالية أم لا؟
> لكنه فاز في الانتخابات بشكل ما ولو عشائريا!
-لا يؤمن .. خلاص .. للشعب الكردي الحق في اختيار طريقه هذه بالنسبة لنا محلولة.
> كيف؟
ـ يوجد شعب انتهكت حقوقه المشروعة والعادلة يلخصها الآن في طلب الفدرالية. يعرضها عليك أنت الشعب العربي ويقول لك لا أريد الانفصال منك وأريد التوحد معك تعالوا نعمل جمهورية موحدة. ليس من حق أي متعصب الاعتراض فهذا من حق الشعب الكردي وليس منحة من أحد ..
> هل تفضلون شكل الحكم رئاسيا أم برلمانيا؟
ـ لم ندخل في هذه التفاصيل. قلنا ديموقراطي.
> ديموقراطية في الأشهر الستة الأولى وبعدين يبدأ التراجع ..
ـ عندها الشعب سيأخذ دوره ..
> لماذا إذن لا تحدد الأمور منذ البداية وفق دستور يحدد بأن هذه جمهورية برلمانية وليست رئاسية لكي لا يتاح لشخص بعينه الانفراد بالقرار ونخلص؟
ـ نعم أنا قلت برلمانية. لا يكون هناك مثل صدام هو رئيس الجمهورية وهو رئيس الوزراء وهو القائد العام للقوات المسلحة .. يكون هناك رئيس جمهورية وآخر رئيس وزراء ويكون برلمان ..
> صلاحيات كل منهم يجب أن يحددها الدستور منذ البداية .
ـ نعم.
العلاقة مع الكويت
> ما هي رؤيتكم حول مستقبل علاقات العراق مع دول الجوار وبالأخص مستقبل العلاقات العراقية - الكويتية؟
ـ لا ضمانة للديموقراطية في العراق إلا بوجود نهج سياسي خارجي مبني على الاحترام المتبادل والتكافؤ والمنافع المتبادلة مع الجيران. ولا توجد سياسة خارجية سليمة بهذا الاتجاه إلا حينما يتوفر نظام ديموقراطي. المعادلة واضحة كما أعتقد. الشعب العراقي ودود مع اشقائه وصديق مع جيرانه وتربطه علاقات تاريخية وشواهد كثيرة على ذلك. واعتقد أن الكويتي نزهته وبيته الآخر في العراق. الحكومات والأنظمة السافلة الطامعة بالثروات المتعالية على الشعوب والمستهترة بمصالحها هي التي خلقت لنا المتاعب. فمن حق الكويتي كما الإيراني والتركي وكل جيراننا أن يتمتعوا بجار طيب ونزيه ومسالم وداعم لهم في مصائبهم ومن حق الشعب العراقي أن يطمح بجيران من هذا النوع. ما حصل مع الكويت عدوان إجرامي أدين من قبل العراقيين وكل القوى التي تملك القدرة على التعبير الحر. ومن حق الكويت التمتع باستقلالها وتشكيل أوضاعها الخاصة وهذا نؤمن به بشكل مطلق. ومنذ بدايات المشكلة كنا دائما مع استقلال الكويت واعتقد أن هذا موقفنا منشور وواضح من محاولات المرحوم عبد الكريم قاسم من ضم الكويت وكان موقف الحزب الشيوعي واضحا ضد هذا الإجراء وكان ذلك أحد مشاكل الخلاف مع عبد الكريم قاسم. ومنذ اليوم الأول للغزو أصدرنا بيانا ضده. ونحن الشيوعيين العراقيين ربما نختلف عن الآخرين ساعدنا الكويتيين قدر طاقتنا في أن يكون دفاعهم عن قضيتهم قويا ومتينا لتحقيق إرادتهم. سواء من قبل الشيوعيين العراقيين الذين كانوا في الكويت أثناء الغزو ومساهمتهم مع الكويتيين في تنظيم مقاومتهم، أو مساعدة الكويتيين الذين كانوا خارج الكويت في الدعاية والتعريف بقضيتهم ومشروعية عملهم. وكذلك باركنا عودة الأوضاع الطبيعية الى الكويت. لكن للأسف هذا الأمر يحتاج الى موقف جيد من الحكومة الكويتية، لموقف وعلاقة ود مع المعارضة العراقية، هذا الذي لم نلمسه.
> الكويت الرسمية لا تستطيع تقوية علاقاتها مع المعارضة العراقية لكي لا يفهم ذلك كتدخل في شؤون العراق الداخلية. ولكن العلاقات مع المنظمات الجماهيرية أليست مفتوحة؟
ـ كلا، كانت مفتوحة وأغلقت في السنوات الأخيرة. وما كان نشطا ومستمرا ومتواصلا من علاقات أيام احتلال الكويت وما بعد الاحتلال بأيام تحول الى برود وعدم تقارب وحتى الحوار مبني على أساس إقامة علاقة مع طرف وإهمال جميع الأطراف. هذا عتبنا، لأنه في آخر المطاف من مصلحة الكويت كما هي من مصلحة الشعب العراقي أن نخلص من هذه الكارثة والوباء الذي يستوطن في العراق وإلا فان العوامل التي أدت الى غزو الكويت ستبقى قائمة مع بقاء هذا النظام. إذن توجد مصلحة مشتركة دون أن يعتبر هذا تدخلا. العالم الآن تغير أنظر ماذا تفعله أميركا .. ألا تستطيع الكويت قول مجرد كلمات أو القيام بحركات أو نشاطات معينة لمساعدة العراقيين في محنتهم. للأسف الموقف ضعيف ولا أريد أن أطيل أكثر، يوجد عتب مع الناس الذين كانوا في علاقات معنا ولا أعرف كيف ولماذا أهملوا هذه العلاقة، أقولها للأسف، اليوم أو غدا سنزيح صدام، وعنصر الضعف الذي كانت تعاني منه المعارضة سيشغل مكانه حالة طبيعية وسنتعاتب مع الأصدقاء!.





حلبجة - موفد القبس الى كردستان د . جمال حسين علي:

لم يكن الضياء تناول اليوم بعد، عندما سار بنا الطريق المجعد عبر أنفاس تلقائية للأديم المتمايل لمرتفعات «عربت» الخضراء المحيلة كل ذرة تراب الى بصمة وهاجة منسوجة ومقفاة. وفي «سراي سبحان آغا» لاحقنا ضباب الفجر السابح فوق الحشائش الطائرة، القصيرة، الخشنة، المنفضة للخلجات والتاركة للضوء النابع توا، ثلمات تنزلق على أحواض الوديان المصفوفة كجدول ينبغي أن ينتهي به المطاف هنا فقط. كان ظهور الصبية المتمنطقين أحزمة الجلد العريضة عبر توجعات المسلك، اشارة لانبثاق اليوم ومؤشرا على قطعنا نصف الطريق الى مدينة الزان والأعشاش الخربة، التي عرفها العالم أجمع في نهار أغبر من منتصف مارس 1988 بحلبجة. كنا على مشارف قصبة «سيد صادق» (مرقد سيد صادق أحد أحفاد الامام الحسين) عندما بدأت ذاكرتنا تستفيق باسترجاع بيانات الحرب العراقية - الايرانية، والعبارة المعادة مرات ومرات: «قصف العدو الايراني بالمدفعية الثقيلة قصبة سيد صادق وأسفر القصف عن....»
الأرض المزروعة بالجنود
كانت هذه العبارة ملازمة لمؤلفي البيانات العراقية، ليس لشيء في أنفسهم على الأرجح، بل لأن مأوى مرقد حفيد الحسين كان يقصف يوميا تقريبا. واسأل: - ماذا كانوا يقصفون هنا، لا أرى سوى هذه الأكواخ ورعاة المواشي؟ ويجيب أحد العارفين: - كانت هذه الأرض مزروعة بالجيش العراقي.. لا تجد مائة متر خالية منهم. وكل «الخلفي» كان هنا. «الخلفي»، مقصود به مقرات القيادات الميدانية للجيش التي تقع دائما خلف القوات المتقدمة والسواتر والحجابات. يعطي هذا التوقف الفهم بان«حلبجة» التي مازالت غير مرئية عدت من حجابات الجبهة، وبمعنى واضح الخط الأمامي للحرب. ويفصلها عن «سيد صادق» ناحية سيروان الشهيرة بموطن العشيرة التي تحمل الاسم نفسه وذات الجمال المنفرد وطيبة أهلها الأخاذة. شهدت هذه المنطقة أقسى الظروف وأشد المعارك، فهي بذاتها قاسية وعصية ومستحكمة والذي يؤمن لنفسه موطنا هنا من الصعب جدا ازاحته، وللسبب هذا كانت مرتفعات«سورين» التي تفصل العراق - حلبجة عن ايران الحصن الرئيسي للثوار الكرد على مر السنين والمأوى الذي يلتجئون اليه كلما شنت عليهم القوات الحكومية واحدة من الهجمات الدورية. لذلك كان النظامان العراقي والايراني ينظران الى حلبجة من وجهة نظر الجسر الفاصل بين كردستان ايران وكردستان العراق ومن يسيطر عليها يلجم الاثنين.
