الأربعاء، 9 يوليو 2008

أوجاع جامعة كابول ومسرّاتها

لم تشهد بناية جامعة كابول نشوة وزهوا حتى في افتتاحها الأول ، كما تشهده الآن ، بعد زوال همّها وغمّها. وكانت إجراءات استقبال 3500 طالبا بينهم 500 امرأة جارية بمنتهى النشاط المسرور الذي شملنا ونحن نشاركهم لأيام عديدة فرحة انبعاث الجامعة من رماد الحروب.
وحسب التقليد كان من الواجب افتتاح عملنا في الجامعة بلقاء رئيسها. وصادف أن يكون تواجدنا في هذا الصرح العلمي في اليوم الأول من تعيينه في هذا المنصب ، وربما في الساعات الأولى. فما أن دخلنا في مكتب البروفيسور محمد أكبر ، حتى داهمته وفود التهنئة من أساتذة الجامعة ورؤساء الأقسام. وامتلأ مكتبه الواسع بهم. ولبساطته وبساطتهم الشديدة نسوه وتعلقوا بنا بعد معرفتهم جهة قدومنا ليشبع نصفهم جوعه في التحدث باللغة الروسية وأيام الاتحاد السوفيتي الحلوة.
هياكل الجامعة
حدثنا الدكتور محمد أكبر بإنكليزية رشيقة عن هياكل الجامعة الرئيسية وعدد أسماء كلياتها الرئيسية التي بلغ عددها 14 كلية : العلوم وتشمل الفيزياء والكيمياء والرياضيات والفلك والجيولوجيا والبيولوجيا والكمبيوتر والهندسة وتشمل الميكانيكا والإلكترونيك والكهرباء والبناء والسياسة والتربية والطب العام والطب البيطري وطب الأسنان والآداب والاقتصاد والدراسات الإسلامية وغيرها.
وأكد على أن الجامعة فقيرة جدا وبحاجة الى إعادة بناء من الصفر ، دون أن يخوض بحيثيات الأسباب والأرقام والمواصفات والقياسات. ولم نطلب منه ذلك أيضا تاركين المسألة تحل نفسها فيما بعد.
مصاعبهن جسيمة
وعن الآلية التي يتم التعامل فيها مع الطالبات المحرومات من التعليم في السنوات الست الأخيرة من حكم طالبان وكيف يتم التعامل معهن وهل يلتحقن في المرحلة الدراسية التي توقفن عندها وما تأثير ذلك على مستواهن العلمي بعد فترة ليست بالقليلة ابتعدن فيها عن الدراسة وخاصة في العلوم التطبيقية قال رئيس جامعة كابول بأنه تم الاتفاق على أن يدخلن كل حسب اختصاصه في كورس تقوية لتأهيلهن على الدخول مباشرة في مناهج المرحلة التي تركوها. وتعتمد النتائج على حرصهن على اللحاق بما فاتهن.
وبتفاؤل قال الدكتور أكبر بأن الجامعة بأقسامها وإمكاناتها وأساتذتها موجودة لخدمة طلابها ، وإذا تعرضت النساء لما تعرضن من ضيم فأن خدمتهن ستكون مضاعفة والجميع في الجامعة والمجتمع مدرك الصعوبات التي يلاقينها في هذا المجال. لا سيما وأن أغلبهن الآن تغير كثيرا من الجانب العقلي والبيولوجي والاجتماعي أيضا. فأغلبهن الآن يصطحبن أطفالهن الى الجامعة وهناك من تعودن على قعدة البيت وتربية الأطفال ونسين مشارط التشريح وأدوات الهندسة وأجهزة الفيزياء ومعادلات الرياضيات. مهمتهن جسيمة وتتطلب الى جانب الاستعداد العقلي شجاعة شخصية ودعما من أزواجهن والعائلة بشكل عام.
الفقر الآفة الأولى
تجدر الإشارة الى أن جامعة كابول تتبع الى وزارة التعليم العالي والتي فضلنا مناقشة أمر واحد مع مسئوليها والمتعلق بعبارة أن الجامعة فقيرة جدا والذي لم نشأ إثارة أوجاع رئيس الجامعة حوله في الساعة الأولى من تنصيبه.
وعلمنا أن " وزارات تحصيلات عالي " أي وزارة التعليم العالي بالعربية ، كباقي وزارات الحكومة المؤقتة تعيش على " الاكتفاء الذاتي ". وهذا خير مصطلح يمكن سماعه في كل مكان زرناه : المرضى يدفعون الأجر للأطباء ويحملون دوائهم معهم ، تلاميذ المدارس يدفعون أجر المعلمين ويدبرون كتبهم ودفاترهم وربما رجال الشرطة يلتحقون بواجباتهم بالبنادق الشخصية. وتبين أن الأمر نفسه ينطبق على طلبة الجامعة. فالرسوم التي يدفعونها كفيلة بتمشية أمورهم والجامعة على السواء. ولا تمنحهم الجامعة سوى غرفة الدرس والأستاذ.
ولعلها بداية طبيعية لجامعة أدارها في عهد طالبان ملالي مجهولين لا يعرفهم أحد في كابول ولا يعلم لهم شهادة أو تعليم. حتى أن بعض رؤساء أقسام كليات مرموقة لم يعرف الواحد منهم القراءة والكتابة ، كما أكد لنا ذلك أساتذة معروفون عملوا تحت امرأتهم.
الشريعة والحياة
كانت أحاديثنا شيقة وودية الى حد بعيد مع زملائنا خريجي المعاهد السوفيتية. وكان حديثهم مليئا بالحنين والصراحة وفهمنا منهم ما لا نستطيع إدراكه بتجوال عادي في أروقة الجامعة وتسجيل لقاءات مع رسميين.
يقول مثلا أستاذ في الرياضيات بأنه لم يستوعب حتى الآن ما أمروه بضخ التعاليم الدينية والشريعة في مادة الرياضيات. هذه المادة التي لا تستوعب الثرثرة وخاصة في مراحل متقدمة في الجامعة. فكيف تدخل الشريعة في مواد كالدوال المعقدة أو الإحصاء الكمي أو المنطق الرياضي أو اللوغاريتمات ؟ كيف ستشع التعاليم الدينية في مواد البصريات الفيزياء ونظريات الكم والجسيمات الدقيقة والفيزياء النووية والنظرية الكهرومغناطيسية والإلكترونيك ؟
لم يكلف الطالبان أنفسهم تصليح الكمبيوتر الوحيد في قسم الكمبيوتر ! كيف يمكن لطلبة الجامعة استيعاب ولو درس واحد دون تطبيق عملي على كمبيوتر حي ؟
منّة طالبان
وفوق ذلك لم تدفع طالبان المرتبات لأساتذة الجامعة ومن لا يعجبه الأمر فليترك الجامعة حيث ينتظره القصاص في ملعب كابول ! وإذا دفعوا لهم ما تيسر لهم من " بيت المال " للإمارة يسمون ذلك حتى في أوراقهم الرسمية " منحة ". ولو نسوا حرف الحاء لكان أفضل لهم ولبيت مالهم.
وصل الأمر الى أن بروفيسور في الكيمياء حول بنطاله الذي منعوه من ارتدائه الى سترة على الطراز التقليدي الذي يرتديه طلاب الحركة بسبب الفقر ولا يزال يرتديها حتى الآن. وحتى هذا البنطلون الذي استنسخه ليصبح سترة طالبانية اشتراه من روسيا في الأيام الحلوة.
الكيمياء سحر فاجتنبوها
ولم تقتصر التراجيديا في " بنطلون البروفيسور " ، بل في الكيمياء التي يحملها في عقله ووجدانه وأصابع يديه. أغلقوا المختبرات في بادئ الأمر. ومن ثم أغلقوا قسم الكيمياء برمته. فالكيمياء حسب " مجلس ملالي الجامعة " ليست بعلم وهي غواية شيطانية ومن أعمال السحر !! وكان منطلقهم الأيدلوجي الذي أسسوا عليه هذا القرار وحيد في دماغ أوحد : الكيميائيون يصنعون الخمر من العنب.
رحم الله جداتنا وأمهاتنا فكانوا أيضا يصنعون الخل من التمر دون أن يكملوا كلية الكيمياء وكان العطارون ومحترفو الطب الشعبي يصنعون كل الأدوية دون أن يكملوا كلية الصيدلة. وتقريبا كل الشعب الروسي وشعوب البلدان المتجمدة يصنعون الخمر في بيوتهم بدون معارف أكاديمية وكيمياء.
حرق الكتب
لم يحارب قادة الجامعة من الأميين العلوم الراقية فحسب ، بل وصلوا الى المكتبات وأمروا بحرق كل المناهج والكتب العلمية الصرفة المطبوعة باللغة الروسية !
تجدر الإشارة الى أن جامعة كابول تغذت كثيرا من العلوم الروسية وفي كافة المجالات. بل أن أغلب المعاهد الأفغانية العلمية تأسست كطابوق ومعرفة بفضل السوفيت ولا مجال لتعدادها الآن. لذلك من الطبيعي أن تحتوي مكتبة جامعة كابول على نوادر الكتب العلمية السوفيتية في هذا المجال أو ذاك ، أضف الى ذلك ، أن أغلب الأساتذة لا يعرفون من اللغات الأجنبية غير الروسية وهو ما يحتاجه الباحث أو المدرس دائما. فكيف يمكن تنفيذ فتوى إحراق الكتب العلمية التي تعتبر الزاد الأساسي لهؤلاء ؟
ولأن ملالي الجامعة في الغالب لا يعرفون القراءة والكتابة ومن يعرفها فلا يعرف الروسية ، فقد أحرق الأساتذة أمامهم بعض الكتب الروسية التافهة والمؤدلجة بالفعل والتي لا حسرة على حرقها وأخفوا في قبو سري الكتب العلمية البحتة. وكانت هذه العملية خطوة في منتهى الشجاعة في تلك الأيام العصيبة ، تسجل فائدتها العظيمة لكل من أخفى كتاب علمي وأنقذه من الضياع. وفي هذه الأوقات الرحبة لا يمكن وصف مشاعر الغبطة والفخر التي ارتسمت على أبطال عملية الإنقاذ وهم يخرجون الكتب من الأقبية ويمسحونها بملابسهم.
الحياة آتية
لابد أن نشير الى أن جامعة كابول تتكون من بنايات عديدة تنتشر على مساحة عريضة في المدينة. ولكبر مساحتها فيمكن أن تتجول فيها في السيارة. وتفصل الحدائق الواسعة هذه البنايات. وهي مكان ملائم لنزهة الطلاب من الجنسين ، بالرغم من ملاحظتنا تجمع الطالبات في ناحية والطلاب في الناحية المجاورة. غير أن قليل من الزمن وبعض من العشرة الطلابية كفيلة بترتيب الحياة كما ينبغي أن تكون عليه.