المتمنطقة بالسفح
أما حلبجة فتجلس على سفح جبل شنروى الغربي والواقف في أطراف جنوبها الغربي يرى سهل شارزوور. وهي جارة مسالمة لأكثر مناطق كردستان العراق جمالا «هورمان». وقبل أن تسلك واحدا من طريقين اليها، لابد أن يثيرك ارتفاع سلسلة جبال «أحمد آوى» الحد الفاصل بينها وايران، الذي ما ان وقفت على قمته يمكنك رؤية آخر صور لحياة الحركة التي بدأت تشغل الأنباء: أنصار الاسلام.
الطـريق الآمن
فضل السائق الدخول الى حلبجة من خلال الطريق الترابي وليس بواسطة الطريق الأصلي المبلط. وعرفنا أن هذا الطريق يسمى باللهجة المحلية: الطريق العسكري. وهو أكثر أمنا (بشكل آلي يكون الطريق الآخر غير آمن بفضل اختراقات من وقت لآخر لمسلحي أنصار الاسلام). فقد شقته تشكيلات الاتحاد الوطني المسلحة بعد اعادتها السيطرة على حلبجة من الاسلاميين قبل سنتين والذين سيطروا على المدينة منذ الانتفاضة 1991 ولغاية 10 سنوات تقريبا. تنتشر ربايا الاتحاد الوطني ومراكز الرصد على جانبي الطريق العسكري وبشكل مكثف تقريبا ولا يكاد كيلومتر يخلو منهم. لم يتعرضوا لنا وكانت اشارات السائق لتحيتهم كافية لمرورنا السلس، حيث اكتسبوا بالخبرة حسا يجعلهم يميزون المفاجآت غير المحببة.
دمار وبناء
متمم الصورة، كانت عملية البناء التي يمارسها الناس بأيديهم في القرى المحيطة بالمدينة كاشارة الى الاطمئنان بالآتي وظهر الصورة ذاتها كانت مناظر القرى التي محتها بلدوزرات الجيش العراقي من الوجود. ويأتي الجواب بدون أن نطرح السؤال: - كل هذه الأراضي كانت قرى للمزارعين والرعاة. يعيدون الآن بناءها. - في المكان نفسه؟ - تصور.. كل شخص أعاد بناء بيته في الأمتار السابقة نفسها التي كان يعيش فيها. هؤلاء يشمون التراب ويعرف كل منهم أرض بيته بدون مساحين ومهندسين وتخطيط. - وهذا البيت المهدم؟ أشرت الى بيت مهدم، من الواضح أنه كان يضج بالصبية والفتيات والروح والحركة. ومن أعمدته الواثبة حتى الآن يوحي بأن أهله كانوا ميسورين قياسا للدور الأخرى، لذلك أثارت وقفته المتهالكة السؤال. - لا أعتقد بأن أحدا سيعيد بناءه! - لماذا؟ - لأن كل ساكنيه ماتوا في القصف الكيميائي.
الوجع الحاضر
لم أشأ الاستعجال بفتح «القضية الكيميائية»، لكن شئت أم أبيت تجدها حاضرة في أي حديث ونداء مهما حاولت التأجيل، مبثوثة كالبيوت المتباعدة ظاهريا والملتصقة بحمية ووداعة، صلدة رغم ارتطام الريح المهجورة بها معطية إياها شكلا رماديا تتجرع العين كثيرا كي تبصره. حاملين غبار الطريق الترابي «الآمن»، تدحرجت سيارتنا التي اختفى صوت محركها لانشغالنا بالتخمين في أول أمتار الطريق المحلي المبلط والذي أدخلنا الى المدينة. أول ما استقبلنا في حلبجة نصب للرجل الذي ذاع صيته ونشرت صورته في كل مكان «كاكه عمر» محتضنا ابنه الوحيد الذي جاء بعد 9 بنات. ويكفي هذا الرقم لمعرفة معزة الولد لدى الشيخ عمر الذي لم ينفعه الاحتضان وتقاسم الكيميائي مع ولده وكانا أكثر الغائبين الذين أثاروا هلع الانسانية. ولعلها ظروف لم يفكر بها مخططو المدينة، وضع مقر واحد من الأحزاب الاسلامية التي تعج بها المنطقة مقابل النصب. كان مقاتلو الحزب يرتدون على عكس الآخرين بزات سوداء كليا. عندما هممت بتصويرهم، حذرني السائق بقوله انهم شرسون جدا. مع ذلك لم أتوان وأوقفته بحيث يكونون خلفه وقلت له لا أعتقد بأنهم يمانعون من التقاط صورة لك. تاليا، تجاوزت العدسة صاحبي بعد أن اخترقه الزوم المصوب عليهم وعملت الكاميرا عملها بدون تجاوز لصلاحياتهم الأمنية.
صواريخ سوفيتية
من الشواهد على المذبحة، ينتصب صاروخ سوفيتي أطلقته القوات العراقية على المدينة ولم ينفجر. قالوا لي: مكتوب عليه بالروسية اقرأ لنا. أجبتهم بأن لا شيء على الاطلاق غير حروف روسية كبيرة وأرقام. هذا مجرد كود يعرفه المختصون فقط لتمييز عيار السلاح ونوعه عادة وهو ليس مسجل أو راديو حتى يكتبوا عليه شرحا ما أو بلد المنشأ. تنكر السلطات العراقية حتى الآن ارتكابها مجزرة حلبجة وصاروخها بما فيه تحول الى ملتقى طرق في المدينة.
الوحيدة دوما
لعل حلبجة المدينة الوحيدة في التاريخ التي تعرضت لقصف بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية والغازات السامة لمدة ثلاثة أيام متواصلة. وهي الوحيدة التي أبيد كل من كان فيها ولم ينج حتى الهاربون منها. وهي وحيدة في قضايا أخرى منها أن كل العالم تخلى عنها أوقات سطوة النظام، وحرمت وكالات معروفة بحريتها الحديث عنها. هي الوحيدة التي تناقل ملفها عتاة السياسة وأخفاه محنكون الدوائر الخاصة. والأقسى من كل ذلك، أنها الوحيدة التي بقيت وحيدة! وفوق ذلك نهشت ما تبقى من جسدها كل القوى الاقليمية والداخلية وتحولت الى مسرح للمضاربات وبهو لابراز العضلات. حمّلها القساة أكثر مما تتحمله قارة بأكملها من دسائس، في وقت لم يطالب أهلها بشيء غير بيت آمن من طين أو حجارة مختصمة.
ولا أضعف الايمان
تباكوا عليها وقت الضرورة فحسب، عندما كان أحياؤها يحفرون بسكاكين أظافرهم اصفرار الحياة المداهنة. وبصمت وهدوء حلت عليها بركة لجنة سويدية ترعى الانسان اسمها لابد من ذكره اجلالا لهؤلاء البشر الذين تذكرونا عندما نسينا أنفسنا: َQANDIL SIDI ، نكتبها بالانكليزية، فلا يستحق الأمر الترجمة، طالما لم ينفع سقوط 5 آلاف ضحية لترجمة الأحاسيس ووعي الضمائر واستفاقة المواجع. ويكاد مبنى السويديين مثلهم، الأنظف والأكثر تنظيما وانسانية في المدينة المبقعة بالدمار الشامل. لم يختاروه كمنظمة تعمل بمليون غطاء عدا مهمتها الرئيسية، بل أرادوه أن يكون: مستشفى حلبجة. فقط ليزيل بعضا من أورام الناس التي خلفها كيميائي الأشقاء. لم يبنوا المستشفى ليتركوه على عواهنه، بل يديرونه بأموالهم وأجهزتهم وأدويتهم ويزورونه شهريا لمراقبة أوضاعه. ليس غيرهم هؤلاء «النصارى» من راعى أهالي حلبجة المخيرين بالموت البطيء. المتميزين من بين كل مدن العراق بأن المسلمين فيها يشكلون 100 % من سكانها المعروفين بالتقوى والاحسان، ناهيك عن الطيبة المتأصلة. هم من العشائر المسلمة المعروفة بتمسكها بالدين لذلك كانت قلاع الاسلاميين ومهد أفكارهم. وتميزهم مظاهر حضارية ملموسة لكونهم مدينة حدودية ومعبرا للرائحين والعائدين.