كيف يصنع الأفغان الفرح ؟

أليست هذه أفكار جميلة
تستعاد كورود قديمة
في يدي عليل الحرب
س . ج . بيرس

الفرح هو القلب النابض لأي مدينة وشعب. وبدونه ستتخلى المخلوقات عن التفكير بالحياة و بوجوده يكون المرء خليق بالحب والمسير والرضا. هو الكفيل بانتزاع الأفئدة من التحجر وملك البهجة وزائر النشوة ولا يكلف أكثر من معرفته والاحتفال بقدومه ليتهادى ماسحا احمرار الحروب وزرقة الأحزان.
يضرب كابول الفرح برائحة ساخنة تلاطمت أمواجه في بادئ الأمر بشكل متطرف وكنكاية بسارقي السعادة. ومثل نار تتلظى هدأ الاحتفال بالتدريج ليتخذ له مستقرا ولو كان يمر من ثقب أبره.
والفرح في كابول كما في أي مكان ، يفتح ويغلق ويتوزع حسب الأعمار والرغبات والاهتمامات ، ولعله يطل على الناس ولو كمشهد يتلو الآخر وليس دفعة واحدة. فالقلوب التي خطفتها تعاليم الرجال الجوف بقت وفية للارتجاف والسمر والاختلاج.
الساعات تتحرك
ولتكن البداية كما قررتها الطبيعة ، للأطفال التي بدأت أيامهم تتحرك وساعات عمرهم آخذة بالتوافد في مدينة أرخت وجعها ونحّته في وعاء مهمل.
وطالما الحديث عن الفرح ، هل توجد ضرورة للتوقف عند أطفال الجبال الذين يعرفون اللحظة التي يعطش بها الحمار ، ذوو الأيادي المتشققة قبل أن تنمو من قلعهم النباتات البرية القاسية ، أصحاب الظهور الصلبة من حمل قطع الأشجار ، أو أصابع الندى العاملة في كراجات تصليح السيارات وتبديل الإطارات. الذين يمسحون لك زجاجة سيارتك بقماش وسخ، الشحاذون المهرة وطاردو الذباب من المقاهي ومحال الكباب ، الحمالون المتطوعون والحاملين وطأة الآباء الغائبين.
ولجمهرة أطفال حصلوا على كرة فرصة رفسها في ملعب اخترعوه على ناصية مقبرة أو ساحة أعدم بها بعض وجهاء الحي. أو الجلوس عند شمس متاحة والنظر الى المارة والتلذذ بزعيق السيارات. والأكثر همة يمارسون سعادتهم بصنع طائرات ورقية معدنها بقايا أكياس وعلب فارغة يستخدمونها كهاتف. وربما تكون ممارسة التزحلق على قشور الرقي ، الأكثر حركة من الترامي بالحجارة وسط البيوت الخربة.
الاقتراب من الطفولة
وكلما تقترب المسافات الى مركز كابول ، يدنو الصغار الى طفولتهم أكثر. هناك باستطاعتهم التجول في حديقة الحيوانات. وبالمناسبة اعتبرت حديقة حيوانات كابول بشهادة منظمات دولية مرموقة في يوم ما واحدة من أربع حدائق شهرة وسعة وتنوعا في آسيا.
غير أن الحثالة التي حكمت البلاد غارت من شعبية هذه الحيوانات فقامت بتصفيتها بطرق لا يستطيع أي حيوان ابتكارها : فهذا الذي يلهو بقنبلة يدوية مع أسد، وذاك الذي يعدم قرد لأن صديقه قال له بأنه أجمل منه وآخر يجرب السم بغزال نادر ورابع عجبه منظر ببغاء فأخذه لبيته ووجيه حلف بالطلاق أن لم يتعش رفاقه بلحم الجمل الوحيد في الحديقة.
مات الأسد وبقت القردة
وهكذا اختفت كل الحيوانات في واحدة من أكبر الحدائق في آسيا ولعلها أسدلت الستار عن سمعتها بشكل نهائي بعد وفاة أسد كابول في 26 يناير الماضي لتأثره بجراح أثر تطفل مجاهد أشوس داعبه بقنبلة يدوية.
بكى صديقه ومربيه كما لم يبك أبدا. وأقام لحضرة الأسد مجلس فاتحة داخل حديقة الحيوانات في الساعة الثانية ظهر 27 يناير بعد إتمام مراسم الدفن. حضرنا مجلس فاتحة الأسد الأخير وأدينا الواجبات بحضور أرق رجال المدينة وأكثرهم دفئا : مدير الحديقة التي لم يغادرها منذ 14 سنة ومربي الأسد الذي قال بأن عشرته معه كانت تبطل أحزانه وتزيل عنه ضجر الأيام.
قال مدير الحديقة وهو طبيب بيطري عريق بأنه يأمل في تطوير هذه المتعة الأكثر شعبية وأهمية لأطفال العاصمة والزائرين. وذكر وعد قدمته الأمم المتحدة لتطوير هذا المجال قدره نصف مليون دولار.

فرح متحرك
ولأطفال كابول وكبارها أيضا فسحة للهو فيما يطلقون عليه صالات الفيديو. وبصراحة فأن هذه الصالات لا تعدو كونها دكاكين تزهو بثمان أمتار مربعة فيها غالبا ، كرسيان أو ثلاثة ومنضدة عتيقة ينتصب عليها تلفزيون وفيديو لا يستطيع أي مخلوق مسّهما. والسعداء فقط يمكنهم الحصول على موقع في الكراسي الاستراتيجية ، أما الآخرون فتتزاحم أعناقهم أمام الشاشة العجيبة التي تعرض أفلام الكاراتيه والحركة والهندية. أما الألوان فتعتمد على نصاحة التلفزيون ، فهناك الأحمر والأبيض أو الأخضر والأبيض وفي أحسن الأحوال تظهر الألوان وتختفي مع حدة معارك الفيلم.
وللذين لم يستطيعوا دفع فاتورة الفيلم يمكنهم الجلوس على ناصية الدكان والاستماع لحوادثه الشيقة.
وتتطور " صالات " الفيديو مع الاقتراب من الأحياء " الراقية " في المدينة حيث تصطف فيها الكنبات بشكل متواز على طريقة المقاهي ، حيث باستطاعة المشاهد التهام الحَب واحتساء الشاي وغير ذلك.
وأطرف ما رأيناه في صالات الفيديو كان في مزار شريف وليس في كابول : فخلافا للرقابة في بلداننا التي يعمل بها المحظوظون وتعلو بناياتها أكثر من صناع السينما والفنون الأخرى ، يجلس الرقيب عندهم ممسكا بالريموت كنترول متحفزا حال ظهور لقطة فاحشة. ولا يقوم هذا الرقيب ( الأعور دائما ) ، بوقف تشغيل الجهاز ، بل يسرّع اللقطة. ويمكن فقط تصور تلك اللقطات " الفاحشة " خلال تسريع حركتها !



سينما للجميع
حسب الإحصائيات غير الرسمية كانت تعمل في كابول وحدها نحو 30 دار عرض سينمائي في السبعينات. وتقلص هذا الرقم ليصل الى 11 أيام حكم المجاهدين. وما أن وصل الطلاب حتى كان مصير هذه الدور معروف للجميع ومنها سينما شهرنو وسينما بارك وسينما ميللي وبري كود وجو بارك وخالد وغيرها : دمر البعض لأسباب بيئية فالطلاب يفهمون أيضا في هذه الأمور ، وحولوا القسم الآخر الى مطاعم وكل هذه الأمور مهضومة. ولكن أن يبنوا حائطا بطابوق الشعب على بوابة سينما فهذا لم يتصوره السابقون ولا يصدقه اللاحقون. فحتى لو فكرنا بطريقتهم ، أليس من الأجدر بدلا من إغلاق مدخل السينما بحائط ، تحويلها مثلا الى صالة لإلقاء المحاضرات الدينية أو المواعظ أو تجميع الناس بها للهتاف بالموت لأمريكا أو في أسوأ الأحوال تحويلها لإسطبل للحمير السائبة أو مهجع للنوم أو أية مصيبة أخرى. أي خلايا يحمل دماغ من ابتكر إغلاق مدخل بناية بحائط ؟!
في كل الأحوال ، ثمة داران للعرض الآن في كابول تتخصص الأولى في الأفلام الهندية والثانية بأفلام الكاراتيه والبوليسية والحربية وغيرها.
أما الزحام فخف كثيرا عن الأسبوع الأول من العودة الى هذا الفن. والتذاكر متاحة لمن لديه 5 آلاف أفغاني ( نحو 15 سنتا ).

معركة البوزكاشي
البوزكاشي مباراة للخيول يحبها الأفغان جدا. وتغص مدرجات الملعب عصر كل يوم جمعة بشكل يصعب العثور على محط لقدم مستقرة. ويمكن تعداد الدرجات الهوائية المصطفة بتوافق مذهل عند بوابة الملعب لمعرفة عدد المشاهدين الذين يقطعون مسافات طويلة للاستمتاع بمشاهدة هذه اللعبة التي حرمها طالبان لسبب غير معروف ، ربما يكون لمنع المراهنات مثلا.
ويوم البوزكاشي عصيب على القوات الدولية. فهم ليسوا بحمل تجمع جماهيري كبير كل جمعة. لذلك يوضعون هذا اليوم في حالة تأهب قصوى خشية من استغلال مجموعة من المتفرجين الجمع للتعبير عن احتجاج ما أو افتعال أعمال شغب.
وجمهور البوزكاشي في الغالب من الرجال الذين تعدوا الثلاثين ، ويدل ذلك على انتشار اللعبة في أوقات صباهم.
أما الفرق المتبارية فلا علاقة للحكومة المؤقتة بتشكيلها ، فهي تضم الفرسان الأكثر مهارة والذين يتجمعون في فريق واحد على أساس قبلي أو مناطقي وأحيان أخرى لأصدقاء يجمعهم اهتمام مشترك.
ولهذا السبب الذي قد يكون تكثيف تواجد القوات الدولية مرتبط به ، يلاحظ التعصب المبالغ به لدى المشجعين ، الأمر الذي قد يؤدي في أية لحظة الى مصادمات بين المشجعين فيما بينهم أو بين اللاعبين أو الجميع ضد الجميع فالخسارة عندهم في هذه اللعبة تشويه لسمعة القبيلة وتقليل لمهر نسائها ووصمة تاريخية تلحق بها. ونعتقد بأن حكم المباراة أختار لنفسه لمواجهة أي صدام محتمل أسرع فرس للهرب من ساحة المعركة في حالة اعتراض أي بوزكاشي على قراراته.
كرة الرجل
كان طالبان يعلنون للناس عن مباراة لكرة القدم في استاد كابول. وما أن يتجمهر الخلق لرؤية المباراة المزعومة ، حتى يطل أحد الخطباء لإلقاء خطاب لساعتين تعقبه حفلة إعدام وينتهي كل شيء.
هكذا بكل وقاحة يكذبون على الناس. والغريب أن هؤلاء الناس يتوجهون الى الملعب بالرغم من تكرار هذه المقالب بهم. ناهيك عن أن كل اللاعبين والفرق معروفة وغير خفية ، فيمكن التحقق من وجود مباراة أو عدمها من اللاعبين أنفسهم أو فرقهم. بمنطق آخر ؛ أن الناس الذين كانوا يحضرون حفلات الإعدام طواعية يتحملون قسطا من الذنب لتشجيعهم طالبان على الاستمرار في هذا الأمر.
ولأن الكرة الأفغانية أساسا لم يكن لها باع يذكر في هذا المجال ، إضافة لما حصل لهذه الرياضة ، فيمكن تصور المستوى العام لكرة القدم في البلاد. وفي كل الأحوال لا تزال تتمتع بشعبية كبيرة ، ولنقل ، أنها من وسائل الترفيه وامتصاص ضجر الناس.
إمكانات الفرق متواضعة للغاية وتذكرنا بالفرق الشعبية عندنا ، بل حتى أقل من ناحية المظهر. والطريف أن اللاعبين يصوبون أقدامهم دائما على أرجل المتنافسين وليس على الكرة. ويكاد صوت ارتطام الأرجل مع بعضها يسمع حتى المدرجات. والأغرب من ذلك كله ، أن " التكسير " قائم على قدم وساق بين الفريقين ، دون أن يسقط أحد أو يتلوى أو يقول آخ يا رجلي كما يفعل أصحاب الملايين من اللاعبين !
حراش وعشاق
الشبان المتنورون يتزاحمون في الغالب عند مراكز تعلم الكمبيوتر وتطوير اللغة الإنكليزية. وقد تكون هذه الأماكن الوحيدة مما ذكرنا التي يقترب منها الجنسان من بعضهما.
ربما تشعر أن عدد الفتيات أكثر في هذه المراكز من الشباب. ويحلو لجميع الأطراف التجمع عند بوابة هذه المراكز بالعشرات يوميا لتبادل أطراف الحديث والتحرش والتعارف والتواعد. ولا يوجد حرج ، طالما أنهن مبرقعات ويصعب على جار أو فتان أو فضولي ثرثار التعرف عليهن. فلهذا يأخذن راحتهن في التسامر مع الشباب الذين يعدون هذا اللقاءات هي الأكثر ترفيها للنفس من ممارسة أية هواية أخرى.
ويتطور الأمر أحيانا كثيرة حتى الابتعاد عن الجمهرة المحيطة بمراكز التعليم والانزواء بشكل بوليسي في حديقة مجاورة ، خاصة في تلك المراحل التي يتطور فيها اللقاء العادي الى عشق متبادل.
وهكذا ظهر أول العشاق في كابول بعد طول انطفاء بفضل الكمبيوتر واللغة الإنكليزية وافتتاح جامعة كابول وهم الأجمل كما في كل زمان ومكان.
محبو الصنف
مع كل محاولات طالبان التي كانت كلها تصل الى الإعدام ، لم تنقرض هواية تعاطي المشروبات الكحولية والحشيش وكل أنواع الشمّ. ومرة أصابنا رشح بسيط ، جلبوا لنا في مقهى عام ترياق وبعض حشيش وكانوا مصرين على أن هذه الوصفة الأفضل لعلاج الزكام أو الرشح !
أما المشروبات الكحولية فموجودة في الخفاء ( النسبي ) ، ويمكن الحصول على قنينتك المفضلة في أي وقت. علما أن كل أصناف المشروبات متوفرة في كابول والمدن الأفغانية الأخرى. غير أن شعورا بالغبن يتملكك حال سماعك أسعارها. فمثلا يصل سعر قنينة فودكا وفوق ذلك أوزبكية ( لأول مرة نسمع أن أوزبكستان تصنع الفودكا) الى 65 - 70 دولارا ، أي تزيد بنحو 35 مرة على سعر الفودكا الروسية الجيدة ! وينطبق الأمر نفسه على باقي الأصناف.