كلهم كيميائيون
و«المستشفى السويدي» يحتضن كل الحكايات المروعة بشواهدها الحية والمطمورة في السجلات الباهتة. يستقبلنا مدير المستشفى الدكتور تحسين علي فرج بكل نخوة وود بالقول: - كل الذين يعملون في المستشفى تعرضوا للقصف الكيميائي. لاحظت بأنه لا يتكلم العربية وربما لأنه شاب وكبر عندما اختفت سياسة التعريب عن المنطقة ولكني سألته مازحا: - هل أنساك الكيميائي اللغة العربية؟ - كلا، لكني ضعيف بالعربية ولا أتكلم مع أحد بها. - هل ما زلت تعاني من آثار الكيميائي؟ - أفضل بكثير من السابق وتكاد تختفي. مازحه أحد الجالسين: - هو طبيب ويعرف كيف يعالج نفسه؟ - لا.. مع بداية الضربة هربنا جميعا من المدينة واصابتنا كانت أولية. سألته: قلت إن جميع العاملين في المستشفى تعرضوا للاصابة. - نعم . حتى الشرطي الواقف عند البوابة.
كيميائي كالتفاح
طلب حضور الشرطي الذي حدثنا عن الدقائق الأولى وكشف آثار الضربة التي ما زال يعاني منها. قال إنهم هربوا من سيروان الى حلبجة لأن القصف تركز في البداية على هذه الناحية. ولكنهم ما أن وصلوا الى حلبجة، حتى كانت النار الملونة، حسب وصفه لها، تحيطهم من كل الجهات وبدأوا يشمون رائحة طيبة كالتفاح. بعد أن دمعت عيونهم والمخاط يتدفق من أنوفهم عرفوا بأن السلاح الكيميائي استخدم. هربوا الى جبال أحمد آوى مشيا، لكن الطائرات لاحقتهم بقصف يصفه بأنه كالرذاذ. وأي شخص وقع عليه الرذاذ يبدأ جسده يفقع بما عرف فيما بعد بداء الذئب الأحمر الذي لا يمكن علاجه. وحتى علاجه له آثار جانبية بشعة. بعد سماعنا هذه الحكاية أردنا التخفيف عنه بالقول: أنك الآن تعمل في المستشفى وأقرب الناس إلى العلاج. أجاب: بالفعل، أنا اخترت هذا المكان لأني أتلقى علاجا يوميا. استمر في رواية المجزرة: رأيت بعيني كيف كان الناس يتعثرون بالجثث المنتشرة في الطرقات. في مكان واحد ثمة أكثر من 300 جثة لناس أعرفهم. لا يمكنني نسيان مناظر الأطفال وهم يموتون أمامي. وحتى الكثير من أفراد الجيش العراقي قتلوا بالقصف الكيميائي. سألته: أي الوسائل استخدمها الجيش للقصف؟ قال: كلها، طائرات الميغ والسمتيات والمدفعية. - أي الوحدات قامت بالقصف؟ - الفرقة 27 والفرقة 42. قائد الجيش العراقي أسره الايرانيون وقتذاك بعدما أرسلوا عليه سرب مروحيات عسكرية وهو عندهم حتى الآن كمنفذ للضربة الكيميائية. - هل عاد الايرانيون الى حلبجة بعد الضربة الكيميائية؟ - نعم دخلوها. وكذلك البيشمرغه. - لماذا؟ - لمساعدة المتضررين بالقصف. - وكم بقوا؟ - حوالي أربعة أشهر .
الأمراض السائدة
عدنا الى الطبيب: ما الأمراض السائدة التي خلفها الهجوم الكيميائي والتي ما زلتم تعالجون الناس منها؟ - نحن لا نختص فقط بمعالجة المصابين بالضربة. فهذا مستشفى عام نستقبل فيه يوميا نحو 200 مرض منهم حوالي 40 ضحايا الكيميائي. - نسبة الخمس ليست قليلة. مم يعانون؟ - كثير من الأمراض ويكاد لكل شخص سجله الممتلئ بها. لكن أكثرها شيوعا التهاب القصبات المزمن، الالتهابات الجلدية، الحساسية، السرطان، اللوكيميا، سرطان الدم، ضعف البصر وأمراض العيون المختلفة، التشوهات الخلقية خاصة عند الأطفال حديثي الولادة، العقم، الاجهاض وغيرها. - وهل لديكم كادر طبي يمكنه التعامل مع هذه الحالات المختلفة. - لا بالطبع. لكننا اكتسبنا خبرة لا بأس بها. - كم تقدر ضحايا الضربة من الأحياء؟ - حوالي من 49 - 50 ألفا في حلبجة و27 ألفا في القرى المحيطة بها. - وهل تستطيعون علاج هذا العدد الكبير؟ - لا توجد لدينا امكانات لعلاجهم. نرسلهم إلى السوق لشراء الأدوية. - العلاج ليس أدوية فحسب. بداية في أجهزة التشخيص ولغاية مراحل العلاج المختلفة. - أصعب من أي شيء هو افتقارنا إلى أجهزة التشخيص. - هل تشخصون الأمراض وتبنون على أساسها العلاج وتقترحون الأدوية بناء على الخبرة التي ذكرتها؟ - قلت أن المسألة صعبة للغاية. تزورنا بعض المنظمات بالتنسيق مع السويدية «قنديل» أحيانا وتجلب معها بعض التجهيزات. ولكن لم يجلب لنا أحد الأجهزة الخاصة. - وحتى لو جلبوها، يحتاج تشغيلها كادرا متقدما ومتدربا ولا أعتقد لديكم امكانات لتوفير هذا الكادر. - مع هذا، المنظمات الدولية مقصرة معنا في مسألة الأجهزة الطبية والأدوية. كل المدن في كردستان تعاني هذه المشكلة. ولكننا حالة خاصة، لأننا نعاني آثارا مزمنة أكثر من الآخرين. وهناك البيشمرغه الذين كثروا في المدينة بعد القتال وهؤلاء ليسوا من أهالي حلبجة، ومحسوبون على الناس ويحتاجون الى أدوية وعلاج. لذلك أثروا في استهلاك الأدوية.
محسنون آخرون
تجدر الاشارة الى أنه عدا «قنديل» السويدية، ساعد المدينة من الناحية الصحية أيضا المعهد الكردي الأميركي في واشنطن بتبرعه لهم بأربع سيارات اسعاف وبدالة وفتح معهد واشنطن لبحوث آثار الضربات الكيميائية فرعا في المدينة. لكن هذا القسم غير متخصص بعلاج الناس والوصول اليهم، قدر تعلق عمله بدراسة الآثار الكيميائية على البشر والبيئة. وثمة جمعية أنشأها حزب الاتحاد الوطني الكردستاني ترعى ضحايا القصف الكيميائي.
زمن المتاريس
لم ينس الناس بعد آثار الهجوم الكيميائي حتى حلت بهم آثار «التعددية». وبناء على ظروف «التوازن» لا يمكن تجاهل المسلحين في كل زاوية. دورياتهم مستمرة، بل وعلى مدار الساعة تحسبا لطارئ تعيشه المدينة منذ انتفاضتها مع باقي مدن البلاد عام 1991 وخروجها عن السيطرة التقليدية للاتحاد الوطني الكردستاني طوال العقد الماضي واسترجاعها قبل سنتين. هذا الهاجس جعلها مدينة متاريس وأحزاب، أعلام ومآذن. وفي أي تعرج أو التفاتة، تذكرك البيوت المدمرة بما حل فيها ولا ينفع التساؤل المبرح: دمار أي حرب هذا؟ لأن المهم الدمار وليس التوثيق في هذه الحالة. فلكها معلوم: الحيرة فيما قد يقع! هذا الذي يطوق أمنها أكثر من المسلحين. عدم استنشاقها أبهة الاستقرار ومرح البساطة. كأنها مفتوحة على مصراعيها لمن يريد تجربة أفكاره «السامية» على الأرض. كلهم تواثبوا على حقول جسدها كذئاب ليل شموا عطر دم استوحش الروح. ولم يسلم ملمتر منها من أظلاف هذا أو ذاك من عابرين فاضت ألسنتهم بنداءات الغد الأخير للخلاص.
استنساخ
منازلها وسقوفها وجدرانها تحمل على التذكر بأن أحشاءها مكتملة ما ان يفصح اخصابها عن بذرته. ومع محافظة أهلها وعشائريتهم، الا أنه حتى زائر عابر لا يمكنه تخطي ولوجها بالمعاصرة كفرح في البيت. تهادنت مع المهربين الذين أحيوا ساعاتها وملأوا محلاتها بما تحبه الحواس الخمس. وأكثر انجاز قاموا به أنهم استنسخوا كل ما هو موجود من سلع استهلاكية ووضعوه متناول يد الناس. لا يمكن أن تعثر على أي سلعة تعرفها أصلية. ويبدو أن المهربين في هذا الجزء من العالم سبقوا علماء الاستنساخ بأزمان. وكحال باقي المدن والقصبات الكردستانية، ترتبط بالعالم بجميع أجهزة الاتصال الفضائية والخدمات الالكترونية مدارية بذلك بعض الوحشة التي خلفتها فوهة الحريق .
وداعا أيها الألق
كجزء استل من رحم ذبيحة، يبدو المظهر من فوق جبال أحمد آوى. هناك، أسفل بكثير من مستوى سطح الحرية، يتناثر عالم آخر يصيغ المشاحنات المنتظرة: مواقع أنصار الاسلام. أول انطباع تتركه رؤيتهم بأن حربا أهلية على وشك الوقوع. يمتطون أقدامهم، خمسة في كل قافلة مدججة بما يقدر على حمله انسان من سلاح وحديد. تجسم واثق، كأنهم يحملون الصورة نفسها لمن يريد الموت الآن وليس غدا. ويجيء صوت بلهجة تجمع الرجاء والأمر: يكفي! نزولنا طليق كصعودنا الى أحمد آوى.. اسم على لا مسمى، من كان يجرؤ على اقتراح مثل هذه المفارقة؟
استرجاع لتكملة العزاء
كتب الكثير عما حل في حلبجة. لكن استرجاع شهادة القائد الميداني الكردي شوكت الحاج مشير تكتسب أهميتها لأنه كان قائد الجبهة الكردية وقتذاك. يقول إنهم في ليلة 14 / 15 مارس 1988 بدأت المرحلة الأولى من هجوم القوات الكردية التي شكلت لها محورا من عدة أحزاب، على قوات الفيلق الأول العراقي الذي كان يسيطر على المنطقة. استمر القتال حتى الساعة الرابعة من عصر 15 مارس حيث تمكنت قوات الجبهة الكردية من دخول مدينة حلبجة والسيطرة عليها وعلى ضواحيها وأسرت الكثير من العسكريين العراقيين وغنمت كميات كبيرة من السلاح والعتاد بما في ذلك الدبابات والمدافع الثقيلة. ولمعرفة الناس المسبقة باجراءات النظام العراقي الانتقامية في مثل هذه الأحوال، شرع قسم منهم بالهرب نحو مناطق هاورا وتاويره وبياره وطويلة وشميران وغيرها من المناطق المحاذية للحدود مع ايران وانتظروا حتى يحل ظلام ليلة 16 مارس لينفذوا الهروب الجماعي. غير أن انتشار القوات العراقية في كل مكان وبرودة الجو وعدم تقدير المخاطر والقصف المكثف بواسطة الراجمات والمدفعية أدى الى تعثر عملية هروب العائلات الكردية من حلبجة في هذه الليلة التي سبقت المأساة. وفي صباح 16 مارس اجتمع القادة الكرد مع ممثل الايرانيين علي رضا وممثل الحركة الاسلامية الكردية علي عبد العزيز في مقر قائمقامية حلبجة. وخلال الاجتماع أمطرت حلبجة بالقنابل والنابالم من 7 طائرات عراقية، الأمر الذي أدى الى انفضاضه. وأصبح واضحا بعد هذا القصف ماذا يخبئ النظام العراقي من نوايا تجاه المدينة على الرغم من أن القصف الأول التحذيري لم يكن كيميائيا. لكن القصف وتواجد الطائرات العراقية المستمر في الأجواء واغلاق الطرق المفضية الى خارج المدينة لعبت دورها في منع خروج الناس من حلبجة بالاضافة الى الأسباب المذكورة أعلاه.
مساعدات ايرانية
في هذه الأثناء كانت حرب المدافع والطائرات مستمرة وبلا انقطاع بين القوات العراقية والايرانية وكانت ايران توطد مواقعها على سفوح شارزوور ودفع قوات وتعزيزات اضافية اليها، لعلمها أن من يسيطر على هذه السفوح تقع حلبجة بين يديه. وساعدت سيطرة الايرانيين على المنطقة على دفعهم الكثير من سيارات الاسعاف والمروحيات والفرق الطبية التي عالجت وأخلت الجرحى المدنيين في المدينة وقرى شيخان وبياره وطويلة ومزيار ونورئلي وأحمد آوى وخورمال وغيرها. وقامت قوات من حرس الثورة الايراني بنشر مواد غازية تفتت الغاز الكيميائي وتمنع من تأثيره وساعدت العملية هذه على احتواء جزء من الهجوم الكيميائي.
فتوى الخميني
في اليوم الثالث من المجزرة كانت المشكلة مع ازدياد عدد الجثث وصعوبة دفنها وكذلك الدفاع عن المنطقة. بالنسبة للمشكلة الثانية صدرت الأوامر من القيادة الكردية بأن شأن الدفاع عن المنطقة أوكل للايرانيين أما الحل للمشكلة الأولى فقد جاء بفتوى من الامام الخميني بعد اصداره فتوى اعتبرت جميع قتلى القصف الكيميائي شهداء وليسوا بحاجة الى الغسل والكفن ويجوز دفنهم جميعا بملابسهم. وهكذا بدأت عملية تجميع الجثث بكل الوسائط الموجودة بدون تمييز بين ذكر وأنثى وحفرت قبور جماعية يتسع كل منها لنحو 300 شخص لدفن آلاف الضحايا الذين قدروا بأكثر من 5 آلاف شخص.
الكيميائي الأول
لم يمهل النظام العراقي الناس حتى الليل لكي يهربوا من المدينة، حيث بدأ قصفها بالأسلحة الكيميائية لأول مرة في الساعة 15.5 عصر يوم 16 مارس. كانت الضربة الكيميائية بصواريخ أخرى وتختلف عما تعود عليه الناس حتى من ناحية الصوت الذي كان يخلف دخانا أبيض يرتفع ثم يعود ليطبق على المدينة. بدأ الهروب الجماعي تحت القصف نحو قرى عبابيلي وعنب وباموك وبتموك وباوة وكوضوك وجليلة وغيرها. وازدحمت الطرق الموحلة بالناس المندفعين بسعالهم ونواحهم ويتقيأون ويحتضرون وأكثر المناظر قسوة عندما يسقط أحد أفراد العائلة ميتا أثناء الهروب يتبعه الآخر والآخر: يجلس يبكي على قريبه، ثم يموت بحضنه ببطء. تموت الأم ويعانقها ابنها الصغير ظنا منه بأنها نائمة حتى يرحل معها و هكذا تكومت جثث البشر والحيوانات بعضها فوق البعض الآخر. وفوق ذلك لم تنقطع الطائرات والسمتيات والمدفعية عن القصف طوال النهار والليل على كل من حلبجة وسيروان وخورمال وكذلك القرى والطرق الحدودية حيث قتلت عددا كبيرا من الفارين على طريق عنب وأحمد آوى وعبابيلي.
حوادث استثنائية
حادثة استثنائية أخرى يرويها المنقذون عن امرأة بقيت على قيد الحياة في سرداب فيه 60 شخصا ماتوا جميعا وكانت تصرخ: كلهم أهلي وأقاربي. وأنقذتها فقط بطانية بللتها بالماء. وظاهرة أخرى ربما تكون طريفة في هذا الحديث الموجع لم يجد العلماء لها تفسيرا وهي أن كل العجائز بقين على قيد الحياة بالرغم من تعرضهن للغاز كالآخرين وموت كل الرجال والشباب والمواشي قربهن وخاصة عجائز هورمان! كان الجرحى يتجمعون في المساجد لأن فيها ماء ولأنها تتسع للكثيرين وكلما يموت أحدهم يقوم الجرحى فوق جراحهم ليدفنوه في باحة الجامع. نختتم الروايات الحزينة بواحدة تعد من أجمل قصص الحب في التاريخ المعاصر: نفدت الابر المضادة للغاز لكثرة الجرحى وبقيت لدى مجموعة من المنقذين ابرة واحدة وفي هذا الوقت وجدا شابا وشابة مطروحين على الأرض وقد ألصقا رأسيهما ببعض وكانا عروسين زفا قبل القصف بيوم واحد. احتار المنقذون لأيهما يزرق الابرة حتى سمع صوت العروس تطلب منه أن يزرقها لزوجها لأنه، حسب تقديرها، في حال أسوأ منها. لبى المنقذون رغبتها وبعد دقائق كان العروسان يبتعدان عن المدينة وقد أحياهما الحب من جديد.