كيف تقضي المرأة الأفغانية يومها ؟

أني أحب ! أني أحب
لن أكتم حبي ولن أنكره
حتى لو نزعوا لي بالسكين كل شاماتي
من الشعر النسائي الأفغاني

الشارع الأفغاني متحرك إلى أقصى حد ويقبل التقدم لا التراجع وللأفغان ميزة استيعاب الجديد. وللمرأة من وجهة النظر هذه الفضل الأكبر ، فلا يمكن أن تطأ قدم القريب أو الغريب في هذه البلاد دون أن تعيش وجودهن وليس فقط أن تشعر به.
وبسبب عدم وجود مراكز علمية متخصصة بمناقشة مسائل الديموغرافيا وتوزيع السكان ، ناهيك عن الإحصاء العام للنفوس ، فلا يمكن أن يجيبك أحد على السؤال المتعلق بنسبة المرأة في المجتمع الأفغاني أو حتى يعطيك رقما تقريبا لنفوس هذه النفس المغرقة بالآلام.
غير أنه حتى مراقبا بعيدا يمكنه التنبؤ بهذه النسبة في بلاد اهتمت كثيرا بحصد الرجال ، وأولئك الذين رحلوا بدون تذكرة العودة ، الهاربون واللاجئون في أصقاع الدنيا. وفي النتيجة اختار القدر للمرأة الأفغانية لعب دور القلب النابض للمجتمع فهي الأرملة والزوجة التي تهفو إلى سماع حفيف الغائبين ، حاملة أسماء المفقودين والأسرى والضائعين والمهاجرين. وهي الفتاة اليانعة التي تحفظ قصص الآباء عن ظهر قلب والأخت المجروحة المحتفظة بعباءة الأخ الغائب أو المطارد أو المتلاشي والمحفور خلف زجاجة الصورة اليتيمة في مهب الدار.
نسبة المرأة الأفغانية في دولة لا تعرف عدد سكانها هي الأعلى من الرجل وفق منطق الحرب وعصفات الزمان. لذلك تجدهن زهرات شاحبات يحملن أرواحا متآكلة لم يدفئها نسيم العزيز ولم يرشها برماده الخامد.

أصل الخيمة

يريد حبيبي إبقاء لساني في فمه
لا من أجل اللذة
لكن ليفرض حقوقه الدائمة عليّ
من الشعر النسائي الأفغاني

البرقع التقليدي الذي اصبح سنّة طالبان وبدأ به دستورهم وكأن وجه المرأة يهدد الأمن القومي للبلاد ، لم يكن وليد هذه الحركة الأمريكية ، بل هو اختراع بشتوني بحت ليس للأثنيات الأفغانية الأخرى علاقة به. وهو منحدر منذ الأزمنة الغابرة حيث وطن البشتون المنطقة. ولم يفعل الطالبان شيئا سوى العودة الى مقاساته.
ولأنهم تركزوا في الجنوب الأفغاني وكابول ، فتجد حتى الآن حساسية بالغة وخشية محسوبة للمرأة في رفعه بسرعة.
غير أن الأمر يختفي تدريجيا ما أن تتحرك نحو الشمال. فمثلا ، لا يعد مستغربا رؤية مجموعة من الفتيات في مزار شريف يرتدين الملابس المعتادة ( التنورة والقميص والجاكيت ) بلا أغطية ولا خيام زرقاء أو بيضاء أو سوداء. ربما لأن طالبان لم تمكث طويلا في العاصمة الشمالية ، ويرجح اقترابها وتأثرها في الجار السوفيتي وتقاليده وخاصة أوزبكستان التي تبث قناتها التلفزيونية يوميا في المدينة ، ولعل عامل الشمال الأكثر تطورا من الجنوب لعب دوره هو الآخر حتى على هذه الأرض.
ويبدو أن المرأة في كابول وجنوبا ، بحاجة الى من يساعدها في إزالة وتد الخيمة التي نصبوها عليها بلا إذن ولا شفقة. ويلاحظ حتى في كابول ، أن المرأة التي امتلكت قدرا من الشجاعة وبادرت في رفع النقاب ، لم يعتب عليها الشارع ولم ينتبه لها ولم يسارع في تأنيبها. بمعنى ، أن النقاب الآن في ملعب المرأة الأفغانية ، يمكنها إزالته في الوقت الذي تقرر فيه ، وأصبح الأمر شخصيا يتعلق بها وبزوجها أو برب عائلتها.
والتزامن ضروري أيضا في هذه الحالة. فالطاجيك والأوزبيك يقولون بأنه عادة بشتونية اضطررنا لمسايرتها حتى لا نصبح استثناء. وهذا الأرث الصعب آذى الجميع لكونه أشغلهم عن صنوف أكثر أهمية في الحياة وأزاح زهو الفتيات ووأد المزيد منهن منذ المهاد.
وإذا كان الطاجيك يسيطرون على أوضاع العاصمة بالكامل ، فأمامهم المبادرة لإثبات جدية اعتراضاتهم القديمة ، ولو كانت فردية في بادئ الأمر ( وهذه المبادرات تمضي قدما الآن ) ، ففي النهاية ستزول الحاجة للخوض في جدل حول التعقيد والتراخي أو البحث في الفروقات بين النور والظلمة.
الأسواق نسائية
السوق " عامل " اجتماعي - سيكولوجي هام ساعد المرأة الأفغانية ( وفي بلداننا أيضا ) على إيجاد ساعة النشوة للأقدام لتتحرك خارج الحيطان. أي إنسان بلا ائتلاف الجسد والروح سيخلو قلبه ودورته الدموية من الحرارة. فما بالك بالمرأة في أفغانستان التي تقوم بمهام متعددة وكما ذكرنا فهي العمود الفقري للدار بغياب الرجال وحتى بوجودهم.
بالإضافة الى ذلك فأن المرأة الأفغانية هي المسؤولة عن توفير كافة متطلبات البيت ووجودها في الأسواق أمر طبيعي وليس " مكرمة " من السادة.
ولكي تحصن نفسها من زعيق محتمل ، توزع ربة البيت احتياجاته بشكل يجعلها تذهب للسوق مرة واحدة في اليوم على الأقل. فلا تشتري الخضار مع الفواكه ، وتتناسى الخبز أو اللبن أحيانا. وهذه الملاءة مرقعة أكثر من اللازم ، عصرا بحاجة لزيارة سوق القماش. ويقال أن بضاعة رخيصة نزلت في سوق الهرج عليها البحث عن حلة جديدة - قديمة ، والطريف أنها تشتري لرجلها أول الأمر حتى تملأ فمه ويسكت.
باختصار ، يمكن للمرأة إيجاد مئات من المتطلبات ( أو الأعذار ) لكي تتواجد في السوق. وهذا ما تقوم به الأفغانية على أفضل وجه.
عرس وذهب
و هناك أعذار المناسبات. فالاستعداد لحفلة العرس يعطي المجال للقريبات والصديقات لفترة لا تقل عن شهرين للذهاب يوميا لمساعدة العروس في اختيار بدلتها والتمعن في ذهبها والتدقيق في صلاحية أثاثها. ولكل قريبة اختصاص ، فهذه تفهم في أدوات الماكياج ، والأخرى خبيرة في الذهب ، أما المتزوجة فتدرك أهمية البحث عن أثاث متين لمجابهة أعصاب الزوج الفائرة. وبعدها يأتي دور خبراء الصحون والتحف والسجادات …الخ.
والطريف أن جميع الخبيرات يتجمعن كل صباح لمصاحبة العروس في هذا التجوال الممتع ويستمر هذا العيد المتحرك لأسابيع حتى ظهور عروس جديدة‍.
الأمراض المفروضة
ولعل البحث عن مرض وهمي في النفس أو الطفل ، أزعج أعذار النساء للخروج من شحوب الجدران. وخلال تجولنا في كل مستشفيات كابول تقريبا ، وجدنا أن الرجال لا يمثلون إلا 5 % من المراجعين ، وعلى الأرجح هم المرضى الحقيقيون من بين الجمع الغفير لنساء لا عدّ لهن تمتلئ بهن الممرات والغرف وباحات المستشفيات. ومن السهولة ملاحظة انشغالهن بالحديث مع بعضهن البعض والتسامر ولا يلتفتن حتى لوجود الأطباء أو الممرضات أو لدورهن في الطابور الاختياري. ويبدو أن العاملين في المستشفيات يدركون هذه " الموهبة " فلا يضيرهم أن تتحول أروقة مستشفياتهم الى نواد نسائية مجانية ، طالما أن وجود هذه الزحمة اللطيفة يعطي أنوثة للمكان كانوا محرومين منها ، بالإضافة الى أن هذه الزحمة تبرر شكاواهم لـ " وزارات صحات عامات " ولليونسيف بالتكثير من المساعدات.


تسالي وحجج أخرى
وهناك مرافقة الصغار للمدرسة في الذهاب والإياب. وفي الفترة ما بين الذهاب والإياب هناك الدكات التي يتجمعن عليها مثل واحة نساء.
وتجدهن في منتصف نهر كابول ، يغسلن الملابس ويغلين ماءه ، يحملن الحطب والملابس الرطبة على ظهورهن لمسافات بعيدة.
وتطل المرأة على أعلى القمم الأفغانية تنشر البذور وتطعم الحيوانات وتمتطيها ، تحمل الحطب وتبني الدور.
وقد تراها في صندوق سيارة أو على متن دراجة هوائية.
وكما ذكرنا في تقارير سابقة تتزايد أعداد المتعلمات في مراكز تعليم اللغات والكمبيوتر وحتى لو تأخذ المحاضرة ساعة واحدة ، فيمكنهن التجمع قبل المحاضرة بساعة ويغادرنها بمشي سلحفاة أو يتوقفن عند المركز لمناقشة آخر المستجدات. وكذلك الحال في جامعة كابول ومعاهد الدراسات الأخرى.
المصرّفة الحديدية
يتجمع مصرفو العملات الأجنبية في مركز كابول بأعداد تكفي لقافلة جمال محملة بالدولارات. أغلبهم من الشباب في العشرينات من العمر. وهذه الظاهرة طبيعية. ولكن المثير أن من يسيطر على سوق التصريف والبورصة وتحديد السعر امرأة. وهذه المصرّفة الحديدية تجدها في كل مكان في السوق ، توجه حملة النقود وتعطي الأوامر بحزم ، وأحيانا تصل الى درجة تنظيم السير في المنطقة في حالة تزاحم سيارات الراغبين بالتصريف.
بعد اكتشافنا للرأس الكبيرة في سوق التصريف ، أخذنا نتعامل معها بشكل مباشر ودون وسيط وكانت للإنصاف تعطينا أفضل سعر وأنظف أوراق نقدية.
نواد نسائية
وللطبقة الأفغانية الراقية عالمها الخاص. ونساء هذه الطبقة يحتجبن داخل بيوت العائلة الفخمة ومزارعها ومنتجعاتها. ويشكلن ما يمكن أن نطلق عليه " الأندية النسوية " بتجمعهن بشكل دوري. يمارسن السباحة ويلهون بكرة الطائرة والريشة والبليارد. وهذا التجمع في مظهره العام لا يعدو كونه زيارات عائلية ، غير أنه في حقيقة الأمر ، نواة لنشاط نسوي عريق في أفغانستان منذ أيام الملكية التي ازدهرت بها العائلات الأرستقراطية. ولتجمعات " الفلل " النسوية في كابول تأثير كبير حتى على سياسة البلاد ، لأنها تضم عائلات الحكومة المؤقتة وأمراء الحرب ورجال الأعمال الكبار في أفغانستان ، زد على ذلك أن الكثير من العائدات الى هذه التجمعات من المهجر ، أعضاء في حركات نسوية أفغانية معروفة وناشطات لهن باع طويل في هذا المجال ومحترفات العمل الجماهيري والسياسي منذ التواجد السوفيتي. عضوات الحزب والكمسمول وغيرهن.
وإذا كان الأمريكان يدسون ضابطات المارينز وأجهزتهم الخاصة الأخرى في لقاءات الأرستقراطيات الأفغانيات الدورية ، فأن الروس يهتمون بعضوات الحزب والكمسمول الأفغاني السابقات.
وليس من المصادفة اللقاءات الحميمة في دار الطبيبات الروسيات في كابول ( وهو من الفلل الراقية أيضا ) مع هذه الشخصيات النسائية اللواتي تخرجن من معاهد الاتحاد السوفيتي العلمية والسياسية ، في تجمع أقرب للصالونات النسائية التي تضم مثقفات المجتمع.
ويمارس الجزءان ( الأرستقراطي والسياسي - الاجتماعي ) الدور نفسه تقريبا وحتى الأسلوب. وفي النتيجة أن المرأة الأفغانية دخلت الى السياسة الكبرى من الفلل الخاصة وتساهم ولو بالخفاء في الوقت الحاضر في دفع الحركة النسوية الأفغانية الى الأمام.

في البحث عن الجسد المفقود



مثل هذه المواضيع لا يمكن أن تعد له مهما امتلكت من مكر وحنكة. ووقائعه قد لا تساوي شيئا وليس بالضرورة أن تحمل أهدافا يسيرة كانت أم عسيرة. لا الأرقام هنا ذات قيمة ولا الأوزان .. وفي بلد أطلق من الرصاص ما تجاوز حبات المطر المسترسلة على قصته ، لا حديث عن مسببات السقوط الإنساني حيث تنجب كل رصاصة عاهرة … بلا أسماء ولا وجوه : النائحات واليتامى ، غارزات الدموع في أبر الأشجار ، ذوات الأجساد الرطبة الراعشة في ثلوج كأنها تمائم ، غزالات البلاد المصطفات المستويات حشرات قاتمة ، الهابطات على صبية أسسهم الجوع وفقا لجرح طويل وعميق.
في مثل هذه المواضيع الدامعة تتراءى شبكة من المهزومين والمسحوقين ، قصاصات الورق العالقة بها الكلمات الدنيئة. المحكومين بالسقوط مدى الحياة ، تصغر الكلمات عند وصفهم وتتضاءل :
أنهم ضحايا رحلة البحث عن الجسد المفقود
الليل والنهار
عندما حلق طالبان على جناح السلطة كانت البلاد قد وصلت الى حالة من الفوضى الاجتماعية والسياسية والأمنية لم يقدر أحد تدوينها بسجل أو أرشيف. وارتضى كل من سولت نفسه البقاء في الوطن التظاهر بأي شيء عدا الحقيقة. ولأن طبيعة الحياة فرضت نظامها المعروف من أجل البقاء ، فأن أصحاب مهنة هذا الموضوع ارتدوا حربائهم هم أيضا حالهم كباقي الخلق ليحافظوا على وجودهم الفيزيائي بانتظار اللحظة الفاصلة.
وكانت الدعارة في أفغانستان من المهن التي بدا وأن طالبان أغرقت نفسها في محاربتها كما تظاهرت في مكافحة زراعة المخدرات والاتجار بها وزراعة العنب وصناعة الخمور.
وإذا كان أهل المخدرات قد نجوا بجلدهم وبضاعتهم لأسباب يعرفها وزير مالية طالبان ، وصناع الخمور تلقوا ضربة العصر حيث اقتلعتهم الحركة من جذورهم وأطاحت بهم بلا شفقة ، فأن عاهرات البلاد تحولن الى حمامات مرفرفة على الدوام.
لم يسبين كما حملت لنا الأنباء ، ولم يجرجرن من شعورهن الى ملعب المدينة كما تتحدث الصورة الوحيدة لإعدام امرأة فريدة ، ولم يحرقن على مذبح الطهارة.
وجدن أفضل الحلول الشرعية والإنسانية ، فالسيف لا ينهي النشوة ويمكن للباب أن يفتح لمن يريد الجسد المفقود من قمة الرأس الى أخمص القدم ، ولكن بالخلوة الشرعية ، التي ما أن تنقضي ، حتى يأتي النهار بسننه وقوانينه.
مأذون بالأجرة
كل ما يحتاجه الباحث عن الجسد المفقود ليخرج نهارا كما دخل ليلا بلحمه وشحمه سيارة تكسي ومأذون شرعي. وهؤلاء كالمترجمين أيام الحرب الأمريكية العظمى ضد الإرهاب ، لا يمشون خطوة بدون تكسي. وهم من الكثرة بحيث ازدحمت بهم أروقة وزارة " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " التي كانت تمنحهم إجازات رسمية لتحرير عقود الزواج. وكانت هذه العقود تحرر كل يوم كما يحرر طبيب منفرد روشيتات الأدوية في قرية أصابها وباء.
والأكثر طرافة أن الراغبين في " الخلوة الشرعية " لا يكلفون أنفسهم ويبحثون بين براقع النساء ومن خلال المعارف وسجلات " النهي عن المنكر " السرية أو شرطة الآداب كما تسميها الدول العلمانية " الكافرة " ، بل يلتجئون مباشرة الى حضرة المأذون الشرعي ( وهم أكثر عددا من سواق التكسي المسجلين بالمناسبة في سجلات وزارة " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " ) ليعطيهم قائمة بالمتيمات والمنتظرات السيد الزوج ، زوج الليلة الواحدة !! ومع القائمة الأسعار : الزواج لليلة واحدة ، لأثنين ، لأسبوع …الخ وكذلك العمر ( يضرب الأسعار أضعافا لو كانت عذراء … الطول … لون البشرة …الوزن ( !!! )
ولكل فقرة سعرها بالطبع.
ينتهي الأمر بعد ليلة أو أثنين حسب " بنود العقد " ليذهب السيد الزوج الى المأذون الشرعي ثانية ليعلن أمامه " إخلائه " المكان أو " تحريره " للسلعة أو ما يسمونه شرعا " الطلاق ".
والدفع كما في مهنة الدعارة يكون عادة للقواد ، في حالتنا هذه يدفع الزبون مباشرة قبل إتمام العقد للمأذون الشرعي !!
دولاب المأذون
ولأن " الزوجة " تستقبل في الشهر كذا عدد من " الأزواج " ولأن أغلبهم يجهلون أي شيء من المصطلح الذي اخترعه النفسيون " الثقافة الجنسية " ، فأن للمأذون الشرعي دور في تثقيف " الأزواج " الجدد على الشغلة بضرورة استخدام الموانع الرجالية. ولو يتطلب الأمر يعرضها عليهم ولو تصوروها " علكا " أو نفاخة يمكنه حتى تجربتها أمامهم.
ولم لا ، فلا حرج في الدين. فدكان المأذون فيه دولاب خاص يبيع فيه ما يشاء من بضاعة " الكافرين " الممنوعة في الصيدليات : حبوب منع الحمل ، موانع رجالية ، مقويات جنسية … هو الوحيد الذي باستطاعته ملأ سراويل الرجال بكل ما طاب ، فلا حرج ، طالما كل شيء يجري بالمعروف !!
الجروح الظافرة
وتخلف هذه " القوادة الشرعية " جروحا ليست في النفس ، فهذا الأمر لا يقلق أحد على ما يبدو في البلاد الرمادية. جروح في بطون النساء. فأغلب الرجال وخاصة المبتدئين " يفترسون " ضحاياهم بلا رحمة حتى لو أعاد لهم المأذون عملية ارتداء الواقي عشرات المرات.
وفي النتيجة تنتفخ بطن إحداهن بطفل من زوج لا تعرفه حتى لو أعادت حساباتها مع المأذون ، لأن أغلبهم وببساطة مقاتلون رحّل : اليوم كانوا هنا وغدا … حتى الشيطان لا يعرف لهم مستقرا.
تحمل الضحية الشقية جرحها لوحدها بعد أن يتفرق عنها الجميع ، وفي أحسن الأحوال وأنبلها يتركونها في حالها تسترزق من عطايا الزوار الجدد. أما في الغالب فيلقوا بها كاللحم الفاسد الى أقرب مزبلة خوفا من متاعب لا حصر لها.
أما بعد
وقد أزيلت الغمة ورحل المأذونون وأغلقت دكاكينهم التي تشبه الى حد كبير في
" البلدان المتحضرة " شركات التعارف. فلا يوجد ما يمنع من خروج المهنة الى العلن. ناهيك عن أن هذه المسألة لم تعد تهدد الأمن القومي للبلاد وخارجة عن نطاق اهتمام القادة الجدد المنشغلون بمصائب أكثر جسارة.
فكيف انتقمن من تلك الليالي السوداء ؟
دستور جديد
ألفن دستورهن الجديد الذي بموجبه لا تستطيع أية قوة في أفغانستان السيطرة عليه حتى لو تدخلت القوات الدولية. وعقدن حلفا استراتيجيا مع أهل الأمن والمخابرات والبوليس المحلي تحت شعارات اتفق عليها " شيّلني وأشيّلك " و " لكم شغلكم ولنا شغلنا " مع الأخذ بالاعتبار احترام مصالح كل طرف.
والمثير جدا بالأمر ، أن من يقود عملية بيريسترويكا بيزنيس الدعارة في أفغانستان وغلاسنوست التسعيرة الجديدة هم المأذونون الشرعيون الكبار ، أي الذين كانوا يشرفون عمليا على " بيزنيس زواج المتعة " في البلاد. فهؤلاء يمتلكون كل مقومات استلام الراية ، فلديهم كل العناوين والخيوط والشبكات ، وبـ " حوزتهم " كل أسرار المهنة ويقف ورائهم جيش لا حصر له من " المنتجين والمستهلكين ". تحت سيطرتهم كل تجارة الجنس في الإقليم ولديهم وكالاتهم الرسمية وشركاتهم التي تستورد كل البضائع الجنسية والحبوب والأدوية. هم في المفهوم المعاصر قادة مافيا الجنس في المنطقة ، المستوردين والمصدرين ، الأبرار في عمل المعروف السابقين وبناة الحياة المعاصرة الحديثة.
التسعيرة الظريفة
تأخذ التسعيرة الجديدة في نظر الاعتبار عوامل كثيرة منها نوعية المستهلك (الزبون) ووضعه المادي ومنزلته وموقعه ومنصبه. والمكان ( عندهم أو عنده ). والزمان الذي يبتدأ بساعة وينتهي الى إشعار يحدده الطالب. عمر البضاعة وإذا كانت مستخدمة أم لا ، وزنها بالكيلو وطولها بالسنتمترات.
ولم تفت القائمة الإشارة الى ما يمكن تسميته " الجنس الطفيف " (ليس اللطيف). وهذا النوع ينتشر عندما تتجول البضاعة بنفسها وتزور الراغبين في المحلات العامة وزواياها الخفية وفي غرف المطاعم السرية.وهذا يمكن التوقف عنده بمزيد من الأرقام التي عرضت علينا بشكل مباشر وبدون مواربة : قضاء ساعة مع الاحتفاظ بوقار الملابس ما يعادل 5 دولار. مداعبة الصدر 10 دولار. " طريقة مونيكا " 20 دولار. الممارسة الكاملة لمرة واحدة 30 - 40 دولار حسب العوامل المذكورة أعلاه. طبعا الأسعار مرتفعة وتعادل الأسعار في موسكو تقريبا. وكما قيل لنا فالمهنة ما زالت في طور " إعادة البناء " وتعتمد الأسعار على العرض والطلب الذي ما زال شحيحا. وربما كانت هذه الأسعار مخصصة للأجانب فقط.
الأساليب نفسها
ويشبه أسلوب الدعارة في أفغانستان الأساليب المتبعة في كل الدنيا ، فهناك البيوت السرية التي يؤخذ إليها الزبون أخذا دون أن يعلم العنوان مسبقا. حيث يتم الاتفاق على استخدام تكسي خاص يقوم بهذه المهمة.
وأحيانا يجلسن في التكسي لتبدأ العملة والاتفاق والاختيار. وتقوم باختيار الزبون
" الكبيرة " أو " الماما " حسب التعبير الدارج والتي تكون قد اصطادته في السوق أو المحال المعروفة أو عن طريق معارف موثوق بهم.
و " الماما " غالبا ما تتعاطى هذا الأمر أيضا فأغلبهن في منتصف العمر ، والغريب أنهن يفرضن أسعارا أعلى من رعيتهن ويحلو لهن ترديد عبارة : " لم أعمل منذ زمان طويل وهذه المرة وافقت من أجلك فقط " لكي تخور ممانعتك وتوافق بدون قيد أو شرط.
أصبح كل شيء واضحا الآن. ولا داعي لاقتحام هذه الأوكار ، طالما تتبعنا مسيرها ، فولوجها أصعب بكثير من اجتياز حقل نابت بالألغام. فالحقائق اجتازت المعبر ولابد من التوقف عن استرجاع كل هذه المهانة لاستعادة القدرة على الكتابة على الأقل.