أكثر من مليون ونصف المليون عراقي ضحايا التعريب والتهجير




كردستان - موفد القبس د. جمال حسين علي:


ظهرت أول بوادر لسياسة التعريب في كردستان منذ بداية تأسيس الدولة العراقية في العشرينات، إلا أنها أصبحت جلية بعد انقلاب 1963 بتأثير مباشر من ميشيل عفلق الذي رفع عقيدة «عروبة الأكراد» وذلك بعد أسابيع من سيطرة الانقلابيين على الحكم في بغداد، حيث بدأت حملة عسكرية ضخمة ضد الكرد شاركت فيها قوات سورية أطلقوا عليها «الفيلق العربي» (يسميها الكرد تندرا «العفلق العربي») وبمشاركة فصائل مسلحة من قبائل عربية جيء بها من البادية الغربية قرر حكام بغداد أن يتم تسكينهم محل الأكراد كخطوة أولى لتعريب كردستان يتبعها خطوة نقل الأكراد الى جنوب وغرب العراق. إلا أن المقاومة المسلحة الكردية تصدت لهذه المحاولة مما أدى الى فشلها وتكبد النظام خسائر مهدت في سقوطه في أكتوبر. وبعد الاستحواذ على السلطة ثانية عام 1968، باشر النظام بحملات التهجير والتعريب مجددا مستغلا عوامل كثيرة في المنطقة والعلاقات المضطربة مع شاه إيران راميا عشرات الآلاف من العائلات الكردية قرب الحدود الإيرانية عام 1970 بحجة تبعيتها الإيرانية. واستمرت هذه الإجراءات عام 1980 استعدادا لشن الحرب ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وهكذا بلغ عدد المهجرين قسرا من ديارهم لغاية بدء الحرب العراقية - الإيرانية حسب الكثير من المصادر الى 1168416 شخصا. وهذا العدد يشمل الى جانب المهجرين الى إيران، أولئك الذين تم تهجيرهم قسرا من كردستان داخل مناطق العراق المختلفة. يضاف الى هذا الرقم الرهيب رقم غير معروف يخص الرجال البالغة أعمارهم من 18 الى 30 والذين تم نقلهم الى جهات مجهولة واختفت آثارهم حتى يومنا هذا. ويمكن إضافة نحو 200 ألف شخص خطفهم النظام عام 1989 خلال عمليات الأنفال سيئة الصيت وطمست آثارهم منذ ذلك الحين.
ما هو التعريب ؟
مجموعة كاملة وموحدة من برامج التنكيل والاضطهاد والقسر والإغراء والترهيب لصناعة بنية اجتماعية عربية بدلا من البنية المتكونة أصلا من قوميات أخرى. وتركزت هذه السياسة في مناطق خانقين ومندلي وطوزخورماتو ومندلي والتون كوبري وشوان وكفري وبيباز وجمجمال وسنكاو وراوندوز وداقوق وقادر كرم وغيرها الكثير جدا وبالأخص في كركوك نظرا لأهميتها الاستراتيجية، حيث تجلس على أكبر احتياطي نفطي في المنطقة. وتعزو بعض القيادات الكردية بأن سكوت العالم عن سياسة أنظمة بغداد المتعاقبة هذه من قبل المجتمع الدولي يعود الى التخطيط الاقتصادي الدولي المرتبط بالاقتصاد النفطي والذي اعتبر هذه السياسة ملائمة للصورة المستقبلية للتنمية المطروحة في الاوراق المبعثرة على موائد وزارة المستعمرات البريطانية.
عوامل مساعدة
وادت عوامل أخرى الى تفاقم سياسة التعريب والتهجير بالإضافة الى موافقة «الباب الأعلى» مثل إهمال الأكراد لهذه القضية حتى أصبحت بالغة التعقيد وإدخالهم من قبل قوى خارجية في صراعات ميدانية وعشائرية لتحقيق مآربها التوسعية في السيطرة على كركوك بشكل خاص، والتي كانت ظروفها المعقدة وبنيتها الاجتماعية تهيأ لهجوم لم يكن الأكراد ولا التركمان ولا الآشوريون مستعدين له. لأن الشعب في كردستان أعزل ولا يمكن مقارنة ثورة البرزاني مع 600 من البيشمرغة عام 1961 إشارة الى تسلح الشعب عموما. وساعد تقسيم الكرد وتشتيتهم والتطهير العرقي وحذف مناطق وإضافة أخرى في محاولة لتغيير الخارطة الإدارية، وإزالة القرى الكردية من على سطح الأرض وجلب العائلات العربية بالجملة مع منحها الإغراء تلو الآخر الى تعريب المنطقة تقريبا. وحسب مصادر غربية محايدة بلغت نتيجة سياسة التعريب في كركوك وحدها الى مغادرة 800 ألف من الكرد والتركمان والآشوريين والكلدان هذه المنطقة. يقابل ذلك جلب عشرات الآلاف من العائلات العربية الى كركوك مع تقديم امتيازات كثيرة لها مثل قطعة أرض وقرض طويل الأجل من المصرف العراقي ومنح مالية ومواد بناء بأسعار رمزية ووظائف حكومية ووكالات تجارية وصناعية وتفضيلهم في العمل داخل المؤسسات الأمنية والسلطوية المختلفة. في وقت تم حرمان الكرد والتركمان والطوائف المسيحية الأخرى من حقوق التمليك والسكن والتوظيف وغيرها.
توطين عشائر بأكملها
ولم تكتف سياسة النظام العراقي الاستيطانية بزرع عائلات عربية منفردة في المدن والقرى الكردية، بل قامت مؤخرا بإجبار عشيرة عراقية تسكن أواسط البلاد بالانتقال الى مناطق كركوك لغرض إسكانهم في قريتي «تبه سوزه» و«باره باره» والتي كانت القوات العراقية قد دمرتها عام 1988 ضمن المرحلة الثالثة من عمليات الأنفال الوحشية.
هدم المحلات
ولغرض دفعهم على الرحيل هدمت السلطات العراقية مؤخرا كل المحلات التجارية والدكاكين الصغيرة المنتشرة على طريق شركة النفط في كركوك ليبقى أصحابها الأكراد بلا عمل. وبنت طوال الطريق نقاطا للتفتيش ومحلات وهمية لبيع الأدوات الاحتياطية للسيارات كنقاط أمنية للرصد تحسبا من هجمات على آبار النفط في كركوك.
تعهدات عنصرية
وضمن سياسة السلطات العراقية العنصرية وزعت آلاف من قطع الأراضي للضباط العراقيين من العرب فقط في كركوك ومحيطها وربطت المستوطنين العرب القادمين بكفالات رسمية تعهدوا فيها عدم تشغيلهم الفلاحين الأكراد في الأراضي التي تمت مصادرتها لصالحهم من الفلاحين أنفسهم.
تعريب الأئمة أيضا
وبعد طردها واعتقالها وإعدامها أئمة الجوامع من الأكراد والتركمان، قامت السلطات العراقية باستيراد أئمة وخطباء للمساجد من الرمادي وتعيينهم في مساجد كركوك مثل جامع النور ومسجد إجود الغري ومسجد حي الخضراء وجامع «حي البعث». كما استبدلت كل المدرسين في المدارس الإسلامية بعد طردها للأكراد والتركمان بمدرسين عرب.
تصحيح القومية
وهو مصطلح شوفيني ابتكره النظام العراقي لإجبار كل المنتمين للقوميات غير العربية في المناطق المذكورة الخاضعة تحت سيطرة النظام لاستبدال قوميتهم وجعلها عربية وبعكسه يتم طردهم فورا. وأكد لنا كل المهجرين الذين التقينا بهم في مجمعات اللاجئين في كردستان أن رفضهم استبدال قوميتهم بالعربية كان أهم سبب لطردهم من بيوتهم وإلقائهم في الشارع. أو تعرضهم لمضايقات ليلية كاقتحام دورهم وأخذ كل الذكور الموجودين للالتحاق بما يعرف بجيش القدس. ولا تنحصر المسألة في الطرد فقط، بل في إلغاء وجود كل أفراد العائلة الرافضة لـ «تصحيح قوميتها» وعدم تمشية أي معاملة لها وحرمانها من الحصة الغذائية الممنوحة بفضل الأمم المتحدة، وقطع الكهرباء والماء عن ذلك البيت الغضوب عليه واعتقال رب العائلة وغيرها من أساليب الاضطهاد التي يحفظها الناس هناك من الغلاف حتى الغلاف.
خسائر الاستيطان
بعثر النظام العراقي نتيجة لسياسة استيطان واستباحة لأبسط معايير حقوق الإنسان الكثير من الموارد المالية كان بإمكانه صرفها على أهالي هذه المناطق لكسب تأييدهم على الأقل. فما الذي يمكننا رؤيته نتيجة هذه السياسة : خيام على مشارف أربيل والسليمانية وبيوت طين متهالكة أبوابها صفائح من التنك المأخوذ من مخلفات المعلبات الغذائية وسقوف من القش المبعثر وأطفال حفاة وشبه عراة وشيوخ وعجائز يلتحفون بملابسهم التي خرجوا بها من البطش. سيحل الشتاء وبرده ولا يستطيع أحد الإجابة عن مصير عشرات آلاف الذين ألقى بهم النظام في براري كردستان.