الثلاثاء، 8 يوليو 2008

رفع النقاب عن الجمال الأفغاني

" جميلة أنا الى جانبك"
من الشعر النسائي الأفغاني


الجمال عندما يصبح بهذه السعة والكثرة كما في أفغانستان يستهل كل الأحاديث ويصوغها. وتأجيل التفكير فيه يسكر الكبد ويبلع الاستنباط ويؤخر النتائج الوردية. ولعل ركنه ليجيء آخر عمود في الصفحة الأفغانية ، ليس لغيابه أو استرخاءه ، بل لحضوره الشاق ولأنه محاولة أليمة لانتشال الحب من بين أنقاض الحرب.
أيتها الغائبة
بيديها تكوّر خيمتها اليومية على ظلالها المحترقة شوقا للحياة لتمضي ماسحة الموجودات ، متوهجة كمصباح لابد منه لتطبق على المدينة العقيمة : الفتاة الحقيقة.
لا تظن بهيئتها ، واثقة من نضوج ثمارها وأبهة جمالها الذي تسطع كل الأشجار وتنحني له عند مقبلها. غادرت دميتها الأليفة ، الوحيدة لتعرّي المكابرة وتخلط الإمتاع وتغري المؤانسة. تحسم مساورة الشك بالرجولة. ناهشة ، دوّامة ، تسابق الريح التي تستحيل أرجوانية ما أن تهبط على شجرتها : هي الأفغانية المخفية بوشاح السماء ، من بداية الطريق حتى اكتمال النوافذ.

ساندريلا
في اللحظة التي تقرر تحول النقاب الى كهف مفتوح. بزهو وتمايل وإعادة تركيب التبعية إليه. مهما طال أو قصر أو تغيرت ألوانه أو امتزجت ، هو التابع وليس المتبوع للوحدة المصقولة التي يسمونها الجمال. فالثياب هي التي تفخر بانطلاقها الأثير من تلك الأصابع المحفوفة غير المحتملة. والأقدام ساندريلا غريزية تكاثفت في بضعة سنتمترات متصدرة الساق : أغصان أزهار ابتكرتها الجنة ومسرى لانغماس المقل. تعود بالزمان في المرور الذي لا يقاوم. أظافر كالمناقير تنساق إليها النقوش متدلية بإثرها حملقات الخلق. ناعمات كفيضان بطيء ، راقص. سريان مترنح لكتلة من الزينة بلا وزن : هذه الأقدام وحدها تبرق بسندريلا فريدة … أقدام فقط تطنّ في اللوحة : فكيف لو كان الطيف كله يصيب مروحة الفؤاد ؟
الجمال المبهم
تعرف أنها أثمك وعذابك ورداءك الصوفي.
ممسكة بعصا فتنتها لتمقت ثائرتك كي ترسل حياتها بين يديك.
تنبئك بالذي أقوى من الفيافي وأحلى من الريب وأخدع من الأشباح ،،،، تخبرك بلا إطالة بأنها الماسكة بدفة الزمان ، بلا كلمات. تستجمع قواك لتحصي ذرات الغبار التي تخلفها ذيولها. رمس مصنوع بلا نقيصة كأن أبهر الشعراء حاك هذه الصورة. فكيف التسلق الى برجها : أفي الإغراق في إلا وكيف ؟
الجمال حين يتفنن

خشخشة أساوري ، يا حبيبي ،
ستدلك على الطريق
من الشعر النسائي الأفغاني


طرق لا تحكى وأساليب لا تستمع وكيد ما بعده غشاوة ، ما تبنيه الأفغانية قبل الشروع بصيد المعذبين. وبالرغم من أنها تأنّ من محاصرة الكهف الأزرق أو الأسود أو الأبيض ، إلا أن لديها مجال لمناورة النداء : كفوفها وأقدامها والرياح العابثة بوشاحها وتطفل شعرها عند زوايا النقاب.
العوامل الأربعة هذه من تحكمها : فمرة تستغل واحد منها وأخرى الأول والثالث وأحيانا الرابع والثاني وإذا تطلب الأمر تفجرهما عليك دفعة واحدة كي تتأوه بلا شفقة: يا مأربي ومأساتي !
ونظرا للظرف الموضوعي للغاية الذي شيدت الوزارات على أساسه وأطلقوا ما تيسر لهم من عسس من أجله ، فقد تحولت التجارة المرتبطة بزينة الكف والقدم وبضعة سنتمترات من الساق الأكثر شعبية وشرعية. وتركزت جهود المختصين على جعل هذه المناطق الأكثر بياضا وجمالا لما تبقى منهن !
أكفّ ناضجات مزروعات بوهج نباتات متسلقة. دائبات التهدج ، متحليات بكل ما يحطم الجمال لكي يبقى لا يفارق ثراء العيون. أقراط وأساور ومحابس ونهايات خمرية للقميص ، أو رباط يكاد يحدثك ويسلسل تأملاتك باتقاد خطوط وألوان متناسقة ليست كالثرثرة. همّها تدوين الجديد في فسحتها السارية من الذهول المسموح به. لمعان من الغربة ؛ أثر يقتفي أثر على واجهة الكف المصبوب الذي إن صعقك تشهق باللوعة المتاحة : ماذا أرى ؟!
ولو اجتمعت كل السوبر موديلات في الكون لما قلدن مشيتهن : يا لها من تماثيل حذقه. لا تجذب فحسب ، بل تصفق أدراجك وترتقي بخيولك الجامحة. الآن وهنا فقط، تجري الأوراق الزاهية وسط الزحام لتفضح كل طغيان الدنيا وكأنهن يضبطن صمام الوجع وخلوة الروح.
ترفرف سيقانهن كعناق استيقظ توا في حديقة. أي أرض تعلق بها ولم الستار من الأشرطة المدلاة بحرائق تخضعهن للنظام. وميض الأقدام هذه لا يعرف المشيب : خذها زورقا يبتكر السد.
والعامل الثالث المرتبط بالرياح البريئة التي تداعب الوشاح فلا حرج عليه طالما الرياح تسير بأمره. فإذا وهبت لحظة خيال وتجاذب أو ذهول فهو يوم بهي ، ملهم ، زرع قنطرته عبورا للجمال. وإذا لم تفعلها الرياح ، تفعلها هي بوفاء عابر : بعثرة أو عطف ، باعوجاج متعمد أو التقاط شيء ما لا يقع منها إلا في اللحظة التي اقترب القلب من السقوط معها. وكلما أطلت النظر الى غزالتها ، تمادت في تحيتها وعنفها غير المرئي بتناغم وسر لا يدركه إلا من غاص في هندسة الكيد المتأصل ؛ العظيم !
أما الباب الرابع فيناديك بفضفضة الشعر أو جزء منه البارق أو الحارق أو الصاعق. ومهما عمل الخياطون لستر الخصلات المدمرة ، إلا أن عينيك تتناول خميلتها في اللحظة والدقيقة والساعة واليوم والشهر والفصل الذي تشاء فيه ، هي وحدها،لخطف دمدمتك الخالية من التعبير ، حتى تصل الى أعماق تباين خطوط شعرها وسرحانه المبيد.
تضاد جماعي
هذا الجمال أنقذ العالم بتأكيد ديستويفسكي. وهو الوحيد الذي حافظ على نضارته في هذه البلاد. ولكن النقاب عكس كل ما قيل عنه ربما أنقذ أولئك الذين تمر السنون دون ملاحظة وجه امرأة. تناقض غير مراقب يصعب إثباته.
هي واحدة المخلوقة الحسناء ، ويقول المهذبون دائما بأن كل امرأة جميلة وخاصة الأكثر نفاقا منهم أو من يحاول تدارك حٌسن امرأته. ولكنه وحسب كافة المقاييس فأن قصاصة جمال من أية أفغانية تفوق ما تملكه الأمريكية أو الاسكندنافية أو نساء شعوب أخرى.
لا تلمس البدانة لدى الأمريكية ولا صفرة النرويجيات ولا ضآلة الصينيات : يافعات ، ساخنات ، يتركن شعور لا يكل بالفرجة. متأججات بوحدتهن ، يجمعهن عمر صبية طائرة.
الجمال والأمن القومي
ولا يمكن استبعاد كل هذا الجمال عمّا حصل في البلاد وسيحصل لها. ربما كان لاستقرار الكثير من الرجال الغرباء هنا علاقة بالجمال. عندئذ يجوز اعتباره أحد العوامل السياسية التي أفضت فيما بعد للأمنية والعسكرية. لاسيما وأن معظم الغرباء تزوجوا من أفغانيات. ولو صحت هذه الفرضية فأن الجمال الأفغاني جدير في أن يغرق العالم بأسره بالحب والحروب.
ولعل الحرب الأمريكية ضد أفغانستان والغرباء فيها قد خلفت وستخلف ورائها المزيد من الغموض والفوضى فيما يتعلق بمصير آلاف العائلات : النساء والأطفال ، التي غاب عنهم فجأة صاحب الدار.
القوّامون عليهنّ
والملاحظ أن الأفغان يفضلون الارتباط بأفغانيات ، ولا يلعب انتمائهن العرقي دورا كبيرا سوى في مباحثات المهر. وحتى المهر لا يرتبط بشكل أساسي بوضع العائلة ومركزها الاجتماعي ، قدر تعلقه بالعروس نفسها ، وتحديدا بجمالها. أما المشاكل المتعلقة بالفوارق الطبقية المعروفة ، فتكاد تختفي مع اختفاء الطبقات في أفغانستان.
أما الأفغانية فلا يفرق عندها الأمر عندما تكون لا مبالية. ولو تجيبك بصراحة وحرص فتجدها تفضل الأجنبي. ويمكن فهم ذلك على أساس رغبتها في التحليق بعيدا عن الطيش والجروح والقمع الذي رأته من رجال بلادها وكل ما يحيط بها من القوّامين عليها !