150 عائلة شهريا
وحكومة الإقليم ليست بذاك الغنى التي يمكنها إيواء نحو 150 عائلة يتم ترحيلها قسرا شهريا من كركوك وحدها. والعملية مستمرة منذ عشرات السنين دون أن يشار إليها ولو في خبر عابر بالرغم من أنها سياسة رسخها النظام دون الالتفات حتى لقرارات مجلس الأمن المعنية. عندما سألنا المهجرين عن الأعمال التي يمارسونها، لم نتلق أي إجابة واضحة. فلو كان سكان أربيل والسليمانية ودهوك يعانون من البطالة فكيف بمهجر جديد ليست لديه أي معرفة بالمنطقة وبأحوالها. ثمة الأعمال البسيطة أو الطارئة وما توارثته الأيدي من حرف وما تجود به الأنفس الطيبة وما أكثرها في كردستان.
أنا كردية
هكذا كانت تقولها ربة بيت استقبلتنا مع زوجها بفرح أنساها مرور أطفالها من بين أقدامها ومداعبتهم لقطة ربما فرضت عليها إجراءات التعريب أيضا ورحّلت معهم. أنا كردية .. كيف أصبح عربية؟ تتساءل المرأة بفطرة وانسيابية. قلت لها : ولكنه مجرد توقيع تكفون فيه الشر عنكم؟ بلا تردد أجابت : اليوم نوقع وغدا في جيش القدس .. لا .. لا - هل حالكم الآن أفضل؟ - نعم. - كيف وقد تركتم دياركم وبيوتكم؟ - لكننا أحرار .. لقد كسبنا الحرية .. - هل الحرية أغلى من البيت والأرض؟ - أغلى من كل شيء .. لا تتصور كم نحن سعيدون هنا بالحرية ! - أتصور وكذلك أرى. هكذا دار حوار نموذجي مع امرأة على سجيتها حول الحرية والأرض وأثبتت لنا بأنه لا يوجد اثمن من الحرية، بل أنها بلا ثمن.
دعوة للبكاء
أطل علينا عجوزان متهالكان من وراء سياج طري، ابتدع الرجل تحية غير مألوفة بوضع يده على رأسه دون أن تميل نظراته عنا. بعد قليل سمعنا دعوة من كوخ مجاور : تعال وصور أمي. قالتها امرأة وفتحت الباب الصفيحي مدخلا لبدء الضيافة. عندما انحشرت في غرفتهم الوحيدة كان فيها ثمة أطفال نائمون بفعل غزو مقصود من شمس دانية لم استطع عدهم لتلاحم أجسادهم. وقفت العجوز التي كانت ملامح وجهها كافية لإشعال حرب عالمية. كانت تجاعيدها تفسر كل الحزن الذي يمكن أن يراه إنسان من هذا النظام. فتحت عيناها محدقة بالأطفال، أشارت نحوهم، وبكت دون أن تذرف دمعة، لأنها لا تملك حتى هذا الدمع !
تهدم حتى هنا
ينسلخ المهجرون وتنسحل أقل أمانيهم ولكي نثبت ذلك ننسحب خلف الصوت القادم : تعال وصور هنا .. وقع هذا البيت على أهله. وقفت على حافة بيت من طين تتعذر معرفته أو غرفة من كل المواد الطبيعية السائبة التي لا يحتاجها أحد كالبشر هنا. أين هذا البيت .. أضلاعه .. سقفه .. بابه ،، شبابيكه..؟ - ماذا تقول؟ هي غرفة من طين وبلوك واسمنت مخلوط بجص ورمل وقعت البارحة على ثمانية أشخاص دون أن يصاب أحد بأذى. هي المرة الأولى التي تقف فيها هشاشة البيوت لصالح السكان. كان من غير الممكن أن يصاب أحد بسوء لأن الذي انهار عليهم تراب وسعف وخوص ! هذا ما حصل عليه هؤلاء التعساء، أصحاب أغنى أرض في الكوكب : تراب وسعف وخوص ! لكن الحرية تبقى هي الأغلى .. محاولة لابد منها للتماسك.

لمن سيؤول نفط كردستان؟




كردستان - د.جمال حسين علي:


هي المنطقة العسيرة الكبرى في العراق، السير فيها يعطيك انطباعا بالطيران والهبوط من جبال حمرين الى سنجار، هكذا فرضت الطبيعة أصول هذه البلاد وقسمتها حد اكتشاف الدماء قبل النفط والغاز؟ يسمونها في كل المعاجم والأفواه والخطب: كردستان. لم يحمّل أحد من القائمين على حكم العراق نفسه عبء البحث في باطن أرضها وتفتيش قشورها عن الثروات، حتى أن الغاز والنفط كانا ينبعان منها بشكل فطري، متفجرين عبر جيولوجيا لم تستفق في أذهان الساسة الذين لم يكونوا متهيئين لظهور ذلك النور الأخاذ الذي أطلق عليه البشر قبل خبراء شركة النفط العراقية فيما بعد: النار الأزلية في كركوك ( تقع في بابا كوركور وكانت تشتعل منذ الأزل. كتب عنها هيروتس قبل 2300 عام والنفط ظاهر فيها على سطح الأرض منذ زمن نبوخذ نصر 654 - 616 ق . م «العلوجي عبد الحميد، الأصول التاريخية للنفط العراقي - بغداد - 1973») . عرف المنقبون المختصون بأن الآبار الثلاث الأولى من بين آبار النفط في العالم من حيث كميات إنتاجها تقع في كردستان وأن أكبر بئر في العالم والتي يبلغ إنتاجها اليومي أكثر من مائة ألف برميل يقع في قرية «دربند ساره لو» ممتدا نحو الساحل الغربي من نهر الزاب الصغير في منطقة كنديناوه في أربيل (ألحق بمحافظة كركوك في السبعينات). أما البئران الثانية والثالثة في العالم (بابا ورو وجمبور) فتقعان في كركوك أيضا. ومنذ انبثاق ستينات القرن العشرين وكل مشاكل العراق انحصرت حول هذه الآبار الثلاث التي أقل ما يمكن وصفها بأنها الأغنى والأكثر لعنة على الساكنين حولها: مفارقة ليست بالعجيبة لمن تمعن في كيفية تفكير العسكر الذين حكموا بغداد تاليا وتفننهم في إهدار ثروات العراق ودماء ابنائه. هكذا تحول الذهب الأسود الى جمر أحرق الــــــناس والعـــــــلاقة الجدلية بين الجمر الأسود والناس كانت طردية: كلما زادت آبار النفط، ازداد منـــــــسوب دماء الناس الـساكنين حولها ومعظمهم من الكرد والتركمان والآشوريين. وبعكس كــل الأراضي السعيدة الأخرى المنتشرة في العالم من آلاسكا حتى الكويت ومن النرويج حتى آخر بئر نفـــطية في أفريقيا، تعرض مصير الشعب في كردســـــتان الى شتى صـــــنوف التنكـــيل بسبب وجوده على الأرض الغنية. وحكمـت بدلا من الاتفاقيـــات والتـــحالفات التي تراعي المصالح المشـــتركة، قوانين الغاب وسيطرة من يمتلك أنيـــاب أقوى، معركة غير متكافئة بين عقبان وعصافير وسمح الأمر بتدخل كل القوى الإقليمية في هذه المطحنة التي كان كل الـــعالم يتفرج عليها حتى يومنا الراهن.
خارطة النفط
يتدفق النفط الى كردسـتان من خانقين مرورا بكركوك ومخـمور وبطــمة وعين زالة صاعدا الى الشمال باتجــــاه الزمار حتى القامشلي السورية وباطمان وماردين التركيـة. وتجمع الآراء على أن خارطة النفط هذه لو كانـــت معروفة لتغير ترسيم الحدود بــــين تركـــيا وسوريـــا والـــعراق المعروفة حاليا. وتشـــير أحدث الدراســـات النفـــطية الـــى أنه لو تم إجراء مسح جيوفيزيائي - زلزالي في كردستان، ستزيد حقول النفط الكبرى فيــها لتصل الى نحو 70 حقلا. ومن المعروف أن الاضطراب الذي عم الإقليم طوال نصف العقد الأخيــر، لم يفـــسح المجـال للشركات الكبرى باستثمار أموالها في هذا المجــال، ناهــــيك عن إمكـــانات العــمل والبــــحوث والــتنقيــب في ظروف طبيعية. أرخص نفط
وبرهنت التجارب على أن كلفة إنتاج برميل النفط في شــمال الـعراق أقل بكـــثير من إنتاجه في جنوبه، الأمر الذي كان يدركه المستثمرون النفطيون في العراق الذين فـــضلوا العــمل في الشــمال. ولأهمية نفط كردستان، كان قرار تأميم النفط عام 1972 يخص نفط الشمال فقط.