اقتناص الجمال
لا يستطيع حتى محترف وضع خطة بعينها لعمل تقرير صحافي عن الجمال. فهذا النوع من الموضوعات تصب فيها عصارة الموروث من الخبرة والمكر والقدرة على فك الأغلال. لذلك فهو الأصعب في بلد حكم دستوره إخفاء معالم الجمال. فما العمل ؟
لم نترك الأمور على عواهنها لنرثي عجز العدسة. ولابد من التأكيد بأن الصور التي تظهر في هذا التقرير لم تأت بالصدفة ، بل تدخل في تحميضها ثلاثة وزراء على الأقل ! وللإيجاز فأن طريقة البحث حتى للمحققين البوليسيين تبدأ في الإجابة عن الأسئلة المعروفة : الباعث ، المستفيد ، الدليل المادي.
ولكي ترفع النقاب عن الجمال لابد من العثور عليهن أولا. وثانيا ، يجب أن تعرف بأنهن في هذه الأماكن يرفعن النقاب بلا حياء وبشكل رسمي. وثالثا ، أنهن يمتلكن هذا القدر أو ذاك من الجمال.
وكان لتتبع هذه الآثار فائدة اندهش لنتيجتها أكثر الزملاء نشاطا ولا نعتقد بأن من عمل هنا خرج بمئات الصور الخالية من النقاب كما تسنى لنا. وكان ذلك بفضل تقفي أثرهن بلا هوادة أينما وجدن : لا يمكن أن تقيس قلادة الذهب أو قرط ما دون رفع النقاب ، لا يستطيع الطبيب الكشف عليها بالنقاب ، لا تتلقى المحاضرة داخل غرفة الدرس بالنقاب وغيرها من الفرص.
بعضهن وخاصة عندما يكون الأستاذ امرأة وفي لحظة اقتحامنا لقاعة المحاضرة يرتدين النقاب على عجل. وكانت جملة واحدة ننطقها كافية لأن يرفعنه من جديد : لو كنتم أنتم مثقفات البلاد تفعلن هذا الشيء وفي هذا المكان فكيف حال النساء في القرى والجبال ؟
ليس استفزازا ولو بدا كذلك ، بل دفعة متعمدة لتبسيط ما ترسب في أعماقهن. ومع ذلك لم يأت كل شيء بالصدفة فقد كنا نستند الى تصريح خطي من وزيرة الصحة ووزير المعارف ووزير التعليم العالي للدخول والعمل بحرية في حوزتهن. أما عمليات الصيد في الشوارع والأسواق فذلك من فضل المثابرة.
مكرهون حقا
وما أن يتآلفن معك ، حتى تبدو الأشياء وقد سحبت منها كل اللعنات. وبعد ثوان تشعر بأنهن مكرهات فعلا على التغليف والتعليب المفروض عليهن. تتقافز وجوههن بفرح وتطل أعناقهن ملاقيات الهواء وبأنفاسهن الناعمات تسطع بهجة الحياة. والجمال واثق من وجوده ، مقدد ، يلحّ بانبساط. ومع انتهاء الثواني الأولى وانتهاء مهلة التعرف ، تعرض فسحة التفاهم وتنبسط آفاق الود بين عيونهن والعدسة. حسم الأمر وبان جوهر الجمال بإرادتهن وكأنها محاولة لإزاحته عن كاهلهن. يظهرنه من ثناياه بتكامله الذي لا يشبع : في الهزيع الأخير من المرارة وآهات منتصف الليل ، في حيل الزمان وقراراته الزائفة لأن تذعن حركة الأمواج لمشيئته ، في الأنس المارق والوحدة القصية.
احتفال أخير بالجمال
أسقطنا حملهن ولو للحظات ، تلك التي يعود فيها البصر بعد نفثه بدخان لانهائي. ليخرجن من الغلاف محمومات الرغبة وكأنهن اكتسين لأول مرة سر الضوء وأسم الوردة. قسمات ورموز نافرة ، مسرة قلع الحائط الزائد والجدار الرابع نحو الشاطئ لنثر العناق والأزهار والبراعم على أجنحة الجمال.

الأربعاء، 7 مايو 2008

الحب في بغداد



"أعينني في هذه المحاولة
بإلهامك
وقودي مسيرة هذه القصيدة"
-أوفيد-

نشيج صففه لها من بغداد جمال حسين علي:

كان يا بغداد
كان يا ما كان
حرفان غيرا الاحلام والغفران،
اوغلا في انوارك المحرمة
وحنانيك وعريك الهادر وفتورك الفاقد الذاكرة..
حرفان يا بغداد،
تبادلا وإياك السقف والحيطان، اللذة والجنان،القاهران اغصان القلب وعشبه الموارد، بانعطافته وتودده وتعقله وإصغائه المحير،،ينبوعان إن شفا، قرف الندم وابتلت الرتابة وماجت الهدايا الطيبة..
كان في بغداد..
فاتحو ثغور اليأس وانبهار الذات وانسياق اللحظة
المسعى فيك الرائي والمرئي ،، الجاد والمستجد ،، الهام والملهم ،قصير التشاؤم والحافل بحماقات الدنيا، قطاع الطرق والشعور المظلم ونسق البراءة،، إن صمت القلب البسيط..
ألوذ بك من دمعي وتراقص دواليبي في مغارتك،، احجب الفرحة الفردية واعمم ضخامة الصرخة ورفقتها وتعريفها فمنهم من قضى قلبه ومنهم من اشتهى ائتمان السر..
الوذ بك في إيوائك وشحوبك وازدرائك وتفجر نزوحك يا مضيافة اعترافي واشتغال اشتعالي وسخونتي الهنيئة وماسحة الغبار عن زجاجة روحي ، أساق إليك حيث يجيء الخيال المقسم على الاشواق وما تلاها، بنور الذات وما حباها ..
يا يأسي المرهف، القاك في القدر الهيام يا كوكب المحبين وشتاء الصواعق والنبضات المحرمة: لكل من أبصر الحب وظل عليه وأحسه أبديا،، كفحيح أوردة لم تقهرها شجرة الحديدِ ولكل من طارد اللذة وصاغ ببخار كلماته الشعر الشفوي لحبه الوحيد،، لنغمة الدهشة والحب الجارف،، من في الفصول المتهاوية، يلتحم كل الحق معه ..
كنا.. وكان في بغدا..
وكان.. يا ما كان
حب خليق بحبنا وفراغنا المشفق كما كان وأحسسناه مضرج بالحرية، مدجن بالنيران والولادة الغريبة ..
كان يا أصحاب.. كما كان .. وكما تمنيناه، في أعمق سوء الفهم ودلال الشمس :
الأول والثاني والثالث .. حتى الممات : الحب في بغداد!
*¹*¹*
الشعب الذي لا يحب يموت من البرد. عبارة لم اسمعها كما جاءت، لكني اعدت صياغتها كما فهمتها،، للعراق الذي صدر الحب الى الإنسانية منذ اناشيد سومر الاولى لأنكي وأوتو وأم الحب العراقي انانا حين يقول لها المحبين، مبتدأ بالفلاح انكي:
انت التي جعلت الاشجار الكبيرة تنمو
انت التي جعلت القصب الممشوق يتكاثر
اريد ان اعزق للحصول من اجلك على هذه النبتة
وهذا الراعي دوموزي يدعوها للحب:
ايتها الصبية،
كل ما ترغبين سأقدمه لك يا أنانا .. الحب.
ولأم الحب تعاليمها، وتختصر مشروع الحبيب بالنص:
سيوسع بيتي وسينصب فراشي المخصب
سيغطيه بالقماش الأزرق
سيضع يده في يدي
وقلبه على قلبي
من غيره صنع من اجلي!
سأسهر على بيت - الحياة ومستودعها المديد
سأحفظه لك فقدوموك يبعث الحياة ويحمل الكثرة!
ويجيبها:
يا لصداك العذب
سأجعل نغم المخضة يتردد من أجلك
علني أنقل الفرحة الى قلبك
سأبهج روحك أنانا وأتأوه في حضنك لأتمكن من تمديد حياتي
آه.. أنانا،
عندما يحل الليل
سيدخل القمر بيتن
اكوني عيدا يجعل الوجوه مشرقة
انتجي الحب لي واسكبيه أمامي..
اللقاء الحديدي
الحلوة،، الصافية العينين،، المحصورة بين الجدران الظليلة أحصت أصوات القذائف، ومع كل واحدة تنزل على رحم المدينة كانت أصابعها تتقشر من العض وبشرتها تسيح ألما، وهلعا عليه، وعليه فقطِ فقد كانت تحسب كل القذائف موجهة إليه. وبعد اندمال الحرب واقتراح المسرفات دائسة أنامل البلاد، عانى نصف المحبين في بغداد من فقدان العنوان، نصف المحبين في بغداد كانت تجمعهم الصدفة المخططة: طريق الدراسة،، الكراج المؤدي الى الوظيفة،،الأمتار القليلات المتبقيات الى الوزارة أو حضانة الأطفال أو المستشفى أو الدائرة العقارية ومهجع البلدية.. نصف المحبين في بغداد، تسوقهم أقدامهم الى الحب، فياضا، إن رآها وراء الحجاب المدرك لمآرب الحملقة..نصف القلوب البغدادية تتسلل مع الشمس وتتلاطم مع قرع نواعير المركبات، وذاك يوم انتصار لو جلس قربها في الميكرو باص بإذن من شفقة الأقدار والدعاء الطليق، الصداح، المتلاحق في العيون المستقرة..ما أن يجلس قربها ويمس الدينار في كفها، في خلده وباطنها، العجائب الغائرة في السماء السابعة واكتناف نمرتها الفائرة وخيوله الجامحة.. يجلسان في العلبة الحديدية ويمني نفسه في أن يكثر الشارع من حفره ومطباته، علّ الطسات ترمي جزءا من زفراته نحوها، الساكتة الملمومة الثلمات والشاحبة من سوء التغذية، قمحها متعطش للماء ونفير لمسته المبهمة تعصف حركاتهما، عيون كئيبة كطيور مجروحة توا، لكنهما يدعان نفسيهما موثقة بالحجرة المتحركة حد مسافة الشوق وسياج الشغل الذي بدا واضحا تنزل، فيبلل عينيه ملمح تنورتها التي لم تستبدلها للسنة الثالثة، فيشق أنفه المعرق بديهية العودة مجددا الى ناصية الشارع بانتظار مطلعها حتى مقبل غد عاطل جديد.