حروب النفط
وارتبطت الاتفاقيات التي كانت تعقدها الحكومات العـــــراقية مـــع شـــركات الــنفط الأجنبية باتساع أو تضييق الانتفاضات الحربية في كردستان. وأثرت ثورة سبتمــبر 1961 التي قادها المرحــوم الملا مصــــطفى البرزاني على عمل هذه الشركات حيث كانت الثورة الكردية المسلـــحة تسيـــطر على الكثــــير من المناطق النفطية. وما ان اتفقت الحكومة العراقية مع الروس للعمل في دهــوك مــثلا، بعد أشـــهر من انتكاســـة الــــــثورة الكردية عام 1975 ومع مباشرتهم العمل اندلعت ثورة كولان التي أدت الى انـــسحاب الـــشركات الروسية عام 1976 بسبب عدم جدوى العمل في ظروف الحرب الأهلية. وأدت الحرب العراقية - الإيرانية الـى تأجيـــل العـــمل في مجال التنـــقيب عن النفـــط في إقلـــيم كردستان العراق، ولم تســمــح به إطلاقا مغامرة غزو الكويت واندلاع انتـفاضة عام 1991 والهجرة المليونية التي أدت الى انفصال الإقليم عمليا وفرض الحماية الأميركية - البريطانية لما يعرف الآن بالمنطقة الآمنة التي صبت في النهاية ولأول مرة في تاريخ المنطقة لصالح شعبها. غير أن تعثر عمل البرلمان المنتخب في كردستان العراق وانقسام الحكومة الى قسمين لم يعط ثماره النفطي لشعب كردستان. بالإضافة الى أن تقسيم المنطقة الآمنة بحد ذاته أبقى الكثير من المناطق النفطية شمال خط عرض 36 بحوزة الحكومة المركزية. ولم تعق الحماية الدولية النظام العراقي من فرض سيطرته على خط أنابيب النفط كركوك - جيهان لغايات معروفة.
الغني الفقير
في النتيجة لا تمتلك حكومتا إقليم كردستان العراق الآن أي قطرة نفط مما يوجد في أراضي كردستان في جوهر الأمر. فقد سيطرت الحكومة العراقية على كل آبار النفط بعد أن فصلتها من الإقليم منذ السبعينات، بالإضافة الى أن الحزام الأمني الدولي لم يعط للإقليم المدار ذاتيا أي فرصة للحصول على منتجات بئر صغيرة. أما الثروات الكامنة في باطن الأرض فلا أحد من الشركات الأجنبية لديه النية في البدء بالعمل وحتى التنقيب عنها، ما لم تتوضح الأمور. ويفسر هذا التأخير والتأجيل في التنقيب عن نفط كردستان الوضع السياسي - العسكري العام الذي يحيط بالعملية الأميركية المحتملة ضد النظام العراقي. أما الدور الذي يلعبه نفــط كردســتان في العمــليــة القــادمة وكـــل الإجراءات السابقة فبيّن جدا.
مفارقة أخرى ..
ان الاقليم لا يزال يعتمد على الطاقة والــوقود اللـــذين يزوده بــهما النظام في بغداد. والمقصود هنا الكهرباء والنفط والغاز. ووصف مسعود البرزاني رئيس الحزب الديموقراطي الكردستاني في لقائنا معه الحالة التي قد تنجم في الظرف الذي تمتنع الحكومة المركزية من تزويد الإقليم بالوقود بأنها كارثة. وحدثنا السكان عن وضعهم أوقات الانتفاضة وبعدها طوال سنتين عندما أوقفت بغـــــداد تــزويد الإقليم بالوقود بأنها كانت صعبة ومأساوية واضطر الــــــناس الى قـــــطــع أكــثر من مـــليوني شـــجرة لاستغلالها كحطب. وهكذا يبقى النظام محتفظا بورقة النفـــط والغــاز ضد الأكراد وسكان الإقليم الآخرين ويلعب بها في رسم الكثير من المواقف السياسية. لكن من الواضح أن ثمــة شيئا ما يردعه عن عدم استغلال الــورقة هذه بشــــــكـل راديكالي مثل وقف إمدادات النفط حتى في حالة تدهور علاقاته مع قادة الفصائل الـــكردية كــما حصـــل مـــع رئيـــــس الاتحاد الوطني الكردستاني جـلال الطالباني. وفـــي الوقت نفسه يواصل النظام حــتى فــي أكثر الأوقات حرجا في هذه العلاقات بــتزويد كردســـتان بالنفط والغاز. مفارقة يصعب حلها على الرغم من سهولة إثباتها، وقد تحل الأيام القادمة لغزها.
من سيربح النفط؟
ما يشـــغل بال المخططين لشن حــــملة ضد النظام العراقي في الإدارة الأميركية السؤال المحير: كيف بالإمكان حماية منشآت النفط في كركوك التي يســيطر عليــها النــظام أثناء العملية وبعدها. ولعل هذا المحور تصدر مناقشات القـادة العسكـــريين الاميركان مع قـــادة الفصـــيلين الـــكرديين الرئيــــسيين في واشنطن في مطلع أغســطس الماضي. وكان السؤال: كيف ستحافظون على أمن نفطكم؟ وربما كانت «نفطكم» ذات فهم واستخدام مزدوج وتعتمد عمـليا علـــى من ستـــؤول إليــه الأمور في البلاد لتصبح هي ونفطها ملكا له.
المنشأة اليتيمة
كانت سابقا مصنعا للسكر، حولها أحد المهندسين الكرد النــابهين الى مـــصفى للنفط هو الوحيد في كردستان. يقع في محافظة السليمانية. حدثونا هنــاك أن الإيرانيين كانوا يقـــولون للـــكرد عندما يشاهدون المصفى: آه .. لقد بنى لكم الاميركان مصفى جيدا. أما عندما يزوره الاميركان فقد كانوا يقولون: أن الإيرانيين بنوا لكم مصفى رائعا!. هي ليست مزحة على الإطلاق .. لكنها واحدة من المواقف الكوميدية السياسية الشديدة العمق والتي تفسر الوضع في كردستان لا سيما في المجال النفطي.

وما أدراك ما إبراهيم الخليل!






الحدود العراقية - التركية - د.جمال حسين علي:

تستطيع شمها من على مبعدة 50 كيلومترا، بداية بفضل بقع الزيت المتسربة من الشاحنات التي تعبأ بأكثر من طاقتها وبالتدريج حتى الكيلو 30 قبلها تختمر الموجودات بحس النفط الخام وتتلون به حتى القمصان الطارئة، ناهيك عن الطريق الآخذ بالاسوداد شيئا فشيئا مسيّجا بمراتب النفط طبقة إثر طبقة يخفت بسببها صوت محرك السيارة لتسير ببطء ناقة خوفا من الانزلاق على أفعى الطريق الملتوي على رقبة جبل لا يكل من التوافق بين لهيب الزيت والشمس وحوافر المهربين دولاً وحكومات ورايات أرخت صدورها ما ان أطلت بوابة البرج الذي يعيل الملايين وكماشة الذهب المغمغمة مع الريح باسمها الواثق المستأنس: إبراهيم الخليل! > أهذه هي؟ - نعم .. فكيف تصورتها؟ لا شيء فيها يمكن تذكره سوى غرف صغيرة متناثرة وأعمدة حديد متآكل. هل تستطيع هذه البساطة بلع آلاف الضحايا الذين تقاتلوا من أجل السيطرة عليها؟ وأعود لأفتش في أوراقي عن أسباب أكثر منطقية: تدر نقطة إبراهيم الخليل الواقعة في قضاء زاخو الذي يخضع لسيطرة الحزب الديموقراطي الكردستاني نحو نصف مليون دولار نتيجة تمشية المعاملات الجمركية الرسمية. عدا هذا المبلغ هناك ما يمر عبرها من بضائع بلا جمرك أو لنقل انه تهريب لا يستحي منه وليس عليه حرج أحد طالما يخدم المصالح العليا لكل الأطراف. ووصل الأمر الى أن هذه النقطة الحدودية التي تفصل أراضي الأخوة الأعداء تحولت الى أهم عامل سياسي يربط هذه الأطراف وأول ورقة استخدمتها تركيا، على سبيل المثال، للضغط على الزعماء الأكراد في تحديد قضاياهم المصيرية وتصحيح تصريحاتهم. وهي النقطة الحدودية التي تكاد تكون الوحيدة في العالم التي لا تخلو مباحثات الدول الإقليمية الكبرى دون التوقف عندها ومناقشتها وكأنها باب الجنة ومفتاح خلاص الأمة.