اللقاء المؤجل
بعد صمت، قال الشاب: أتمنى أن أرى حبيبتي عندما أريد!
يا لها من أمنية! قبول سماعها يحسن ويصفي أدراج الحديث، لكن هل تعد أمنية، أن يراها.. هل أصبحت رؤية حبيباتنا أمنيةأيها الشاب الشديد الحزن؟! يتأوه: من بداية الحرب وحتى انتهاء الخطر القاطع لم أرها ولم أعرف عنها شيئا.. كيف لي أن أراها؟ لاخيار أمامي سوى تجسيدها وتقريبها ومراوغة ألمي ..هكذا ضاقت الحياة بمحبين وبلغت فورة هيامهم، ولع يسير ذيله وراءهم، تراه في تخبط أقدامهم،، نعم، ظهرللمحبين في بغداد : ذيل!
لقاء النهر
في خشية صبيحة النهر، وشكها: مسطرون من كل زوجين اثنين، لا يأخذهم منظر أنيق، لا يبان منهم غيرظهورهم المقوسة والمهتزة نشوة أو انفعالا من حكاية الخطيب المتمكن الجديد.. مصفوفون على عتبات النهر الإسمنتية المبنية بفعل أوامر رئاسية لتذعن أقدام المارة من الدوس أكثر على أرض القادة المتطرفين مع النه..لم أكن مضطرا للتوقف وإحصاء ألوان رسائلهم للنهر أو العكس، لكن تضاعف الأزواج مع عودتي، في تلك الظهيرة، أسرى السؤال: ألا يشعرون بقيظها وحرها ولهيبها، شمسنا الضالة! قبل تدلي السؤال، انفرج العتاب: أنت تسأل هذا السؤال؟ أنسيت أن الخواطر تفل الحديد، وشعرها المذيب رنات العرق المتصبب على بخار هواك، وجسدها المروي إن تصور مع كلماتها، ضج انبعاثا لطفلك الغامض وجنونك غير المنجز الذي لا يقشعر للزمهرير ولا يلتهب للاحتراق..
أنسيت يا حامل واجبات الهوى وملقن العشاق سهو الاضطرام، أن اللحظة المقذوفة في السعادة، تلك التي تسطع مشيدة، لشهب تعرضها للغصة المقوية، نزول المياه وشلالات الهواء عند ملامستها قزح وداعتك: يا حياتي؟!
هي البوح والغربة، الدموع والإشراقة، الأمطار وتكسرها الواهم، يا من بسارية النهار القائظ بلا مسميات ولا بيانات عسكرية، ننهمر نحو ساقيتنا وجدولهم، لافتراس النهر لصدق الوعد، إذ انطلق من عصفور شفتيها ونافذة صدره الزاخر برماد الحروب، ستدق نحلة الحب رفرافة أجنحتها على قلبينا خمارا لقاع لقائناالمستمر.
لقاء الجسر
لا تفضحهم الأفكار ولا الصور، فكلماتهم تتناسل خارج حدود قوانين المرور وقواعده الدولية، تتراصف سياراتهم على الخط السريع، الذي منع التوقف فيه حتى للمدججين الغرباء..هو أغرب اللقاءات التي اخترعها العشق في الإنسانية على الإطلاق، بإلهام واحد أو اثنين، تحول الجسرالشاهق على ناصية قصور مسؤولين فارين الى كراج للحب!
في هذا المكان، قبل أشهر، لو خففت سرعتك، ربما يضربونك بالكيمياوي المخبأ.. في هذا الزمان، توقف سيارتك لتمعن في امتلاك اليد المسنودة قربك ..في هذا الجسر الغريب، لا تتوقف سيارات العزاب، فهو محطة للعاشقين، وفي كل سيارة اثنان لا يزيدان ولا يقلان، هذه شعائر الجسر الممطوط في قلب الكرخ، وإن مررت بعد عشرين سنة فستقرأ قصاصاتهم وبقاي اكراساتهم، فيها الفيض والألفة، وأرجو أن النمو والنهار المدبر والمحلقين فوق المدينة، المعلنين حبهم فوق رؤوس الأشهاد ومروحيات المحررين الفرحانة بطرافة الحب، إن قرر التغلب على الحرب.
لقاء الأعراس
هي الجزيرة التي حملت في طياتها أرحام عاشقات العاصمة، فيها التوالد والتحابب والتجاذب وانبثاق الدماء الأولى على الأرض الخشنة.. فيها المستقر وأدق تعداد سكاني لأطفال اختنقوا بشعارات المخصيين ،، آن لها، استبطان الجمال واللقاء المتكافئ .. متروكة شاليهاتها وأسقفها وسعفاتها المصطنعة، لمن يرغب في الانتحار حبا، فالجزيرة ظهرت من الماء لتداوي الهيام وتشكل المظنون وتبرهن على أن أعظم ما ستتعلمه في هذه الدنيا،أن تتعلم الحب وأن تحب بالمقابلِ وأن تختفي في لوعتك وأن تحب في كل يوم أكثر فأكثر، مهما تبدلت الفصول، تحب حتى نهايتك المقررة وألا تنتهي أحلامك بالغرزة الأولى للحب وأن تحمل كلفته وثمنه، الحب،حتى نهاية الزمان، وإن هفوة واحدة لا يمكنها إنقاذ الحب حتى لو كان عظيما.
يخترق فدائيو الحب، الأحراش للوصول الى الأعراس، جيشان وإن بدا فاجرا، إلا أنه مفرط بالمجون المنظم لرتابة النصف الآخر البائع لنفسه، الملطخ سجل زيارات الجزيرة المملوء بأختام المحاكم الشرعية المنهوبة ، يدور القمر حول الجزيرة التي فقدت عرسانها، خجل وملئ بالغفران لمن لم يسمع نصيحة حب واحدة.
لقاء الجنود
يحب الغرباء بالعملة الصعبة.. آه.. ما أتعسه من حب! فالمصمم الحاذق للدبابة الاميركية، وضع في قلب اعتباره، بوابة تنحني لتصبح سلما حانيا لكي يغرز الجسد نفسه بسرعة البرق في جوفها.
هكذا يصنع البغاء حضارته في حضرة الحرب، بذنب شعارات المجد وتبرم المدارك للمهنة الأقدمِ مع نشوة الشارع المستلقي على أمان الجنود المتلهفين لسماع دقات قلب وآهة مدلاة بعد انطفاء الوطيس.. وبغريزة من يرنو الى الحضيض، يقترب الخيط من الإبرة، بإشارة أو كلمة مستعادة، تفتح البوابة المقضومة، فتمرق بها بائعة الحب والرضا ودمية أخطائنا كأنها تقول: نحن مخلوقات عالم الرذيلة..لا يمكننا أن نشعر بالحب، فيقول لها القمر: لا.. لا أحب امرأة باعت نفسها وبلا حب كلنا أقزام تمسكنا الرذيلة، تغيب الدبابة عن منظرها بعد إغلاق البوابة بعنف، لتتحول الى طيف شجرة أو بركة خلفها مطر غير منتظر،وبدلا من القذائف، يطن داخلها أوار حب بلل جبهة المدينة بالحمرة وقطرة اليأس النافدة.
اللقاء المستحيل
يبعث المبعوث صورة حبيبته المحلية لأمه وراء المحيط، تجن من هول هذا الجمال وجرأة ابنها الذي نجا من الأسر والقتل، لكنه وقع في الحب.. هكذا فلا يحتمل الحب واسطة ومعجزة، سوى أن نسير في طريقه، صباحا وظلاما، في ليله المتداول وفرحه المقرب وتعبده المفرق.
فطنت الحياة وأرخت سدولها، فلا جداول ولا محيطات ولا مجالس ولا ساسة ولا خطط أو جدول زمني للانسحاب يوقف الحب ويجمد لونه، فهو الصرير في الغابة والوقوف بلا حراك وسط شارع مزدحم واللعنة والنعمة،المجدد، المنتصر، الخالد، ممزق الحجاب والمستجم في الملاك المقموع، ذاكرة الحنان وانعصار التكبر وجامع الثنائيات ومسوي التضادات. بلى، فقد وقع صبيك بالحب في سليلة أنانا مفتتحة الحب، عابرا الأزمنة، آسرا متأسرا من فوحة الإلهام، لكن إن أحببت يا صديقي ، فلا تدع قلبك يبك،، فقط:ألق سلاحك وادفع فاتورة التسوية العاشقة.
*¹*¹*
ليس أحوج من الحب أوقات الحرب والمهلة المستنفدة.. سلطانا وعساه أن يكون كذلك، ملمع صناديق البريد بالأزهار والبصمات المولعة والقلوب المنزلقة من فوهات الظروف، ناقوس الولوج لصدى النداءات ووجهه االصبوح ودكنة تمرغنا وضراعة استغاثتنا وهيأة أحلامنا العارية والناسج خيوط الكلمات والداعي للكتابة والتقلب المضني والراعي دموعنا على المخدات، المكابد، الصابر، عودنا الذابل وإيواننا المزروع برغم التعثر والإحباط تلو الانكسار، ذلك النصل، ما أن تحرك فيك يبقيك فقط على قيد الحياة - الصبا، في أرديتهن وحشدهن المرصع مع التواء المهج.
كان في بغداد
كنا وما كان
حب نابت كملقن أسى وقبض مراع تشاطر ترعرع قلب ضال..
بمرضاتك أيتها الشجرة الطيبة، ننشد حكايات اللقاء والفراق، تلفنا من أصواتنا وتمسكنا متلبسين مع سبق الإصرار بالحب.