رئة كردستان
عاشت كردستان عليها بشكل أساسي منذ انتفاضة 1991 حتى نهاية عام 1996 حين بدأت عجلة «النفط مقابل الغذاء» تدور في الإقليم، ويحاول كل طرف وبقدر تعلق الأمر عليه التقليل من أهميتها وشأنها وأرباحها ولا يمكن أن تعثر في أي أوراق رسمية أو غير رسمية على أي دليل أو إشارة ولو من بعيد عما يجري فيها وماهية محصولها وأي رقم عن أي شيء. وكأن أناسا هلاميين يسيرونها فلا أحد يتوقف ليجيبك عما يجري هناك حتى لو توافرت لديك كل حصافة الرياضيات وعيون زرقاء اليمامة وفضول جحا ونظافة عدسات أقمار التجسس الصناعية. وفي النتيجة لا تتبين الرائح من الغادي ولا البارك من الحادي. هذه الحدائد الصدئة، هبوطها وارتفاعها يعادل حياة ملايين البشر في هذه البقعة المليئة بالتوتر .. عملية الهبوط والارتفاع تمثل رئة كردستان التي تتنفس بها كالشهيق والزفير بالضبط. وهي أم المشاكل والاقتتال وقلب الخلافات وبسببها استبدلت كردستان حبات المطر بالرصاص وعلى إيوانها سقط الآلاف من خيرة شباب البيشمرغه بين نعم ولا. ونسأل مسؤولا حقيقيا: > ألم يكن حل هذه المشكلة بالتراضي أفضل من الاقتتال؟ - بلى، تم حلها. لكنه لم يكن حلا نهائيا ولا مرضيا وجاء متأخرا بعد أن تدخلت تركيا وعصرت حلقوم القنينة أكثر فأكثر: تارة تمنع السجائر وتارة أخرى تمنع المواد الغذائية وفي ثالثة تتقشف بالمواد الكهربائية ورابعة تدقق في صلاحيات مواد البناء وهكذا تدور اللعبة السياسية ما ان يفتح أحد فاه أو يستنشق بلا إذن.
أكثر من نفط مهرب
لكن تركيا لا تمانع من دخول قوافل النفط العراقي المهرب عبر إبراهيم الخليل مهما كان حجمه حتى لو سال نصفه في الطريق الذي تعانق جوانبه شاحنات مقلوبة بسبب الزلق المهرب متحولة الى كتل منبثقة على رغم مشيئة الجبل المكتوي والمسود بنارها. فلنستوقف هذا السائق الواقف بطابور شاحنات حسبها الذين من قبلنا بنحو 6 كيلومترات ولنر ما الأمر: > ماذا تحمل؟ - نفط. > من أين جئت به؟ - من كركوك. > هل لحسابك الخاص؟ - كلا . > لمن إذن؟ - لصاحب المال. > من صاحب المال هذا؟ - صاحب الملك؟ > بربك لا تتغيشم علينا! - صاحب الشاحنة. > هل تتبع لشركات أهلية؟ - نعم. > هل هذه الـشركـات كثيرة؟ - جدا. > ولمن تتبع في النهاية؟ - أصحابها معروفون. > قل لنا من هم؟ - لا أعرفهم. > طيب .. أنت ما لذي تحصل عليه؟ - أحصل على نسبة .. لكنها تتضاءل لأني أرش الفلوس طوال الطريق. > كيف؟ - في كل سيطرة عراقية أدفع وحتى داخل كردستان! > إذن ما الداعي من عملك طالما لا تربح؟ > ماذا أفعل؟! - قل لنا بصــراحة فــأنا لا أذكر اســمك ولــم أصورك. - كل السائقين يزيدون من كمــية النفط المسموح بهـا والتي تتحــملها الشــاحنة ونســتفيد من الفرق ببيعه بمعرفتنا هناك. كذلك نحمــل بعض المواد من تركــيا عــنــدمــا نــدخــل فارغــين لـنبيعها في الـــــــــعـــــــــــراق وبالـعــكس .. هــكذا فقط نمشي الأمــور وإذا ظلت على نسبتنا أحـــيــــانـــــا لا تــســـاوي حــتــــى مأكلنا في الــطــريق! حــل لــنا هــذا الــسائــق واحــد مــن الألــغــاز وليس كلها المتعلقة في نقطة العجائب هذه. ويبدو أن الجمــيع متــفــقون عــلى هــذه الآليــة لــذلك «يرش» السائـقون الأمـــوال طــوال الطـريق مثلما يرشون النفط الأسود على «طريق الشعب»!
المدينة الأم
> ولكن ماذا عن زاخو نفسها؟ - كانت قبل انتعاش إبراهيم الخليل قضاء صغيرا مبتهجا بشارع واحد. لكنها الآن زاخرة بالفلل والمطاعم الراقية والفنادق المتطورة وسمنت وزاد طولها وعرضها أضعاف ما كانت عليه قبل الحصار وتكاد تنافس المحافظة الأصل مركز دهوك من حيث العمران والسعة. ولا يختلف اثنان منطقيا بأن السبب يعود للكلمتين المنورتين: إبراهيم الخليل.
أثرياء الحصار
> هؤلاء يسمونهم هنا جيل أثرياء الحصار: مهربون ومتعاملون في الجمارك وتجارة الحدود غير الشرعية. لا أحد منهم يخجل من هذه المهنة ولا يفقه أو حتى يريد أن يسمع ماذا يعني غسل الأموال الذي يعد في الدول المحترمة جريمة تعادل التجارة بالمخدرات. فأموال التهريب تحولت الى سوبر ماركت ومعارض سيارات وفنادق ومحلات كمبيوتر وأجهزة إلكترونية وغيرها فمن يأبه هنا بالسؤال البلشفي المنقرض: من أين لك هذا؟ - فعلا، لا يوجد مبرر للخجل أو الحديث عن قوانين سعيدة في بلاد خرب فيها كل شيء، حتى السؤال عن هذا الأمر لا يعتبرونه سؤالا، بل مزحة من صحافي يحب التندر معهم. لذلك لا أحد يزعل منك لو تثير هكذا مواضيع وبالتالي لا تجد من يجيبك عن نكتة أذعتها بمبادرة منك. مهربون محترمون
هم إذن، أثرياء العهد الجديد .. وللإنصاف، ليسوا بتلك الغطرسة ويمكن حتى التجرؤ والدفاع عنهم بالقول ان أقدامهم مغروسة بتربتهم جيدا. ومهما كانت الأموال التي حولوها لحسابهم في الخارج بطريقة أو بأخرى ولكنهم بنوا في قراهم ومدنهم أيضا وحولوا الأموال التي ليس لها صاحب الى ما نستطيع تسميته بنية تحتية لمن تبقى منهم في البلاد. لم يقطعوا شرايينهم وأوردتهم تماما، فقد ساهموا في إطعام كردستان الجائعة وشغلوا العاطلين في مشاريع كثيرة واستقدموا شركات أجنبية وتحولوا من مهربين الى مستثمرين. هكذا الواقع الذي لا يمكن الضحك عليه أو تدبيجه بلف ودوران قانون العقوبات البغدادي المتروك بمتحف الشمع في واحدة من زوايا عاصمة السلام الجريحة.
الخازوقان
قلت فلأتخم نفسي بالحقائق السوداء فهي فرصة لاكتشاف المكان الآخر ولألقي بها طالما تفصلني عن القيامة تأشيرة وبصمة في الجيب. وكانت واحدة من الإجابة تفضي لأكثر الأسئلة تعقيدا: - كلنا يهرول فلا أحد يعرف من الذي يخبئه الغد. وتبين أن جميع المشتركين في ملحمة «باب الفتوح» يقفون على واحد من خازوقين: صدام و البديل! كيف يفهم ذلك؟ يركضون نحو الرزق السريع خوفا من أن يطب عليهم صدام وجيشه بمدة قالوا بأنها لا تتعدى ساعتين. وعند ذلك سيضيع كل شيء. وخوفهم الآخر من التغيير والعراق «الديموقراطي البرلماني التعددي الفدرالي ...الخ» الذي سينبثق منه علم ودستور ومجلس أمةٍ والذي سيفتح موانئه ومطاراته ومراكزه الحدودية الكثيرة وحتى لو لا يفرض سيطرته على إبراهيم الخليل، فان أهميتها الاستراتيجية الراهنة ستنعدم حتما بإحياء الشرايين الأخرى. لذلك فأن الحركة لا تتوقف مع وجود الشمس من عدمها ولا تعتمد على صفاء الفضاء ولا ترتبط بنقاء البيئة ولا بطاقة البشر أو البهائم ولا بقوانين نسيها حتى المحامون. هي نقطة كقلم الرصاص الوحيد في سجن شاسع، تبريه حتى آخر إتقان للقلق وانصراف غير متعمد للأحجية التي سيتناقل حكاياتها الرضيع الى الرضيع الذي ما أن يكبر مختالا بمشيته يجيب عن سؤال الأقرباء التقليدي: ماذا تحب أن تصير عندما تكبر؟ بتأتأة وبلا تردد وكأنه أورث الرؤى بكلمة ناصعة لا تحتقن عند ذكرها عين ولا تملي أي استنطاق: - مهرّب!