السبت، 26 أبريل 2008

السونيتة العراقية







بغداد - د.جمال حسين علي:

ما دام في بغداد رمق، سيسري زفير المدينة عبر شهيق أزقتها النافخة فيها الحياة بمجرى الخطى الحاثة انفصامها عند البوابات المطلية بكحل القرون الماضية ليتوقف نشيدها عند 'جديد حسن باشا'، ذلك الحي الهرم المنحصرة فيه نصف حكايات المدينة وصناع إرثها وتاريخها، فيما شاء الزمان تسميته ونعته، في الأصول والحواس، في المقام الذي لا ينقطع وتلك الأوتار المنسجمة مع خيوط الأحلام.وما دام في بغداد رمق، ستهديكم الطراز الخاص من النغم والنشيد والسماعي الصافي ومضاعفة النوتة الآسرة حيال الكلام الدخيل ومضادات الأشجان وعذابات الليل والنهار، اتفاق فيما بين أوجاعها وهزلها، سيل يهيئ هواء أنقى للرئة وطواف شدو يحيي القمر على أكتاف شناشيلها البائدة ورفاهية الأصدقاء الوحيدة في الانضمام وراء الهيكل العظمي لموسيقى ما عادت تغار منها الشفاه ولا تفور عند التقاطها الدماء ولا تؤجل بمقبلها 'سوالف' العصافيرِستنجلي الغمة ما أن تغرق الأرض بالموسيقى والسحر الموافق على سدادة دقات آلة العجائب، الآثمة حد تحريك الحجر وتهدئة خواطر الملوك المهزومين والأمراء المحاصرين والرؤساء المخلوعين، ستنجلي لأن ما زال في بغداد رمق وشبان يصنعون النغم.التدحرج في بغداد القديمة في ساعات لم تعد تغزل ناسها ولا صيحات الجيران المتبادلة في عز ظهيرة صيفية شاقة، يخلق لحظته المنتقاة في الجادة وشقيقاتها التي لم يسكن فيها غير الباشوات والوزراء واليهود، لذا كان منطقيا أن يسموها 'مدينة الوزراء'، تلك الأحياء من بغداد القديمة التي ينام فيها جمر الأركيلات مع زهور الشرف الخشبية المضيئة بفوانيس الباحات ومتلونة بزجاج تعدى مراحل شبابه منذ دهور. مرتابة تلك الأزقة التي تلطم زاوية منها انحناءات لا تنتهي وتمايل جدران الدور العتيقة للغاية وأصداء أرواح منفوشة وعمال مختلفين وإعلانات لا تعبر بالضرورة عن شيء وبوصات معدودة ناشفة من طفح المجاري وعربات تصل السكون بالسكون لكي يدلك رجل لا يأبه بأي سؤال عن أولئك الذين أطربوا الأمة برمتها، ضئيل لم يحلق لحيته منذ سقوط الملكية، وكأنه في بوابة الردهة التي ما أن تدخلها، حتى ترافقك النغمات التي تنهي ضياعك لتضيق بك السعادة حين تقرأ بفرح لا يلين، أنك هنا وليس في مكان آخر، هنا حيث لا يزال علىقيد الحياة: صناع العود!
الصناع الأمهر
لم يقل أحد منهم بعد حوار يومين متصلين كاملين تخللتهما سهرة عزف مع أشهر العوادين في العراق، بأن الزمن لن يظفر بواحد مثله، ذلك العواد الذي سيتردد اسمه كثيراِسردها مفصلا حكاية العود العراقي، نجم العبيدي احد أشهر العوادين والمصر على ممارسة هذه المهنة التي يقول بثقة كاملة بأن أحدا لا يستطيع منافسة العراقيين فيها. بدأ تاريخ دخول العود في هذا الزقاق ومنه الى كل العراق بفضل علي العجمي وهو تركي خلافا لما يوحي به لقبه (تم تسفير ابنه الى إيران اعتمادا على اسمه وهو الآن عازف شهير في لبنان)ِ كان شبه إجماع لمن حدثونا عن ريادة العجمي لصناعة العود المعاصر في العراقِوفي العشرينات تألق العجمي ونجم الدين والموسيقار الشريف محيي الدين حيدر الذين كانوا أساتذة العواد الأشهر من بينهم على الإطلاق: محمد فاضلِ وجاء من بعده هاشم البغدادي و فوزي منشد في الزبير وجميل جرجيس في الموصل، لقد بقي محمد فاضل في هذا الزقاق حتى وفاته بعام قبل السقوط مستلما أسرار المهنة ودهاليز حياكتها من نجم الدين صانعا نحو 5 آلاف عود في حياته الحافلة بالنجوم وأكبر الموسيقيين في تاريخ الفن العربي. ومحمد فاضل لم يصنع العود فحسب، بل اشتغل في صناعة آلات القانون والسنطور ، لكنه في العود كانالأستاذ الأول، ليستلم ولده فائق الذي يصنع الأعواد في بيته الواقع في حي أور في بغداد، أسرار هذه الصناعة من أبيه الذي كان محمد القصبجي ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش ووديع الصافي ومنير بشير لا يعزفون إلا بالعود الذي يوقع عليه محمد فاضل الذي لا يزال ولده الآخر يمارس المهنة نفسها، لكن في تونس.
شجرة الأسماء
يعتبر أبرز صناعي العود في العراق الآن هشام الهاشم وفؤاد جهاد وأياد صالح منصور (الأسود) والأسطه علي وفوزي منشد وشوقي العواد ونجم العبيدي ونجم عبود وصالح علوان الصالح ونجاح البغدادي لكي يبلغ عدد من يصنعون العود الشرقي الجيد في العراق 15 صانعا محترفا. وزبائنهم من أشهر الفنانين وعازفي العود في العالم العربي كنصير شمة وكاظم الساهر وصباح فخري وعباس جميل واحمد المختار ومحمد عبده وعبادي الجوهر ورضا العبدالله وكريم منصور وعبد المجيد عبدالله و قحطان العطار اضافة الى عدد كبير من العازفين العرب والمحليين. وأغلب صناع العود من المذكورين، لا يبيعون بشكل مباشر من ورشهم، وتتكفل في الغالب معارض ومحلات بيع الآلات الموسيقية وشركات تجارية مهمة عملية 'التسويق' داخل العراق وخارجه.
صندوق العجائب
شرح نجم العبيدي بمشاركة أحمد العبدلي، الطريقة التي يصنعون فيها العود معتبرين أنها مراحل متنوعة ومختلفة تستخدم فيها أنواع نادرة من خشب السيسم الأسود اللون والأبانوس والصندل والزان والرارنج والمهوكني والجاوي والتي تستخدم عادة بتشريحها بشكل قطع لصنع 'الطاسة' وهي ظهر العود المقوس. أما وجه العود فيعد أهم قطعة في هذه الآلة الموسيقية ويؤكد العبيدي أن شهرة محمد فاضل جاءت من الوجه وليس من شيء آخر فهو كان يشتري الطاسة لكي لا يجهد نفسه بها ويعتبر أن صوت العود واختلاف أصوات عودينوعدم تشابه أي منهما مع الآخر يعود الى طريقة صنع الوجه الذي يعتمدون في حفره على خشب 'الجام' وخاصة إذا كان فنلندياِ لكنهم يعثرون عليه الآن بواسطة تفكيك أثاث قديم أو من صناديق الشاي القادمة من الهند ويروضونها بطريقة معينة لكي يخرجوها بالشكل المناسب بإضافة زخارف ونقوش على الوجه. أما 'زند' العود (يده) فيصنع من السيسم الهندي ومجموعة بيت مفاتيح الأوتار فيعملونها بطرق النجارة الدقيقة التي يسمونها 'الجراخة' من خشب الزان لكونه قويا باستخدام آلات نذكرها كما يسمونها: التورنة، الرنده، الطيارة، البالونية وطاولة التسكاة التي يصنعون العود عليها وأصباغ السبيرتو دملوك.
ويشدون حاليا أوتارا عادية في العود، بعد أن كانوا يستخدمون أوتارا خاصة مغلفة بالحرير هي ال'توماستك' النمساوي وال'برمت' الألماني والألمانية ذات الهرم. ولم تصل الى العراق هذه الأنواع من الأوتار منذ الثمانينات، لذلك يصنع لهم أحمد عارف (عازف ناي وصانع قانون) من أسلاك الكهرباء التي بداخلها حرير، فيما الأوتار الحديثة الآن تصنع من النايلون السميك المبطن بالحريرِ ولتجاوز هذا النقص، ضحك العبيدي بمرارة حين أرانا لفافة أسلاك تستخدم لصيد السمك وسكت دون أن يعلق!تتبعنا كل مراحل صناعة العود بشكل مباشر وأمامنا كانوا ينتجون العود من مرحلة صناعة الطاسة والوجه وتثبيت المفاتيح وانتهاء بصناعة الغزال على الوجه لكي تثبت عليه الأوتار وأخيرا يصبغونه بالسبيرتو دملوك بمساعدة أوراق خاصة.وأحجام العود مختلفة حسب نوع قوالبه: الصغير والمتوسط والكبيرِ والعود ذو القالب الكبير يعزف عليه الفنانون الكبار ويحبه الخليجيون.
أسرار الوجه
وعن أسرار وجه العود الذي يعتبرونه روح الصوت وجوهر النغم، يقول العواد صالح علوان الصالح ان السر يكمن في الجسور التي يتكون منها الوجه.فالوجه ليس خشبة واحدة وليس أيضا من النوع نفسه من الخشب وترص الجسور مع بعضها بطريقة خاصة وتلتئم مع بعضها البعض بطريقة تظهر وكأنها خشبة واحدة. ورشة الصالح افتتحت في عام 1922 بالقرب من سوق السراي ووالده من جيل محمد فاضل ويؤكد على أنه صنع العود قبله أوقات سلمان جورج الذين يشكلون مع علي العجمي ثلاثي صناعة العود المعاصر في التاريخ الموسيقي لهذه الآلة.ويؤكد الصالح أن الأعواد الممتازة التي صنعت في العراق كانت بأيادي اليهود لكونهم موسيقيين بارعين، مشيرا الى أن اغلب الموسيقى العراقية التراثية هي نتاج الملحنين من اليهود العراقيين منذ وقت صالح الكويتي وناظم نعيم الذي كان يعزف لناظم الغزالي وغيرهم الكثير جدا.
المحل المدرسة
محلات صناعة العود الخمسة في 'مدينة الوزراء' تعلم العزف أيضا لمن يرغب ويمكنهم ضمان تعلم العود بعشر جلسات خلال شهرِ ويشير صالح علوان الى أن على هذه الأريكة جلس كاظم الساهر وعزيز الرسام وتعلموا هنا وكانوا يأتون ويجلسون هنا يوميا قبل أن يذهبوا الى الإذاعة والكثير من مطربي ومطربات التلفزيون.
التميز العراقي
وعن أحقية الادعاء بأن العراقيين أفضل من يصنع العود في العالم يقول صالح علوان أن هناك إجماعا على هذا الشيء حتى من قبل منافسيناِ ويستطرد في شرح المعادلة: الطاسة - صنعة والزند - علم والصوت سر. موضحا أنهم أخذوا الصنعة أبا عن جد ولم يفرطوا بها ولم يصنعوا أكثر من عود واحد كل عشرة أيام لكي يعتنوا به، خلافا للورش في سوريا ومصر ولبنان وغيرها من الدول التي تصنع 20 عودا في اليوم لأغراض تجارية: 'هناك ستة عوادين في كل ورشة يصنعون الأعواد على السريع، بينما نحن في كل العراق لا نتجاوز عدد الأصابع'ِ يؤكد أن هذا الذي يجعل صوت العود العراقي يتفوق على 'أصواتهم'ِ ولا يعتقد بأن الوتر السادس أو العزف بيد منفردة 'إنجازات علمية'، بل دخلت لتسهيل العزف وتطوير العود لكي يعطيك 'ضربات غربية'.
تجارة الأصوات
المحال المتهالكة القدم والتي يحافظون فيها على صناعة العود تقل يوما بعد آخرِ فالإقبال الكبير شهدوه بعد السقوط بأسابيع وخلال أشهر فقط حيث كان زبائنهم يصلون من العراقيين في الخارج والأجانب وكذلك من العرب الخليجيين الذين يحبون العود العراقي.
غير أن هؤلاء اختفوا مع تصاعد التوتر وغياب الأمن وفقد الصناع أهم زبائنهم، فالعراقيون العاديون لا يفكرون في شراء عود، إلا إذا كانوا يمتهنون العزف والعود في البيوت ليس تقليدا عاما. انحدر سوق العود بغياب الأجانب والعرب والمغتربين في كل الأحوال وأثر ذلك في الأسعار أيضا التي تتراوح الآن من 100 دولار الى ألفين، عدا أعواد الخمسينات والستينات التي تميز بها محمد فاضل والتي يصل سعرها في محلات بيع الآلات الموسيقية من 3 - 5 آلاف دولارِالتلميذ والدرس في ركن من محل العود المظلم نهارا، جلس محمد فريق الذي يدرس العود في أكاديمية الفنون الجميلة والذي يعتز جدا بأستاذه الموسيقار العراقي طارق حسون فريد ليعلم رجلا يكبره كثيرا عزف العود. لم يهمهما الحر ولا أصوات 'جراخة' طاسة العود وتلميعها ولا رائحة الصبغ ولا فلاش الكاميرا، كان الفتى يعلم الرجل حب العود ونسمعه يداري كلماته حين يقول له: حن على العود يحن عليك، احضنه يحضنك، كلمه يكلمك. في مقابلهم عزف أمجد عبد معزوفة بغداد لمنير بشير أجابه محمد فريق بمقام سماعي دشت لسلمان شكر ومن ثم اسمعنا الاثنان معزوفة سولاف لغانم جواد، وبعدها سماعيات لنصير شمة وعصفور الطاير لمنير بشير ولم يسكت العود طوال المساء، بلوغا لما أبدعه سيد مكاوي وعمار الشريعي وجميل بشير وعلي الإمام والشريف محيي الدين حيدر وربما زرياب أو أي عازف سومري مجهول، في ذلك الحي البغدادي القديم الذي لم يسكنه غير الباشوات والوزراء في الجادة المطرزة بكيمياء السماء والمنداة بلمعان صباح جديد سيقبل، تتفطر قلوبنا جدا اشتياقا إليه.
العود والعوادون
ظهر العود في العراق القديم وفي العصر الأكدي تحديدا في الفترة ما بين 2350 - 2150 قبل الميلاد. واستخدم عرب الجاهلية آلة المزهر وهي وترية تشبه العود وجهها من الرق وأبرز عازفيه في هذا الزمان سعيد بن مسجح و وابن جامع وحبابة وسلامة وابن السريحِ واستمر الأخير في عزف العود في صدر الإسلام أيضا. وعزف ابن الحارث في عهد الخلفاء الراشدين. وفي العصر الأموي اشتهر العازف والمغني سائب خاثر مستعملا العود المصنوع من الخشب ووجهه من جلد الماعز وكان الخليفة عبد الملك بن مروان عازفا جيدا وملحنا ومشجعا للموسيقى وكذلك الحال بالنسبة للخليفة الوليد بن يزيدِ وفي العصر العباسي عرف اسحق الموصلي وإبراهيم بن المهدي واسحق الكندي ومنصور زلزل وتميز من بينهم زرياب (ابن الحسن علي بن نافع المهدي العباسي) عازفا وملحنا قبل أن تدفعه غيرة هارون الرشيد الى هربه الى الأندلس وتأسيسه أول معهد لدراسة الموسيقى في تاريخ أوروبا. وفي الأندلس كان قصر الخليفة محمد الثاني يصدح بمائة عود يوميا والخليفة المعتمد كان عازفا ومغنيا وملحنا وكذلك أبن عبيد الله. وكان زرياب أول من أدخل خيوط الحرير في صناعة الأوتار (الرابع والخامس) بينما الأول والثاني والثالث من أمعاء شبل الأسد لكونها تملك أصواتا صافية جهورية أضعاف ما في الحيوانات الأخرى (زرياب أدخل الوتر الخامس أصلا). وعزف على العود علماء أفذاذ مثل الكندي والفارابي وأبن سينا وصفي الدين الأرموي البغدادي واستخدموهفي شرح النظريات الموسيقية، اسمه العربي العود ويعني الخشب، لكنه اشتهر بتسميات أخرى مثل: القرطبة، المعزاف، الموتر، ذو الزير، ذو العتب والكران فيما يسميه الأوروبيون القدامى "لوت".
العازفون الأشهر
لا يشترط بصانع العود الماهر أن يكون عازفا بالدرجة نفسها، فلم يشتهر في العزف أي من صناع العود الذين يؤكدون أنها كالصناعة تماما، فلم ينجب بلد عازفين كالعراقيين واستثنوا تاريخيا من هذا الادعاء فريد الأطرش ورياض السنباطي فقط. وباعتقادهم يعتبر أفضل عازفي العود في تاريخ هذه الآلة هو علي الإمام والفريد جورج الذي طور العود بإضافة الوتر السادس المسمى 'قبادوكا' أو الوتر المثخنِ (الكثيرون يعتبرون أن جميل بشير فعلها قبله). أما الأشهر عالميا فهو منير بشير وكملحن وعازف محمد جواد أموري ومن المعاصرين النشطين الآن نصير شمة وأحمد المختار ومعتز محمد صالح وسالم عبد الكريم وسامي نسيم وعمر بشير وروحي الخماش وخالد محمد علي (كلهم عراقيون)ِ ومن العرب برز اللبناني شربل روحانا والمغربي ادريس المالومي والأردني ايلي خوري والسوري عصام رافع.